ultracheck
الروائي التركي أورهان باموق

يوميات أورهان باموق.. البحث عن ذات ضائعة

5 نوفمبر 2025

وصف أديب نوبل الألماني إلياس كانيتي اليوميّات ذات مرة بأنها "نافذة مُشرّعة إلى الداخل"، أو مونولوج تنطلق به الأنا العليا. وهذا يشير إلى أن كاتب اليوميّات يتحدث إلى ذاتٍ متخيَّلة يستدعيها وقت الكتابة؛ تلك الذات التي تكون بمثابة القرين الذي تلتقي فيه ذاته الحقيقية بذاته المتخيَّلة، والتي يُناجيها ويَبُثّ لها الكثير من أفكاره.

ومن هنا تنبع أهمية اليوميّات، فالفكرة في أصلها كتابة ذاتية محضة، ليست بغرض النشر، وإنما بغرض التسرية والتعزية للذات. ولذا، فإن ما يُنشر منها ـ وهو في الغالب بغير إذن صاحبها ـ يُعدّ بالنسبة لمؤرخي الأدب نافذة مشرعة ينظرون من خلالها إلى داخل الأديب، لمعرفة تطورات حياته، وبالمثل تطورات كتاباته.

اليوميات كطقس

مهمة الكتابة شاقة وعسيرة، تحتاج إلى دُربة وصبرٍ وأناة. فكما يقول همنغواي: "إن الكتابة تبدو سهلة، غير أنها في الواقع أشقّ الأعمال". إن ديمومة الكتابة إلى حدّ أن تصبح عادةً يومية هي إحدى النصائح المتكرّرة التي يوجهها الكُتّاب للراغبين في الكتابة، سواء أكانت بصورة مباشرة أم غير مباشرة، من خلال حديثهم عن طقوسهم أثناء الكتابة.

وهذا ما كان يفعله فلاديمير نابوكوف، وأورهان باموق، وفرانز كافكا الذي كان لديه هاجس الوقت، وسيلفيا بلاث. وهم في ذلك يتفقون مع الكاتب الأميركي دونالد راي بولوك في جعل الكتابة أشبه بالوظيفة، لا مجرد هواية.

وقد رأى بعض الكُتّاب ضرورة المواظبة على كتابة اليوميّات، إذ تكون بمثابة المادة الخام لإنتاج عمل أدبي لاحق، أيًّا كانت طبيعته أو نوعه. يقول تولستوي في يوميّاته: "يجب أن أكتب كل يوم بلا فشل، فليست الجودة ما يهمني بقدر ما يهمّني الالتزام بالروتين". كما أن الكتابة تحتاج إلى خارطةٍ إرشادية تُعبّد المسالك الوعرة، وتقوم الأساليب، وتنقّح الأفكار.

ويرى عبد الرزاق قرنح، الفائز بجائزة نوبل، في حديثه عن روتين الكتابة، أنه ينبغي على الكاتب ـ خصوصًا المبتدئ ـ أن يجعل الكتابة روتينًا يوميًا، قائلًا: "لا تنتظر الإلهام، جاء أم لم يأتِ، فلا بدّ أن تجعل من الكتابة عادةً يومية".

هكذا سلك أورهان باموق درب كبار الكُتّاب، فحرص منذ بداية رحلته الإبداعية على تدوين يوميّاته وذكرياته، وجعل من ذلك طقسًا يوميًّا لا يتخلّى عنه. ويعدّ فعل التدوين عنده تمرينًا أساسيًا على الكتابة، إذ يُنشّط الذاكرة تارة، ويتيح تأمّل الكتابات الجديدة مقارنةً بالقديمة تارةً أخرى. وكان يؤمن بأن على الكاتب أن يكتب ـ على الأقل ـ عشر ساعات يوميًّا، حتى لو اضطرّ في النهاية إلى حذف معظم ما كتب، والإبقاء على بضعة أسطر فقط.

هذه العادة لازمته طويلًا، وحرص على استمرارها بالكتابة، ولو بمجرد تسجيل ملاحظات يومية في دفاتره المميزة التي لا تفارقه أبدًا. ومن هنا، تتكشّف لدى باموق وفرة من النصوص التي تنتمي إلى المذكرات واليوميّات وفتات السيرة الذاتية.

من الكتاب

وقد ضمّن كثيرًا منها في كتاباته النقدية، كما في كتابه "ألوان: قصة ومقالات أخرى"، حيث ينثر الذكريات والمشاهدات التي استلهم منها أعماله الروائية، متحدثًا عن علاقته بوالده، وصداقاته مع كبار الأدباء. ولا يمكن الحديث عن تجربته دون التوقف عند كتابه الشهير "إسطنبول: الذكريات والمدينة"، الذي سرد فيه طفولته، وصلته العميقة بالمكان، وتأثير المدينة في رؤيته الأدبية، وتحوله من الهندسة والرسم إلى الكتابة. وقد صاغ كل ذلك بأسلوبه الآسر الذي يجمع بين السرد الذاتي والتأمل الجمالي.

في معظم حوارات أورهان باموق وكتاباته، يستدعي دائمًا علاقته القديمة بالرسم وحبه العميق للفنون. فمهنة الرسم التي تخلّى عنها استجابةً لنداء الكتابة لم تفارقه حتى بعد شهرته كروائي حائز على جائزة نوبل.

يقول عن علاقته بالرسم: "في عام 2008، ذهبتُ إلى متجر، واشتريتُ حقيبتين كبيرتين مملوءتين بأقلام الرصاص وفُرَش الطلاء، وبدأتُ الرسم في دفاتر صغيرة بخوفٍ وسرور. نعم، الرسّام بداخلي لم يكن ميتًا، لكنه كان خائفًا وخجولًا جدًا. كنتُ أصنع الصور التي التقطتها في دفاتر الملاحظات حتى لا يراها أحد، وكنتُ أشعر بالذنب قليلًا، لأنني كنت أعتقد أن الكلمات غير كافية. إذن، لماذا كنت أكتب؟ هذه الاضطرابات لم تُبطئني، بل كنتُ حريصًا جدًا على الرسم، وكنتُ أرسم في كل مكان من جديد".

هذا الاعتراف العفوي يكشف عن تداخُل الفنون في تجربة باموق الإبداعية، حيث تتجاور الكتابة والرسم بوصفهما طريقتين للتعبير عن الذات، ووسيلتين لاستعادة العالم بعينٍ واحدة، تجمع بين الصورة والكلمة.

الرسم بالكلمات

ظلّت هذه العادة تُلحّ على أورهان باموق كثيرًا، رغم أنه ظنّ ـ متجاسرًا ـ أنه قتل الفنان الذي بداخله وهو في الثانية والعشرين من عمره، استجابةً لنداء الكاتب الذي أراد أن يكونه. وبالفعل، بدأ كتابة الرواية، فكانت باكورته التي قدّمته إلى الجمهور التركي والعالمي رواية "جودت بيك وأبناؤه".

ومع ذلك، بقيت روح الفنان تطلّ منه أحيانًا بطريقة مباشرة، وأحيانًا أخرى بطرق غير مباشرة. فقد حضرت الألوان كعناوين أساسية في عدد من أعماله مثل القلعة البيضاء، والكتاب الأسود، واسمي أحمر، والمرأة ذات الشعر الأحمر.

وفي "اسمي أحمر"، كشف باموق عن ولعه بالفن التشكيلي الإسلامي، وخاصة فن المنمنمات، إذ جعل بطله رسّامًا يعيش في إسطنبول العثمانية، يعبّر من خلاله عن معاناة الفنانين في تلك الحقبة، ممتدًّا بخطٍّ تاريخي يرصد الصراعات الداخلية في الدولة العثمانية. أما في "المرأة ذات الشعر الأحمر"، فقد كان تصميم الغلاف من إنجازه هو شخصيًا، في امتداد واضح لعلاقته بالفن البصري.

ولم يكتفِ في رواية "متحف البراءة" بتتبّع شخصية كمال وأفعاله لإظهار حبّه لفوسون، بل حوّل العمل إلى مشروعٍ واقعيٍّ ملموس؛ إذ أنشأ متحفًا حقيقيًا جمع فيه الأشياء التي احتفظ بها كمال لحبيبته: أحذيتها الصفراء، وأقراطها، وأعقاب السجائر المختلطة بأحمر شفاهها، وغيرها من مقتنياتٍ تبدو للقارئ عابرة، غير أنه جعلها محورًا للأحداث، تكشف عن دلالات العلاقة الإشكالية بين كمال وفوسون.

رغم إعلانه أنه قتل الفنان في داخله، فإن الشواهد تؤكد أن هذا الفنان لم يمت، بل ظلّ يشاطر الكاتب وجوده ويغذّي خياله. وقد تجلّى ذلك بوضوح في كتابه الأخير "الجبال البعيدة والذكريات"، الذي يضم دفاتر يومياته المكتوبة في فترات وأماكن مختلفة.

تتميّز يوميّات باموق عن غيرها من يوميّات الكتّاب الكبار بأنها جاءت مصحوبة برسوماته الخاصة وبخطّ يده، في حالةٍ من التناغم بين الرسم والكتابة، تُجسّد المعنى العميق لمقولة "الرسم بالكلمات". فالرسومات التي يحتويها الكتاب لم تكن مجرّد مناظر طبيعية التقطها في أثناء رحلاته أو إجازاته، بل كانت انعكاسًا لحالته الداخلية، وصدى لعوالمه النفسية العميقة.

من الكتاب

ويقول باموق في أحد مقاطع الكتاب: "إنها ليست المناظر الطبيعية نفسها، بل الصورة التي صنعتُها منها هي ما تُخبرني وتُذكّرني بالعالم في داخلي. ما يهمّ حقًا في وجهة النظر هو هذا الشعور بالأمان. جبهتي مفتوحة، وأنا فارغ، أنا آمن في مكانٍ ما في الطابق العلوي... هذا ما تعنيه. إننا نحبّ المناظر الطبيعية لأن أولئك الذين يسعدهم النظر إلى العالم من تلةٍ عالية هم أناسٌ محميّون، لم يُقتلوا... المنظر يمنحني شعورًا بالحماية، لكنه أيضًا أحد وجوه الذاكرة".

بهذا المزج بين الصورة والكلمة، يؤكّد باموق أن الفن ـ أيًّا كان شكله ـ هو محاولةٌ دائمة لاستعادة الذات، وأن الرسم والكتابة ليسا سوى لغتين تعبّران عن النبع نفسه الكامن في أعماقه.

ربما لو تأملنا مفهوم السعادة الذي ينشده أورهان باموق، لفهمنا سرّ إصراره على تدوين ملاحظاته في دفاتره، وسعيه الدائم إلى الكتابة عبر الرسومات. فهو يربط بين الإبداع والسكينة، ويرى في التفاصيل الصغيرة جوهر الحياة وملاذها. يقول باموق في أحد حواراته: "أن تكون سعيدًا بالتفاصيل الصغيرة، وأن تعمل طوال اليوم دون أن ترى أحدًا ـ تلك هي أعظم سعادة. أثناء كتابة الرواية، يظلّ جزء من عقلي منشغلًا بالأصوات التي تصل إلى طاولتي: تغريد الطيور، وصوت الكلاب، وأحبّ إلى جانب ذلك الضوء الأخضر، والبرتقالي، والأصفر، ولون البحر الذي يُرى من بعيد".

عين رحالة

تتنوّع يوميّات أورهان باموق بين تسجيل أحداثٍ عادية مرّ بها، وتوثيق وقائع سياسية عاشتها تركيا، مثل الانتخابات وحوادث الاغتيال، إضافةً إلى تأملاته في أحداثٍ عالمية أحاطت به. من بين تلك الأحداث تبرز انتفاضة مصر عام 2011، التي أثارت إعجابه الشديد بزخم الجماهير الخارجة إلى الشوارع، وقدرتهم على تغيير النظام دون اللجوء إلى العنف.

يقول باموق في إحدى يومياته إن المشهد أبكاه تأثرًا، وإن حبّه للديمقراطية جعله مفرطًا في التفاؤل، إذ كتب: "حبّ الناس للديمقراطية سيجعلهم سعداء"، قبل أن يتساءل متأملًا: "لكن هل ستحزن إسرائيل إن تحققت الديمقراطية حقًا؟".

ولا تقتصر يوميّاته على رصد الأحداث العامة؛ فهي أيضًا مساحةٌ لبثّ أحلامه وكوابيسه، التي تكشف هوسه بعوالم الكتابة وخططها. يظهر فيها الشاعر "كا"، بطل روايته "ثلج"، كثيرًا في أحلامه، كما تتكرّر فيها الكوابيس التي تراوده وهو وحيد في غرفة الكتابة، في لحظات الأرق والتوتر.

ويستعرض باموق عبر هذه اليوميّات طقوسه الخاصة في الكتابة: فهو يفضّل الكتابة في فترة ما بعد الظهر، ويعاني هوسًا بإعادة صياغة بدايات رواياته مرارًا حتى حدّ السأم. كما يعبّر عن ولعه بالبقاء في البيت لأيام متواصلة، وانشغاله بطهو الطعام، وحبّه للسباحة، واستغراقه في استعادة رواياته السابقة وأبطالها، إلى حدّ محاورتهم في خياله لإدارة الصراعات الداخلية وتوتترات الزمن.

تأتي هذه التفاصيل المتناثرة ـ التي لا ترتبط زمنيًا أو مكانيًا ـ مصحوبةً برسوماتٍ يعبر بها باموق عن حالاته النفسية ومشاعره المضطربة. ورغم أن تلك الرسومات لا ترتبط بالضرورة بما يرويه، إلا أنها تعكس بدقّة ما يعتمل في داخله من حيرةٍ ومعاناة في سبيل الوصول إلى صيرورة العمل الأدبي.

ويمتلك باموق قدرةً لافتة على خلق تفاعلٍ بين الرسم والكلمة، فيجعل من يوميّاته عملًا فنّيًا متكاملًا، يتجاوز الشكل البسيط لليوميّات التقليدية التي تكتفي بسرد الحياة اليومية، لتغدو عنده مرآةً للداخل وتجلّيًا للعلاقة الحية بين الفن والوجود.

تشمل يوميّات أورهان باموق الفترة الممتدة من عام 2009 حتى عام 2021، عام العزلة والانقطاع عن العالم بفعل وباء كورونا. واللافت أن هذه المرحلة شهدت كتابته لروايته "ليالي الطاعون"، التي بدت وكأنها استشرافٌ روائيّ مبكّر للكارثة التي أوقفت الحياة في أنحاء العالم.

يعتمد باموق في هذه اليوميّات خطًا سرديًا مختلفًا عن النمط التقليدي؛ فهي لا تتبع تسلسلًا زمنيًا صارمًا، بل تأتي في هيئة مختارات منتقاة من يوميّات متفرّقة، تجمعها الرؤية الداخلية أكثر مما يجمعها الترتيب الزمني.

وتبدأ اليوميّات فعليًا من عام 2016، بكابوسٍ رآه باموق وصفه قائلًا: "منحدرات شديدة، عشّ طائرٍ ضخم، روحٌ تصعد إلى السماء." ثم يصف حالة الهدوء التي تعتريه بعد أن يعانق زوجته أسلي، في إشارةٍ إلى حبّه الكبير لها، وإلى ما تمنحه له من سكينةٍ وأمان. ويكرّر في مواضع كثيرة من الكتاب هذا الامتنان العاطفي، بل يهدي العمل إليها تأكيدًا لدورها في حياته وإبداعه.

ولا يغفل كذلك الحديث عن علاقته السابقة بصديقته كيران، وعن الانفصال الذي تمّ في عام 2011 أثناء وجوده في الولايات المتحدة. بعد ذلك، تتخذ اليوميّات قفزاتٍ زمنية إلى أعوام 2013 و2012 وغيرها، في حركةٍ سرديةٍ تشبه ما فعله مونتاني في "المقالات"؛ فالقفزات لا تقتصر على تبدّل الأزمنة، بل تمتدّ داخل الزمن الواحد ذاته. فعلى سبيل المثال، أثناء زيارته قصر الحمراء عام 2009 واستماعه إلى المرشد السياحي، تعود به الذاكرة إلى عام 1962، حين زار مع عائلته مدينة بورصا ومسجدها الأخضر.

ومن خلال هذه القفزة الزمانية والمكانية، يستعيد الرابط الخفي بين المكانين ـ الأندلسي والعثماني ـ في جوهرهما الفني، أي الفن الإسلامي الذي يجمع بينهما رغم المسافة والاختلاف. كما يسجّل باموق بعض يوميّاته بعناوين خاصة، مثل "مخاوف المنحدرات"، و"الأحلام في أنقرة 1960"، حيث يستعيد أيام طفولته ولعبه في الشوارع، وذكرياته عن انقلاب 27 أيار/مايو، في مزيجٍ يجمع بين الذاكرة الفردية والوعي التاريخي الذي يشكّل أحد محاور تجربته الأدبية.

يضمّ الكتاب مجموعةً من الأقسام أو اللقطات، يمكن وصفها بأنها محطات من رحلات أورهان باموق إلى بلدانٍ متعددة، مثل الهند ومصر واليونان، فضلًا عن أسفاره من نيويورك إلى إيطاليا، ثم إلى الأندلس حيث زار قصر الحمراء وأُعجب بتفاصيله المعمارية الدقيقة.

وقد عبّر عن رغبته في نقل بعض هذه التفاصيل إلى مشروعه الواقعي "متحف البراءة" في إسطنبول. وفي هذه الفقرات، تتجلّى عين باموق كرحّالة حقيقي، لا يلتقط من الأمكنة إلا ما يثير فضوله الفني ويغذّي خياله السردي. كما تتضمّن اليوميّات إشاراتٍ إلى روايتيه "ليالي الطاعون"، و"غرابة في عقلي"، وإلى علاقته بناشره، وسيرورة الكتابة نفسها، بما فيها من حالاتٍ وتقلّبات، وأفكارٍ تولد من مشاهد يختزنها في ذاكرته ليحوّلها لاحقًا إلى مادةٍ روائية.

ويتوقّف باموق أيضًا عند مرحلة اليأس والإرهاق التي عاشها أثناء العمل على إنشاء متحف البراءة؛ إذ واجه صعوباتٍ في التعامل مع الفنانين والمهندسين المعماريين المشاركين في المشروع، وشعر بأن أسلوبهم في التنفيذ يُبدّد وقته ويُعطّل رؤيته.

وقد بلغ به الأمر حدّ السأم والاختناق، حتى فقد رغبته في النهوض من السرير أو متابعة العمل، في لحظةٍ تكشف جانبًا إنسانيًا هشًّا من شخصية المبدع، حين تتصارع فيه المثالية الفنية مع واقع الإنجاز المرهق.

يستعيد أورهان باموق في يوميّاته الكثير من رحلاته إلى كامبريدج وهارفارد، حيث كان يستمتع بجمال الطبيعة الهادئة هناك، كما يدوّن انطباعاته عن زياراته إلى ميلانو، ولقاءاته مع الكتّاب والصحفيين وإجرائه المقابلات معهم.

ويتذكّر لقاءاته بعددٍ من كبار الأدباء، مثل الكاتبة الألمانية هيرتا مولر الحائزة على جائزة نوبل، والتي وصفها بأنها "امرأة نحيلة، عميقة، وحسّاسة". كما يتقاطع باموق في وجدانه مع ستاندال في حبّه لإيطاليا، وإعجابه بمطاعمها وحياتها النابضة بالفن. ويتحدّث باموق أيضًا عن تأثير الكتّاب الكبار عليه، وعلى رأسهم تولستوي ودوستويفسكي، فيقول إن تولستوي أعظم منه، لأن "لكل جملةٍ من جمله أثرًا عميقًا".

ويعترف بأنه ما زال يحتفظ ببعض الكتب منذ أيام دراسته الأولى ولم يقرأها بعد، رغم أنه قرأ "الحرب والسلام" مرّاتٍ عديدة، ولا يزال يجد فيها مصدر إلهامٍ متجدّد. ومن الذكريات المؤلمة التي يسجّلها تلك التي رافقت فوز الكاتب النمساوي بيتر هاندكه بجائزة نوبل عام 2019، وما أعقبها من تصريحٍ غاضبٍ للرئيس التركي الذي قال: "لقد أعطوها لإرهابي مثل هذا".

ورغم أن الكثيرين أوضحوا له أن الرئيس لم يكن يقصده، إلا أن تصريحاته أثارت موجةً من الجدل، وأصبح باموق محور أسئلة الصحفيين من أنحاء العالم، خصوصًا مع اقتراب موعد عودته إلى تركيا في ديسمبر، بعد إنهائه دروسه في جامعة كولومبيا. وبين القلق والمساءلات، قرّر في النهاية أن يعود، ليواجه بلده وماضيه بشجاعةٍ هادئة تُشبه تمامًا طريقته في الكتابة.

الكاتب في مواجهة إبداعه

يصف أورهان باموق في يوميّاته عاداته أثناء السفر، إذ يحرص على اصطحاب كتبه السابقة معه ليعيد قراءتها قبل النوم، ويتأمل مصائر شخصياته الروائية. ويحكي عن علاقته بروايته "الكتاب الأسود"، التي أعاد قراءة طبعتها الأولى في مدينة مارسا بعد مرور اثني عشر عامًا على نشرها، متسائلًا: "فيما كان يفكر غالب، بطل الرواية، وهو يمشي ليلًا في شوارع إسطنبول؟ المقابر؟ الكتابات على الجدران؟ إن وظيفتي هي تحويل المدينة إلى نص، والنص إلى مدينة".

تأتي اليوميّات هنا تسجيلًا حيًا لمعاناة الكاتب أثناء عملية الخلق الأدبي، إذ يقدّم باموق صورةً واقعية لعذابه الإبداعي وهو يطارد شخصياته ويعيد صياغة الصراعات بينها. يتجلّى ذلك بوضوح أثناء حديثه عن روايته "غرابة في عقلي"، حيث تلاحقه شخصية بطلها مولود وتشغل تفكيره، فيتأمل مصيره وعلاقاته بعمه وأبيه، وملامح حياته الدراسية والاجتماعية.

وخلال الكتابة، يكتشف باموق أن بعض الأحداث لا تتطابق مع الحكايات التي رواها والده في الماضي، فيضطر إلى إعادة النظر في تسلسل الزمن داخل الرواية، وإعادة كتابة أول مائتين وخمسين صفحة منها.

يقضي ساعات طويلة على الطاولة، محدّقًا في البحر، مستغرقًا في التفكير في الرواية، حتى يتمكّن من تحديد التغييرات التي يجب إجراؤها: من بينها تعميق التوتر بين والد مولود وعمه، ومراجعة أفكار الحب والصراع والزمن.

من الكتاب

وفي سياق هذه المراجعة، يعود إلى قراءة تشارلز ديكنز وطريقة كتابته في "أوليفر تويست"، ليستلهم منه قناعته الجديدة: "لا حاجة إلى التخطيط لمزيدٍ من المؤامرات". يبدو باموق هنا وكأنه يتماهى مع شخصياته، حتى ليعلن صراحةً أنه يحب مولود ويسعى إلى حمايته، ويريد أن يجعله شخصيةً محبوبة لدى الجميع ـ وكأن بينه وبينه صلة وجدانية تتجاوز حدود الخيال.

ومع أنّ أورهان باموق توصّل في النهاية إلى الصورة المتكاملة لشخصية مولود وما يجب أن تكون عليه في روايته، إلا أنه لم يهتدِ بعد إلى الطريقة المثلى لكتابتها. يتنقّل باموق في يوميّاته بين التأمل في الشخصية الروائية وبين تفاصيل يومه العادية، فيقفز من التفكير في السرد إلى تسجيل مشاهد حياته اليومية أثناء السفر.

يكتب مثلًا عن شرائه الطعام من متجر نيوتن، حيث اقتنى سمك الماكريل والروبيان، ثم يصف طريق العودة قائلًا: "التربة الحمراء، النخيل الأخضر، حقول الأرز، المقاهي، الأزرق الداكن، الكنائس الكاثوليكية البيضاء، الأطفال في طريقهم إلى المدرسة، أضواء البقالة...".

ومع تبدّل اللحظة الكتابية، يعود باموق إلى هاجسه الدائم: شخصية مولود. فيخاطب نفسه محرضًا: "تحلَّ بالشجاعة، وآمن بغرابة الحكاية... ثق بنفسك يا أورهان، هيا، احلم أكثر، طر بأجنحة!". بعد هذه الانتفاضة الإبداعية القصيرة، يعود إلى واقعه اليومي ليكسر دوامة الخيال. يستيقظ، يُسخّن ماء الشاي، يفتح الأبواب، يطرد الكلاب من الحديقة، يتمشّى بين الأشجار، يصغي إلى نعيق الغربان وزقزقة الطيور، ثم يعود إلى طاولته ليراجع ما كتبه بالأمس. هكذا تتشابك الحياة اليومية مع الفعل الإبداعي في نسيجٍ واحد، فلا فاصل بين الكاتب والإنسان، ولا بين الواقع والخيال.

ويكشف باموق في هذه الفقرة عن تماسٍّ واضح بين شخصيته الحقيقية وصفات بطله مولود؛ فمغامرات الأخير هي في جوهرها صدى لتجارب باموق نفسه خلال دراسته في مدرسة معمار كمال بأنقرة، ثم في ثانوية بهجت كمال شاغلار. إنّ الخيال عنده لا ينفصل عن الذاكرة، بل يتعانق معها جنبًا إلى جنب ليصنع واقعه الأدبي الفريد.

يسجّل أورهان باموق في بعض فقرات يوميّاته أماكن كتابته لأعماله، ويُرفق صورًا للطاولة التي كتب عليها رواياته "متحف البراءة"، و"غرابة في عقلي"، و"ليالي الطاعون". ويشير إلى أنه أنجز الكثير من أعماله في نيويورك وأفري وفي مكتباتٍ أخرى كان يرتادها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وكأنّ المكان جزء من ذاكرة الكتابة نفسها.

في مواضع أخرى، تتحوّل اليوميّات إلى حوارٍ داخلي بين باموق ونفسه؛ إذ يُخاطب ذاته الكاتبة ويحثّها على تجاوز حالة السأم وجمود القلم. فتبدو الذات الراوية هنا وكأنها تنقسم إلى اثنتين: واحدة تُعاني من ثقل الكتابة، وأخرى تُحفّزها على الاستمرار. يقول مخاطبًا نفسه: "هيا يا أورهان، اكتب... الصباح جميل، دعنا نكتب الآن. أنت قوي، أنت قوي!".

وفي مواضع أخرى، تأخذ اليوميّات طابعًا تأمّليًا خالصًا؛ فهي ليست مجرّد وصفٍ للأحداث اليومية، بل تأملات في الواقع الاجتماعي والسياسي المحيط به، وفي الوقت ذاته تأملات في عالمه الإبداعي، وفي طرائق كتابة رواياته، وكأنه يراقب ذاته وهي تخلق النص، فيكتب عن الكتابة نفسها، ويحوّل معاناته إلى حوارٍ جميلٍ مع الصمت.

لا تبدو إسطنبول عند أورهان باموق مدينةً عابرة، بل هي المدينة الأثيرة في حياته وأعماله، حاضرةٌ بقوة في كل ما يكتب، وفي كل ما يرسم. في يوميّاته كما في رواياته، تتجلّى إسطنبول ككائنٍ حيّ يسكنه، ويمتدّ في ذاكرته، وفي دفاتر تدوينه ورسوماته.

تحضر المدينة أينما حلّ: في القاهرة وأثينا وتورنتو ونيويورك والهند وبومباي وغرناطة، وكأنه يبحث عنها في كل المدن، كمن يفتّش عن ظلّه البعيد. وهكذا تقترب نصوص "الجبال البعيدة والذكريات" من نصوص المدن المستعادة التي كتبها كبار الروائيين في الغرب، إذ تحوّلت إسطنبول عند باموق إلى وطنٍ داخلي لا يغادره أينما ارتحل.

ما يكتبه عنها ليس مجرّد وصفٍ للمكان، بل تعبيرٌ عميق عن الشوق والحنين إليها، سواء في لحظات البعد عنها أو أثناء وجوده فيها. فحين يكون في جيهانغير يشتاق إلى منزله في جزر الأمراء، وحين يقيم في الجزر يحنّ إلى إسطنبول من جديد؛ يعيش حالةً من التناقض الجميل بين السعادة والملل، والهروب والاشتياق، تمامًا كما يعيشها الفنّان في علاقته بعالمه الإبداعي.

وفي الختام، تبدو يوميّات "الجبال البعيدة والذكريات" بمثابة واحة سلامٍ نفسي يهتدي فيها باموق إلى ذاته الحقيقية، بعيدًا عن صخب الشهرة وضجيج العالم. هي جزيرته الخاصة التي يصنعها بالكتابة والرسم، يستعيد فيها لحظات الخير والشر، الضيق والسكينة، ويدعونا إلى مشاركته ذلك الصفاء الداخلي الذي وُلد من رحم العزلة والإبداع.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

المزيد من الكاتب

ممدوح النابي

كاتب وناقد

صورة الزعيم.. بين الأدب الرسمي والمخيال الشعبي

هنا بحث في صورة جمال عبد الناصر كما رآها التاريخ الرسمي والأدب والنخب من جهة، وكما صاغها المخيال الشعبي والذاكرة الجمعية من جهة أخرى

من زمن مختلف: سيرة ثلاثة قضاة رفضوا محاكمة الفكرة

ثلاث محطات مضيئة في تاريخ القضاء العربي، لقضاة دافعوا عن حرية الفكر: محمد نور بك في قضية طه حسين، حافظ سابق في قضية خالد محمد خالد، وراجي الراعي في قضية مي زيادة

تاريخ إسطنبول: المدينة التي اشتهاها العالم

يعدُّ نظام الحريم في الدولة العثمانية واحدًا من أهم التمثيلات التي اشتغلت عليها العقلية الغربية ساعية إلى تشويه نساء الشرق

المرأة تحت حكم "ظلم المصطبة".. هل تملك النساء حرية الاختيار؟

من قاسم أمين إلى درية شفيق، ومن هدى شعراوي إلى دراما ظلم المصطبة، تستمر معركة المرأة العربية من أجل أبسط حقوقها: الاختيار

صنع الله إبراهيم.. الروائي كاذب كبير ولو صدق

رجل الروائي صنع الله إبراهيم، بعد أن شكّل حالة استثنائية في الأدب العربي والمصري، خاصة ضمن "جيل الستينيات"، حيث تبنى كتابة صادمة وصادقة

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا