لم تعد قوارب الموت المتجهة شمالًا عبر البحر الأبيض المتوسط تمثّل القصة الوحيدة للهجرة الإفريقية. ففي تحول جيوسياسي وإنساني ملحوظ، بدأت بوصلة المهاجرين الأفارقة تميل شرقًا نحو الخليج العربي، تاركة خلفها الحلم الأوروبي الذي بدأ يتراجع مع تصاعد القيود والضغوط الاقتصادية في القارة العجوز. ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة، بلغ عدد المهاجرين الدوليين حول العالم، سواء أكانوا نظاميين أم غير نظاميين نحو 304 ملايين شخص بحلول منتصف عام 2024، وهو رقم يعكس اتساع الظاهرة على نطاق عالمي.
لكن خلف هذه الأرقام الضخمة تكمن تحوّلات أعمق؛ إذ تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) إلى أن مسار البحر الأحمر وخليج عدن أصبح من أكثر طرق الهجرة نشاطًا في العالم. ففي عام 2024 وحده، تم تسجيل ما يقرب من 446.194 حالة هجرة من شرق إفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية، كان 96% منهم من الإثيوبيين. ورغم المخاطر الهائلة التي أودت بحياة ما لا يقل عن 558 مهاجرًا خلال العام ذاته، يواصل عشرات الآلاف ركوب المجهول، بحثًا عن فرصة عمل أو حياة أفضل.
أوروبا بين أزمات الداخل وتشديد الحدود
شهدت أوروبا خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية عميقة انعكست بشكل مباشر على سياساتها تجاه الهجرة غير الشرعية. فمنذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية في شباط/فبراير 2022، دخلت القارة في واحدة من أعقد أزماتها منذ الحرب العالمية الثانية. فقد أدت الحرب إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة والغذاء، وزيادة معدلات التضخم، وهو ما ألقى بظلاله على الحياة اليومية للمواطن الأوروبي. ومع تفاقم البطالة وتراجع مستويات النمو في عدة دول، بات الرأي العام أكثر رفضًا لفكرة استقبال موجات جديدة من المهاجرين.
في هذا السياق، برزت سياسات أوروبية أكثر تشددًا تجاه الهجرة غير النظامية القادمة من إفريقيا. فبعدما كانت أوروبا لسنوات الوجهة المفضلة لملايين المهاجرين، بدأت صورتها تتغير بشكل ملحوظ. وفق بيانات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، وصل إلى شواطئ أوروبا نحو 330 ألف مهاجر غير نظامي في عام 2022، وهو أعلى رقم منذ عام 2016. غير أن هذه الأعداد بدأت في التراجع بوضوح خلال عامي 2023 و2024 نتيجة تشديد الرقابة على طرق البحر الأبيض المتوسط والبلقان، إضافة إلى تعاون وثيق مع دول شمال وغرب إفريقيا لاعتراض المهاجرين قبل وصولهم.
لكن التشديد لم يتوقف عند منع الدخول فقط، بل تعداه إلى عمليات ترحيل واسعة. فقد أظهرت إحصاءات المفوضية الأوروبية أنه خلال عام 2023 وحده، تم إصدار قرارات ترحيل بحق أكثر من 420 ألف مهاجر غير نظامي، بينما لم يُنفذ فعليًا سوى نصف هذا العدد تقريبًا بسبب عراقيل قانونية أو لوجستية. ومع ذلك، فإن الذين تمت إعادتهم إلى بلدانهم، سواء عبر رحلات طيران أو برًا، واجهوا ظروفًا قاسية، حيث وثقت منظمات حقوقية تعرض كثير منهم لسوء معاملة واحتجاز مطول قبل ترحيلهم.
أثيوبيا تحديدًا كانت في صلب هذه السياسات. ففي أعقاب التزايد الكبير في أعداد مواطنيها بين المهاجرين، وقّع الاتحاد الأوروبي في عام 2023 اتفاق تعاون مع الحكومة الإثيوبية يتيح تسريع إجراءات إعادة المهاجرين غير النظاميين مقابل مساعدات مالية وبرامج دعم تنموي. هذا الاتفاق جاء في إطار توجه أوسع للاتحاد لعقد "صفقات" مشابهة مع دول المصدر والعبور، مثل تونس وليبيا ومالي.
ترافق ذلك مع تصاعد الخطاب السياسي الأوروبي الذي يربط بين الهجرة غير النظامية وتهديد الأمن القومي أو العبء الاقتصادي. أحزاب يمينية وشعبوية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا استثمرت في هذه المخاوف لتعزيز شعبيتها، وضغطت بشدة لسن قوانين أكثر صرامة. ونتيجة لذلك، لم يعد "الحلم الأوروبي" يبدو متاحًا كما كان سابقًا، خاصة للشباب الإفريقي العاطل عن العمل، الذي صار يواجه ليس فقط صعوبة الوصول، بل أيضًا احتمال الترحيل السريع حتى لو نجح في الدخول.
في ظل هذه المعطيات، كان من الطبيعي أن تتغير بوصلة الهجرة الإفريقية، حيث أخذ كثير من المهاجرين يبحثون عن طرق بديلة أقل تكلفة وأكثر واقعية في نظرهم، وهو ما جعل الخليج العربي يبرز كوجهة صاعدة.
شرق إفريقيا.. المصدر الأول
رغم سيطرة إثيوبيا على المشهد العددي، إلا أن الهجرة من كينيا وأوغندا في تزايد مستمر. فهذه الدول، التي تعاني من معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب وتفاوت اقتصادي كبير، أصبحت مصدرًا مهمًا للعمالة غير النظامية المتجهة إلى الخليج. ويُلاحظ أن الكينيين والأوغنديين غالبًا ما يدخلون الخليج عبر قنوات رسمية (عقود عمل في الضيافة والتجزئة، مثل الفنادق والمطاعم والمحلات التجارية)، لكن نسبة معتبرة منهم تنزلق إلى أوضاع غير نظامية بسبب انتهاء العقود أو فقدان الوظائف.
الصوماليون والإريتريون يمثلون أيضًا شريحة من المهاجرين، لكن رحلاتهم تتسم بخطورة أكبر نظرًا لانطلاقها من سواحل غير مستقرة أمنيًا، حيث تسيطر جماعات مسلحة أو شبكات تهريب تستغل المهاجرين ماديًا وجسديًا.
اليمن.. معبر الدم والنار
يظل اليمن المعبر الرئيسي نحو الخليج رغم الحرب المستمرة التي تمزق أوضاعه الداخلية. وفق تقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) في آب/أغسطس 2025، وصل نحو 6.985 مهاجرًا أفريقيًا إلى سواحله، 99% منهم من الإثيوبيين، موزعين على محافظات أبين وشبوة وتعز والمهرة. لكن المرور عبر اليمن لا يقتصر على كونه محطة عبور؛ فهو محفوف بالمخاطر، من النزاع المسلح والاحتجاز لدى الميليشيات، إلى الاستغلال الجنسي والعمل القسري، حيث يقبع كثير من المهاجرين فريسة لشبكات تهريب منظمة تساوم عائلاتهم على دفع فدية مالية مقابل إطلاق سراحهم، مما يجعل رحلة البحث عن "الفرصة" لا تقل مأساوية عن محاولات عبور المتوسط.
تكشف تقارير المنظمة الدولية للهجرة أن عام 2024 شهد مصرع ما لا يقل عن 558 مهاجرًا من شرق إفريقيا أثناء محاولتهم عبور البحر الأحمر، في ست حوادث غرق لقوارب مكتظة ومتهالكة. وفي النصف الأول من 2025، سُجّلت 348 حالة وفاة أو فقدان إضافية، معظمها نتيجة الغرق أو إطلاق النار من المهربين، إضافة إلى اعتداءات وسرقة في مناطق مثل صحراء أوبوك بجيبوتي، واليمن، وشمال الصومال. هذه الأرقام تؤكد أن مسار الخليج لا يقل خطورة عن المتوسط، ويوازيه من حيث الكلفة الإنسانية المروعة.
العبور إلى الخليج
تشير الأرقام إلى أن السعودية هي الوجهة الأساسية لمعظم المهاجرين. ففي كانون الأول/سبتمبر 2024 وحده، أوقفت السلطات السعودية 22.021 شخصًا بتهم تتعلق بانتهاك قوانين الإقامة والعمل، كان 60% منهم إثيوبيين، و39% يمنيين. وفي أيار/مايو 2025، تم ترحيل أكثر من 11.763 شخصًا خلال أسبوع واحد، 62% منهم إثيوبيون. هذه الأرقام تكشف عن التحدي الكبير الذي تواجهه السلطات السعودية في ضبط تدفق المهاجرين، مقابل إصرار المهاجرين على دخول أراضيها بأي ثمن.
في الإمارات، لا تتوفر إحصائيات دقيقة حول المهاجرين غير النظاميين من أفريقيا، لكن تقارير متعددة تؤكد أن سوق العمل هناك يستقطب عمالة كبيرة من دول إفريقية، خاصة في قطاعات الضيافة والأمن. وفي دول مثل الكويت وقطر والبحرين وعُمان، ورغم غياب بيانات رسمية حديثة، إلا أن الواقع يشير إلى وجود أعداد معتبرة من العمال الأفارقة، بعضهم بصفة نظامية وآخرون تحولوا إلى غير نظاميين بعد انتهاء عقودهم.
لماذا الخليج بدلًا من أوروبا؟
التحول شرقًا لا يعكس مجرد اختيار، بل نتيجة عوامل متشابكة، أهمها التكلفة: عبور البحر المتوسط يتطلب آلاف الدولارات، بينما يكلف الوصول إلى اليمن ثم الخليج بضع مئات فقط. الإجراءات الأمنية: أوروبا شددت من سياساتها تجاه الهجرة غير النظامية، خاصة عبر المتوسط. سوق العمل: الخليج يوفر فرصًا أكبر للعمالة غير الماهرة، بعكس أوروبا حيث المنافسة عالية والبطالة مرتفعة. القرب الثقافي والديني: وجود تشابه لغوي وديني يسهل الاندماج النفسي للمهاجرين.
في المقابل، لم تختف الهجرة الإفريقية نحو أوروبا تمامًا، لكنها تراجعت. ففي عامي 2023 و2024، كانت مالي وغينيا من أعلى الدول من حيث خروج المهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا، مع تحوّل طرق الهجرة إلى مسارات جديدة مثل عبور المحيط الأطلسي بدلًا من البحر الأبيض المتوسط التقليدي.
طرق الهجرة غير النظامية
طرق الهجرة إلى الخليج متنوعة: عبور بحري خطير عبر باب المندب وخليج عدن، التسلل البري عبر اليمن وصولًا إلى الحدود السعودية، البقاء غير النظامي بعد دخول قانوني بتأشيرات سياحية أو عقود عمل انتهت صلاحيتها، واستخدام وثائق مزورة أو عقود عبر وسطاء غير مرخصين. وراء الأرقام الجافة تختبئ مآسٍ إنسانية: مهاجرون يبيعون كل ما يملكون لتمويل الرحلة، نساء يتعرضن للاستغلال الجنسي، أطفال يفقدون أهاليهم في عرض البحر. ورغم جهود المنظمة الدولية للهجرة لإعادة بعض المهاجرين إلى بلدانهم، يبقى حجم التدفقات هائلًا والاستجابة الإنسانية محدودة.
السؤال المطروح: هل سيصبح الخليج الوجهة المفضلة نهائيًا للمهاجرين الأفارقة بدلًا من أوروبا؟ المؤشرات الحالية توحي بذلك، لكن مستقبل الظاهرة يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: سياسات الخليج تجاه العمالة غير النظامية، الأوضاع الاقتصادية والسياسية في أفريقيا، واستراتيجيات أوروبا تجاه الهجرة.
الهجرة الإفريقية لم تعد رحلة حلم، بل أصبحت رحلة ضرورة. وبين خيارين، "أحلاهما مر"، وجد المهاجرون أن الخليج أقرب وأرخص وأقل استحالة من أوروبا، رغم ما يحمله الطريق من موت وغرق واستغلال. وفي غياب حلول جذرية للأزمات الأفريقية، ستظل أمواج البحر الأحمر وخليج عدن تحمل كل يوم قصص أمل مكسور وحياة معلقة بين ضفتين.