ارتفعت أصوات آلاف الكتّاب والفنانين والموسيقيين رافضة أن يُختزل الإبداع البشري إلى مادة خام تُعاد صياغتها بلا إذن أو أثر. لم يكن الاعتراض على التقنية، بل على ما تنطوي عليه من تغوّل صامت على الحق، والخيال، والكرامة. في هذا المقال المترجم عن الباييس، لا نقرأ تلك اللحظة كصراع تقني، بل بوصفها معركة على المعنى: بين من يرى في الذكاء الاصطناعي فرصة للهيمنة، ومن يدافع عن حق الإنسان في أن يكون خالقًا، وليس مُدخل بيانات معدوم الحيلة.
ــــــــــــــــ
ما الذي يمكن أن يجمع بين كازوو إيشيغورو، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب، وجوليان مور، التي تُعدُّ واحدةً من بين عددٍ قليلٍ من الممثّلات اللاتي فُزنَ بأهمّ أربع جوائز سينمائية، وبيلي براغ، المغنّي البريطاني الذي دعّم عُمّال المناجم المضربين، وجمعية محترفي الدوبلاج في الأندلس؟ في البداية، قد يبدو أنه لا يوجد ما يربط بينهم. ولكنهم جميعًا وقعوا على بيان مع أكثر من 38,000 شخص آخر يطالبون بحمايةِ حقوقهم من استخدام الذكاء الاصطناعي.
البيان مختصرٌ وواضح: "استخدام الأعمال الإبداعية من دون إذنٍ لتدريب الذكاء الاصطناعي يشكّل تهديدًا كبيرًا وغير عادلٍ لسبل عيش من أبدعوا هذه الأعمال، ولا يجب السماح به". من بين الموقّعين على البيان كتّابٌ مثل تيد تشيانغ، وموسيقيون مثل كيت بوش، وروجر دالتري، وروبرت سميث، بالإضافة إلى العديد من الجمعيات المهنية. جميعهم يعبّرون عن قلقهم من تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على أعمالهم، حيث تقوم هذه الأنظمة باستخدام أعمالهم من دون ذكرهم أو تعويضهم، من أجل خلق نصوصٍ وصورٍ وأغانٍ ورسومات. لكن "الخلق" قد لا يكون الوصف الأدقّ لما يحدث.
أضرار التكنولوجيا
ما تفعله نماذج مثل تطبيقات ChatGPT و DALL·E و Sora، على سبيل المثال، هو الاستفادة من المواد النصية والبصرية والإحصائية والمرئية لإنشاء استجابات وردود استنادًا إلى المعلومات المستخلصة من تلك الأعمال الموجودة مسبقًا. هذه النماذج الثلاثة هي منتجات تم تطويرها بواسطة شركة OpenAI، التي أسّسها إيلون ماسك في عام 2015، والتي استثمرت فيها مايكروسوفت أكثر من 11 مليار دولار خلال خمس سنوات الأخيرة.
كان النقد من قبل العاملين في مجال الثقافة، كما ورد في هذا البيان، سمة بارزة طوال عام 2024. في إسبانيا، في بداية أكتوبر، عبرت العديد من المنظمات التي تمثل المؤلفين والفنانين والعاملين في قطاع الإعلام السمعي البصري، وكذلك الكتّاب والفنانون في مجالات المسرح والرقص، عن استيائهم من افتقارهم للحماية في مواجهة المنافسة غير العادلة و"الانتهاكات" التي ترتكبها الشركات التي تطوّرُ الذكاء الاصطناعي التوليدي.
كما طالبوا الحكومة باتخاذ إجراءات سريعةٍ للحدّ من الأضرار التي تسببت فيها هذه التكنولوجيا. في بيان مشترك، أكد كل من "التحالف السمعي البصري"، و"جمعية المخرجين المسرحيين في إسبانيا"، و"جمعية مترجمي ACE"، و"الاتحاد الفيدرالي لجمعيات الرسامين في إسبانيا"، و"الاتحاد الوطني لجمعيات شركات الرقص والفنانين المحترفين"، و"اتحاد المدققين اللغويين" على الممارسات السيئة التي تمارسها الشركات المطورة لهذه التقنية، كما دعوا الحكومة إلى التدخل لحماية "الحقوق الأساسية لجميع المواطنين بشكل عام، وحقوق المهنيين في القطاعات الفنية والثقافية بشكل خاص".
من بين المطالب التي وردت في البيان كان هناك، من بين أمور أخرى، ضرورة الحصول على إذن مسبق، ودفع تعويضات عن الاستخدام القانوني للأعمال، وسحب "النماذج غير القانونية" للذكاء الاصطناعي من الأسواق، بالإضافة إلى المطالبة بتعويضٍ عن استخدام الأعمال الفنية والأدبية بشكل غير قانوني منذ ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي. كما طالبوا بعدم اعتبار المنتجات التي تُنتج بواسطة هذه النماذج كأعمال إبداعية فكرية، وألا تُحَمى بموجب حقوق المؤلف أو حقوق الملكية الفكرية.
ما هي الحلول التي قدّمتها الحكومة لهذه المطالب؟ في يوم الثلاثاء 10 كانون الأوّل/ ديسمبر، انتهى الموعد الذي حددته وزارة الثقافة لتقديم الملاحظات حول مشروع المرسوم الذي يهدف إلى تنظيم منح تراخيص جماعية موسعة لاستغلال الأعمال والحقوق المحمية بموجب حقوق الملكية الفكرية من أجل تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي للاستخدام العام.
كان من المقرّر أن يُطلب من الكتاب، والرسامين، والفنانين، أو صانعي المحتوى الذين قد تُستخدم أعمالهم في تطوير هذه النماذج، إبداء آرائهم في مشروع مرسوم يهدف إلى تسهيل منح تراخيص جماعية موسعة لاستخدام الأعمال التي تديرها جمعيات إدارة حقوق المؤلّف. بمعنى آخر، يسعى المشروع إلى تسهيل منح جمعية المؤلفين والناشرين الإسبانية (SGAE)، على سبيل المثال، إذنًا لاستغلال الأعمال والخدمات نيابة عن أصحاب الحقوق، حتى إذا لم يوافقوا على ذلك، أي دون الحاجة لموافقة صريحة منهم. وحتى SGAE قد تتمكن من منح إذن لاستخدام أعمال مؤلفين ليسوا أعضاء في الجمعية.
كانت ردودُ الفعل من الأشخاص الذين سيتأثرون بالمشروع، سواءً بشكلٍ فردي أو جماعي، عمومًا سلبية جدًا تجاه هذه المبادرة التنظيمية. الفنان التشكيلي لويس NCT نشر على وسائل التواصل الاجتماعي النص الذي أرسله، حيث عبّر عن رأيه بأن مشروع المرسوم يمثل "موقفًا واضحًا ومؤكدًا في صالح الإبادة الثقافية، وتدمير الوظائف الحالية والمستقبلية، وإضعاف المشهد الثقافي والفني، وأخيرًا تدهور الصحة النفسية لجميع المبدعين".
قدّم تحالف Arte es Ética إلى جانب Segap (اتحاد نقابات العروض والفنون البصرية والسمعية والمطبوعة التابع لـ CGT) اعتراضًا قويًا وحاسمًا ضد هذا المشروع إلى وزارة الثقافة. في الرسالة الموجهة، يطالبون الوزير إرنست أورتاسون بإيقاف المشروع الذي "يستولي على حقوقِ المؤلفين في البلاد ويفكك العقد الاجتماعي القائم". كان التحالفان قد طالبا سابقًا بتشريع "جريء" يُحدث تحولًا جذريًا ويُوقف العمل بنظام الامتناع المسبق (opt-out)، الذي يُلزم الفنانين بطلب سحب أعمالهم بشكل صريح من عملية تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي. بدلًا من ذلك، يقترحون استبداله بنظام الموافقة المسبقة (opt-in)، الذي يمنح الفنانين حرية اختيار ما إذا كانوا يرغبون في إدراج أعمالهم في هذا التطوير التكنولوجي.
حماية الإبداع
شاركت المنظمات التي أصدرت البيان في تشرين الأوّل/ أكتوبر أيضًا في الاستشارة التي نظمتها الوزارة. بالإضافة إلى ذلك، اجتمعت في 17 كانون الأوّل/ ديسمبر مع الوكيلة الثقافية، كارمن بايز، حيث عبّروا لها عن قلقهم بشأن الشكل والمحتوى للتنظيم الجديد الذي يُراد اعتماده. ويعتبر موقفهم تجاه هذا التنظيم نقديًا للغاية.
يعتقدون أن إدخال تراخيص من هذا النوع يتطلب عملية "أكثر تأنّيًا وتفكيرًا، حيث يجب الاستماع إلى جميع المعنيين" وتحليل التأثيرات المحتملة "التي قد تترتّب على تضمين هذه التراخيص في النظام الفني والثقافي".
كما أعربوا عن دهشتهم من أن الوزارة "قد بدأت العمل على إقرار تنظيمات من هذا القبيل لترخيص الاستخدام 'الواسع' للأعمال لصالح الذكاء الاصطناعي، دون معالجة ضرورة أن تتحمّل شركات الذكاء الاصطناعي المسؤولية عن الاستخدام غير القانوني الذي قامت به بالفعل لتدريب وتطوير نماذجها."
علاوة على ذلك، عبّروا عن استغرابهم من إصرار الوزارة على ذكر "الاستخدام الواسع" و"الاستغلال الضخم" للأعمال بشكلٍ متكرّر في نص القانون، وهي مفاهيم تبدو، وفقًا لتلك الجمعيات، "موجهة أكثر لحماية الشركات والإدارات العامة التي تسعى لتنفيذ نماذج للذكاء الاصطناعي، بدلًا من حماية حقوق المؤلفين والفنانين."
تقول مارتا سانشيز-نيفس، رئيسة جمعية مترجمي ACE، إنها متفاجئة من أن "الوزارة التي تدّعي حماية حقوق المؤلّف وحقوق الملكية الفكرية في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي ترغب في تطبيق تراخيص بشكلٍ سريعٍ وفعّال لتسهيل الاستخدام "الواسع" لأعمالنا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، سواءً من قبل الشركات الخاصّة أو الحكومة، دون معالجة أولًا المشكلة الجادة للانتهاك الواسع لحقوقنا من قبل شركات الذكاء الاصطناعي".
أعربت هيئات إدارة الحقوق، مثل AIE و AISGE و DAMA و SEDA و SGAE و VEGAP، عن دعمها القوي لمشروع المرسوم. في رسالة موجهة إلى أرتاسان ومؤرّخة في 19 كانون الأوّل/ ديسمبر، أكّدت هذه الهيئات أن هذه القاعدة القانونية تُبرز أهمية تحقيق توازن بين المستقبل الرقمي وحماية الإبداع وحقوق الذين يكرّسون شغفهم في الثقافة، وهو أمر أساسيٌّ لضمان صحّة واستدامة الديمقراطية. كما أشارت إلى أن هذه القاعدة تُعزّز من مكانة إسبانيا كداعمٍ رئيسي يجمع بين الابتكار التكنولوجي وحماية الملكية الفكرية.
تصريحات وإجراءات من الوزارة
يُعتبر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي كأداةٍ إبداعيةٍ إحدى القضايا التي أعرب إرنست أرتاسان عن اهتمامه بها منذ تولّيه وزارة الثقافة من سلفه ميكيل إيسيتا في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023. في أوّل ظهور له وزيرًا أمام لجنة الثقافة في مجلس النواب بتاريخ 22 كانون الثاني/ يناير، تحدث أرتاسان عن ضرورة حماية حقوق المؤلف كواحدٍ من أكبر التحديات التي يواجهها في ظلّ التطورات التكنولوجية، وخاصّة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي. وأكد الوزير قائلًا: "يجب أن تعمل المؤسسات العامة، بالتعاون مع الهيئات الأوروبية، لضمان ألّا يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتجريد العمال من حقوقهم وجهودهم، بل يجب أن يكون العكس، أي أن يُستخدم كوسيلة لتحسين نوعية حياتنا".
أرتاسان، الذي يُعتبر أوّل وزير للثقافة منذ عام 1982 لم يُعين من قبل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)، أعلن عن عزيمته على أن تتولّى وزارة الثقافة مسؤولية حماية مصالح المبدعين وتعزيز التنوع الثقافي من خلال سلسلة من الإجراءات، منها تحويل الإدارة العامة للملكية الفكرية إلى مكتب للملكية الفكرية بموارد أكبر وصلاحيات أعلى. وقد تم تنفيذ بعض هذه المبادرات على مدار العام.
في 19 شبّاط/ فبراير، أطلقت وزارة الثقافة دليلها العملي لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بهدف أن يكون "أداة للمبدعين والمبدعات والعاملين في القطاع الثقافي، مع احترام الإطار التنظيمي لحقوق الملكية الفكرية". سيكون هذا الدليل معمولًا به في إجراءات الوزارة خلال الأنشطة التي تقوم بها، ويشمل ثلاثة مجالات: تعاقدات الخدمات والأنشطة الإبداعية، الجوائز الوطنية، والتمويلات.
في اليوم نفسه من شبّاط/ فبراير الذي قدم فيه أرتاسان دليل استخدام الذكاء الاصطناعي، وقّع رئيس الوزراء، بيدرو سانشيز، ورئيس شركة مايكروسوفت، براد سميث، اتفاقًا في مقرّ الحكومة في مونكلوا لتعزيز نشر الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة. ستقوم الشركة بزيادة استثماراتها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في إسبانيا أربع مرّات خلال عامي 2024 و2025، لتصل إلى إجمالي 2.1 مليار دولار (حوالي 1.95 مليار يورو)، وهو ما يُعتبر أكبر استثمار لمايكروسوفت منذ 37 عامًا من وجودها في البلاد. وفقًا لهذه الخطة، ستفتتح الشركة منطقة سحابية لمراكز البيانات في مجتمع مدريد، كما تخطط أيضًا لإنشاء مجمع لمراكز البيانات في أراغون.
يشمل اتفاق التعاون بين الحكومة الإسبانية ومايكروسوفت توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، بما في ذلك تدريب الموظفين، وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي المسؤول.
في الـ 27 من شبّاط/ فبراير، وافق مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح إرنست أرتاسان، على مشروع قانون لتأسيس المكتب الإسباني لحقوق المؤلف والحقوق المرتبطة، وأحاله إلى الكورتيس العامة للمعالجة العاجلة. من خلال هذا المشروع، أوضحت الحكومة أنها تضع "أداة جديدة لحماية المبدعين الإسبان في مواجهة التحدّيات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي"، حيث جاءت هذه المبادرة "استجابة للتحديات المتعلقة بحقوق المبدعين في الحصول على مكافآت عن إبداعهم".
سيكون أحد الأهداف الرئيسية للمكتب تحليلُ تأثير الذكاء الاصطناعي على القطاع الثقافي، مما سيُمكّن من مراجعة الإطار القانوني وإجراء التعديلات المطلوبة، كما أوضح المسؤولون في وزارة الثقافة. ومن المثير للاهتمام أن هذا المشروع تم اعتماده سابقًا من قبل مجلس الوزراء في كانون الأول/ ديسمبر 2022 بناءً على اقتراح ميكيل إيسيتا، وكان يحمل أهدافًا مشابهة جدًا. تم الإعلان عن هذا المشروع السابق أيضًا كمشروع عاجل، لكن انتهى به المطاف كأحد المشاريع التي لم تُكتمل مع انتهاء الدورة التشريعية.
جاءت تصريحات إرنست أرتاسان والإجراءات المعتمدة في وقت كانت فيه استخدامات الذكاء الاصطناعي من قبل الإدارات العامة محل انتقاد من قِبل محترفي مجال الرسوم التوضيحية. في 11 شبّاط/ فبراير، سحب وزارة الشباب حملة بمناسبة اليوم الدولي للمرأة والفتاة في العلوم، بعد أن تلقىّ مجموعة من الانتقادات بسبب استخدام صور مُنتَجة عبر الذكاء الاصطناعي في الملصقات.
قبل ذلك بأسابيع، اتفقت العديد من المكتبات في إسبانيا على سحب رواية "uana de Arco" للكاتبة كاثرين جي تشين من واجهاتها، بعدما انتقد الرسام ومؤلّف الرسوم الكوميدية ديفيد لوبيز بعنف رسوم الغلاف، التي كانت مليئةً بالأخطاء نتيجة الاستخدام غير المناسب للذكاء الاصطناعي.
كما ذكر كاب ك. وشت مدوّن صفحة "Qwertynomia"، قامت دار النشر cARTEm بطرح كتاب بعنوان "Tolkien Legendarium: Héroes"، والذي تم تصويره بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد أثار هذا الأمر استنكار عديد من القرّاء والمحترفين في مجال الرسوم التوضيحية، حيث جاء رد بيدرو إيريبارنغاراي، الشريك في المؤسّسة، بتصريح لم يكن مُرضيًا، ممّا زاد من حدّة الجدل بدلًا من تهدئته. وعبّر مجموعة من الكتّاب البارزين في عالم الكوميكس الإسباني، مثل ديفيد روبين وإنريكي كوروميناس، بوضوح عن معارضتهم القوية لقرار الدار.
الخوارزميات، الأباطيل، والفصل من العمل
تبدو الانتقادات الموجهة للذكاء الاصطناعي وتبعاته وكأنها سمة مميزة لعصرنا الحالي، ومن المؤكّد أنها تُعتبر أحد الموضوعات البارزة في الثقافة خلال عام 2024، خاصّة مع التوسع الذي يبدو أنه لا مفرّ منه في استخدامه. في كتابه "صمت!" (Debate، 2024)، المعنون بـ "بيان ضد الضوضاء، القلق، والعجلة"، يلخّص الصحفي بيدرو برافو الوضع من خلال هذه العبارة: "يواصل الذكاء الاصطناعي التطوّر بسرعة كبيرة، رغم أن البعض يعتقد أنه، كما حدث في الثورة الصناعية الأولى، يجلب لنا إمكانية أن نصبح عمالًا أكثر هشاشةً، ومواطنين أكثر ارتباكًا، وأقلّ اطلاعًا، وأشخاصًا قد يكونون أقل ذكاءً واستقلالية".
شاركت الجغرافية والأستاذة في كلية لندن الجامعية، أيونا داتا، بخطابٍ مثيرٍ في دورة بعنوان "الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الاجتماعي؟" (AI4SI)، والتي تُعتبر جزءًا من برنامج الصيف في جامعة إقليم الباسك. تسلط داتا الضوء على مشكلة أساسية تتعلق بمصطلح "الذكاء الاصطناعي"، حيث تؤكّد أن "الذكاء لا يمكن أن يكون صناعيًا". هي ترى أن فعالية الذكاء الاصطناعي تتطلب "مزيدًا من التدخل البشري"، وهو ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا.
في مقابلة مع مجلة "إل سالتو"، أبدت قلقها إزاء كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي بشكل وثيق على حياتنا اليومية. قالت داتا: "لدينا هذه الفكرة السائدة بأن الذكاء الاصطناعي سيسهل حياتنا ويجعلها أبسط، مما يجعلك تنجذب لتقديم المزيد من المعلومات عنه". لكنها حذرت من أننا لا نعلم ماذا سيحدث بتلك المعلومات، ولا كيف يمكن أن تؤثر فعلاً على حياتنا بطرق قد لا نتوقعها.
تقول سارة جافي، الصحفية المتخصّصة في قضايا العمل ومؤلفة كتاب "Trabajar: Un amor correspondido" (كابيتان سوينغ، 2024)، إن معظم تقنيات الذكاء الاصطناعي هي في الواقع "مجرّد هراء". وتضيف أنها تُستخدم لإيجاد "طرق لاستبدال العمل البشري، لأن العمل البشري يتضمن أشياء غير مريحة مثل الإضرابات. هذه التكنولوجيا موجودة لجعل الناس أكثر سهولة في السيطرة عليهم."
تعتبر الصحافة إحدى القطاعات المهنية التي تُشكل فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي تهديدًا حقيقيًا للعمال. في آب/أغسطس، أبرمت مجموعة كوندي ناست اتفاقًا مع OpenAI لترخيص محتوى وسائل الإعلام المملوكة لها، مثل "The New Yorker"، و"Traveler"، و"GQ"، و"Vanity Fair"، و"Wired"، و"Vogue"، لاستخدامه في منتجات الشركة ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك ChatGPT ونموذج SearchGPT التجريبي.
من خلال هذا الاتفاق، تنضمّ كوندي ناست إلى ناشرين آخرين وقعوا أيضًا مع OpenAI، ومن بينهم وكالة Associated Press، وAxel Springer، وThe Atlantic، وDotdash Meredith، وFinancial Times، وLe Monde، وNewsCorp، وPrisa، وTime، وVox Media.
وعلى الجانب الآخر، توجد وسائل إعلام مثل "The New York Times" التي رفعت دعوى قضائية ضد OpenAI ومايكروسوفت، متهمةً إياهما بانتهاك حقوق المؤلف من خلال استخدام محتوى الناشرين لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
في تشرين الأوّل/ أكتوبر، قامت الإذاعة العامة OFF Radio في كراكوف (بولندا) بفصل جميع موظفيها، واستبدلت الصحفيين بآخرين تم إنشاؤهم باستخدام الذكاء الاصطناعي، في خطوة برّرتها كجزءٍ من تجربة تهدف إلى استكشاف كيف ستتطوّر الإذاعة بعد هذه التحولات. على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي تلقتها، تراجعت الإذاعة عن قرارها، ولكن العاملين الذين تم فصلهم لم يتمكنوا من استعادة وظائفهم.
إن تأثير الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل لا يقتصر على تغيير ظروف العمل في مجال الصحافة، بل يمتد أيضًا إلى مسألة المصداقية. يبدو أن تعريف ما هو صحيح أو خاطئ قد وصل إلى مرحلة صعبة التراجع عنها بفضل استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. وفقًا للمحامية البريطانية سوزي أليغري، المتخصّصة في حقوق الإنسان في العصر الرقمي، فإن "الذكاء الاصطناعي التوليدي يُتيح إنشاء المعلومات المضلّلة في دقائق وبشكلٍ مُقنعٍ للغاية. في خريف العام الماضي في المملكة المتحدة، شهدنا حالتين تتعلقان بتسجيلات صوتية لسياسيين من المعارضة، وكانت تلك التسجيلات مزيفة تمامًا".
من وجهة نظر فلسفية، يُشير الباحث ألبرتو فينيغاس، مؤلّف كتاب "شاشات الذاكرة: كيف ولماذا تُغيّر الصور الرقمية نظرتنا للتاريخ" (Clave Intelectual، 2023)، إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا ولا يخلو من التحيّزات، لأنه يعتمد على مواد تم إنتاجها سابقًا. وفي حديثه مع "إل سالتو" في آذار/مارس الماضي، أوضح قائلًا: "برامج الذكاء الاصطناعي التوليدية تعيد إنتاج التصورات السائدة، لأنّها هي الأكثر ظهورًا على الإنترنت".
بهذا المنطلق، تفصح لنا هذه التحديات عن طبيعة العلاقة المعقدة بين التكنولوجيا والثقافة، مما يدعونا للتفكر بعمق حول كيف يمكن أن تشكّل هذه الأدوات مستقبلنا.











