كان "تحسينُ النسل" حُلمًا بشريًّا في معظم العصور. لكنه في العصر الحديث، ومع التقدم العلمي الكبير الذي حمَلهُ من أيقونة الحلم إلى مختبر التجربة، بات محل جدلٍ كبير تُحاصره المحاذير الأخلاقية والمعايير السياسية، خاصةً مع ارتباطه التاريخي بتيارات سياسية باتت منبوذة كالنازية.
لكنّ السير جوليان هكسلي (1887-1975)، أول مدير لمنظمة اليونسكو، حمَل الفكرة ورآها سبيلًا إلى عالم أكثر تطورًا وتناغمًا، ما عرّضه لهجوم كبير من ذوي المرجعيات المحافظة. وفي مقال مترجَم عن ستيفن برناردت رادو، نُبحر إلى أفكار هكسلي وتجربته حول تحسين النسل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما الذي جعل جوليان هكسلي، أول مدير لليونسكو، يؤمن بأن تحسين النسل هو السبيل إلى عالم أكثر تطورًا وتناغمًا؟
في القرن الثامن عشر، شرع بعض المفكرين الأوروبيين في تصوّر عالمٍ أكثر تنويرًا، منسجمٍ مع قوانين الطبيعة. وكان الأمل أن يحلّ النظام التقدّمي الجديد محل النظام الأرستقراطي البائد، تصَوُّرِ مجتمع تُؤسَّس فيه القيم الأخلاقية والاجتماعية على أسس العلم الطبيعي والميكانيكي.
لكن هذا السعي للانسجام مع الطبيعة لم يكن دائمًا سهلًا أو موجبًا. ففي العالم التنويري المرتجى، لا يمكن للعدد البشري أن ينمو بلا قيود. فزيادة الطلب الناجمة عن النمو السكاني ستُفضي حتمًا إلى نضوب الموارد، مما يعيق التقدّم ويدفع بالبشرية إلى الوراء.
ولهذا السبب، طرح الاقتصادي البريطاني توماس مالتوس، في أواخر ذلك القرن، فكرته القاضية بضرورة كبح النمو السكاني. وكما تخضع الأنواع الأخرى لتوازن طبيعي مع بيئتها، فإن علينا نحن أيضًا تحقيق توازن بين ما نستهلكه وما يتوفر من موارد.
غير أن مالتوس حذّر: إن لم ننجح في فرض هذا التوازن بأنفسنا، فإن قوى الطبيعة ستتدخل لتفرضه، سواء عبر الحروب، أو المجاعات، أو الأوبئة. فالتقدّم الإنساني، برأيه، مرهون بحدود صارمة لا ينبغي تجاوزها.
ظهرت أفكار مالتوس في وقت كانت فيه بريطانيا تشهد إعادة تشكيل اجتماعي. فقد تبع التصنيعَ السريعَ والنموَّ الاقتصادي الهائل انفجارٌ سكاني، مما أسفر عن اكتظاظ المدن وتردي ظروف الحياة فيها. فتفاقم الفقر، وازداد الاضطراب الاجتماعي مع انتشار الشغب والإضرابات والاحتجاجات في أنحاء البلاد.
وفي عام 1843، وصف توماس كارليل إنجلترا بأنها "تموت من الهزال"، وهو تعبير يعكس أن البلاد، رغم وفرتها المادية، كانت تعاني من نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، مما يهدد استقرارها.
كان نسيج المجتمع يتفكك، وأصبح الحلم بعالم تنويري طال انتظاره يبدو بعيد المنال.
جاءت إحدى الحلول من العالِم تشارلز داروين، الذي تأثر برؤية مالتوس، حيث قدم نظرية الانتقاء الطبيعي التي تعكس نفس الفكرة: الكائنات الحية لا يمكنها التكاثر بلا حدود، بينما الموارد محدودة. فقِلة الموارد تؤدي إلى زيادة الضغط من أجل البقاء، مما يجعل "الأصلح" فقط هو الذي ينجو. ومع ذلك، ففي سعينا لفهم أنفسنا ككائنات ناجية، فقدنا مكانتنا الخاصة كمخلوقات متميزة.
في عام 1867، شعر الشاعر ماثيو أرنولد بهذا الفقدان عندما وصف الفراغ الروحي الناتج عن التطور قائلًا: "هدير طويل، حزين، ينحسر، كما لو كان محيطًا يتراجع". بالنسبة لأرنولد، كان كون البشر جزءًا من عملية طبيعية عشوائية بلا هدف يعد مصدرًا للألم العميق.
أما بالنسبة لأولئك الذين تأثروا بداروين ومالتوس، فقد كانت المشكلة على النقيض تمامًا: فقد أصبحت المجتمعات البشرية تختلف عن القوانين الطبيعية التي تحكم الكائنات الحية. إذ عمل الطب، والإصلاح الاجتماعي، والأشخاص والمؤسسات الخيرية على تخفيف حدة الصراع من أجل البقاء. لم يعد الأشخاص الأضعف مضطرين للنضال من أجل بقائهم، مما أدى إلى تباطؤ التطور. والأسوأ من ذلك، أن المجتمع والطبيعة بدَوا وكأنهما ينهاران تحت وطأة الأعداد المتزايدة من "الأضعف".
بالنسبة لقريب داروين، فرانسيس جالتون، كان هذا السيناريو كارثيًّا. وكان حل جالتون: يجب على المجتمع البشري أن يتولى عملية التطور بين يديه. في كتابه "العبقرية الوراثية" (1869)، كتب جالتون أن الانحدار الاجتماعي يمكن تغييره علميًّا عن طريق تطبيق قوانين داروين في الانتقاء الطبيعي. فقد زعم أن الفقر وغيره من المشكلات الاجتماعية يمكن التخفيف منها عبر تربية البشر "الموهوبين" بشكل انتقائي، وإبطاء تكاثر الأقل قدرة. وفي عام 1883، أطلق جالتون على رؤيته لإمكانات بشرية جديدة اسم "علم تحسين النسل".
خلال بضعة عقود فقط، بدأ "علم تحسين النسل" الذي وضعه جالتون بعناية في تحويل بعض أسوأ كوابيس البشرية إلى حقيقة. في أوائل القرن العشرين، قام دعاة تحسين النسل في الولايات المتحدة بإجراء عمليات إخصاء قسرية للأشخاص ذوي الإعاقات العقلية، بالإضافة إلى النساء الأمريكيات الأصليات اللاتي اعتُبرن "أدنى". وفي ألمانيا النازية، أدت الأسس العرقية لهذا العلم إلى ما لم يكن يُمكن تصوره: الموت المنظم للملايين. كما قال البروفيسور الألماني في الطب وعضو الحزب النازي يوجين فيشر في عام 1939: "أرفض اليهودية بكل الوسائل المتاحة لي، ودون تردد، من أجل الحفاظ على الموهبة الوراثية لشعبي". بالنسبة لفيشر وغيره من النازيين، كانت "كل الوسائل" تعني الإبادة الجماعية.
مع انكشاف فظائع معسكرات الاعتقال، بدا أولئك الذين حلموا بإمكانات إنسانية مثالية من خلال علم تحسين النسل وكأنهم كانوا موهومين تمامًا. أما جالتون ومن ساروا على نهجه، فقد بدوا في أحسن الأحوال مضلَّلين على نحو كارثي. أعقب الحربَ العالمية الثانية موجةُ انتقاد واسعة لمشروع "النقاء العرقي" النازي، وبدأ كثيرون يرون في تحسين النسل نفسه وجهًا من وجوه الهولوكوست. فلم تُدَنِ النازية فحسب، بل طال الاتهام أيضًا مصطلح "تحسين النسل" ذاته، حتى إنه، كما كتبت المؤرخة الأمريكية نانسي ستيفان في عام 1991، قد "أُزيل تمامًا من قاموس العلم والنقاش العام".
ردًّا على الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، بما في ذلك العواقب المروعة للعلوم العرقية، شرع العالم في بلورة رؤية إنسانية جديدة لمستقبل البشرية. وكان في صميم هذه الرؤية تأسيس منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 1945. ومنذ لحظاتها الأولى، حملت اليونسكو على عاتقها مهمة التصدي للجهل والأحكام المسبقة التي أسهمت في إشعال الحرب العالمية الثانية. وقد سعى مؤسسوها إلى إرساء قيم الروح الأممية والحوار بين الثقافات، في مسعى لإصلاح ما تصدّع من العلاقات الدولية. كانوا يأملون أن تصبح اليونسكو منارة للسلام، والتضامن، وكرامة الإنسان.
غير أن المفارقة الكبرى كانت أن الرجل الذي أُوكلت إليه قيادة هذه المؤسسة الوليدة كان من أنصار تحسين النسل.
وُلد جوليان سوريل هكسلي في لندن عام 1887، وكان الابن الأكبر لجوليا أرنولد، وهي مربية ومثقفة، وليونارد هكسلي، الكاتب المعروف. تنحدر والدته من أسرة أدبية عريقة؛ فقد كانت ابنة شقيق الشاعر الشهير ماثيو أرنولد، أما والده فكان ابن توماس هنري هكسلي، عالم الأحياء البارز، الذي اشتهر بلقب "المدافع المتقدّم عن داروين" و"كبير كهنة نظرية التطور"، لما عُرف به من حماس ودفاع شرس عن نظرية الانتقاء الطبيعي.
نشأ جوليان وشقيقه ألدوس - الذي سيصبح لاحقًا أحد أبرز الروائيين في القرن العشرين بروايته "عالم جديد شجاع" (1932) - في بيت يزدهر فيه حب الأدب والعلم على حد سواء. لكن رغم إرثهم العلمي والثقافي، لم تكن العائلة ميسورة الحال، فشهرة الجد لم تتحول إلى ثروة، بل عاشوا ضمن حدود الطبقة الوسطى، قادرين بالكاد على توظيف مربية لمرافقة الأبناء، فيما كانت كلفة التعليم الجامعي تمثل تحديًا حقيقيًّا. ولهذا، كان الأبوان يوليان أهمية قصوى لحصول أبنائهم على منح دراسية.
وقد نجح جوليان في النهاية بالالتحاق بمدرستي إيتون وأوكسفورد، وهما من أعرق المؤسسات التعليمية في بريطانيا، وهو ما ساهم في ترسيخ قناعة ظل يحملها حتى أواخر حياته، وعبّر عنها صراحة عام 1970: أن الدعم المالي للتعليم يجب أن يُمنح فقط للطلبة الموهوبين. وكما كان الحال مع مالتوس وجالتون، فقد غذّت خلفيته البرجوازية قناعته بأن التوازن بين الطبيعة والتنشئة هو حجر الأساس في تطور الإنسان.
في أكسفورد، حيث درس بين عامي 1906 و1909، اختار جوليان دراسة علم الأحياء، لكن هذا لم يكن قرارًا بسيطًا؛ فبتشجيع من والدته، كان قد فكر جديًا في دراسة الكلاسيكيات. وخلال دراسته في أكسفورد، درس هكسلي على يد عالم الأجنة جينكينسون، الذي كان قد حصل على شهادة في الكلاسيكيات قبل أن يتحول إلى دراسة علم الأحياء. وكان جينكينسون - جزئيًّا - مَن أثر على هكسلي، حيث غرَس فيه شغفًا بأسئلة فلسفية عميقة حول الحياة، مثل كيفية تفسير العقل غير المادي من خلال البيولوجيا المادية، وهل للحياة هدف معين. هذه الأسئلة كانت محور اهتمام هكسلي في كتاباته المبكرة مثل: "الفرد في مملكة الحيوان" (1912) و"مقالات في البيولوجيا" (1923). ساعدت اهتمامات هكسلي الواسعة وموهبته في عرض الأفكار المعقدة على دفعه بعيدًا فكريًّا ومهنيًّا.
من الصعب تحديد متى بدأ اهتمامه بفكرة تحسين الإنسان وراثيًّا. من المرجح أنه تأثر بمعلمه في أكسفورد، جيفري سميث، عالم الحيوان الذي كتب أيضًا عن فكرة تحسين البشرية، كما تأثر بصديقه ألكسندر كار-ساونديرز، الذي كان من دعاة تحسين الإنسان وكتب مؤلفات حول موضوعات مالتوسية وفكرة تحسين الإنسان وراثيًا. ومن المحتمل أيضًا أنه خلال فترة وجود هكسلي في أكسفورد، كان قد استوعب الفكرة الشائعة عن "رجل أكسفورد"، وهو شخص يُفترض أنه متعلم بشكل عميق وذو قدرة جينية استثنائية.
ومع ذلك، كانت فكرة تحسين النسل مجرد واحدة من العديد من الاهتمامات التي شغلت هكسلي في سنواته الأولى. ففي عام 1923، أصبح هكسلي مؤسسًا للمجلة البريطانية لعلم الأحياء التجريبي، ولاحقًا أسس مجموعة فكرية تحت اسم "التخطيط السياسي والاقتصادي"، التي كانت تهدف إلى التنبؤ بالتغيرات الاجتماعية المستقبلية استنادًا إلى العلوم. وفي عام 1935، تولى هكسلي منصب أمين جمعية علم الحيوان في لندن، حيث سعى جاهدًا لجعل علم الأحياء متاحًا للجميع.
بدأت علاقة هكسلي باليونسكو في عام 1944 عندما حضر اجتماعًا لمعهد التعاون الفكري الدولي. كانت هذه الهيئة الاستشارية التابعة لعصبة الأمم على وشك أن تُستبدل بوكالة جديدة تابعة للأمم المتحدة تهتم بالتعليم والثقافة. في ذلك الاجتماع، حضر هكسلي مع آخرين ليطالبوا بإدراج العلم جزءًا من هذه المؤسسة الجديدة، التي كان من المفترض أن تُسمى في البداية "يونكو"، دون حرف "S" في كلمة "العِلم". لم يمض وقت طويل حتى أصبح هكسلي أكثر انخراطًا. وعندما احتاجت المؤسسة إلى استبدال المدير المقترح، اختار السير جون مود، السكرتير الدائم لوزارة التعليم، هكسلي ليحل محله. في عام 1946، أصبح هكسلي أول مدير لليونسكو. كان مود يعتقد أن هكسلي سيكون الاختيار المثالي لهذا المنصب، بفضل تجربته وقدرته على معالجة القضايا الكبرى في الحياة. لكن ما كان يثير التساؤلات هو كيفية توافق أفكار هكسلي حول تحسين النسل مع رؤية اليونسكو لعالم جديد.
اليوم، نميل إلى اعتبار "تحسين النسل" كارثة نازية تتعلق بالتطهير العرقي. لكن بالنسبة لهكسلي، كان التطهير العرقي والانتقاء الطبيعي للإنسان مسألتين مختلفتين. ففي كتابه المشترك "نحن الأوروبيون" (1935)، شن هكسلي حملة ضد العنصرية التي كان يروج لها الفاشيون وغيرهم من القوميين، وبشكل خاص ضد "تحسين النسل النازي". ورغم أنه كان من أنصار تحسين النسل، فإن هكسلي لم يعتبر نفسه يومًا عنصريًّا. فقد أظهرت اكتشافات علم الوراثة والإحصاء له أن هناك اختلافات فردية أكبر داخل المجموعات العرقية نفسها مقارنة بالاختلافات بين المجموعات العرقية.
تُظهر أفكار هكسلي أن تصورنا المعاصر لتحسين النسل يتسم غالبًا بالاختزال والتبسيط. فبحسب المؤرخة الأمريكية ديان بول في كتابها "التحكم في وراثة الإنسان" (1995)، لم يكن تحسين النسل تيارًا واحدًا متجانسًا، بل كان حركة متنوعة ذات أوجه متعددة. ففي بعض الفترات، جرى تطبيق سياسات صارمة مثل الإخصاء القسري، بينما اتّبع مؤيدو تحسين النسل في دول الغرب، في أوقات أخرى، أساليب أقرب إلى ما تنتهجه دول الرعاية الاجتماعية. في الواقع، انخرطت معظم الدول الغربية في أشكال مختلفة من محاولات "التحسين الوراثي". وفي أوروبا تحديدًا، غالبًا ما كانت السياسات المتبعة أقرب إلى أدوات الدولة الاجتماعية منها إلى نهج ألمانيا النازية. فقد استُعيض عن الإخصاء القسري بالاستشارات الوراثية، وعُرضت حوافز مالية على الأزواج الذين يُعتقد أنهم يتمتعون بـ"مؤهلات وراثية جيدة" لتشجيعهم على الإنجاب. في بريطانيا، كان مفهوم تحسين النسل واسع الدلالة ومفتوح التأويل، أما رؤية هكسلي، في إطار اليونسكو، فقد اتسمت بقدر من التعقيد يفوق ما قد يُستشف من النظرة الأولى. وإن أردنا فهم مشروعه الفكري على نحو منصف، فعلينا أن نقاوم الميل التلقائي لربطه مباشرة بفظائع الحقبة النازية.
انبثقت رؤية هكسلي لليونسكو من تصور معيّن للتطور، لم يتشكل بصورة مكتملة منذ البداية، بل تبلور تدريجيًّا بوصفه ثمرة لإرثه العائلي وتجارب شبابه خلال العقد الأول من القرن العشرين، في الوقت الذي كانت فيه الحقبة الفيكتورية تتراجع أمام ملامح عصر جديد. كان ذلك زمنًا حافلًا بالنقاشات الحادة حول مفهومي التقدم والتطور.
كان من بين الشخصيات المحورية التي احتلت موقعًا بارزًا في تلك النقاشات الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر، الذي كان قد طرح، منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، تصورًا يرى أن المجتمعات البشرية ليست إلا امتدادًا طبيعيًا لمسار التطور. ووفقًا لسبنسر، فإن التنافس يشكّل أداة انتقاء تُمكِّن الأفضل من البروز، ومن ثم يدفع عجلة التطور إلى الأمام، غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن الصراع المباشر بين الأفراد هو ما يحدد البقاء. فقد جادل بأن فرص البقاء تزداد في كثير من الأحيان عندما يتعاون الأفراد ضمن مجموعات، لمواجهة منافسين آخرين. ويمكن أن يظهر "الأفضل" من بين هؤلاء، إذا ما تمتع الأفراد المتعاونون بموهبة كافية تجعل من التعاون نفسه عاملًا فعّالًا. ومع ذلك، فإن هذا البعد التعاوني في فلسفة سبنسر لم يحظَ باهتمام كبير من قبل معاصريه، الذين انشغلوا أكثر بجوانب أفكاره التي شددت على المنافسة وصراع البقاء بوصفهما قانونًا طبيعيًّا.
كان لجَدّ جوليان، توماس هنري هكسلي، رأي مغاير تمامًا. فعلى الرغم من صداقته مع الفيلسوف هربرت سبنسر، لم يكن بمقدوره تقبّل تركيز سبنسر المفرط على "صراع البقاء" كأساس يُحتذى به في تنظيم المجتمع البشري. فقد كان توماس يؤمن بأن مظاهر التنافس القاسي في الطبيعة لا ينبغي أن تُشكّل نموذجًا يُحتذى به في سلوك الإنسان. وبعد أن فُجِعَ بوفاة ابنته في ريعان شبابها، راودته الشكوك حول ما إذا كانت الطبيعة فعلًا تنتقي "الأفضل". وقد عبّر عن هذه القناعة بقوة في محاضرة مؤثرة ألقاها في جامعة أوكسفورد عام 1893، صاغها بعناية لتكون ردًا فلسفيًا على طروحات سبنسر، إذ قال فيها:
"دعونا نحسم الأمر نهائيًّا: التقدّم الأخلاقي للمجتمع لا يتحقق عبر محاكاة العمليات الكونية، بما فيها صراع البقاء، ولا من خلال الفرار منها، بل عبر مقاومتها".
فبالنسبة لتوماس، لم يكن المطلوب من الإنسان أن يعيد إنتاج التنافس الوحشي الذي تشهده الطبيعة، بل أن يسمو عليه، إذ رأى أن المجتمع الراقي هو الذي يُلزم أفراده، لا بمجرد احترام بعضهم البعض، بل بمدّ يد العون والمساندة للآخرين.
المشكلة كانت أنه من خلال تقييد عملية الانتقاء الطبيعي في المجتمع البشري، فإن الأداة التي كانت في السابق تقضي على الزيادة السكانية المفرطة ستصبح بلا فاعلية، مما يعرض تقدم البشرية للخطر، ويهدد بإبطائه أو حتى عكس مساره. الأنواع الأخرى كانت تعيش وتموت وفقًا لحدود بيئاتها. أما البشر، فقد بدا أنهم يزدهرون بلا قيود. أصبح بقاؤنا وتكاثرنا، الذي يسّره غياب الانتقاء الطبيعي في المجتمع، تهديدًا لمستقبلنا كنوع بشري.
على الرغم من أن توماس كان يعتقد أن الزيادة السكانية تمثل مشكلة يمكن معالجتها جزئيًّا من خلال المنافسة، فإنه كان مترددًا في اللجوء إلى فكرة تحسين النسل كحَلّ، خشية أن يُوحي ذلك أن الانتقاء الطبيعي قد يُضعف غرائزنا الأخلاقية المتطورة. بدلًا من ذلك، حاول استنفار القيم الإنسانية – من خلال المسؤولية تجاه المجتمع – للحد من التكاثر. ولكن، ما الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه الأخلاق الإنسانية إن لم يكن الكتاب المقدس أو الطبيعة؟ الجواب على هذا السؤال سيأتي في نهاية المطاف من حفيده جوليان.
حلُّ جوليان هكسلي كان يكمن في فهم الطبيعة بشكل مختلف. الطبيعة التي يجب أن تشكل أخلاق وسلوك المجتمع لم تكن بالضرورة قائمة على التنافس، بل كانت قائمة على التعاون، والتنظيم العالي، والانسجام.
كانت هذه الفكرة مستوحاة من كتاب الفيلسوف هنري برجسون "التطور الإبداعي" (1907)، الذي اقترح فيه أن الحياة ليست مجرد تقدم خطي للبقاء والتكيف، بل هي عملية مستمرة وديناميكية. بالنسبة لبرجسون، كان التطور ميلًا نحو تعقيد متزايد، حيث كانت الكائنات الحية تكتسب تدريجيًّا مزيدًا من "الأجزاء" أو تتجمع مع كائنات أخرى لتشكيل كائن حي أكثر تعقيدًا. الأجزاء الموجودة داخل أجسام الطحالب تظل ضئيلة مقارنة بتلك الموجودة في جسم الإنسان، الذي يحتوي على أنظمة وأعضاء ومواد كيميائية عصبية لا حصر لها. بالنسبة لبرجسون، كان الكائن الحي الذي يحتوي على مزيد من الأجزاء يمتلك مجموعة أكبر من الاستراتيجيات للتكيف مع بيئته، مما يجعله أقل محدودية. وكان الكائن البسيط للغاية، القادر فقط على التمثيل الضوئي، يواجه خطر الموت عندما يتحول الضوء. ومع ذلك، فإن مستعمرة من الكائنات البسيطة التي تجتمع معًا كانت تمتلك خيارات أكثر. في المجموعة، يمكن لكائن أن يتخصص في التمثيل الضوئي، وآخر في الحركة، مثلما يعمل العمال بتقسيم المهام. من حيث المبدأ، لا يختلف عن عين الإنسان: بعض الخلايا تتخصص في تعديل العدسة، وبعضها يصبح عضلات العين، وبعضها يصبح الأعصاب البصرية. بالنسبة لبرجسون، كان التعقيد هو عملية تطور الكائنات البسيطة التي تجتمع في نظام عضوي جديد تمامًا، مما يمنحها مزيدًا من المرونة للتكيف مع الظروف المتغيرة.
كان هكسلي يعتقد أن ما ينطبق على الكائنات الحية البسيطة والعين ينطبق أيضًا على الثقافة. في مقال بعنوان "فكرة التقدم" (1917)، كتب أن هذه العملية من التنسيق - زيادة انسجام الأجزاء - كانت اتجاهًا أساسيًّا في التطور. كان يعتقد أن البشرية يمكن أن تتقدم إذا أصبح البشر متكاملين ثقافيًا وبيولوجيًا في مجتمع متناغم، حيث يمكن لكل فرد أن يعيش بخلفيته الثقافية الخاصة وموهبته البيولوجية، طالما أن هذه الخصائص لا تضر بالكل.
كان "التناغم" مفهومًا أساسيًّا بالنسبة لهكسلي. فأثناء خدمته في إيطاليا خلال الحرب العالمية الأولى، تأمل مدى عدم التناغم الذي يسود المجتمعات البشرية. وفي تلك الفترة، سمع عن رابطة الأمم، فاعتبرها بديلًا عظيمًا للقوميات المتطرفة التي تؤدي إلى الحروب. لكن هكسلي كان يريد أن يأخذ هذه الرؤية البديلة للتناغم والاندماج والتقدم البشري إلى أبعد من ذلك. ففي كتابه "الدين بلا وحي" (1927)، جادل هكسلي بأن العلم يمكنه أن يحقق تناغمًا أكبر في المجتمع من خلال تقديم رؤية مشتركة للمستقبل للبشرية، بناءً على ماضينا التطوري المشترك. أطلق على هذا المسعى لاستخدام العلم من أجل تقدم الإنسان "الإنسانية العلمية". وكان هذا المشروع محوريًا في رؤيته لتحسين الجنس البشري داخل منظمة اليونسكو.
في ثلاثينيات القرن الماضي، مع تزايد قوة الحزب النازي في ألمانيا وانتشار مزاعمه حول نقاء العرق، انتقد هكسلي فكرة ما يُسمى بالعرق الآري. في كتابه "نحن الأوروبيون" (1935)، وصف هذه الفكرة بأنها غطاء بيولوجي لأجندة سياسية. أما في بريطانيا، فلم تكن الأمور أفضل؛ حيث كان يُستخدم علم الوراثة في كثير من الأحيان لتعزيز النظام الطبقي والسلطة السياسية. ورغم هذه القضايا، لم يتخلَّ هكسلي عن دعمه لفكرة تحسين الجنس البشري.
كانت رؤية هكسلي تختلف عن تلك التي كان يراها الناس في ألمانيا أو بريطانيا. فقد اقتنع هكسلي بأن تحقيق العدالة في البيئة الاقتصادية والاجتماعية – مثل توزيع الثروات على سبيل المثال – يعزز من قدرة الأشخاص الموهوبين بيولوجيًّا. في ظل الظروف المثالية، يمكن لهؤلاء الأشخاص الأقوياء جسديًا أن يصلوا أخيرًا إلى كامل إمكانياتهم. وقال في محاضرته لعام 1936 في محاضرة غالتون إلى جمعية تحسين النسل: "في نظامنا الاجتماعي، لا يُسمح للغالبية العظمى من الناس أن يعبروا عن كامل قواهم الجسدية أو بنيتهم". بدلًا من ذلك، "يُشجَّع أو يُستَفاد من القدرات العالية الفطرية فقط بشكل غير كافٍ للغاية". واعتقد هكسلي أنه فقط من خلال تنسيق البيئة مع الطبيعة البشرية يمكن للأشخاص الموهوبين حقًا أن يظهروا ويزدهروا. ورأى أن تحسين النسل سيكون أفضل طريقة لتعزيز القدرات العالية، ليس فقط بين الأفراد الأحياء، ولكن عبر مستقبل البشرية كله. ما كان أقل وضوحًا، مع ذلك، هو ما الذي يحدد بالضبط "القدرة العالية"؟ ما الذي يحدد النجاح؟
بعد عام من محاضرته في 1936، أصبح هكسلي نائبًا لرئيس جمعية تحسين النسل في بريطانيا وظل في هذا المنصب حتى عام 1944. وهذا يدل على أنه، رغم الظلال التي كانت تلقيها ألمانيا النازية على مفهوم تحسين النسل، فإن هكسلي استمر في الإيمان بهدف تعزيز الأشخاص "الموهوبين" المتفوقين. بالنسبة لهكسلي، كان النجاح مبنيًا على فكرة التناغم البيولوجي. كما كان يرى، كان التطور يُعبّر عن نفسه من خلال التناغم التدريجي بين الأجزاء.
في بعض الأفراد، كانت مكونات الوراثة – الجينات – أكثر تناغمًا. أما في آخرين، ولأسباب متعددة، كانت هذه المكونات أقل تكاملًا، مما يؤدي إلى الأمراض أو مشكلات أخرى. إن إشارات هكسلي إلى "مجمع الجينات" و"التوازن الجيني" توضح بجلاء أنه كان ينظر إلى الوراثة من منظور التكامل والتناغم. أولئك الذين يمتلكون جينات أكثر تناغمًا يظهرون حينما تكون البيئة الاجتماعية نفسها متناغمة، خالية من التدخلات السياسية، أو الحروب، أو الزيادة السكانية. وبحلول الوقت الذي تم فيه تعيينه مديرًا لليونسكو في عام 1946، كانت هذه الأفكار التطورية قد أصبحت أكثر وضوحًا لديه. وقد شكلت هذه الأفكار الإطار المرجعي لرؤيته حول تحسين النسل داخل الوكالة.
تأسست اليونسكو بهدف تعزيز الأممية وتعميق الشعور بالعالمية بين الأمم. في عام 1946، سارع هكسلي إلى كتابة كتيب يشرح من خلاله الفلسفة الأساسية التي تقوم عليها المؤسسة. وقد حدد ثلاثة أهداف رئيسية لليونسكو. أولاً، متابعة العملية التطورية التي تسعى إلى زيادة التناغم والانسجام بين البشر. ثانيًا، العمل على جعل جميع البيئات متساوية (موازنة البيئات) مما يتيح اكتشاف أولئك الذين يفتقرون إلى القدرات الوراثية اللازمة، والذين لا يستطيعون تحقيق إمكاناتهم الكاملة رغم التساوي في الظروف الاقتصادية والاجتماعية. ثالثًا، تثقيف الناس بشأن التفاوتات الجوهرية بين البشر، والتأكيد على ضرورة تحقيق المساواة في البيئات لضمان التقدم الشامل.
في نص سابق له "الدين من دون وحي" (1927)، دافع هكسلي عن مفهومه لـ"الإنسانية العلمية". ولكن في اليونسكو، دفع بهذه الفكرة إلى أبعد من ذلك. فقد كانت الوكالة الجديدة ستقوم على "الإنسانية العالمية العلمية"، مما يسمح للبشرية بالتقدم من خلال العلم والتحكم في العالم الطبيعي.
كانت رؤية هكسلي لليونسكو قائمة على العمليات البيولوجية – على تزايد التناغم بين الأجزاء – وليست على الأفكار القديمة حول 'المواطنة العالمية' التي طورتها عصبة الأمم بعد تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي. بالنسبة للمدير الجديد، كانت هذه العمليات هي السبيل الذي سيوصل البشرية إلى المرحلة التالية من التطور.
في الكتيب الذي نشره في عام 1946، أعاد هكسلي تصور عملية التطور، مقسمًا إياها إلى ثلاث مراحل متميزة، وهي الفكرة التي استمر في استكشافها بشكل أوسع في كتابه الإنسانية التطورية (1954). كانت المرحلة الأولى غير حيوية، أو ما يُعرف بـ "المرحلة الكونية". هذه المرحلة تضمنت التفاعلات الفيزيائية والكيميائية الأساسية التي أنتجت الكواكب والنجوم والأنظمة الشمسية. أما المرحلة الثانية، فكانت بيولوجية، حيث بدأت المادة غير الحيوية في تنظيم نفسها وتكاثرها بشكل أسرع، مما أدى إلى زيادة التعقيد والتنظيم. مع كل مرحلة، كان إيقاع التغيير يتسارع، إذ إن التنظيم الأكبر منح الكائنات قدرة أكبر على البقاء والتكاثر، مما دفع المنافسين إلى تحسين أنفسهم أو الانقراض. في المرحلة الثالثة والأخيرة، التي سماها هكسلي "المرحلة النفسية الاجتماعية"، بدأ العقل بتنظيم العالم من خلال الثقافة والتقاليد، مما أدى إلى "التطور الثقافي المعتمد على الخبرة المتراكمة" أو "التقاليد المتراكمة". من خلال العقل – عبر اللغة والمفاهيم والثقافة – تسارعت عملية التطور بشكل غير مسبوق. وكما هو الحال مع المادة الحية، كانت الثقافة أيضًا تخضع لعملية تكامل أكبر فأكبر. كما أوضح هكسلي لأحد الصحفيين في عام 1946:
"يجب على الإنسان أن يجد إيمانًا جديدًا في نفسه، والمرتكز الوحيد لهذا الإيمان يكمن في رؤيته للمجتمع العالمي ككل عضوي، حيث تتوازن حقوق وواجبات البشر بشكل متعمد كما هي بين خلايا الجسم.. من خلال العمل المشترك، يجب أن نؤسس بشكل واعٍ لأساس نظام عالمي جديد، كخطوة قادمة في تطورنا البشري".
كان التعاون المتناغم هو الوسيلة لتحقيق هذا الهدف. لكن، كما أظهر القرن العشرون، كانت الحروب والقومية تشكل عوائق مباشرة أمام تكامل ثقافي أكبر. إضافة إلى ذلك، كان هكسلي يعتقد أن زيادة عدد السكان تمثل عقبة أخرى. كما أن التحيزات الطبقية والعرقية أدت إلى توزيع غير عادل للموارد، فإن زيادة عدد السكان ستؤدي إلى نقص هذه الموارد، كما علمنا مالتوس. البيئة التي يتم استغلالها بشكل مفرط ستؤدي إلى صراعات داخلية على ما تبقى من تلك الموارد. وبفضل التقدم الطبي، أصبح الازدياد السكاني يعني أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض وجينات "غير مرغوب فيها" يعيشون لفترة أطول ويتكاثرون أكثر. وفي النهاية، فإن الفائض السكاني لن يؤدي إلا إلى تراجع التناغم. ومن ثم، كان أحد أهداف هكسلي، بصفته مديرًا لليونسكو، هو التحكم في مسألة التكاثر.
في كُتيبه الذي صدر عام 1946، أوكل هكسلي إلى الوكالة مهمة نشر المعرفة العلمية بشأن مخاطر التكاثر المفرط وتشجيع استخدام "وسائل تنظيم النسل" المقترحة. كانت هذه الوسائل تشمل تقديم الاستشارات الوراثية للأفراد، لمساعدتهم في اتخاذ القرار المناسب بشأن إنجاب عدد أقل من الأطفال أو الامتناع عن الإنجاب تمامًا. كان هكسلي يأمل أن تساهم هذه التدخلات في إبطاء الزيادة السكانية وتعليم الناس تقنيات حديثة مثل التلقيح الاصطناعي، والأم البديلة، والحفاظ على "الأمشاج المجمدة". وبهذه الطريقة، يمكن تنسيق التعقيد الجيني للبشرية، مما يسهم في تحقيق تناغم كامل في الحياة.
كان هكسلي يولي اهتمامًا بالغًا للذكاء، إذ كان يرى أن تقدم البشرية في المستقبل سيتحقق عبر تعزيز عدد أكبر من الأفراد ذوي الذكاء الفائق. استنادًا إلى الفكرة القائلة بأن الوالدين الذكيّين أعلى احتمالًا لإنجاب أطفال أذكى، كان هكسلي يعتقد أن متوسط مستوى الذكاء يمكن أن يرتفع إذا وُلد المزيد من الأشخاص ذوي القدرات العقلية الرفيعة. وتذكر هكسلي أن معظم الناس في عصره كان لديهم معدل ذكاء متوسط يبلغ 100، بينما كان "العباقرة" يُسجلون حوالي 160. لكن إذا تم رفع المتوسط إلى 120، على سبيل المثال، فإن عدد الأشخاص ذوي معدل ذكاء 160 قد يرتفع أيضًا، ويصبح احتمال ظهور أفراد ذوي معدل ذكاء 180 أو حتى 200 أمرًا واردًا. كانت هذه الرؤية الوراثية الجينية جزءًا من مفهوم هكسلي للتطور باعتباره عملية من التناغم التدريجي والتقدم المستمر. ولإيجاد عالم متطور ذي ذكاء فائق، كانت "الإنسانية العلمية العالمية" تتطلب تقليص الإنجاب لدى أولئك الأقل في المؤهلات. وكلما ارتفع المتوسط العام للذكاء، كان "عقل العالِم" يصبح أكثر قوة وتطورًا.
إلا أن طروحات هكسلي لم تلبث أن ووجهت بمعارضة فورية. ففي عام 1946، كانت منظمة اليونسكو التي ما تزال في طور التشكّل، تخضع لإشراف لجنة تحضيرية تُعِدّ لإرساء أسسها. وبذلك، نُشر كتيّبه في وقت لم تكن فيه أفكاره قد خضعت لمناقشة رسمية بعد. وما إن تبيّن مضمون ما كان يدعو إليه، حتى قوبلت الوثيقة بالرفض من قبل اللجنة، واعتُبرت تجسيدًا لآراء المدير الشخصية لا لموقف المؤسسة. وفي عالم ما بعد الحرب، لم يكن يسيرًا على الرأي العام أن يتقبّل رؤية هكسلي لعالم إنساني موحّد يقوم على أسس علمية.
في تلك الحقبة، كانت منظمة اليونسكو تتعرض لضغوط متزايدة للحفاظ على المبادئ المسيحية في المنظومة التعليمية. وقد سارع المؤرخ المسيحي البارون سير إرنست باركر، عضو اللجنة، إلى الاحتجاج بشدة على ما رآه، كما يروي هكسلي لاحقًا، تعبيرًا عن "نزعة إلحاد صريحة". كما أثار دعم هكسلي لوسائل تنظيم النسل استياءً واسعًا في أوساط بعض أعضاء اللجنة. ذلك أن عددًا كبيرًا من الدول المُزمع انضمامها إلى اليونسكو كانت لا تزال تدين بالكاثوليكية أو تنتمي إلى تيارات دينية محافظة، فرأت في طروحاته التطورية وترويجه لتنظيم النسل أفكارًا مستفزة تنتهك ثوابتها العقائدية. وفي المقابل، لم يكن هكسلي يُضمر ودًّا يُذكر للمؤسسة الكنسية؛ إذ كتب لاحقًا أن "الاكتظاظ السكاني تفاقم نتيجة معارضة الكنيسة الكاثوليكية لما كانت تصفه بأساليب منع الحمل ‘غير الطبيعية’ – أي المُتعمّدة". وقد اضطر، تحت وطأة هذا الرفض، إلى اعتماد لهجة أكثر حذرًا وأقل وضوحًا. غير أن ما كان يختلج في أعماقه من رؤى لم يكن ليخفى، فقد كان على يقين بأن اليونسكو، عاجلًا أو آجلًا، ستتولى مواجهة مشكلات العالم عبر الدفع العلني والفعّال نحو تنظيم النسل.
تحت قيادته، كانت اليونسكو ستصبح العقل المتطور الذي يقود نظامًا دوليًّا متناغمًا في مواجهة التحيزات، والتعصب القومي، والاكتظاظ السكاني. وكان من المفترض أن تحقق ذلك من خلال تحسين النسل، عبر القضاء على التراكيب الجينية السيئة، ودفع العملية التطورية للأمام من خلال تحسين بيولوجي تدريجي وزيادة التناغم النفسي والاجتماعي. لكن آراء هكسلي لم تتوافق مع رؤية اللجنة لليونسكو. فقد تعرض لانتقادات شديدة من قبل أعضاء الوكالة وآخرين، مما اضطره إلى تبني نهج أقل تطرفًا وأكثر تدرجًا، مع اتخاذ خطوات أصغر وأقل إثارة للجدل.
تعرَّضت فترة تولي هكسلي إدارة اليونسكو للتحدي منذ اللحظة الأولى. فقد واجه رفضًا أمريكيًا جزئيًا بسبب زياراته السابقة إلى الاتحاد السوفيتي مرتين قبل تعيينه، وجرأته في دعوته إلى "التعاون الدولي"، مما جعل المسؤولين الأمريكيين يشمّون في ذلك تهديدًا شيوعيًا. وفي النهاية، صوَّتت الولايات المتحدة لصالح تعيينه، لكن بشرط أن تقتصر فترة خدمته على عامين فقط بدلًا من الستة المعتادة. وخلال تلك الفترة، حاول تعديل بعض جوانب كتاباته حول تحسين النسل، ولكن من الخطأ اعتبار ذلك تراجعًا عن رؤيته الطموحة والعميقة لمستقبل البشرية.
لم يقتصر هكسلي على تعزيز التعليم، ومكافحة الفقر، وتحذير الناس من مخاطر الاكتظاظ السكاني كما فعل مالتوس وجالتون قبله. بالنسبة له، كانت اليونسكو جزءًا من رؤية تطورية أوسع تهدف إلى تعزيز التناغم بين أعضاء المجتمع العالمي ومع الطبيعة نفسها. كان هكسلي يرى عالمًا تسوده التفاعلات الثقافية العالمية، ويُقَام فيه التعاون بين الأمم، ويُنسق فيه العمل على مستوى الكوكب بأسره. تمامًا كما تعمل الخلايا في الجسم بشكل أفضل عندما تكون منسقة بواسطة الدماغ، كان هكسلي يعتقد أن الثقافات العالمية يمكن ربطها وتنظيمها بشكل أكثر تناغمًا من خلال اليونسكو. ولم يكن هذا التنسيق مجرد مشروع مؤقت، بل كان هكسلي على يقين بأن الوقت سيأتي عندما يدرك الناس الأكثر تعليمًا الفوائد العميقة لهذه الأفكار. بالنسبة له، كان تحسين النسل دائمًا موجهًا نحو المستقبل. وبعد محاضرة له أمام جمعية تحسين النسل في عام 1936، نشرت مجلة "نيتشر" تقييمًا قالت فيه إن آراءه حول تحسين النسل "مقدَّر لها أن تصبح جزءًا من عقيدة المستقبل، أو من أي مجموعة من المعتقدات التي قد تحل محل الأديان التقليدية في ذلك الوقت".
سيكون من الخطأ أيضًا أن نعتبر آراء هكسلي قد أصبحت متجاوزة لعصرنا. فاليونسكو ما تزال تسعى، حتى اليوم، لتحقيق العدالة البيئية من خلال معالجة قضايا الفقر والتعليم. وفي العديد من بقاع العالم، ما تزال بعض جوانب رؤيته لتحسين النسل قائمة على أرض الواقع. لا تزال التشخيصات الجنينية تُجرى، وعندما يُكتشف جنين "غير سليم" أو "مُشوَّه"، قد يلجأ البعض إلى إجراء الإجهاض القانوني. كما أن التخصيب الصناعي، الذي كان حلمًا يراوده، أصبح اليوم يُمَكِّن البعض من اختيار الحيوانات المنوية والبويضات والأجنة التي من المرجح أن تُنتج أطفالًا متفوقين جينيًا. قد نشعر بالتردد عند الحديث عن تحسين النسل، أو قد نعتبر هكسلي ساذجًا في رؤيته للإنسانية العلمية العالمية. ومع ذلك، نجد أن العديد منا يتخذ قرارات تتعلق بالجينات أو الإنجاب كان من المحتمل أن يتفق معها هكسلي.
كما أدرك المؤرخون، أصبح "تحسين النسل" اليوم يتم في الغالب من خلال اختيارات فردية، بدلًا من أن يتم توجيهه بواسطة عقل مركزي. لهذا السبب، لا يعتبر معظمنا اختياراتنا الشخصية جزءًا من مسار تطوري يسعى إلى تحقيق التناغم بين البشرية، ذلك المسار الذي كان في وقت من الأوقات قد تم تخطيطه بعناية من قبل أول مدير لليونسكو.