أتابع هنا نقل ترجمة لفصول كتيب عنوانه "Stand Out of Our Light" للباحث الأميركي جيمس وليَمز، وهو في أصله رسالةٌ هدفها لفتُ الانتباه إلى مسألة الانتباه، والدعوة إلى النظر في الكلف الفردية والجماعيّة لتحكّم ما بات يعرف باسم "اقتصادات الانتباه" بتوجّهاتنا واختياراتنا وإراداتنا، وتأثيرها في الأخلاق الفردية والعموميّة، وتوليدها ما يدعوه عزمي بشارة، في محاضرة له عن شبكات التواصل الاجتماعي، ما يدعوه "إنسان المنصّات".
في هذا القسم الفرعيّ من الفصل الأوّل يناقش المؤلّف ظاهرة فرط الوفرة في المعلومات أو بالأحرى فرط تدفّقها، ويجادل، متكئًا على الفكرة التي طرحها في السبعينات هيربرت سايمون، بوجود تناسب عكسيّ بين الوارد المعلوماتيّ وبين الانتباه، وبأنّ شركات التقنية مع ذلك ما تزال تستثمر بتلك النزعة الفطرية لدى البشر في البحث عن المعلومات وتلمّس الأخبار والمحاولة-عبثًا- اكتنازها كلّها. وعبر مثال بسيط، في لعبة "تيتريس"، يشرح المؤلّف فكرته، ليختم القسم أخيرًا بالتنبيه إلى معضلة " ضبط الذات" في البيئة الرقميّة وعنها، باعتبارها أحد التحدّيات الجديدة الأبرز التي يواجهها الإنسان، وهي معضلة يرى أنها ذات تبعات سياسيّة وثقافية ونفسية خطيرة.
هذا الكتيّب أتاحته دار نشر جامعة كامبردج مجانًا تحت رخصة "المشاع الإبداعي"، وأترجم فصوله تباعًا على حلقات عبر منصّة مجلّة "ميغازين". يمكن الاطلاع على القسم السابق عبر هذا الرابط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس سهلًا أن يرى المرء ما يقبع دائمًا أمام عينيه.
أورويل
لما خبّرت أمّي أني سأترك أميركا وأسافر إلى المملكة المتحدّة لدراسة أخلاقيات التقنية في جامعة عمرُها ثلاثة أضعاف عمر بلدي، بادرتني بالسؤال: "ولم تذهبُ إلى مكان عتيق كي تدرس موضوعًا جديدًا؟". والجوابُ من عين السؤال تقريبًا. فعملي في قطاع التقنية لا يعني أنّي أفهم تمامًا كلّ شيء فيه، تمامًا كمن يحاول اكتساب معرفةٍ عن الجبال عبر تسلّقها. فلو أراد المرء تعرّف شكل الجبل، ورسمَ ملامحه، وفهم علاقاته مع محيطه الجغرافي الأوسع، فإنّه بحاجة إلى أن ينأى بنفسه عنه، أن يأخذَ مسافة منه، وينظر إليه من بعيد، من زاوية نظر واضحة. شعرتُ أنّ تفحّص "أجهزة الملاحة" المعلوماتية وأثرها في حياتنا يستدعي هذه النقلة؛ كنت بحاجة إلى اتخاذ المسافة الضرورية- لا المكانية وحسب، بل والزمانيّة والنقديّة- عن قطاع التقنية العاصف والصاخب، ذلك أنّه "بين الصخور لا يمكن للمرء أن يقف أو يفكّر"، كما قال ت. أس إليوت[i]. يحصل بالفعل أحيانًا أنّنا نعجز عن رؤية ما يكون أمام أعيننا إلا حين نبتعد عنه، ذلك أن شدّة القرب حجاب.
ثم وجدت أنّ رغبتي في النزول عن جبل التقنية والوقوف على مسافة منه، ستساعد، أو لعلّها بالأحرى تكون جزءًا من مسعىً أوسع لاتخاذ مسافة كافية بعيدًا عن مختلف "البداهات" الراسخة حول عصر المعلومات ومختلف تقنياته. وعلى سيرة العصور وأسمائها، هل فكّرنا يومًا بمن كان وراء تسمية "العصر البرونزي" أو "العصر الحديدي" أو غيرها؟ لا أعتقد أن أحدًا من أهل تلك العصور مسؤولٌ عن ذلك، ويحلو لي أن أتخيّل أحيانًا أنّهم كانوا ليطلقوا أسماء أخرى على عصورهم التي عاشوها، قريبة من الافتراضات التي سادت حول شكل الحياة آنذاك، والتي ربما ظنّوها خالدة ولن تتغير أبدًا. أتعجّب، بل قل أنزعج، من أن جماعة من الناس قرّروا في لحظة انتشاء وتفاؤل في العقود الماضية، أن يصفوا عصرنا بأنّه "عصر المعلومات". إنّ المعلومات هي المياه التي بها نسبح؛ وهي المادة الخام التي نرى أن تجربتنا البشرية قائمة فيها ومنسوجة منها. ولعل الاستعارة التي تتلبّس الإنسان اليوم هي استعارة "الحاسوب"؛ ولقد بتنا نحن البشر نفسّر التحديات التي تعرض لنا في عالمنا ونتعاطى منها بمقاربات لا تكاد تنفصل عن المعلومات وإدارتها.
هذا هو الخطاب السائد، عمومًا، عن التقنيات الرقمية: ثمّة افتراض بأنّ ما يخضع للإدارة والتوجيه والتحكّم هو "المعلومات". مثلًا، وقبَيل الشروع بكتابة هذه الفقرة، دخلت عليّ زوجتي وقالت لي: "سمعت قبل قليل في الراديو أن الإنترنت "قناة ناقلةٌ للمعلومات المضللة". والحقّ أنّنا نطالع مثل هذه التعليقات يوميًا، في الراديو وفي الصحف وفي أحاديث الناس. هنالك نزعةٌ جارفة لتأطير القضايا ذات الصلة بالتقنيات الرقميّة ضمن منطق المعلومات، وهو ما يعني أن التفكير في المسائل السياسية والأخلاقية التي يتركّز القلق حولها في معظم الأحيان سيظل دائرًا في فلك إدارة المعلومات: الخصوصية، الأمن، المراقبة، وما إلى ذلك.
وهذا الأمر مفهوم إلى حدّ بعيد. فالإنسان عبر تاريخه عاش في بيئات السائدُ فيها هو شحّ المعلومات المتاحة لا وفرتها. ولقد اعتمدت تقنيات المعلومات على استدعاء تلك الصورة، لادّعاء أنّ هدفها هو إزالة كلّ ما يحول بين البشر والمعلومات. ولأنّ المعلومات كانت شحيحة تاريخيًا، فإنّ أيّ مدخلٍ إليها اعتُبرَ فتحًا جديدًا في حياتنا لا يستحقّ إلا الترحيب والإشادة، وكان الافتراض المرافق هو أنّ لدى الإنسان سعةً وافرة لاستيعاب حجومٍ كبيرة منها، لتساعده في تشكيل صورته العامة عن العالم الذي فيه يعيش ويعمل. ثمة افتراض غائر العمق في أذهاننا يحسب أنّ كلّ زيادة في المعلومات هي أمرٌ حسن، ولمّا هلّت علينا الحوسبة الرقمية، تلاشت- كما يحلو لنا أن نتصّور- كلّ الحواجز والسدود التي تحول دون وصول المعلومات إلينا، وعلى مستوى لم تعرفه البشريّة من قبل أبدًا.
لكنّ العالم الأميركيّ المرموق هيربرت سايمون[1] التقطَ مبكّرًا حقيقة ما يحصل، وذلك منذ مطلع السبعينات، حين راحت تتضاعف الوفرة في المعلومات، على حساب حاسّة الانتباه التي بدأت بالتراجع، فقال: إنّ الوفرة اللامحدودة في المعلومات تعني شحًّا في شيء آخر: أي محدودية ما تستهلكه تلك المعلومات، وما تستهلكه المعلومات معروف: إنه انتباه جماعة المتلقين. هكذا تصبح الوفرة في المعلومات سببًا في فقر الانتباه، وتنشأ إلى ذلك حاجةٌ إلى الإدارة الرشيدة لهذه الحاسّة أمام هذا الطوفان من المعلومات التي قد تلتهمه بدلَ أن يلتهمها.[ii]
ومنذ ذلك الوقت، ومع الانتشار الواسع للأجهزة الحاسوبية الصغيرة وسهلة الاستخدام، تنامى هذا التزايد الطرديّ بين المعلومات والانتباه وصار ظاهرة كونيّة. فلم يعد صعبًا اليوم الوصول إلى أيّ معلومة، أو التواصل مع أي شخص تريد، وكلّ ذلك عبر جهاز صغيرة بحجم باطن الكفّ أو أصغر. لقد غدت هذه القدرة على الوصول الفوري للمعلومات والتواصل السريع مع الناس الأساس الجديد لشكل معيشتنا، والعجيب أنّ هذا التحوّل حصل بسرعة مدهشة، حتّى أنّ "الأدوات" الناقلة للمعلومات، صارت على حين فجأة هي نفسها بيئة المعلومات، أيّ أنّ الأدوات الموصلة للمعلومات تحوّلت بسرعة إلى وسط معلوماتي شامل نعيش داخله باستمرار. وحتى تلك الوسائط التي سبقت العصر الرقمي، كالتلفاز والراديو، خضعت لإعادة تشكيل رقميّة، ولم يعد أمام المستخدم من خيار سوى هذا الواقع الرقمي المشبّك بالإنترنت، وقُدّم له ذلك باعتباره ضمن حزمة "المزايا" التي لا يمكنه الاستغناء عنها. والنتيجة هي أنّ معدّل عدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت (في البيت المتوسط الأمريكي) يبلغ الآن 13 جهازًا على الأقل.[iii]
هذا التناسب الطردي بين حجم المعلومات الهائل ومقدار ما يستنزفه من الانتباه صار حقيقة طامّة في حياتنا، بمعنى أنّنا- وللمفارقة- كثيرًا ما نغفل عنها ولا ننتبه إليها، رغم أنّنا غارقون تمامًا فيها. ولعلّه كانت هنالك فترة لمّا كان حقل العلوم السيبرانية أو علم أنظمة التحكّم في طور النشوء، كان من الأسهل فيها إدراك ذلك التحوّل وملاحظته. فتلك الفترة هي التي كتب فيها هيربرت سايمون عن مسألة "الانتباه"، وهي عين الفترة التي بدأت تتطوّر فيها مفاهيم مثل "علم بيئة الإعلام" (Media Ecology)، مثلما صاغها مارشال ماكلوهان قبل أن تنتقل إلى التداول في الحيّز العام.[iv] أمّا اليوم، فيبدو أننا فقدنا القدرة على وضع أيّ معايير مرجعيّة يمكن الاستناد إليها لفهم المدى الذي بلغته تقنيات المعلومات هذه في طغيانها وتغلغلها في حياتنا اليوم. أمّا شكل العالم كما عاشته الأجيال التي قبلنا، فلا نعرف عنه شيئًا ألبتّة، اللهمّ إلا في بعض الظروف النادرة بين الفينة والأخرى: ونحن في الطائرة مثلًا في الرحلات الطويلة التي لا تتوفر فيها خدمة الإنترنت، أو حين يتعطّل الهاتف بضعة أيام ولا يكون بالوسع استبداله، أو حين نقرّر بوعي أن ندخل في حالة "صوم رقميّ"، فننقطع عمدًا عن الهاتف أو نحذف حساباتنا على منصات التواصل الاجتماعي. لكنّنا ندرك أنّ هذه وقائع نادرة الحدوث، وأنّها استثناءٌ لا يقاس عليه، ولو لم تحصل كارثة كونيّة كبرى، فإن ذلك العالم القديم الذي اتّسم بشحّ المعلومات سيكون قد ولّى إلى غير رجعة.
لكن ما الذي يعنيه حقًا قولنا إنّ الوفرة الطاغية في المعلومات لا تنتج إلا ضعف القدرة على الانتباه؟ ثم ما الذي نعنيه أصلًا بـ "الوفرة" هنا؟ أيُعقل مثلًا تصوّر حدٍّ إذا بلغته المعلومات أو تجاوزته تكون عنده "وفيرة"؟ ثم هي وفيرة بالنسبة إلى ماذا؟ قد يقول قائل: هي وفيرة بالنسبة إلى حجم المعلومات المتوفّرة تاريخيًا، وهذا صحيح، لكنّه غير مفيد إجرائيًا في هذا السياق. فنحن هنا غير معنيين إلا من بعيد بمجمل التطوّر التاريخي للمعلومات، أو بمقارنة حجم ما توفّر من معلومات في عصر ما مع عصر آخر بعده أو قبله. ليست هذه هي المشكلة هنا، المشكلة تتعلق بالمستوى التوظيفي للمعلومات؛ أي إنّ ما يعنينا هو ملاحظة ما إذا كان التدفّق في المعلومات الواردة إلينا قد بلغ العتبة التي تتعطل بعدها القدرة على معالجتها، بالنظر إلى القيود القائمة أصلًا.
سأوضّح الفكرة أكثر بهذا المثال: لعل معظمنا يعرف لعبة "تيتريس". فكرة اللعبة هي تدوير القطع وترتيبها وهي تسقط من رأس الشاشة بوتيرة متسارعة كلّما تقدّمت في مراحل اللعبة. وتلك القطع لا حدّ لها عدديًا، أي أنّ اللاعب يمكن أن يستمرّ في اللعبة إلى ما لا نهاية ما دام أنّه قادر على تدوير وترتيب القطع وتلقّي المزيد منها. التحدّي الذي تقوم عليه اللعبة ليس في عدد القطع النازلة، بل في السرعة المتزايدة لها وهي تهبط مع تقدّم اللعبة. وبإسقاط هذا المثال على موضوعنا، يمكن أن نقول إنّ المشكلة ليست متعلّقة بكمّ المعلومات بل في سرعتها، دون اعتبارٍ لحدود الطاقة الاستيعابية على مستوى المعالجة. فعندما تتزايد هذه السرعة فوق هذه الطاقة، ستفشل المعالجة حتمًا.
إنّ الخطر في التدفق المعلوماتي المفرط ليس انشغال الدماغ بتلك المعلومات ونفاد القدرة على الانتباه، كما لو أنّها حاسّة ذات رصيد كمّي محدود، أو خزّان ينفد وقوده بعد معالجة قدر بعينه من المعلومات، بل إنّ الخطر ينشأ حين يفقد الإنسان بسبب هذه الغزارة غير المنضبطة للمعلومات، يفقد المقدرة على التحكّم بعملية الانتباه؛ أيّ أنّ الانتباه يتسرّب من بين يديه وتتلاشى قدرته على توجيهه على النحو الأصلح إليه.
وهذا ما تعنينا الإشارة إليه هنا؛ القدرة على التحكّم من عدمها، هنا تكمن المشاكل والتحديات الشخصية والسياسية المترتبة على مسألة التدفق المفرط للمعلومات وما يتبعها من تناقصٍ في الانتباه. وحين نقول إنّ هذه الوفرة الحالية في المعلومات تقوّض قدرتنا على الانتباه، فهذا يعني أنّ المطلوب الآن ليس رفع الحواجز بيننا وبين المعلومات، بل إقامة سدود أمام وفرتها الطاغية، وأنّ الحذر ينبغي أن يتضاعف من إستراتيجيات إدارة الانتباه كما تمارسها السلطة، أيّ سلطة، مثلما نحذر من أنشطتها في إدارة المعلومات والرقابة عليها.
إليكم المشكلة: العديد من الأنظمة التي طورناها لمساعدتنا في توجيه دفّة حياتنا، مثل صناعة الأخبار والتعليم والقانون والدعاية وغيرها، نشأت أصلًا في بيئة تفترض عمومًا أن المعلومات شحيحة، وأنّ البشر متعطشون دومًا لها، وما يزال هذا المنطق سائدًا ضمنًا في عملها. أمّا اليوم فقد بلغنا مرحلة لا يمكن أن تتواصل من دون إثارة السؤال عمّا يلزم أن تؤدّيه لنا هذه الأنظمة حقًا، وما التغيير الذي ينبغي أن يحصل في طريقة عملها، في هذه البيئة التي تعاني فرطًا في تدفّق المعلومات.
يحلو لنا أن نسمّي زماننا هذا "عصر المعلومات"، والأولى أن نسمّيه "عصر الانتباه"- عصر الأصل فيه أن تكون التقنيات الرقمية مهيّأة أكثر لتعيننا على التحديات الطارئة في الواقع الجديد، وهي تحدّياتٌ ليست في جوهرها إلّا تحدّياتٍ تتعلّق بالقدرة على ضبط الذات، ومقاومة اختزال الإنسان في بعدٍ اقتصادي يجعل قيمته منحصرةً فيما يستهلكه.
هوامش وإحالات
[i] إليوت، الأرض اليباب، وقد نقل المترجم السطر كما ورد في ترجمة عبد الواحد لؤلؤة
[ii] Simon, Herbert A. (1971). Designing Organizations for an Information-Rich World. Computers, Communication, and the Public Interest (pp. 40–41). Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press.
[iii] Fanelli, Matthew (2017). Getting Consumers’ Attention Across Every Screen They have at Home, eMarketer, December 5, www.emarketer.com/Article/Getting-Consumers-Attention-Across-Every-Screen-They-Have-
Home/1016798
[iv] McLuhan, Marshall (1964). Understanding Media. New York, NY: Mentor. Postman, Neil (1970). The Reformed English Curriculum. High School 1980: The Shape of the Future in American Secondary Education, ed. A.C. Eurich. London: Pitman.










