ultracheck
حس تولستوي النادر وسخافة الحس المشترك

حس تولستوي النادر وسخافة الحس المشترك

19 نوفمبر 2024

ترجمة بتصرف لمقتطف من كتاب "Tolstoy Together: 85 Days of War and Peace" للكاتبة إيون لي، نُشر في مجلة باريس ريفيو. 

ــــــــــــــــــــ

في يوم من الأيام، دُعي خمسة أشخاص ذوي آراء قوية لمشاهدة شجرة قديمة وتقديم آرائهم حولها. قال الأول: "أنا شخص يهتم بالصورة الكبيرة. من النظرة الأولى، يمكنني القول إن هذه الشجرة كبيرة جدًا وهذا ضد مصلحتها، لذا نحتاج إلى قطع بعض الأغصان".

قال الثاني: "لا يزعجني تصميم الشجرة، وإنما الأجزاء التي تتكون منها. أينما نظرت، أستطيع رؤية عشرة أو عشرين ورقة غير مثالية". قال الثالث: "هذه الشجرة قديمة جدًا حتى فقدت صلتها بالواقع الحالي، إذ بدأت هذه الشجرة حياتها عندما كان العالم خاطئًا بطرائق عديدة، فكان سلطويًا، واستبداديًا، وغير ديمقراطي. لماذا يجب أن نهتم بشيء ينمو من ذلك التاريخ؟".

قال الرابع: "العالم لا يزال خاطئًا بطرائق عديدة، وشجرة مثل هذه لا تفعل شيئًا لحل القضايا السياسية والاجتماعية والبيئية اليوم". أما الخامس فقال: "أنا لا أهتم بالأشجار، وأرى أن الورود والبلابل هم الأجدر باهتمامي، وأراها إهانة لموهبتي أن يُطلب مني النظر إلى شجرة". 

في أي وقت أتحدث فيه عن رواية "الحرب والسلم"، أتذكر ناقدي الشجرة. ولحسن الحظ، لا تحتاج الشجرة العظيمة إلى من يدافع عنها.

تتكوّن أعمالنا الأدبية المُتغيّرة، جزئيًا على الأقل، من الانطباعات والذكريات الحسية. فإذا كان الكتاب مليئًا بتفاصيل لم نرها أو نسمعها أو نشمها أو نتذوقها أو نشعر بها من قبل، قد نشعر بالارتباك أكثر من أوزة أو كلب صغير يحاول أن يقرأ أدبنا، الذي لا بد أن يبدو لهم غامضًا بشكل غريب. ومع ذلك، القراء الطماعين، مثلي، يتوقون إلى أكثر من مجرد تأكيد للتجربة: نريد من الكتاب أن يُعبِّروا عما لم نجد له كلمات بعد، نريد أن تكون حواسنا غير عادية.

تمتلئ الكتب التي أجد نفسي منجذبة إليها وأعيد قراءتها، مثل "الحرب والسلم"، بحس نادر وحس مشترك سخيف. ومع ذلك، لا بد من القول إن السخافة النادرة قد تخلق أدبًا مثيرًا أيضًا، كما في حالة لويس كارول، ولكن من الأفضل أن تبقى السخافة النادرة نادرة لأنها في أيدي الكتاب الأقل مهارة، ستتحول إلى مُحاكاة ساخرة.

يمكن للمرء أن يتخيل أن تولستوي لم يسعى إلى الكتابة عن الحِس النادر، وإنما قدّم العالم ببساطة. والعالم، عندما ننظر إليه عن كثب، غالبًا ما يكون غير عادي. توجد جملة لا أمل من تكرارها في "الحرب والسلم"، تقول: "دقت حوافر الجياد الشفافة على ألواح الجسر".

عادةً ما تُوصف الألوان بأنها "صامتة" أو "صاخبة"، وكن وصف الأصوات بالشفافة تجعل القارئ يتوقف. يُعيدني صوت حوافر الخيول إلى طفولتي المُبكِّرة في بكين، حيث كانت السيارات نادرة، وتمر المقطورات التي تجرها الخيول في الشارع حاملة الفحم والخشب والمنتجات وأحيانًا الناس. بعد أربعين عامًا، لا أزال أسمع تلك الخيول وهي تمشي في الممر الضيق خارج شقتنا في صباحات الشتاء الباكرة، خاصة عندما أستلقي مستيقظة، والسماء كلها مظلمة ما عدا بقعة صغيرة من البياض في الشرق لونها لون ما قبل الفجر الذي يُسمى بلغة الماندرين "yu du bai".

وهناك، عندما كنت أرى الأشكال في الداخل والخارج من دون ألوان، وعندما كان طرف أنفي يبرد، إذا أخرجت رأسي من تحت الغطاء بين اللحاف والوسادة - إذ كانت التدفئة في المبنى تعمل من السابعة مساءً حتى منتصف الليل - وعندما كان العالم لا يزال جديدًا، خلافًا للواقع ولكن متجذرًا في مخيلة الأطفال، وكنت كبيرة بما يكفي لكل شيء، هناك كنت أسمع صوت الحوافر تدق، كليبتي-كليب، كليبتي-كليب، صوت لا مثيل له، معدني، وواضح، ولكن من دون حدة أو قسوة. نعم شفاف، ولكن ملموس.

قال ستيفان زفايج عن تولستوي: "من يرى الكثير وبهذا الوضوح لا يحتاج إلى الاختراع، ومن يلاحظ بخيال لا يحتاج إلى خيال إبداعي". من يرى الكثير ويلاحظ بخيال يطلب كذلك الطلب الأمثل من قُرَّائه: أن يقرأوا ببطء، ويعيشوا ببطء، مع خيالٍ يشبه الحلم.

على الرغم من كثرة لحظات الحس النادر في "الحرب والسلم"، فإنها لا تعدو كونها لمسات جمالية في الرواية، إذ انصب اهتمام تولستوي على البشر وقيودهم، وعلى الأمم وتواريخها. القراء، سواء كانوا يقرؤون في أثناء معارك ستالينجراد (مثل فاسيلي جروسمان)، أو في غرفة ضيقة في مدرسة ثانوية في بكين في الثمانينات (مثل صديق لي)، أو في مجموعة "Tolstoy Together" الأولى لدار نشر "A Public Space" في بداية الوباء التي ضمت ثلاثة آلاف قارئ من جميع أنحاء العالم، وكثير منهم كانوا تحت الحجر الصحي؛ يجب ألا يجدوا صعوبة في رؤية عوالمهم منعكسة في رواية "الحرب والسلم" إذ ضمت: الكوارث الطبيعية والبشرية، والغرور والعجز لدى مصممي الخطط الوطنية والدولية، واللامبالاة البشرية اللامتناهية، واللطف البشري الحتمي، والخداع والجهود في الزواج والعائلات، بالإضافة إلى الصداقات والحب الضائع والمعثور عليه. 

إن العنصر الأكثر سخافة في السخافة البشرية، بشكل ساخر، هو أن السخافة واحدة من أكثر السمات العالمية شيوعًا، إذ سيكون العالم غريبًا حقًا إذا كانت سخافاتنا نادرة وفريدة. فما الذي يربط الناس ببعضهم البعض بطريقة أكثر صلابة من سخافتهم وهرائهم المشترك؟ حتى الآلهة اليونانية كانت ستُنسى لو كانت عاقلة.

"كانت آنا ميخائيلوفنا تعانقها وتبكي بالفعل، والكونتيسة كانت تبكي أيضًا. لقد بكتا لأنهن كُنَّ صديقات، وكُنَّ طيبات، ولأنهن، الصديقات منذ الطفولة، كنَّ منشغلات بالمال وهو موضوع بغيض، وبكتا لأن شبابهن قد زال".

لا تُحرِّك الدموع في الأدب القراء بالضرورة كما تحرك مُبدعيها. إذا طُلب مني تسمية خمس مشاهد لا تُنسى من جميع الكتب التي قرأتها والتي تتضمن بكاء شخصية ما، قد أتمكن من تقديم مثال واحد فقط: المقطع الذي تظهر فيه آنا ميخايلوفنا والكونتيسة روستوفا وهي إحدى اللحظات في "الحرب والسلم" التي أعيد قراءتها كثيرًا.

إذ تؤثر في دموعهن لأنهن شخصيات ثانوية في كتاب يحتوي على أكثر من خمسمائة شخصية، ولأن لا أحد منهن تستطيع التعاطف معه كليًا، فيمكن وصفهن بالأنانية، والتكبر، والفساد، والتلاعب، والطيش، كما أنهن لا يترددن في إساءة معاملة واستغلال الأشخاص الأقل قوة أو مكانة، ولأنهن أمهات يتدخلن في حياة أطفالهن باسم الحب، ولأن الحياة لا تهتم بحبهن لأطفالهن.

آنا ميخايلوفنا، الأرملة، ليس لديها شيء تعتمد عليه لدفع مسيرة ابنها سوى دهائها، والكونتيسة روستوفا فقدت الكثير من أطفالها في وقت مبكر، ولأنهن أصدقاء مدى الحياة، ولأن صداقتهن، المُقدَّر لها أن تدوم للأبد، تنتهي ليس بوفاة أحدهما ولكن بكبريائهن، وتفاهتهن، وانتقامهن، وتنتهي بسبب إصابات ناتجة عن نزاعات صغيرة، بسبب ما هو خارج عن سيطرتهن، بسبب موضوع المال الحقير، وقسوة الحرب، والعزاء غير الكافي للسلام.

وظلت دموعهن معي لأنهن قُدِّموا على حقيقتهن، من دون تضخيم أي من سماتهن الشخصية إلى هوية أو إعادة هيكلة شخصياتهن حول هوياتهن. كُنَّ محدودات ولكن مُتسعات، وسطحيات ولكن مُعقدات، بهن عيوب ولكن في تلك اللحظة الوحيدة، عندما عانقن بعض وبكين، والتقت أفضل صفاتهن معًا، كُنَّ مثاليات.

ماذا عن الحس المشترك؟ الحس المشترك في التاريخ، وفي الفلسفة، وفي الدين، وفي المسعى الجماعي للبشر، أليس هذا ما حاول تولستوي بجدية أن يغرسه في كلماته؟ ومع ذلك، أحب أن أعتقد أن الحس المشترك هو شيء أحققه بنفسي، بعد أن اختبرت الحس النادر والهراء المشترك. ولم أجد كتابًا أفضل لهذا الغرض من "الحرب والسلم". 

لا أتخيل نفسي في أي من الشخصيات، ولكن أقيس نفسي بجانب الشخصيات: غروري وطموحي مقابل طموح وغرور أندريه، وارتباكي وحيرتي مقابل ارتباك وحيرة بيير، وحماسي الشاب وخجلي مقابل حماس نيكولاي وخجله، وعنادي الأعمى مقابل عناد ناتاشا، وحزني مقابل أحزان العديد من الأمهات، وأحلام يقظتي مقابل أحلام الآنسة بورين. تشترك جميع الشخصيات في القابلية للخطأ، تولستوي نفسه لم يكن معصومًا كذلك.

وأتصور أن هذا هو الحس المشترك الذي توصلت إليه بنفسي، من خلال قراءة "الحرب والسلم"، ومن خلال العيش والتذكر: القابلية للخطأ هو العامل الوحيد الموثوق به في حياتي، وموجود في كل شيء أفعله.

الحس المشترك، مشترك لمن قد تسأل؟ بالتأكيد ليس لنقاد تلك الشجرة الرائعة، ولكن لحسن الحظ، هذا الكتاب ليس لهم.

 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الصحافة

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

آمنة بعلوشة

السلاف
السلاف

الموتى الأحياء في معتقدات السلاف والأدب الروسي

كان السلاف يدفنون هؤلاء الموتى ووجوههم نحو الأسفل، وتُغلق الحفرة بعناية بالحجارة والأغصان، لاعتقادهم أن ذلك يمنعهم من الخروج من القبور والتجول ليلًا

آية حسن حسان

طلاب مدرسة وودميد 1970

مدرسة وودميد.. في مواجهة الأبارتايد بجنوب أفريقيا

لمدّة لا تقل عن عقدين من الزمن، كانت وودميد قد ازدهرت بطريقتها الخاصة، وقد فعلت ذلك رغم الفصل العنصري الوحشي، والاضطهاد، والرقابة التي كانت تحيط بها من كل جانب

آمنة بعلوشة

عصر تدفق المعلومات

عصر فرط "تدفّق" المعلومات.. عن الانتباه كمسألة سياسية

هنا نقل ترجمة لفصول كتيب عنوانه "Stand Out of Our Light" للباحث الأميركي جيمس وليَمز، وهو في أصله رسالةٌ هدفها لفتُ الانتباه إلى مسألة الانتباه

محمد زيدان

السحر في روسيا القديمة (ميغازين).

الفولخف.. قصة السحر في روسيا القديمة

ممارسات السحر والتنبؤ في روسيا القديمة بين رغبات الناس ورفض الكنيسة

آية حسن حسان

المزيد من الكاتب

يارا أبو زيد

كاتبة ومترجمة

ظاهرة الميمز: كيف شكَّلت ثقافة الإنترنت عالمنا المعاصر؟

الميمز لقطات من وعينا الجماعي، والمرايا التي تلتقط المراوغات والفكاهة والخصوصيات في مجتمعنا

الصحة النفسية: عار الأمس و"ترند" اليوم

لم تعد الأمراض النفسية محاطة بالخوف والصمت والوصم، لكنها أصبحت في نظر كثيرين في عصرنا هذا أمراضًا رومانسية متعلقة بالعبقرية والإبداع

عشر سنوات من دون غابرييل غارسيا ماركيز.. تاريخ شفوي للغياب

لم يتوقف ماركيز عن الابتكار حتى في أيامه الأخيرة، حيث كان يستمر في إلقاء النكات وخلق العبارات الأدبية

التمشي بصبحة دي بوفوار

تتحدث آنابيل آبس عن تجربتها في استكشاف الحرية من خلال المشي، كما كانت تفعل الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار، التي أعادت بناء نفسها كامرأة قوية ومستقلة من خلال المشي

جيمس بالدوين وجذور التضامن بين السود والفلسطينيين: في مواجهة الاستعمار والعنصرية

انتقد بالدوين إسرائيل بحدة، واعتبر أن ما يُعرف باستعادة الأرض، بعد 3 آلاف عام، واستنادًا إلى وصايا توراتية، ليس إلا استمرارًا للسياسات الاستعمارية والإمبريالية الغربية

تعاطف دوستويفسكي.. ألمٌ يمشي على أطراف الأصابع

شكّلت معاناة دوستويفسكي جوهر إبداعه الأدبي الذي تجلّت فيه قدرته الفريدة على استكشاف القسوة البشرية، وإبراز قيمة التعاطف الإنساني في الوقت نفسه