ترجمة لمقال "Empresas y crímenes internacionales en Palestina, ¿error invencible?"، لكل من خوان هيرنانديز زوبيزاريتا وبيدرو راميرو. يستعرض المقال دور الشركات الدولية في دعم جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين، بما في ذلك الإبادة الجماعية في قطاع غزة. ويؤكد كذلك على ضرورة محاكمتها أمام القانون الدولي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك انتهاكات جنائية يشير إليها القانون الدولي على أنها خطأ يُمكن تجاوزه، حتى لو تم تطبيق قواعد العناية المطلوبة والمتعلقة بالحالات التي كان يمكن انتهاكها. يحدث ذلك عندما لا يكون لدى الشخص وسيلة لمعرفة أنه كان يرتكب فعلًا غير قانوني، وبالتالي تُنفى معاقبته على ارتكابه. أما الخطأ غير القابل للتجاوز، فيحدث عندما تُرتكب جريمة كان بالإمكان تجنبها بتطبيق أبسط قواعد الحيطة والحذر. وفي هذه الحالة، يُدان الفاعل بسبب الإهمال ومن الممكن تخفيف العقوبة المفروضة عليه.
هناك شركات إسبانية تُحقق أرباحًا من تأسيس البنى التحتية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهناك منصات تجارية تستفيد من السياحة في المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية. كما توجد بنوك كبرى تموّل تزويد دولة إسرائيل بالأسلحة لمواصلة الإبادة الجماعية في غزة.
لكن، ماذا لو جرى إثبات أن جميع هذه الأنشطة تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي؟ وما هي المسؤولية التي يمكن أن تُفرض على الشركات المعنية؟ هل يمكن أن تدّعي هذه الشركات جهلها بالسياق الذي تُمارس فيه أنشطتها؟ وهل تكفي عملياتها الداخلية الخاصة بتقييم المخاطر للوقاية من المسؤولية؟ وبافتراض صحة فرضية الخطأ الذي لا يمكن تجاوزه، هل يمكن لهذه الشركات التنصل من مسؤوليتها وإلقائها على عاتق الدولة التي توجد فيها مقراتها الرئيسية؟ أم أن هذه الشركات شريكة في ارتكاب الجرائم الدولية؟
هذه الأسئلة ليست مجرد تكهنات نظرية أو فرضيات يطرحها الحقوقيون والمتخصصون في القانون الجنائي، إذ إن مسؤولية الشركات ومديريها التنفيذيين عن ارتكاب الجرائم الدولية ليست مسألة جديدة على الإطلاق. ففي محاكمات نورمبرغ، وكذلك في المحاكم الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ورواندا، تم إقرار المسؤولية الجنائية لكل من الشركات متعددة الجنسيات وكبار مديريها التنفيذيين.
وفي ألمانيا، تم إدانة شركات بسبب تعاونها النشط مع النظام النازي، حيث نصّ ميثاق محكمة نورمبرغ على أن تلك المجموعات والمنظمات يمكن أن يُعلن عنها ككيانات إجرامية، وبأن الانضمام إليها قد يؤدي إلى سلوك إجرامي. وبالفعل، استفادت شركات ألمانية مختلفة، مثل "فولكسفاغن" و"سيمنز" و"بي إم دبليو" و"كروب"، من الاحتلال النازي من خلال الاستيلاء على الممتلكات واستغلال أسرى الحرب.
فلسطين والقوانين الدولية المُخترقة
فيما يتعلق بفلسطين، طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار أوامر اعتقال ضد رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه السابق، يوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالاحتلال والمجازر المرتكبة بحق المدنيين في غزة. وبعد مرور عام على تصعيد الهجوم العسكري على أكبر سجن مفتوح في العالم، أكد ثلاثون مقررًا من الأمم المتحدة أن إسرائيل "ترتكب إبادة جماعية"، مشددين على مصطلحي "التطهير العرقي والعقاب الجماعي".
تقرير المقررة الأممية الخاصة بفلسطين، الذي قُدَّم في مارس تحت عنوان "تشريح الإبادة الجماعية"، يفصّل مختلف الأدلة، ويؤكد أن الحصار المفروض على المساعدات، وسياق الجوع والأمراض والأوبئة التي تنتشر كغاية للاحتلال، يشكل دليلاً على نية الإبادة. تلك أدلّة دولية وقرارات أممية رسمية تُشير إلى الإبادة!
وللعودة إلى أدلة ثانية، ووفقًا لما وثقه مركز "ديلاس"، فقد قامت ما يقارب 12 مؤسسة مالية إسبانية بتمويل الشركات التي تزود دولة إسرائيل بالسلاح والذخيرة، تتصدرها قائمة البنوك الإسبانية التي قامت بتقديم أكبر قدر من القروض واستثمار الملايين في الشركات المصنعة للأسلحة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في عدوانيته غير المسبوقة.
وتوضح الناشطة تيكا فونت: "تلك البنوك تتنصّل من مسؤوليتها قائلة بأن المصانع والاستثمارات والمواد المصنّعة لا تنتهك القانون". الواقع الجنائي يُفضي بأنه يمكن مطالبتها بالمسؤولية على المستوى القانوني: فالأنشطة المالية القانونية تفقد شرعيتها عندما يُثبت وجود رابط سببي مع انتهاك حقوق الإنسان.
كما تؤكد اللجنة الدولية للحقوقيين أن: "المسؤولية الجنائية للممول تعتمد على معرفته بكيفية استخدام خدماته وقروضه، ومدى تأثير هذه الخدمات عمليًا على ارتكاب الجريمة، حيث قام أكثر من اثني عشر كيانًا ماليًا إسبانيًا بتمويل الشركات التي تزود دولة إسرائيل بالأسلحة والذخيرة، وتتصدر قائمة هذه البنوك كل من" سانتاندير" و"بي بي في إيه" و"كايشابنك".
لا يمكن لبنك "سانتاندير" و"بي بي في إيه"، اللذين استثمرَا معًا أكثر من 4000 مليون يورو في مجال البنوك المرتبطة بالصناعات العسكرية، أن يزعمَا أنهما اكتفيا بالامتثال للقوانين المحلية في البلد. فالتقيد بالقانون الوطني لا يشكل ضمانًا ضد اتهامات ارتكاب جرائم حرب معترف بها في القانون الدولي.
استنادًا إلى ما ذكرته اللجنة الدولية للحقوقيين: سواء في القانون الوطني أو الدولي، عندما تساعد شركة أو مدراؤها في ارتكاب جريمة ما، فإنهم يواجهون خطر اعتبارهم مسؤولين جنائيًا، حتى وإن تمكن المؤسسون الرئيسيون من الإفلات من العقاب. ولهذا، فالبنوك التي تموّل الشركات التي تزود الجيش الإسرائيلي بالأسلحة - بغض النظر عمّا قد يحدث في العمليات القضائية المفتوحة ضد دولة إسرائيل وقيادييها - لا يمكنها أن تُعفى من المسؤولية.
وأفاد وزير الصناعة في حكومة إقليم الباسك بأن هناك شركات تمارس دورًا استراتيجيًا في تحفيز الشركات الأخرى في محيطها على تمويل صناعة الأسلحة، بل وتولّد أيضًا فرص عمل وثراء على المستوى الإقليمي والدولي، مثل شركة "كاف"، فلا شك من أهمية هذه الشركة كنموذج حي على الصعيد الاقتصادي لدولة الاحتلال، حيث أن مشاركتها في بناء خطوط السكك الحديدية في فلسطين وتصنيعها لخطوط الترام التي تربط القدس بالمستوطنات يُمثّل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي. وعلى الرغم من اعتراف رئيس الحكومة الإسبانية بذلك، فقد اختبأت تلك الشركة وراء غياب آليات رقابة مُلزمة دوليًا لتبرير تقاعسها في هذا الشأن.
تم تقديم العديد من الشكاوى والادعاءات ضد هذه الشركة من قبل لجنة التضامن مع القضية الفلسطينية أمام عدة منظمات منها "مؤسسة التعاون الاقتصادي والتنمية" في إسبانيا. والتي في عام 2022، أصدرت هذه المؤسسة - المكلفة بالرد على الشكاوى الاجتماعية المتعلقة بتأثيرات الشركات الكبرى - بيانًا أكدت فيه أن عمليات الشركة في فلسطين تنتهك القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، أكدت وزارة الخارجية أن القانون الدولي الإنساني يجب تطبيقه بشكل إلزامي في الأراضي المحتلة. لكن المؤسستين اتفقتا على أنه، بناءً على القوانين الحالية، لا يبدو أن هناك أي إمكانية لتحميل الشركة المسؤولية عن خطوط الترام التي تربط القدس بالمستوطنات.
يجري النقاش حول مسؤولية الشركات متعددة الجنسيات في القيام بأعمال تجارية في سياقات تُنتهك فيها حقوق الإنسان بشكل ممنهج، متجاوزةً القوانين السارية في البلد الذي تقع فيه مقارها الرئيسية. ومن المؤسف أن هذا واقع يتكرر منذ خمسين عامًا، وهو الغياب التّام للآليات الملزمة أو لهيئات الرقابة الفعالة التي تُجبر هذه الشركات على الامتثال للقانون الدولي.
قوانين وقرارات لم تفلح بوقف الإبادة ولم تُفلح بتقديم المجرمين أمام القضاء
في عام 2013، قدم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقريرًا أعدته بعثة دولية مستقلة للتحقيق في تأثير المستوطنات الإسرائيلية على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الشعب الفلسطيني. وبعد ثلاث سنوات، وبناءً على النتائج التي خلصت إليها البعثة، أصدرت الأمم المتحدة القرار 31/36، الذي ينص على تحديث قاعدة بيانات الشركات التي تعمل في الأراضي الفلسطينية بشكل سنوي.
تُظهر هذه القرارات الأممية هشاشة القانون الدولي. ففي حين يجب على الأمم المتحدة المطالبة بوقف تشغيل خط الترام الذي يربط المستوطنات بالقدس الشرقية باعتباره انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، فإنها تكتفي بـ"حث الشركات على اتخاذ جميع التدابير اللازمة للامتثال للمبادئ التوجيهية فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وكذلك القوانين والمعايير الدولية ذات الصلة بأنشطتها في المستوطنات الإسرائيلية، لتجنب العواقب السلبية لهذه الأنشطة على حقوق المقيمين في فلسطين". لكن بيان كهذا لم يُفلح بتوقيف عمل تلك الشركة أو تمثيلها أمام القضاء.
وقد تم نشر أول قائمة بهذه الشركات في عام 2020، وتم تحديثها في عام 2023، تُفيد بأن أكثر من 112 شركة دولية، مثل "بووكينغ"، وغيرها من شركات السياحة، تستفيد من الاحتلال. وتبرز شركات مثل "إي دريمز" الإسبانية على أنها الأكثر صلة بتمويل الاحتلال لوجستيًا. ورغم التحذيرات المتكررة من منظمات مختلفة، ورغم إدراج الشريك الإسرائيلي لتلك الاستثمارات، يكشف الواقع عن غياب أدوات أو هيئات أو آليات قادرة على تنفيذ مطالب الأمم المتحدة.
كل هذه الاستثمارات تربطها علاقة مباشرة بالاحتلال، وهي علاقة غير قانونية تُفضي إلى جرائم دولية بحق الشعب الفلسطيني. وبالتالي، يجب أن تتحمل مسؤولية المشاركة في هذه الإبادة الجماعية. سواء عبر توفير التمويل أو البنية التحتية أو المساعدة اللوجستية، ويجب الاستمرار في اتهامها بالتواطؤ مع حكومة الاحتلال، وبتزويد الجاني الرئيسي بالوسائل اللازمة لارتكاب هذه الجرائم.
وإضافةً إلى ذلك، كانت على علم تام بأن تصرفاتها يمكن أن تُعرّف كنوع من الخرق الجنائي للقوانين الدولية، لكنها لم تتخذ التدابير الكافية للحد من هذا الخطر. بل واصلت توسيع أعمالها بدلاً من أن تحذو حذو الشركات الأخرى التي انسحبت من الأراضي المحتلة لتجنب "السمعة الجنائية السيئة".
وبحسب اللجنة الدولية للحقوقيين، فإن "المسؤولية القانونية" قد تنشأ بشكل مباشر من خلال هذا السلوك المُضرّ على جميع المستويات، وأيضًا من خلال عدم القيام بأي شيء، أي من خلال الإهمال أو التزام الصمت. وبحسب الحقوقي جوردي كالفو: "يجب كخطوة أولى أن تظهر وجوه وأسماء الشركات التي تستفيد من الإبادة الجماعية ويتعين عليها الإجابة عن الأسئلة التي تتعلق بمشاركتها في انتهاكات تُهدد أمن وحقوق الإنسان، ولا بد لها من الاعتراف بمسؤوليتها أمام القضاء، ولتحقيق ذلك، لا بد من البحث في منظومة القانون التجاري لحقوق وواجبات الشركات المستفيدة من الجرائم الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني".
هذه المنظومة القانونية التي تدعم الإفلات من العقاب ما زالت تتطور باستمرار، كما يتضح من إقرار التوجيه الأوروبي الأخير الذي يعزز التفوق الأحادي للشركات، ومن التعليق التعسفي للمفاوضات الرامية إلى وضع معاهدة حول حد نشاط الشركات متعددة الجنسيات وتطبيق قوانين حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
ومع ذلك، فإن الشكوى المقدمة من جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية قد فتحت ثغرات جديدة في المنظومة الداعمة للإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي. بدورها، أعلنت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين أن تقريرها القادم سيركز على التحقيق في دور الكيانات الخاصة في ارتكاب الجرائم الدولية في فلسطين.
هل هناك وسيلة للقصاص؟
في سياق المسؤولية المدنية، ترى اللجنة الدولية للحقوقيين أن القانون غالبًا لا يحمّل الشركات التجارية مسؤولية افتراض أن توفيرها لمنتجات أو خدمات عامة قد تؤدي إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ما لم تكن هناك ظروف خاصة أو أدلة واضحة على علمها بالخطر المحتمل.
لكن الأمر يختلف عندما يتعلق ببيع الأسلحة أو بناء البنى التحتية، حيث يبدو من غير الممكن تصور استخدام هذه المنتجات أو الخدمات لأغراض أخرى غير تلك التي صُممت من أجلها.
قد يختلف الأمر إذا توافرت ظروف خاصة أو كانت الشركة على دراية فعلية بالخطر المترتب على أنشطتها، أو كان بإمكانها معرفته بوضوح. في هذه الحالات، تصبح الحقائق المحيطة بالقضية ذات أهمية بالغة، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقة الشركة بالضحية أو بالجهة التي ارتكبت الانتهاكات. كما يُعد السياق الذي تم فيه تقديم السلع أو الخدمات عاملًا أساسيًا لتحديد المسؤولية. باختصار، تتوقف مسؤولية الشركات إلى حد كبير على معرفتها بالمخاطر الناتجة عن أعمالها، ومدى ارتباطها الوثيق بالوضع الذي ينجم عنه الضرر.
وفيما يتعلق بالمسار الجنائي، يجب مطالبة مديري هذه الشركات بتحمل المسؤولية - بموجب مبدأ الاختصاص القضائي العالمي - عن الجرائم الدولية التي ينبغي على الحكومات متابعتها تلقائيًا. وبينما لا يوجد حتى الآن منتدى دولي لديه السلطة لمحاكمة الشركات ومدرائها كشخصيات اعتبارية، بسبب الجرائم المنصوص عليها في القانون الدولي، يجب الاستمرار بالإشارة إليهم وتجميع كل الأدلة التي تُدين أفعالهم واستثماراتهم.
لا يمكن لخطأ لا يمكن تفاديه أن يُستخدم كذريعة. لقد ثبتت المسؤولية المشتركة للشركات الكبرى في تقديمها كل الوسائل لتسهيل الإبادة الجماعية على الاحتلال. كما ثبتت مسؤولية الأجهزة الحكومية التي تدعمها عبر الدبلوماسية الاقتصادية والموازنات العامة.
غض الطرف أو التذرع بسلوك أطراف أخرى لا يعفي الشركات ولا الدول من مسؤوليتها الخاصة. عاجلًا أم آجلًا، سيُطلب منها الرد على أفعالها. لنتذكر معًا أنه بعد الحرب العالمية الثانية، اعتُبر مديري الشركات الذين ساهموا في ارتكاب جرائم معترف بها في القانون الدولي مسؤولين جنائيًا.











