تحلّل الأكاديميّة الأميركية مونيكا ماركس، في مقالها "America’s Unraveling on Screen" المنشور على موقع "New Lines Magazine"، موجة أفلام هوليوودية حديثة تتخيّل الولايات المتحدة غارقة في عنف سياسي واستقطاب حاد. ومن خلال قراءة فيلم بول توماس أندرسون "One Battle After Another" ومقارنته بأعمال مثل "Civil War" و"Eddington"، تناقش ماركس كيف تتحوّل الشاشة إلى مرآة لهواجس تراجع الديمقراطية وصعود “اللا-سياسة” بوصفها نداءً ثقافيًا متناميًا.
قلّما شهدت السينما الأميركية لحظة تطابقٍ عنيف بين الصورة والواقع السياسي كما يحدث هذه الأيام. فمع توالي نشرات الأخبار يومًا بعد يوم بعناوين مثل "ترامب يدعو إلى استخدام المدن الأميركية ميدانًا لتدريب الجيش"، "عملاء الهجرة والجمارك يطلقون كرات الفلفل على رأس قسّ"، خبير في حركة "أنتيفا" يفرّ إلى إسبانيا وسط تهديدات بالقتل"؛ يبدو أحدث أفلام بول توماس أندرسون، "معركة تلو الأخرى" (One Battle After Another)، أكثر كابوسية وارتباطًا بالوضع الراهن مما كان عليه عند عرضه الأول في أواخر أيلول/سبتمبر.
يستبدل هذا الفيلم المشوّق الخاضع لتصنيف الـ"نيو-وسترن"، والمصوَّر بإيقاع محكم ومشاهد لافتة، ثنائية رعاة البقر والهنود الحمر بتصور متعاطف لمسلّحين يساريين يواجهون فاشية دولة بيضاء متطرّفة. ورغم أن الفيلم مستوحى بتصرّف مستفيض عن رواية توماس بينشون الصادرة عام 1990 "فاينلاند" (Vineland)، التي تناولت مصائر ثوّار الستينيات المهزومين في ظل ثمانينيات ريغان، فإن مشاهده ومضمونه ولغته تستحضر بلا مواربة اضطرابات حقبة ترامب. ففي الفصل الافتتاحي، تقوم جماعة متمرّدة "ثورية" بتحرير مهاجرين محبوسين في أقفاص، ملفوفين بأغطية، من منشأة تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن مراكز دائرة الهجرة والجمارك (ICE). وفي الفصل الثاني من الفيلم، تجتاح قوات أميركية شبه عسكرية مدينة الملاذ المتخيّلة "باكتن كروس" في شمال كاليفورنيا، بحجة ملاحقة مهرّبي مخدرات ومهاجرين غير نظاميين. وتتكامل لغة "مدن الملاذ"، واعتياد أبطال الفيلم اليساريين مخاطبة بعضهم بعضًا بمودّة بعبارة "باد أومبرِس" (الرجال الأشرار بالإسبانية) – وهو التعبير الذي ذاع على لسان دونالد ترامب خلال مناظراته مع هيلاري كلينتون في السباق الرئاسي لعام 2016 قاصدًا به المهاجرين غير النظاميين – مع استخدام سيارات وملابس وإكسسوارات معاصرة تمامًا، لإسقاط مقاومة الستينيات الراديكالية على الحاضر.
كان ذاك اختيارًا ملهمًا إلى حد كبير، فقبل أسبوعين فقط من عرض "معركة تلو الأخرى" في دور السينما، شهدت الولايات المتحدة أكثر عملية اغتيال سياسي ذات صدى وتتابعات خطيرة منذ اغتيال السيناتور روبرت ف. كينيدي في حزيران/يونيو 1968. ففي يوم مشمس من أوائل أيلول/سبتمبر، قُتل الشاب المنتمي إلى لتيار المحافظ المثير للجدل تشارلي كيرك بإطلاق نار موثّق على الهواء مباشرة، أثناء إلقائه خطابًا أمام حشد كبير من الطلاب في جامعة "يوتا فالي" بمدينة أورِم في ولاية يوتا. وكان المتهم، الذي قيل إنه قد أقدم على هذا الفعل بنيّة فردية، قد أرسل رسالة نصية إلى شريكه المتحوّل جنسيًا قال فيها إن آراء كيرك – في إشارة مرجّحة إلى مواقفه العدائية تجاه المتحوّلين – "مفعمة بالكراهية بلا أدنى شك". فجأة، عادت أعمال العنف السياسي والراديكالية اليسارية في ستينيات القرن الماضي إلى واجهة المشهد في أميركا ترامب. وفي خضم هذا الإعصار، جاء فيلم أندرسون ليصنع جسرًا بين حنين مؤطّر بعدسات الزمن إلى "ثورية" الستينيات اليسارية، وبين تصوير نظام قمعي عنصري تتجلّى ملامحه وتكتيكاته بروح ترامبية واضحة. ضاعفت قرارات إدارة ترامب في أعقاب اغتيال كيرك – التي تضمّنت تكثيف عمليات دائرة الهجرة والجمارك، وانتشار الحرس الوطني في "مدن الملاذ" مثل بورتلاند وشيكاغو، وتصنيف منظمات ليبرالية مؤيدة للديمقراطية تعارض العنف السياسي صراحة، مثل مؤسسة "المجتمع المفتوح" التابعة لجورج سوروس، باعتبارها متواطئة مع إرهابيين يساريين – من رسالة الفيلم بكونه نبوءة مرعبة تتأكد مع كل يوم جديد.
يُعدّ "معركة تلو الأخرى" أثرًا أيقونيًا فوريًا لزمن سياسي متحدم الأفعال والأحداث. فشخصياته، المشغولة بذاكرة ديكنزية نافذة، وتصويره السينمائي الحافل بمطاردات سيارات مبتكرة وزوايا تصوير ملحمية، يجعل ساعات الفيلم الثلاث تنقضي كما لو كانت ثلاثين دقيقة فحسب. غير أن الانبهار ببراعته الفنية لا ينبغي أن يحجب النظر عن تأملاته القاتمة. فأميركا التي يشكّلها أندرسون على الشاشة تعكس نزعة آخذة في الاتساع داخل صناعة السينما الأميركية، نزعة ينبغي أن تقرع أجراس الإنذار لدى الجميع.
تُعدّ ملحمة أندرسون هي أحدث، وأكثر هذه الأفلام صراحةً في انحيازها اليساري، ضمن موجة من الإنتاجات الهوليوودية الحديثة التي تتخيّل الولايات المتحدة غارقة في عنف سياسي. ففي العامين الماضيين وحدهما، تناولت أربعة أفلام روائية كبرى، بأبطال من الصف الأول، هذا التصور المستقبلي قاتم الصورة والمضمون: "الحرب الأهلية" (Civil War) 2024 من بطولة كيرستن دنست، "النظام" (The Order) من بطولة جود لو، "إدّينجتون" (Eddington) 2025 من بطولة خواكين فينيكس وبيدرو باسكال؛ و"معركة تلو الأخرى" من بطولة ليوناردو دي كابريو.
يبدو فيلم "النظام" للمخرج جاستن كورزل كتمهيد يصوّر معضلات العنف السياسي الراهنة. ففيه يؤدي جود لو دور محقّق يكشف مؤامرة عنيفة لبيض متطرّفين وقعت بالفعل في الغرب الأميركي خلال ثمانينيات القرن الماضي. أمّا الأفلام الثلاثة الأخرى، فتبدو كأنما تقع أحداثها بالفعل في حاضرنا أو في مستقبل قريب للغاية. ففي "إدّينجتون"، الذي كتبه وأخرجه آري آستر، تدفع منشورات ومحادثات وسائل التواصل الاجتماعي وإغلاقات جائحة كوفيد-19 عام 2020، سكّان البلدة الخيالية التي تحمل اسم الفيلم نفسه في نيو مكسيكو – وعددهم 2500 نسمة – إلى حالة من الانفجار العنيف، الحقيقي وربما المتخيَّل، ذي الطابع السياسي. وفي المقابل، يقدّم فيلم "الحرب الأهلية" للمخرج أليكس جارلاند تصوّرًا لشمال شرقي الولايات المتحدة وقد تحوّل إلى أرض محروقة، أشبه بمنطقة كوارث تذكّر بسوريا أو ليبيا أو شرق أوكرانيا. عبر عيون مراسلين حربيين، يعيد الفيلم تخيّل رحلة الطريق الأميركية الكلاسيكية كملحمة ديستوبية في بلد يتمكّن فيه تمرّد غامض المعالم من إسقاط الحكومة الفدرالية، الخاضعة لسيطرة رئيس ديكتاتوري، بعد إراقة دماء ومذبحة هائلة.
تُظهر هذه الإنتاجات الهوليوودية أن السينما الأميركية باتت تصوّر الولايات المتحدة، ككيان سياسي أُزيحت فيه السياسة لصالح تيار وقناعة اللا-سياسة، وحلّ العنف محلّ الديمقراطية، وغاب عنه أي تصرّف عقلاني متّزن. وهذه النزعة ليست أمرًا هامشيًا، فالسينما الأميركية، شأنها شأن غيرها من الفنون الجماهيرية، تعمل غالبًا بوصفها مؤشرًا لاتجاهات التحوّل الثقافي والسياسي الأوسع. ويبدو أن صنّاع الأفلام يسجّلون، ثم يعكسون إلينا عبر الشاشة الفضية، مخاوف متنامية من أن يُختزل مستقبل أميركا في اليقظات الفردية، والتمرّدات، وعنف الدولة.
على كل حال، ليس المخرجون وحدهم هم من عبروا عن هذه المخاوف. ففي عام 2019، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالًا بعنوان شديد البؤس والقتامة: "في أميركا، يتحوّل الحديث إلى موضوع لم يتبادر إلى الأفواه ولا الأذهان منذ 150 عامًا: الحرب الأهلية". وفي العام نفسه، كشف استطلاع أجرته مؤسسة راسموسن أن 31% من الناخبين الأميركيين المحتملين قالوا إنهم يعتقدون أن "الولايات المتحدة ستشهد حربًا أهلية ثانية في وقت ما خلال السنوات الخمس المقبلة".
في السنوات الخمس التي تلت ذلك ارتفعت نسبة إيمان الشعب الأميركي والتنبؤات نفسها، مدفوعةً بعوامل من بينها المشهد الانقسامي العنيف لأحداث اقتحام الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير 2021 (برّأ ترامب منفّذيه بدلًا من محاسبتهم)، وردود الفعل المستقطَبة إزاء طريقة تعامل الولايات والحكومة الفدرالية مع جائحة كوفيد-19، وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت تكافئ المحتوى العاطفي والاستقطابي، بل والراديكالي أحيانًا. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "ماريست" عام 2024 أن 57% من الأميركيين باتوا يتوقعون اندلاع حرب أهلية على الأرجح خلال حياتهم. وتبيّن أن الأجيال الشابة أكثر ميلًا إلى هذا الاعتقاد بثلاثة أضعاف مقارنة بـ"الجيل الصامت"، وبما يقرب من ضعفي النسبة لدى جيل "الطفرة". وتكشف هذه النتائج أن الولايات المتحدة باتت، على نحو متزايد، تهيّء تربة خصبة لازدهار مخاوف وتخيّلات العنف السياسي.
بتحليل إحدى زوايا فيلم أندرسون، يغذّي فيلم "معركة تلو الأخرى" هذه المخاوف والتخيّلات. هذا الفيلم الذي يبعث على الرعب لأن أبطاله ووحوشه منسوجون من أطراف حاضرنا المشترك. لكنه، وبعيدًا عن سرد حكاية "الطرفين"، يمنح تعاطفه بوضوح وثبات إلى جانب "الثوريين" اليساريين الذين يعلنون انتماءهم صراحة، على الرغم من أن الفصل الأول من الفيلم يُظهرهم وهم يفجّرون مباني المحاكم احتجاجًا على أحكام الإجهاض، ويقتلون رجال الشرطة الذين يتدخلون لإحباط عمليات سطوهم على البنوك.
يؤدي دي كابريو دور بطل الفيلم الرئيسي، بوب فيرجسون، وهو رجل في منتصف العمر وعضو سابق منشق عن جماعة "فرنش 75". سُمّيت الجماعة تيمّنًا بمشروب كوكتيل يُقدَّم في حانة "ريك" في الفيلم الكلاسيكي المناهض للفاشية "كازابلانكا"، ويعرّفها الفيلم باعتبارها جماعة تمرّد يسارية متخيَّلة تقودها ثوريات سوداوات نسويات. وعندما تشنّ الحكومة حملة قمع ضد الجماعة، يلتزم فيرجسون – المعروف آنذاك باسم "جيتو بات" ولقبه "رجل الصواريخ" – بأوامر "فرنش 75" متنحيًا عن نشاطات عملها السرّي، فيترك وراءه شبابًا قضاه في صنع القنابل لصالح الجماعة، وتفجير أهداف حكومية يمينية، وممارسة الجنس باستمتاع مع واحدة من قادتها، وهي سيدة راديكالية سوداء تحمل اسمًا لا يُنسى: بيرفيدِيا بيفرلي هيلز. وحين تهجره لمواصلة القتال من أجل "الوعي الجديد" عبر السطو على البنوك وإطلاق النار على رجال الشرطة، يكرّس نفسه بطاعة وتفاني لتربية ابنتهما ويلا.
يقدّم أندرسون شخصية بوب، التي يجسدها دي كابريو، بوصف مدمن مخدرات محبّبًا بسذاجة، يتفوّق إخلاصه الأبوي لويلا على التزامه بالراديكالية اليسارية. فيراه المشاهدون بطلًا مضادًا أشعث، يقضي وقتًا أطول وهو يتنقّل مترنّحًا في مدينة باكتن كروس في محاولة يائسة لشحن هاتفه، بدلًا من صنع القنابل.
غير أن شخصية دي كابريو لا تشكّك قط، ولا حتى يحذوها أي ندم، في عنف شبابه المؤدلَج والرومانسي. بل نراه يدخّن الحشيش بحنين، مستعيدًا مغامراته القديمة بمشاهدة فيلم "معركة الجزائر"، وهو نشيد سينمائي من ستينيات القرن الماضي للمقاومة الجزائرية المناهضة للاستعمار، حيث لعبت الهجمات المسلحة على المدنيين دورًا في إنهاء الاستعمار الفرنسي. إنها صورة تجمع في آنٍ واحد بين الطرافة والألفة، وبين إزعاج شديد لا يمكن تجاهله. فهذه الصورة الأبوية اللينة، المتقدّمة في السن والمجردة من أنيابها، تتحوّل – بقبعتها الصوفية وتعثرها اللطيف – إلى صورة حميمية يُحافَظ البطل من خلالها على نبرة التعاطف مع عنف يساري مثالي النزعة لكنه دموي في جوهره.
ويمثّل بوب دي كابريو واحدًا من مجموعة متنوّعة من الأبطال والأبطال المضادين اليساريين المرسومين بتعاطف، والذين يبدون جميعهم ميّالين إلى الإفراط في رمنسة العنف باسم التحرير. يضع أندرسون هؤلاء الشخوص المعيبين ولكن المحبّبين في مواجهة دولة كاريكاتورية في عنصريتها وقمعها. غير أنه، على نحو ساخر، وفي سياق ذلك، صنع فيلمًا تعرّض لانتقادات من بعض النسويات السود، إذ رأين أنه يفرط في تصوير شخصية بيرفيدِيا السوداء بحرّية جنسيّة، على نحو يستدعي صورًا نمطية عنصرية تصوّر النساء السوداوات بوصفهن مهووسات جنسيًا بلا أخلاق أو مبادئ تكبح جماح شهوتهن. هكذا يقدّم أندرسون، من حيث لا يقصد، صورًا مُسطَّحة لبعض الشخصيات النسائية السوداء. وكما هو الحال في تصويره المغمور بنظارة وردية للمسلّحين اليساريين عمومًا، فإن معالجته لهذه الشخصيات أكثر تركيبًا من تصويره لليمين، لكنها تظلّ أكثر تسطيحًا مما كان يمكن أن تكون عليه.
في جوهره، يُعدّ "معركة تلو الأخرى" ملحمة حربٍ على روح أميركا، إذ يضع "مقاومة" يسارية مُؤنسنة ومتعدّدة الوجوه – تمثّل جماعة "فرنش 75" جزءًا منها – في مواجهة عصبة أصغر حجمًا، مرسومة بصورة أحادية ومتماسكة، من فاشيين عنصريين يبدون تجسيدًا خالصًا للشر. هذه الجماعة الغامضة، التي تُدعى "مغامرو عيد الميلاد"، تبدو وكأنها تسيطر على ما تبقّى من الحكومة الأميركية. وأعضاؤها من الأثرياء البيض المتفوّقين عنصريًا، الذين قد يستمتع المشاهد بكراهيتهم بنفس راضية، ويرتدون سترات من ماركة "باتاجونيا" الفاخرة، ويجسّدون في صورتهم الممسوخة كل ما قد يثير النفور من الصورة النمطية لرجال المال في كونيتيكت ومن منظّمة "كو كلوكس كلان" في آنٍ واحد.
يتمحور الصراع المركزي في الفيلم حول شخصية شون بن، العقيد العسكري الذي يحمل اسمًا دالًّا ببلاغة: ستيفن ج. لوكجو، التي تعني حرفيًا "الفم العابس"، في صراع مع الحبّ الأبوي لدى بوب الذي يجسّده دي كابريو، في محاولة للعثور على ويلا وقتلها. أما عن دافع لوكجو فتمثل في طموحه للانضمام إلى "مغامري عيد الميلاد"، هذه الجماعة التي تُجري فحصًا للخلفية يُسمّى "اليانكي الأبيض المشرّف" لكل من يرغب في الانضمام إليها، للتأكّد من أنه منحدر من بيض أميركيين بروتستانت، ولم ينخرط في أي علاقات جنسية مع أعراق أخرى. هكذا يأتي احتمال أن تكون ويلا ثمرة علاقة جنسية عابرة بين لوكجو والمناضلة السوداء بيرفيدِيا بيفرلي هيلز، ذات الأصل المختلط، أمرًا من شأنه أن يقضي نهائيًا على فرصه في الانضمام إلى هذه العصبة البيضاء المتفوّقة النافذة. ولذلك ينطلق في مهمّة شريرة تكاد تكون كاريكاتورية، هدفها العثور على ويلا وقتلها.
وأمام المنظور المحبّب، ذي القبعة الصوفية، لبوب دي كابريو المتعثّر، يمثّل لوكجو الذي يجسّده بن نموذجًا سامًّا لأبوة بديلة. يبدو بن كصورة كاريكاتورية متشنّجة لذكورة عدوانية شديدة الهشاشة، يشبه الشخصية الكارتونية "بوباي"، ولكنه ذو وجه وقلب متحجّر، مصنوع من غضب قاسٍ. وتتأكّد شرّانية شخصيته حين يأسر ويلا ذات الستة عشر عامًا (التي تؤدي دورها وجهًا جديدًا والتي تحمل في الفيلم، ربما، الاسم الأكثر ديكنزية بينهم جميعًا: تشايس إنفينيتي)، وينعتها بـ"الهجينة اللعينة"، ويدفع مكافأة لصائد جوائز لقتلها بعد دقائق من علمه بأنها، في الواقع، ابنته. ويؤدي بن دور لوكجو بكمال منفّر، إذ يصفّف شعره بلعابه لإبهار دعاة التفوّق الأبيض، ويُصدر أصوات لعاب مقزّزة حين يخضع نفسه وويلا لاختبار الأبوّة.
وعلى خلاف فيلم جارلاند "الحرب الأهلية"، الذي يصوّر للمشاهدين آثار انحدار الديمقراطية إلى عنف سياسي عبر عيون صحافيين يغلب عليهم التجرّد (أحدهم بطلة الفيلم وهي مصوّرة حروب مخضرمة تؤدي دورها دنست)، نجد أن "معركة تلو الأخرى" لأندرسون لا يضمّ أي شخصيات تعارض العنف السياسي. كما أن الطريقة التي يروي بها أندرسون حكايته — أفعوانية متواصلة من تصوير سينمائي مذهل تصاحبها إيقاعات موسيقى جوني جرينوود المتقطّعة، التي تجعل قلبك يخفق في إثرها – لا تمنح المشاهد أي دافع للتراجع خطوة وتحليل ما يجري بنظرة نقدية. وعلى النقيض من ذلك، يُجزّئ "الحرب الأهلية" مشاهده المدمّرة – مثل مشهد مروحية محترقة تحطّمت أمام متجر "جيه سي بيني" في ضواحي منتصف الساحل الأطلسي – بأصوات وصور ثابتة تلتقطها كاميرات مصوّري الحرب.
وتجعل هذه الخيارات الإخراجية من "الحرب الأهلية" سردًا أكثر رصانة وتأمّلًا لولايات متحدة تمزّقها أعمال العنف السياسي، مقارنة بملحمة أندرسون الـ"نيو-وسترن"، التي تغمرنا في قلب أحداثها – وتبدو وكأنها تحتفي بأبطالها وأبطالها المضادين اليساريين دون مساءلة تُذكر، على خلفية أشرار مُمسَخين – إلى حدّ يصبح معه الحكم على عنف "فرنش 75" "الثوري" من مسافة نقدية أمرًا شبه مستحيل. ساعدت الحبكات ووسائل السرد المشاهدين بحتمية لا شكّ فيها على اختزال فيلم "معركة تلو الأخرى" وإسقاطه على تصورات حزبية وقناعات شخصية.
في الأسابيع التي تلت صدوره، استقطب "معركة تلو الأخرى" – على نحو متوقّع – ردود فعل منقسمة بشدّة، سواء من نقّاد السينما المحترفين أو من المعلّقين العاديين. ويمكن فرز هذه الردود في مجموعتين رئيستين. إذ يتفق مشاهدو تيار "ماجا" – اختصارًا للشعار السياسي الذي استخدمه دونالد ترامب في حملته الانتخابية عام 2016، وأصبح لاحقًا يرمز إلى تيار اليمين الشعبوي المحافظ الذي يدعم ترامب وسياساته في الولايات المتحدة – مع المعلّق المحافظ، بن شابيرو، على أن الفيلم "تبريرٌ للإرهاب اليساري الراديكالي" يتمتع في تصويره له "بقدر من الرهافة لا يسمح بالنقد الحقيقي". عبر البودكاست الذي يذيعه، شنّ شابيرو هجومًا لاذعًا على شخصية دي كابريو، بوب، واصفًا إياه بأنه "فاشل يقضي يومه في تدخين الحشيش"، ويشجّع ويلا و"أصدقاءها ذوي الشعر الأزرق والهوية الجندرية غير الثنائية" على "الانخراط في العنف". وكثيرون سيقرؤون نهاية الفيلم بوصفها دعمًا من بوب إلى ويلا بما يسمّيه شابيرو "إشارة بدء" للانخراط في نشاط "ثوري" عنيف، على غرار ما فعلته والدتها في "فرنش 75".
وفي قناة فوكس نيوز، ذهب المعلّق المحافظ المقيم في فرجينيا الغربية، ديفيد ماركوس، إلى أبعد من ذلك. فقد كتب يقول: "لكي يكون لهذا الفيلم أي معنى على الإطلاق، لا بدّ من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، في هذه اللحظة، ديكتاتورية فاشية. وليست تلك مجرّد مغالطة خطيرة، بل – كما اكتشفنا مؤخرًا – مغالطة قاتلة"، في إشارة إلى مقتل كيرك. ورأى ماركوس أن أندرسون "لن يجرؤ على الإقدام على أي أفعال قتل شُجاعة" كما وصفها فيلمه لتصحيح ما يُفترض أنها مظالم أمتنا. بل سيكتفي بصناعة أفلام تشجّع الآخرين على فعل ذلك، فيما هو يتنعّم بثمار الرأسمالية".
وعلى منصة "إكس" وغيرها من منصّات التواصل الاجتماعي، يُبدي محافظون من انتماء ماركوس ابتهاجهم بتشديد ترامب إجراءاته ضد "أنتيفا" (اختصارًا بالإنجليزية لـ"مناهضي الفاشية")، وهي شبكة فضفاضة من نشطاء يساريين يعارضون الفاشيين والنازيين الجدد؛ بعضهم – لا كلهم – تبنّى العنف، ولم يُقدموا عليه فعليًا سوى نسبة ضئيلة منهم. وكتب ماركوس ساخرًا: "ربما سيجدون هذا فيلمًا ممتعًا حيث يمكنهم مشاهدته في السجن".
في المقابل، افتتحت إيلين جونز، في المنبر اليساري "جاكوبين"، مراجعتها لفيلم "معركة تلو الأخرى" بنبرة تكاد تكون ابتهاجًا وتأييدًا. "المجد لله"، هتفت جونز في السطر الأول من مراجعتها. واعتبرت فيلم أندرسون "واحدة من أكمل ميزات مشاهدة السينما"، ووصفتْه بأنه "كل ما ينبغي أن يُتّبع في الأفلام المصنوعة في الولايات المتحدة الآن". وبدل أن ترى في لوكجو وطائفة "مغامري عيد الميلاد" صورةً مسطّحة أو كاريكاتورية لقوى يمينية حقيقية آخذة في التجدّد، تتسم بالعنصرية بل وبالفاشية البيضاء، رأت جونز فيهما تصويرًا "حادًّا" لـ"نخبة السلطة في هذا البلد، لا باعتبارهم رأسماليين أنانيين يداومون على استغلال المواطنين فحسب، بل أيضًا بوصفهم وحوشًا هرِمة، مشوَّشة بهواجس عنصرية متجذّرة، متشابكة كلّها مع ذُهان جنسي متجذّر". وعلى المنوال نفسه، أشادت مراجعات في منابر وسط-يسارية مثل "الغارديان" و"نيويوركر" بالفيلم من دون تحفّظ، حيث أثنت الأولى على تجسيد بن "الوحشي" لمخاطر وتهديدات اليمين الأميركي.
وفي عالم يزداد تحزّبًا وانغلاقًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نميل في كثير من الأحيان إلى تفضيل الفنّ والتحليل اللذين يعزّزان تحيّزاتنا ويدفعانا إلى التفكير خارج قوالبنا النمطية، يغدو فيلم أندرسون علامة ثقافية بارزة لكلا المعسكرين، اليسار واليمين على السواء: لليسار، لأن الفيلم يبدو وكأنه يحتفي به ويقدّم عنفه في صورة ودّية بوصفه فعلًا أيديولوجيًا قابلًا للتبرير، يصدر عن مثاليين يُستحسن موقفهم المناهض للفاشية؛ ولليمين، لأن الفيلم يبدو وكأنه يعيد إنتاج صورهم النمطية عن اليساريين باعتبارهم متعاطي مخدّرات، مميَّعين، عاطلين كسالى، يُحتفى في الفيلم – لا يُدان – باعتناقهم العنف السياسي لمواجهة يمينيين مُشيطنين على نحو كاريكاتوري، وذلك في إطار هوليوود يسارية منفصلة عن الواقع طالما أحبّ المحافظون كراهيتها.
من بين جميع هذه الأفلام، يبقى "إدّينجتون" بلا شكّ أكثرها حساسية في استكشاف كيفية تشكّل الاستقطاب السياسي. فقد أمضى مخرجه، آستر، الأشهر الأولى من جائحة كوفيد-19 في بلدته الأم بولاية نيو مكسيكو. وكانت قوى الاستقطاب التي راقبها هناك، وهي تتجلّى عبر خلاصات وسائل التواصل الاجتماعي لدى الأميركيين، مصدر قلق أصيل له، كما صرّح في أكثر من مقابلة. وبدلًا من تقديم بطل واضح ينتمي إلى اليمين أو اليسار أو الوسط، يقدّم الفيلم شخصيتين رئيسيتين. يجسّد فينيكس شخصية جو كروس، الذي تقوده رحلته من اليمين الوسطي إلى أقصى اليمين المتطرّف إلى التحوّل من ربّ أسرة طيب إلى شخص شرير، يقتل شخصًا مشرّدًا، وعمدة المدينة الديمقراطي، وابن العمدة، جميعهم في غضون ثلاث دقائق. أمّا باسكال، فيؤدي دور تيد جارسيا، عمدة إدّينجتون الديمقراطي، الذي يقوده تعاليه النخبوي المقيت إلى صفع كروس الذي يلعبه فينيكس على وجهه خلال حفل منزلي، حيث تصدح موسيقى كاتي بيري على نحو متوقَّع؛ لحظة تصبح القشّة التي تقصم ظهر رحلة كروس نحو تطرّف يميني مُمسَخ.
ومع أن فيلم آستر، على الرغم من أقصى جهوده، يصوّر كروس – على نحو يمكن الجدال فيه – بصورة شريرة كاريكاتورية منذ اللحظة التي تهبط فيها سيارته الانتخابية المبالغ في زخرفتها وبذخها من أعلى التل، فإنه يذهب إلى أبعد مما يفعله "معركة تلو الأخرى" بما لا يُقاس في أنسنة كروس، وبالتالي في أنسنة اليمين الأميركي. فكروس لا يبدأ مشاهده وحياته مجنونًا قاتلًا. بل يظهر في البداية رجلًا مصابًا بالربو، يطمح إلى أن يصبح أبًا، فيما تبتعد عنه زوجته لويز، التي تؤدي دورها إيما ستون، عاطفيًا وجنسيًا على السواء. ويحاول كروس مرارًا، وبأسلوب يثير الشفقة، أن يعيد وصل ما انقطع مع لويز، لكنه – في مسعى مضلّل للانتقام من اعتداء جنسي يعتقد أنها تعرّضت له على يد جارسيا – يُطلق تصريحًا يفضي إلى نفورها منه بالكامل. أما والدة لويز، التي انتقلت للعيش معهما مع بدء جائحة كوفيد-19، فتجذب لويز، ومن خلالها كروس، نحو اليمين، بعد أن تقع فريسة سيل مكثّف من التضليل المعلوماتي على الإنترنت، على شاكلة نظريات مؤامرة "كيو أنون". وفي الوقت نفسه، يحاول مراهقون بيض من الذكور في البلدة كسب ودّ شابات ذوات ميول عدالية اجتماعية، عبر المشاركة في احتجاجات "حياة السود مهمّة" ضيقة الأفق، التي يهرع المشاركون فيها إلى توبيخ ضابط الشرطة الأسود مايكل لمجرّد كونه شرطيًا.
هاجم كثير من نقّاد السينما أنفسهم الذين أغدقوا على "معركة تلو الأخرى" المديح، فيلم "إدّينجتون" بشدّة. وكان من أبرز نقاط النقد، لدى مراجعين يُفترض انتماؤهم إلى اليسار السياسي، أن "إدّينجتون" – على الرغم من تقديمه الشخصية اليمينية كروس باعتبارها شخصية تنحدر إلى تطرّف قاتل – قد وقع في فخّ "المساواة بين الطرفين بإفراط واضح. كما أن السخرية التي وجّهها الفيلم إلى الخطاب السياسي اليساري، وتركه أسباب المهرجان الدموي للعنف السياسي الذي ينفجر في نهايته المفتوحة على التأويل، أثارا استياء كثير من المراجعين في منابر بدأت بـ"الغارديان" ولم تنته في "نيويوركر".
يبدو أننا نعيش، إذن، في زمن فرطِ تحزّب، تتّسع فيه الفوارق السياسية لتغدو أخاديد سحيقة. فالروح الجريئة التي يتحلّى بها "إدّينجتون"، حيث يأخذنا آستر في رحلة نحو عنفٍ متطرّف تُضفي طابعًا إنسانيًا – مع احتفاظها بالسخرية – على شخصيات من اليسار واليمين معًا، هي في هذا المناخ عبءٌ أثقل مما يستطيع كثير من النقّاد والجمهور تحمّله أو حتى تقديره. ومع ذلك، نجد أن الفيلم حقًا ضروري ومهم.
ويذكّرنا فيلم جارلاند "الحرب الأهلية" بأهمية فيلم آستر. ففيه، تبوح شخصية دنست، مصوّرة الحروب التي شهدت الآثار المقززة للعنف السياسي في بلدان عديدة، لصديق وزميل قديم حادّ الذكاء، بهول ما رأته في الحروب. تقول: "في كل مرة نجوتُ فيها من منطقة حرب، وحصلتُ على الصورة المناسبة، كنت أظنّ أنني أرسل تحذيرًا إلى الوطن. أخبرهم ألا تفعلوا هذا. لكننا في النهاية وصلنا إلى نفس المكان".
ومن المرجّح أن علماء السياسة الذين أنجزوا دراسات مقارنة حول قوى الاستقطاب، وتراجع الديمقراطية، وتصاعد العنف السياسي التي باتت تنهش الولايات المتحدة اليوم، يشاركون دنست رغبتها في التحذير. فعلى الرغم من أن "الحرب الأهلية" يسيء تمثيل الصحفيين الحربيين بوصفهم أشخاصًا يصوّرون لحظات الاشتباك أكثر مما يوثّقون ما بعدها من آثار وتداعيات، فإنه يُظهر الكثير من تلك الآثار أيضًا، عبر وضع مشاهد سيربطها المشاهد الأميركي عادة بصراعات دمّرت أماكن مثل سوريا وشرق أوروبا، داخل حدائق الضواحي الأميركية الخضراء الوارفة والمضاءة بإضاءة فاتنة.
وقد تتحقّق مثل هذه المشاهد في الولايات المتحدة إذا واصل عدد كبير من الناس، في اليسار واليمين على السواء، رفض الأعمال الفنية – مثل "إدّينجتون" – التي تدعونا إلى التفكير النقدي في كيفية نشوء الاستقطاب الحاد في أميركا، وفضّلوا بدلًا من ذلك التصفيق والدعم الخالي من النقد الموضوعي لأشكال العنف السياسي الحزبي. غير أن على روّاد السينما الأميركيين أن يدركوا أن الحروب الأهلية الحديثة لا تشبه كثيرًا معارك جيوش نظامية موحّدة الزيّ، تمثّل ولايات انفصالية في مواجهة الحكومة الفدرالية، بقدر ما تشبه صراعات تخوضها جماعات تمرّد متنافرة، ذات أطياف سياسية شديدة التنوّع – بعضُها يؤيّد فعلًا أشكالًا من العنف السياسي تندرج، وفق تعريفات كثيرة، في خانة الإرهاب — وهي تواجه حكومات مركزية قمعية و/أو ضعيفة.
أما الأكثر فداحة من العنف السياسي الذي تصوّره أيٌّ من هذه الأفلام، فهو الواقع المتمثّل في أن الولايات المتحدة، شأنها شأن كثير من الدول حول العالم، تشهد تراجعًا عن الديمقراطية، بحسب جميع الهيئات التي تُعدّ الأكثر موثوقية في قياس مثل هذه الظواهر، منها Polity وV-Dem وFreedom House، كما تشهد اقترابًا متزايدًا من أشكال "النظام الهجين" أو السلطوية التنافسية، حيث تخفي الانتخابات التعددية واقعًا مفاده أن هذه الانتخابات ليست حرّة ولا نزيهة. والدول التي تقع في هذه المنطقة الرمادية – فلا هي ديمقراطيات كاملة ولا أنظمة سلطوية مكتملة – هي البيئات التي يُرجَّح فيها اندلاع الحروب الأهلية على نحو أكبر.
وبما أن الديمقراطية، على الصعيد العالمي، شكل حديث نسبيًا من أشكال الحكم، فقد انصبّ اهتمام الباحثين في الغالب على تتبّع اندلاع الصراعات الأهلية في البلدان التي تمرّ بمرحلة انتقال من السلطوية إلى الديمقراطية. غير أن باحثين متخصصين ضمن " فريق البحث عن أسباب عدم الاستقرار السياسي"، ومقرّه السويد، تتبّعوا أيضًا أشكال العنف السياسي التي تنفجر حين تنزلق ديمقراطيات كانت مستقرة، أو شبه ديمقراطيات، على نحو أعمق في ذلك الوسط العكر لوضع "النظام الهجين". وكما أن الانتقالات الإيجابية نحو الديمقراطية تخلق فئات جديدة من الرابحين والخاسرين، فإن الانتقالات السلبية بعيدًا عنها تُنتج بدورها رابحين وخاسرين جددًا، يخلص بعضهم إلى أن عليهم اللجوء إلى العنف الآن، ما داموا لا يزالون قادرين على ذلك، بدلًا عن القبول بأن يكونوا جزءًا من طبقة دنيا مُهمَّشة على نحو دائم في النظام الجديد.
أفضل ما يمكن أن يحدث لمنع تصاعد العنف السياسي واتساع الاستقطاب في الولايات المتحدة إلى حدّ قد ينفجر يومًا ما في حرب أهلية شاملة، هو أن يعكس قادتها – وعلى رأسهم إدارة ترامب – مسار نزع الطابع الديمقراطي، وأن يعزّزوا مؤسساتنا الديمقراطية المنهكة. غير أن هذا يبدو مستبعدًا، نظرًا إلى أن إدارة ترامب كانت، على مدى العقد الماضي، المحرّك الرئيسي لهذا الاتجاه.
وبدلًا من ذلك، يجد الأميركيون أنفسهم أمام الخيار المُقلق ذاته الذي يواجه الشخصيات الشابة: جيسي، المصوّرة الحربية الطموحة؛ ومايكل، الشرطي الأسود الشاب؛ وويلا، الثورية اليسارية المحتملة، في أفلام "Civil War" و"Eddington" و"One Battle After Another" على التوالي. هل سنسلك، مثلهم، مسارًا مستقبليًا يتخلّى ساخرًا عن العمل الديمقراطي الشاق القائم على بناء الائتلافات؟ أم سنسمح للسياسة الديمقراطية البراجماتية بأن تنتصر على قوى العدمية والعنف المعادية للسياسة، تلك القوى التي شهد كلٌّ منهم آثارها عن كثب – وبما قد يكون صادمًا نفسيًا – في هذه الأفلام؟
في السينما الأميركية، كما في الحياة الأميركية، يتردّد نداء "اللا-سياسة". ويتوقّف مستقبلنا الجماعي معلّقًا على قدرتنا على الإصغاء إلى هذا النداء، وتقييمه، ثم رفضه في نهاية المطاف بمسافة نقدية واعية. ومثل الطريق الكاليفورني المتماوج، الشبيه بالأفعوانية، الذي يرمز إلى فكرة "معركة بعد أخرى" ذاتها في ملحمة أندرسون الجديدة، فإن طريق بناء الائتلافات الديمقراطية أطول، وربما أشدّ مشقّة، من اللجوء إلى حمل السلاح كما فعل "French 75" أو "مغامرو عيد الميلاد".
ولكي نواصل السير على ذلك الطريق، بدلًا من الانحراف عنه والسقوط في وادٍ سحيق، لا بدّ أن ندرك أن الولايات المتحدة تقف عند مفترق سياسي حاسم؛ مفترق يصبح فيه فقدان ديمقراطيتنا احتمالًا واقعيًا للغاية، وكيف نُجيب عن أسئلة اللا-سياسة في مقابل السياسة، والنقاء في مقابل التعدّدية، والعنف في مقابل بناء الائتلافات، هو ما سيحدّد الوجهة التي سنصل إليها.