كان السلاف (مجموعة إثنية هندو أوروبية) يخافون الموت "بطريقة غير طبيعية" وفكرة تحوّل الموتى إلى مصاصي دماء، أو حوريات ماء، أو كيكيمورا (روح المنزل أو روح المستنقع)، ووفقًا لبعض المعتقدات، كان هؤلاء الموتى السائرون يحطمّون الأواني في المنازل، ويشربون دماء النائمين، ويجذبون الناس إلى أفخاخ مميتة، ويخطفون الأطفال.
في مقال مترجم عن أناستازيا فويكو ، سنتعرف على الموتى الملعونيين، وكيف كانوا يُحاربون في القرون الماضية، وكيف وصف ألكسندر بوشكين، ونيكولاي غوغول، وإيفان تورجينيف حوريات الماء، والمافكا (أرواح الفتيات والأطفال المتوفيين بشكلٍ غير طبيعي)، وغيرهم من "الموتى الأحياء" في أعمالهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما هو "الموت بطريقة غير طبيعية" في المعتقدات السلافية
كان لدى السلاف مفهوم "الموت الطبيعي" و"الموت غير الطبيعي"، أو ما يسمى "الموت غير الصحيح". كانوا يعتقدون بوجود نوعين من الموتى؛ الأول، "الطبيعي"، هم أولئك الذين عاشوا المدة التي قدّرها الرب لهم وماتوا من الشيخوخة، أما الآخرون، وهم الذين ماتوا في حوادث، أو اختفوا، أو انتحروا، أو لعنهم أقرباؤهم، فكانوا يعتبرون "موتى غير طبيعيين".

غالبًا ما كان يتم دفن هؤلاء الموتى ووجوههم نحو الأسفل، وتُغلق الحفرة بعناية بالحجارة والأغصان، لقد اعتقد السلاف أن ذلك يمنعهم من الخروج من القبور والتجول ليلًا في المنطقة. وفي القرن التاسع عشر، اقترح عالم الإثنوغرافيا ديمتري زيلينين في كتابه "مقالات في الأساطير الروسية: الموتى بطرق غير طبيعية وحوريات الماء"، تسميتهم بـ"الموتى الملعونين" أو "السائرين".
ووفقًا للمعتقدات، لا يجد هؤلاءِ الموتى راحةً بعد الموت: قيل إن الأرض لا تقبل توابيتهم، كما أن أجسادهم لا تتحلّل مع مرور الوقت. لذا، يمكن للموتى أن يخرجوا من القبور، ليرعبوا الأحياء، ويؤذوهم.
"لعنت الأم ابنها لأنه رفع يده عليها، وبعد عقود، اضطروا إلى نبش قبره ليجدوا الميت جالسًا في القبر، قال الميت: "أنا هنا منذ ثلاثين سنة، ولم تقبلني الأرض، ولم يمنح الربّ الموت لأمي لأنها لم تغفر لي. إذا غفرت لي، فسيرسل الربّ أمر موتها، وإذا لم تغفر، فلن يمنحها الربّ الموت، ولن تقبلني الأرض الطيبة"، فصلّت الأم، ورسمت علامة الصليب على ابنها، وتحول فورًا إلى غبار". القصة من كتاب يلينا ليفكيفسكايا "أساطير الشعب الروسي"
كان السلاف يخافون أن يصبحوا من الموتى الملعونين، وكان يُعتقد أن أرواحهم تتحرك بواسطة قوىً شريرةٍ، وأنهم سيظلون يتجولون في الأرض حتى يوم القيامة؛ بل ظهرت على ألسنه الناس لعنة تقول "عسى ألا تقبلك الأرض"، وكانت تعتبر من أكثر اللعنات رعبًا.

مافكا، الغيلان، وحوريات الماء
وفقًا للمعتقدات الشعبية، فإن الموتى الملعونين هم أولئك الذين عاشوا فترة قصيرة جدًا أو أطول مما يجب؛ فالمجموعة الأولى شملت جميع المنتحرين، والمفقودين، وضحايا الجرائم والحوادث، والأطفال الذين ولدوا ميتين، إذ كانوا ينهضون من قبورهم لتعويض الوقت الذي خُصص لهم، بينما يعيش السحرة والساحرات سنوات إضافية، وحتى الذين ماتوا بشكل طبيعي لكن عاشوا "بطريقة خاطئة" مثل عدم الزواج، أو عدم إنجاب ذرية، أو لم يُعمّد، كل هؤلاء كانوا يُعتبرون من الموتى الملعونين.
كان يُعتقد أن النساء اللواتي انتحرن أو غرقن قبل الزواج يتحوّلن إلى حوريات ماء، وانتشرت حولهن الكثير من الأساطير، حيث وُصفت حوريات الماء في معظم الحكايات، كفتيات شابات وجميلات. كنّ يظهرن على الشاطئ ليلًا ويجذبن الرجال إلى المياه لإغراقهم، وكان يُعتقد أيضًا أنهن يخنقن الناس بشعورهن أو يقتلنهم بالدغدغة حتى الموت، ووردت ذلك في قصص شعبية حول لقاءات مع قوى شريرة: "في يوم عيد الثالوث كان الفتيان والفتيات يتنزهون، وفجأة رأوا مجموعة من حوريات الماء. عندما رأوا حوريات الماء، هرب الجميع لأنهم كانوا يخافونهن. هربوا جميعًا، لكن فتاة واحدة لم تهرب، فقتلتها حوريات الماء بالدغدغة".

يمكن أن يصبح الرجال أيضًا حوريات ماء إذا ماتوا خلال "أسبوع الحوريات"، وهو الأسبوع السابع بعد عيد الفصح؛ أما الذين يغرقون في أوقات أخرى فكانت تنتظرهم مصائر مختلفة. في كثير من الأحيان، كانت القوى الشريرة تحولهم إلى خيول. في إحدى الحكايات ورد: "كان الحداد يعمل في ورشته، وتأخّر ذات مساء، فجاءه شخص ليطلب حدوة لحصانه، فجهز الحداد كل شيء وقال: أحضر الحصان، وعندما أحضره، اتضح أن أقدام الحصان كانت أقدام إنسان. يبدو أن الشيطان عاقب الغارق".
الأطفال الملعونون، غير المعمدين، والذين وُلدوا ميتين يُطلق عليهم مافكا. يمكنهم العيش في المياه وإغواء الأحياء إلى القاع، وبحسب المعتقدات، كان بإمكانهم التحوّل إلى طيور وإصدار أصوات حزينة ليلًا لجذب النساء الحوامل أو الأمهات الشابات للخروج. كان يُعتقد أنه بعد لقاء مع المافكا قد يُصاب الشخص بمرض خطيرٍ أو يفقد طفله.
آمن السلاف أيضًا أن الأطفال الملعونين يمكن أن يتحولوا بعد وفاتهم إلى كيكيمورا – أرواح شريرة منزلية. كانت هذه الكائنات تعيش فقط في المنازل "الملعونة": المنازل التي مات فيها شخص "بطريقة غير طبيعية"، وكانت الكيكيمورا تضرّ بالعائلة بشتى الطرق: تكسر الأواني، تسرق الطعام، وتمنع النوم.
كما كان لدى السلاف أيضًا مفهوم "الحياة أكثر من اللازم"، أي الحياة التي تمتد أطول مما يجب، إذ كان السحرة والساحرات يطيلون حياتهم باستخدام السحر الأسود.،وكان يُعتقد أنهم يستمدون قواهم من حياة الآخرين، سواءً كانوا من البشر أو الحيوانات أو النباتات. ومن هنا جاء التعبير"يستهلك حياة غيره"، أي يُفسدها.
بعد الموت، كان السحرة يتحوّلون إلى مصاصي دماء ويستمرون في سرقة الحياة من الأشخاص العاديين، إذ كانوا يتسللون إلى المنازل ليلًا ويشربون دماء النائمين أو حتى يأكلونهم.
لكي يصبح المرء كائنًا شريرًا، كان يكفي أن يعيش "بطريقة خاطئة" على سبيل المثال، أن يموت قبل الزواج. لذلك كان السلاف يعتقدون أن الموتى الملعونين يمكن أن يكونوا عرسان أو عرائس لم يتمكنوا من إقامة زفافهم، وبعد الموت، كانوا يعودون إلى أحبائهم محاولين أخذهم معهم إلى القبر.

الهروب من الموتى الأحياء
كان الناس يخافون بشدة من الموتى الملعونين، إذ كان اللقاء بهم يهدد غالبًا بالموت. لذلك، ظهرت في المعتقدات الشعبية طقوس وتعويذات تهدف إلى طرد القوى الشريرة، فكان هناك اعتقاد سائد أن الموتى الملعونين يتجولون حول قبورهم أو يعودون إلى المنازل التي عاشوا فيها قبل وفاتهم، ولذلك ارتبطت معظم الطقوس بهذه الأماكن تحديدًا، وكان من أهم هذه الطقوس تنظيم جنازات خاصّة لهؤلاء الموتى.
اعتقد السلاف أن "الموتى بطريقة غير طبيعية" لا يجوز دفنهم في المقابر بجانب "الموتى الطبيعيين". وكانوا يخافون بشكلٍ خاص من دفن المنتحرين، ففي إحدى القصص الشعبية كُتب: "إذا دُفن شخص كهذا في المقبرة ووقعت كارثة ما في القرية، فإنهم يقولون إن السبب هو دفن المنتحر في المقبرة". في أغلب الأحيان، لم تكن تُدفن جثثهم في الأرض على الإطلاق، بل كانت تُلقى في المستنقعات أو الوديان.
حاولت الكنيسة مواجهة هذا التقليد، وكان رجال الدين وقتئذٍ، يقترحون ببساطة دفن المنتحرين خارج حدود المقابر، حتى أن رئيس الأساقفة فوتيوس، كتب في عام 1416 إلى رجال الدين في بسكوف: "أما من يقتل نفسه بيديه، سواءً بالشنق أو الطعن بالسكين أو الغرق، فإنه بحسب القوانين المقدسة لا يجوز دفنه بجوار الكنائس، ولا الصلاة عليه، ولا إقامة الطقوس، بل يجب وضع جثته في مكان مهجور في حفرة ودفنه".

أُنشئت في المُدن مقابر خاصة لمن ماتوا "ميتة غير طبيعية"، وكانت تُسمى سكوديلنيتسا (قبر مشترك)، ومع ذلك استمر الفلاحون في إلقاء جثث المنتحرين في المستنقعات، وأحيانًا حتى نبش قبورهم لهذا الغرض. استمرت هذه التقاليد حتى القرن العشرين.
بحسب اعتقاد السلاف كان السحرة والساحرات يعلمون أنهم قد يصبحون من الموتى الملعونين بعد وفاتهم؛ لذلك لديهم طقوس خاصة أيضًا. وغالبًا ما كان هؤلاء الأشخاص يحتضرون لفترة طويلة جدًا، إذا لم ينقل الساحر أو الساحرة مواهبهم السحرية إلى شخص آخر، فإن القوى الشريرة تُبقيهم على قيد الحياة، ولمساعدة هؤلاء الأشخاص على الموت، كان يُزال سقف منازلهم، وتُفتح جميع النوافذ والأبواب.
"في إحدى القرى كانت تعيش عجوز يُعرف عنها أنها ساحرة، وكما هو معروف، لا يستطيع السحرة الموت دون أن ينقلوا سحرهم إلى شخص آخر؛ وحين جاء وقت موتها، خافها الجميع ولم يقترب أحد منها. لثلاثة أيام لم يأتها الموت، استلقت تصرخ بصوت مخيف، إذ لم يرغب أحد في أخذ سحرها. شعر رجل بالشفقة عليها وقال: "لماذا لا تساعدونها على الموت؟ لا يجوز أن يتعذب الإنسان هكذا!".
صعد إلى سقف منزلها وبدأ يفككه، وأزال عارضة خشبية أو دعامة، وبحسب المعتقدات، فإن ذلك يسمح للسحرة بالموت. وبمجرد أن أزال العارضة، فارقت العجوز الحياة على الفور، " القصة شعبية من أرشيف قسم نظرية الأدب والفولكلور بجامعة فورونيج الحكومية".
وبحسب المعتقدات، يمكن للشياطين أن تدخل أجساد السحرة بعد وفاتهم، ولمنع ذلك كانوا يصبون الماء المغلي أو الماء المقدس على جثثهم. حتى لو تحول الساحر إلى مصاص دماء، كان من الممكن محاربته. وأفضل طريقة لذلك كانت غرس وتد خشبي من شجر الحور في جسده أو تابوته.
في الأساطير ورد أنه يمكن أيضًا التخلص من حورية الماء بإعطائها أيّة قطعة ملابس، مثل تنورة، أو وشاح، أو مئزر. وإذا لم يكن هناك أي ملابس، كان يُقترح قطع أكمام الفستان لتقديمها لها وتهدئة روحها، ولمنع الكيكيمورا من الاستقرار في المنزل وإلحاق الأذى بالحيوانات، كان السلاف يصنعون تميمة خاصة لها تُسمى "حجر الأفعى". كانت عبارة عن حجر صغير به ثقب في المنتصف. كانت هناك أيضًا طرق عالمية لمحاربة القوى الشريرة، مثل الصلاة، وكان يُعتقد أيضًا أن الشتائم يمكن أن تطرد الموتى الملعونين.

الموتى الملعونون في الأدب الروسي
كثيراً ما أصبح الموتى الملعونون أبطالًا للأساطير الشعبية والأعمال الأدبية. كتب نيكولاي جوجول عنهم كثيرًا في مجموعتيه "أمسيات قرب قرية ديكانكا" و"ميرجورود". أشار إلى الأطفال غير المعمدين في قصة "الانتقام المرعب": "في الساعة الشفق المسائي جين تخبو الشمس، ولم تظهر النجوم بعد، ولم يضيء القمر، يصبح المشي في الغابة أمراً مخيفاً: يزحف الأطفال غير المعمدين على الأشجار، ويتمسكون بفروعها، يبكون، يضحكون، ويتدحرجون ككرات على الطرق وفي الأعشاب الكبيرة ".
في قصة "الغول"، وصف جوجول طريقة أخرى لتقديم الراحة لروح الساحر، وهي التي كانت موجودة لدى السلاف؛ حيث وقف طالب المدرسة اللاهوتية خوما بروت لمدة ثلاث ليالٍ في الكنيسة داخل دائرة وهو يقرأ الصلوات فوق جثمان الساحرة. كان يُعتقد أن الشخص الذي يمتلك قوة سحرية يموت فقط في اليوم الثالث.

في قصة إيفان تورجينيف "مرج بيجين"، كان الأطفال يتبادلون قصصًا عن الموتى الملعونين. كانوا يحكون أساطير عن حوريات الماء، وعن الرجل الغارق الذي سحب صبيًا إلى قاع النهر، وعن رجل ميت كان يشتكي للمارة من ضيق قبره.
في القصيدتين الشعريتين "سفيتلانا" و"ليودميلا" لفاسيلي جوكوفسكي، جاء العريسان الميتان إلى البطلتين. بالنسبة لسفيتلانا ظهر حبيبها المتوفى في حلم فقط، أما ليودميلا فقد أخذها خطيبها إلى القبر معه.
درس ألكسندر بوشكين أيضًا المعتقدات الشعبية. كان بطل قصته "حفّار القبور"، أدريان بروخوروف، يخشى أن يأتيه الموتى الذين كسب ماله من موتهم. في قصيدة "روسالانا وليودميلا"، قطع الساحر تشيرنومور رأس أخيه وسحرها، لكنه لم يدفن جسد الفارس. لذلك لم يتمكن الفارس من مغادرة الأرض، وكانت رأسه، بأمر من تشيرنومور، تحرس السيف السحري.










