ultracheck
السحر في روسيا القديمة (ميغازين).

الفولخف.. قصة السحر في روسيا القديمة

24 نوفمبر 2025

دائمًا ما كان السحرُ حاضرًا في الثقافات القديمة، فلم يكُفّ الإنسان يومًا عن محاولة الاطلاع على الغيب، وتغيير مجرى الأحداث، وتحويله لصالحه أو ضد أعدائه وخصومه، وكان السَّحَرة والعرافون مقصد الناس مِن أجل تحقيق هذه الغايات. ورغم أنّ الديانات السماوية حرّمت هذه الممارسات فقد ظلت رغبات الناس في معرفة الغيب وتغيير الأحداث أقوى. ولم تمنعها من تلك المحاولات محاولات التجريم بالقانون وعقوبات السلطات.

وكانت روسيا القديمة بيئة خصبة للممارسات السحرية، فقد عرفتها بكثافة عبر جميع طبقاتها الاجتماعية، بما فيها الطبقة الحاكمة، وفي مقال مترجم عن مارغريتا كوفينيفا، سنتعرف على كواليس ممارسة السحر في القصور الروسية وبين العوام، ومصير هذه الممارسات في ضوء عقوبات الكنيسة والسلطات.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

كان الإيمان بالسحر موجودًا في روسيا منذ العصور القديمة. في المناطق الريفية والمدن، فقد كان هناك أشخاص مميزون من الممكن اللجوء إليهم لجلب الحبيب أو إلقاء اللعنات أو المساعدة في أمور أخرى. كان السكان المحليون غالبًا ما يحترمون السحرة والمعالجين، ولكن مع تعميد روسيا، بدأت الكنيسة في ملاحقتهم. ما تزال المكتبات تحتفظ بوثائق التحقيقات الجنائية، والتي يمكن من خلالها معرفة من لجأ إلى السحرة، وما الأذى الذي يمكن أن يسببوه، وكيف عوقبوا.

العلاقة المزدوجة تجاه السحرة في روسيا القديمة

في روسيا القديمة كان يُطلق على الكهنة الوثنيين، وعلماء الفلك، والمتنبئين الذين يُعتقد أنهم يمتلكون معرفة سرية، ويتنبؤون بالمصير، ويمكنهم تغيير مجرى الأحداث، اسم "الفولخف". لم يكن السحر الشعبي أو الطقوس الوثنية تُعتبر أمرًا إجراميًّا. كان الموقف تجاهه يتحدد بحسب ما إذا كانت السحر يجلب النفع أم الضرر. ومع ذلك كان السحر محظورًا في التقاليد المسيحية. إذ إنه بعد تعميد روسيا، ظهرت محاكم كنسية نظرت في القضايا المتعلقة بالممارسات السحرية والفولخف والسحرة ومُعدِّي الجرعات السامة وجرعات الحب.

كان الطب الشعبي أيضًا محظورًا من قِبل الكنيسة، إذ كان الرهبان في الأديرة هم من يصنعون العلاجات.

في البداية لم يكن القضاء الرسمي يعاقب السحرة بصرامة، بل كان يحظر عليهم مؤقتًا أو دائمًا زيارة الكنيسة. لكن في القرن الخامس عشر انتشرت التقارير عن السحرة، وأصبحت العقوبات أشد قسوة. هناك قضية معروفة من تلك الفترة حيث اتُهمت زوجة أمير موسكو إيفان الثالث، صوفيا باليولوج، بأن "نساء شريرات" زرنها وكن يحملن جرعات سحرية. مثل هذه الاتهامات استخدمت في المؤامرات السياسية. ففقدت الأميرة صوفيا حظوة زوجها، وأمر إيفان الثالث بإغراق "النساء الشريرات" في نهر موسكو.

وعلى الرغم من رفض الكنيسة كان الناس يحترمون العرافات والسحرة، لكن فقط حتى حدوث مصيبة مثل الجفاف أو الأوبئة أو الأمطار الغزيرة أو تلف المحاصيل. ففي مثل هذه الحالات كان السكان المحليون يَتُوقون إلى الانتقام القاسي منهم.

في عام 1547 شهدت موسكو حريقًا كبيرًا استمر لعدة أشهر بسبب الطقس الجاف، وأودى بحياة الآلاف. اعتُبرت آنا غلينسكايا، جدة إيفان الرهيب، المسؤولة عن ذلك، حيث زُعم أنها تحولت إلى طائر وبدأت تحلق فوق المدينة وترش المباني بالدم مما تسبب في نشوب الحريق. طالب الحشد بتسليم الساحرة وأقاربها، لكن إيفان الرهيب حماها.

القيصر نفسه كان يلجأ إلى السحرة. الباحث في الفولكلور ألكسندر أفاناسيف وصف حدثًا كهذا فقال: "في العام الأخير من حياة إيفان الرهيب، ظهر مذنب في السماء، واعتبره القيصر علامة على موته القريب بسبب تصديقه للخرافات. أمر القيصر بجمع الساحرات من الشمال وإحضارهن إلى العاصمة. وصل إلى موسكو حوالي 60 ساحرة، وكان أعوان الحاكم يسألونهن يوميًا عما ينتظر القيصر".

وصول الساحر إلى حفل زفاف، فاسيلي ماكسيموف 1875
وصول الساحر إلى حفل زفاف، فاسيلي ماكسيموف 1875

أما خدم القيصر فكانوا يؤدون قسمًا خاصًا، يتعهدون فيه بعدم إلحاق الأذى عبر السحر. المؤرخ إيفان زابلين أورد في عمله "حياة قياصرة روسيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر" مقتطفًا بهذا الشأن: "في ملابس الحاكم، وفي أسرته، وفي وسائده، وفي أغطيته، وفي أي من أماكن الحاكم، لا يجوز ارتكاب أي شر، ولا يجوز وضع أي جرعات أو جذور شريرة بأي شكل من الأشكال".

الاضطهاد الديني للسحرة في القرن السابع عشر

في القرن السابع عشر، ازداد اضطهاد السحرة بشكل أكثر حدة، كما يتضح من وثائق التحقيقات الجنائية. فكثيرًا ما كانت القضايا تتعلق بالمقربين من البلاط وخدم القيصر، حيث كانوا يراقبون بعضهم البعض ويبلغون عن أي أفعال مشبوهة. كانت التقارير تُكتب بدافع العداء الشخصي، أو الانتقام، أو الحب غير المتبادل. وإذا ثبتت إدانة شخص ما، فمصيره كان إما الموت أو النفي. وكان ذلك يحدث في معظم الأحيان، إذ كان من المستحيل تقريبًا إثبات البراءة في قضية تتعلق بالسحر.

في عام 1638جرى التحقيق في قضية جارية القيصر داريا، حيث زُعم أنها كانت تُلقي تعاويذ عبر رش الرماد على آثار أقدام زوجة القيصر ميخائيل فيودوروفيتش. النساء اللواتي عملن معها هن من أبلغن عن ذلك. ووفقًا لهن كانت داريا تذهب إلى امرأة عجوز عرّافة خلف نهر موسكو، ثم تخبرهن بما كانت تفعله هناك. كان هذا النوع من السحر معروفًا لدى العامة: إذ يُرش مسحوق سحري على بصمة قدم في الرمال أو الطين أو الغبار، وبعد ذلك يبدأ الشخص الذي أُجري عليه الطقس رحلة المرض والوهن والحزن. وإذا كانت التعويذة قوية، فقد تؤدي إلى الموت.

في الاستجواب الأول أنكرت داريا كل شيء. لكنها لاحقًا، بعد تهديدها بالتعذيب، اعترفت بأنها ذهبت إلى العرافة نستاسيا، التي "تجعل الناس يقعون في الحب، وتنزع الحب والغيرة من قلوب الأزواج تجاه زوجاتهم، وتُلقي التعاويذ على الملح والصابون، وهذا الملح يُقدم للأزواج في الطعام والشراب، والصابون يستخدمونه كالمعتاد". تم استجواب نستاسيا أيضًا. وتحت التعذيب، اعترفت بأنها رشت الرماد المسحور، لكن ليس لإلحاق الأذى بالملكة، بل لجعلها أكثر لطفًا مع الجواري. أُعدمت المدانة، ونُفي المتورطون الآخرون.

جرى تحقيق آخر في عام 1635، إذ أسقطت الجارية أنتونيدا تشاشنيكوفا منديلًا في الغرفة التي كانت تعمل فيها مع الأخريات، ووقعت منه جذور غريبة. وأُبلغت الملكة بذلك. خلال الاستجواب قالت أنتونيدا إن "الجذر ليس شريرًا"، وإنها تحمله معها لعلاج مرض القلب. لكنها لاحقًا اعترفت بأن "زوجها قاس"، وأن زوجة تدعى تانكا أعطتها هذا الجذر ليصبح زوجها أكثر لطفًا. تم العثور على تانكا، التي أكدت كلام أنتونيدا. في النهاية نفيت النساء المتهمات بالسحر مع عائلاتهن من موسكو إلى قازان.

سحر الحب واحد من أكثر أنواع السحر شيوعًا بين سكان المدن. إذ كان الناس يجلبون إلى الساحرات أشياء شخصية تخص الشخص الذي يرغبون في جذبه، أو الأطعمة التي ينوون إطعامه بها. ثم يقرأون تعاويذ قصيرة.

في موسكو مثلًا كانت الساحرات يلقين تعاويذ على الصابون الخاص بالرجل بقولهن: "كما يزول الصابون عن الوجه سريعًا، فليحب الرجل زوجته سريعًا".

الساحرة، ميخائيل كلودت 1891

القرن الثامن عشر: قضايا السحر تحت إشراف الشرطة

كان السحر ما يزال يُعتبر جريمة دينية في بداية القرن الثامن عشر. إذ كان يُعاقَب كل من مارس السحر وكل من لجأ إليه على حد سواء. وكانت العقوبات نفسها تنطبق عليهما، التعذيب أو السجن أو حتى الحرق. ومع ذلك لم تكن القوانين الصارمة فعالة، إذ كان الناس من جميع طبقات المجتمع، من أفقر سكان المدن إلى النبلاء، يلجؤون إلى المعالجين، وصانعي الجرعات، والعرافين، والسحرة.

إذا لم يتسبب السحر في ضرر ملموس، كان القضاة أحيانًا يخففون العقوبة، كأن يأمروا المتهم بالتوبة علنًا.

في الثلث الأول من القرن الثامن عشر، بدأ الموقف تجاه السحر يتغير. لم يعُد رجال القانون يعتبرون السحرة أعوانًا للشيطان، بل محتالين يخدعون السذج ويستغلونهم لتحقيق مكاسب شخصية. ونظرًا لأن نشاط هؤلاء المخادعين يتعارض مع تعاليم الكنيسة، فقد استمرت معاقبتهم، وصولًا إلى الحرق أحيانًا في عهد كاثرين الثانية.

أصبحت الدولة تعتبر السحر مجرد احتيال ضار ناتج عن جهل الشعب. ولم يعد الضرر الناتج عن التعاويذ يُفسَّر على أنه نتيجة للسحر، بل كإصابة بالتسمم الناتج عن الأعشاب والجذور والمساحيق المختلفة. بدأ إشراك خبراء من الصيادلة والعطارين في التحقيقات القضائية، حيث كان عليهم تحديد ماهية "الجذور الشريرة" التي يستخدمها المحتالون.

أصدرت كاثرين الثانية مرسومًا للجنة المكلفة بوضع مشروع قانون جديد، وأشارت فيه بشكل خاص إلى ضرورة التحقيق في قضايا السحر بحذر، حتى لا يُثار القلق بين الناس. وذكر المرسوم أن السحرة غالبًا ما يتعرضون للاتهامات الباطلة، وقد يكونون ضحايا لا مجرمين. ومنذ ذلك الحين، أصبحت قضايا السحر تُنظر أمام الشرطة.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الصحافة

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

آمنة بعلوشة

السلاف
السلاف

الموتى الأحياء في معتقدات السلاف والأدب الروسي

كان السلاف يدفنون هؤلاء الموتى ووجوههم نحو الأسفل، وتُغلق الحفرة بعناية بالحجارة والأغصان، لاعتقادهم أن ذلك يمنعهم من الخروج من القبور والتجول ليلًا

آية حسن حسان

طلاب مدرسة وودميد 1970

مدرسة وودميد.. في مواجهة الأبارتايد بجنوب أفريقيا

لمدّة لا تقل عن عقدين من الزمن، كانت وودميد قد ازدهرت بطريقتها الخاصة، وقد فعلت ذلك رغم الفصل العنصري الوحشي، والاضطهاد، والرقابة التي كانت تحيط بها من كل جانب

آمنة بعلوشة

عصر تدفق المعلومات

عصر فرط "تدفّق" المعلومات.. عن الانتباه كمسألة سياسية

هنا نقل ترجمة لفصول كتيب عنوانه "Stand Out of Our Light" للباحث الأميركي جيمس وليَمز، وهو في أصله رسالةٌ هدفها لفتُ الانتباه إلى مسألة الانتباه

محمد زيدان

غلاف الكتاب والكاتب

في تحرير الانتباه.. هل ينتزع السحر يومًا عن منصّات التواصل الاجتماعي؟

هذه ترجمة فصل من كتيّب بعنوان "Stand Out of Our Light" للباحث الأميركي جيمس وليَمز، وهو في أصله رسالة هدفها لفتُ الانتباه إلى مسألة الانتباه

محمد زيدان

المزيد من الكاتب

آية حسن حسان

كاتبة ومترجمة مصرية

الموتى الأحياء في معتقدات السلاف والأدب الروسي

كان السلاف يدفنون هؤلاء الموتى ووجوههم نحو الأسفل، وتُغلق الحفرة بعناية بالحجارة والأغصان، لاعتقادهم أن ذلك يمنعهم من الخروج من القبور والتجول ليلًا

سرد وبرمجة.. رواياتٌ بلغة الخوارزميات

أصبح الذكاء الاصطناعي لاعبًا فعليًا في ساحة الإبداع، وباتت الروايات التي كُتبت باستخدامه، تحت إشراف بشري، تمثل منعطفًا حاسمًا في تاريخ الأدب