ترجمة لمقال "Engineers of Calamity"، للكاتب أليكس دي وال، الذي يستعرض فيه تاريخًا طويلًا من المجاعات وإنكارها، ويكشف من خلاله كيف تم استخدام الجوع بوصفه سلاحًا لتحقيق أجندات سياسية من أوكرانيا إلى البنغال، مرورًا بإثيوبيا والسودان.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
في زمن المجاعة في أوكرانيا السوفيتية "الهولودومور"، نُسب إلى جوزيف ستالين قوله التالي: "إذا مات رجل واحد من الجوع، فهي مأساة. أما إذا مات الملايين، فهم مجرد أرقام". لكن يمكن إضافة عنصر ثالث إلى ما سبق: "المجاعة هي جريمة قتل لأسلوب حياة بأكمله". وأعتقد أن ستالين كان يدرك ذلك تمامًا.
في السنوات الأولى للاتحاد السوفيتي، واجهت البلاد بين عامي 1919 - 1922 مجاعتين متتاليتين، بل ومتداخلتين أحيانًا، أودتا بحياة نحو 9 ملايين شخص. كانت تلك المجاعات نتيجة مباشرة للاضطرابات التي رافقت وتلت، وقد أدت إلى مشكلات لم تكن لدى القيادة الشيوعية أي استراتيجية للتعامل معها، بل إنها وقفت عاجزةً أمام هذه الكارثة لدرجة أن هذه القيادة اضطرت للسماح لإدارة الإغاثة الأمريكية، بقيادة هربرت هوفر، بتنفيذ جهود إغاثة ضخمة.
بعد سنوات، وفي سياق تحليل آثار تلك الصدمات الاجتماعية المدمرة، استند عالم الاجتماع الروسي بيتريم سوروكين إلى تجربته الشخصية ليبرز إدراك ستالين، وغيره من قادة الاتحاد السوفيتي، لحقيقة أن الجوع الجماعي الحاد لا يدمر النسيج الاجتماعي فحسب، بل يقسو على النفوس ويجردها من إنسانيتها. فكل وفاة في تلك المجاعات كانت مأساة بحد ذاتها، لكن المجاعة ليست مجرد مجموعة من المآسي الفردية، بل إنها أداة تدمير اجتماعي هائل.
بعد عقد من الزمن، كان ستالين يدرك تمامًا أنه يستطيع استغلال هذا الدمار الاجتماعي الهائل لتحقيق أهدافه في بناء مجتمع شمولي وترسيخ سلطته المطلقة. ومن المفارقات المؤلمة أن الهدف الأساسي لهذا الإرهاب الممارس عبر التجويع كان أوكرانيا، التي تُعد أغنى أراضي الاتحاد السوفيتي الزراعية. فقد كانت أوكرانيا خلال القرن السابق بمثابة مخزن الحبوب الذي يغذي المدن الروسية، بل وحتى بريطانيا ودول أوروبية أخرى.
ومع ذلك، لم تسلم مناطق جنوب روسيا وكازاخستان، المنتجتين الرئيسيتين للغذاء، من الدمار الذي خلفته المجاعات. وعلى الرغم من أن كازاخستان شهدت أعلى معدلات الوفاة نسبةً إلى عدد السكان، إلا أن وحشية المجاعة في أوكرانيا، والتي استمرت لفترة أطول وازدادت قسوةً حتى بعد تراجع الجوع في المناطق الناطقة بالروسية، تشير بوضوح إلى استخدام المجاعة كأداة موجهة لتدمير مجتمع قومي كامل. وبعبارة أخرى: إبادة جماعية.
وصف رافائيل ليمكين، المحامي البولندي الذي صاغ مصطلح "الإبادة الجماعية"، "الهولودومور" بأنه مثال نموذجي، حيث قرر الحكام السوفييت القضاء على المثقفين ورجال الدين والفلاحين في أوكرانيا، خاصةً الفلاحين الذين كانوا يمثلون الروح الوطنية للأمة. قال ليمكين في محاضرته الشهيرة عام 1953: "السلاح المستخدم ضد هذا الجسم هو ربما الأكثر فظاعةً على الإطلاق: الجوع".
إن تعريفه للجوع الجماعي بوصفه جريمة اجتماعية يعد أمرًا ذا أهمية وديمومة. لقد توّج ليمكين عمله الطويل في حملة من أجل العدالة بقبول اتفاقية الإبادة الجماعية في عام 1948، بما في ذلك "المادة 2" (ج)، التي تحظر "فرض ظروف معيشية على الجماعة بقصد إحداث دمارها الجسدي كليًا أو جزئيًا". وكلمة الجسدي هنا تشير إلى الاهتمام بالحياة المادية البحتة.
لكن الإبادة الجماعية هي جريمة تُرتكب ضد الجماعة ككيان. يمكننا القول إن مجموعة عائلية تُدمَّر إذا تمزقت الروابط بين الوالدين والأبناء، أو بين الأشقاء، بطريقة لا يمكن إصلاحها. فهل هذا لا ينطبق أيضًا على مجموعة وطنية أو عرقية؟ لا توجد سوابق قضائية يمكن أن تساعد في الإجابة بشكل قاطع على هذا السؤال. من الممكن أن يصدر القضاة في المحاكم الدولية في لاهاي أحكامًا ذات صلة في السنوات القادمة. لكن في الوقت الراهن، يبقى هذا الموضوع، بشكل أقل حسمًا، في أيدي المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية وأخلاقيات البحث.
لا يزال بعض المؤرخين، حتى يومنا هذا، يُصرّون على أن المسؤولين الأوكرانيين أنفسهم يتحملون مسؤولية أشد حالات مصادرة الطعام خلال "الهولودومور". ويرون أن أنماط الحرمان المعقدة التي ظهرت على المستوى المحلي، تحت تأثير القيادة الأوكرانية، تعكس سوء إدارة أكثر من كونها خطة إبادة. لكن أليس هذا بحد ذاته دليلًا على نجاح الخطة السوفيتية في تحويل المجتمع ضد نفسه؟ كيف تمكنوا من دفع الناس إلى تعذيب بعضهم البعض، إلى درجة خيانة المبادئ، والجيرة، بل وحتى أفراد العائلة، فقط من أجل لقمة تسد رمقهم؟
في المنطقة الرمادية للجوع الجماعي، تتحول غريزة البقاء إلى سلاح يدمر أقدس الروابط. تجد الناس يرتكبون أشد الأفعال قسوةً ضد أحبتهم فقط ليبقوا على قيد الحياة. إنه تعذيب للمجتمع ذاته، حيث يتحول النداء البيولوجي للبقاء إلى قوة تهدم التضامن الاجتماعي. هذه الحقيقة المرة تتكرر في قصص المجاعات الكبرى، مثل المجاعة الكبرى في أيرلندا، وتظهر بشكل متزايد في دراسات أخرى تبحث في ذاكرة المجاعات حول العالم.
وعندما ننظر إلى المجتمع ككل، نرى جروحًا صنعها الناس بأيديهم. نرى الانتهازيين، والمستغلين، وتجار الأزمات، وأولئك الذين يختارون التضحية بالبعض لحماية الآخرين، بينما يظلون جزءًا من آلة قمع لا ترحم. لكن ما لا يراه الضحايا هم المهندسون البعيدون لهذه المأساة، أولئك الذين أداروا عملية التدمير الذاتي من وراء الكواليس، إما عن قصد أو بلامبالاة عنصرية تجاه حياة البشر.
وقد "أبدع" هؤلاء المهندسين في استخدام أساليب التمويه والخداع لإخفاء جرائمهم، وإبعاد الأنظار عن أفعالهم. ويمكن تسمية هذه الأساليب الممنهجة بـ"إنكار المجاعة".
كان والتر دورانتي، مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" في موسكو خلال فترة "الهولودومور"، من أبرز الذين انضموا بحماس إلى جوقة الإنكار. وفي مذكراته عن تلك الفترة، يروي المهندس الأميركي زارا ويتكين حادثة تحدى فيها أحد الصحفيين دورانتي، سائلًا إياه عما سيكتبه عن المجاعة: "لا شيء"، أجاب دورانتي. "ما قيمة موت بضعة ملايين من الروس في موقف مثل هذا؟ إنه أمر غير مهم. هذه مجرد حادثة ضمن التغييرات التاريخية الكبرى هنا. أعتقد أن المسألة برمتها مبالغ فيها. على أي حال، لا يمكننا الكتابة بشكل موثوق لأنه لا يُسمح لنا بالذهاب ورؤية الوضع. لن أكتب عن ذلك شيئًا".
كان دورانتي يدمج بين الإنكار البسيط (المبالغة في الأمر) والإعفاء من المسؤولية (نحن لا نعرف على وجه اليقين). ويمكن تسمية العامل المشترك بينهما "إنكار الإحصائيات": كتم أو تلاعب أو تفسير خاطئ للبيانات. ونظرًا لأن المجاعة تُعرَّف جزئيًا من خلال حجمها، فإن الإحصائيات، مثل سوء التغذية لدى الأطفال، واستهلاك العائلات للطعام، وارتفاع معدلات الوفيات، تعتبر مهمة. وعلى العكس من الجرائم الفظيعة مثل المجازر أو القصف، يحتاج الأمر إلى خبير إحصائي لتشخيص الجريمة، الذي يمكن أن يُستدعى إما للادعاء أو للدفاع.
يعود ذلك إلى أن الإنكار لا يقتصر على قمع الحقائق والسرديات فحسب، بل يتعدى ذلك ليحل محلها شيئًا آخر. في حالة إنكار "الهولودومور"، كانت القصة البديلة هي قصة مشرقة عن تحديث المجتمع، حكاية مثالية مليئة بالأمل أسرت العديد من المرافقين، بما في ذلك المراسلين الأجانب، و"الأغبياء المفيدين" بالنسبة لستالين الذين ساعدوا نظامه عن غير وعي. كان دورانتي واحدًا من العديدين الذين رددوا الرواية السوفيتية بأمانة، وحوّلوا الأنظار عن الواقع الراهن نحو أسئلة عن كيفية وصولنا إلى هنا، وإلى أين نحن ذاهبين، على ما يُزعم. فعليًا، كان يقول إن هناك ما هو أهم من مجاعة إبادة جماعية، وهو في هذه الحالة: المشروع السوفيتي المجيد.
تبدأ تاريخية إنكار المجاعات مع اختراع مفهوم المجاعة نفسه. تعتبر اللغة الإنجليزية استثناءً، إذ لديها كلمة محددة لـ"المجاعة"، بينما في معظم اللغات الأخرى توجد مصطلحات تشير إلى "الجوع العظيم"، أو "الجوع الذي يقتل". وتتبنى المجتمعات التي تعاني من المجاعة أيضًا مفردات تعبر عن التجربة الاجتماعية للجوع الجماعي ودلالاته السياسية. ولاحظ خبير الأمن الغذائي بروس كوري كيف أن المجتمعات في بنغلادش وصفت درجات المجاعة باستخدام عبارات تتراوح بين "عندما تكون الصدقات نادرة"، إلى "عندما يتغير العصر".
تكتسب بنغلادش أهمية في بداية هذه القصة لأنها شهدت مجاعة مروعة تسببت بها شركة الهند الشرقية البريطانية في الفترة بين 1770 - 1772. أصبح نهب بنغلادش وجوع أهلها موضوعًا مثيرًا للجدل في بريطانيا بعد حوالي 15 عامًا، عندما تم عزل الحاكم العام للمستعمرة، وارن هاستينغز، في عام 1787.
كانت محاكمته أول وإحدى الحالات الوحيدة التي وجهت فيها السلطات البريطانية تهمًا إلى مسؤول استعماري رفيع لارتكابه جرائم أثناء أداء واجبه الإمبراطوري. تمت تبرئة هاستينغز في عام 1795، جزئيًا، لأن سجله الشخصي كان خاليًا من الجرائم الكبرى، إذ إن المسؤولين الفاسدين في الشركة تآمروا للإيقاع به. لكن قضية المجاعة دخلت، وعلى نطاق لم تشهده إنجلترا ربما منذ نصف ألفية، إلى النقاش العام بقوة.
كانت المجاعة موضوعًا إخباريًا، وكانت الساحة العامة شيئًا جديدًا في ذلك الوقت. كذلك كانت العلوم السياسية والديموغرافيا والإحصائيات. كان بإمكان هاستينغز أو مدَّعيه، مثل الفيلسوف السياسي إدموند بيرك، أن يرددوا العبارة الشهيرة "مليون وفاة هي مجرد إحصائية"، بطريقة كانت جديدة ومؤثرة في ذلك الحين، في حين أنه قبل جيل واحد فقط، كانت هذه العبارة ستكون غير مفهومة.
في عام 1798، قدَّم القس توماس مالتوس للعالم واحدة من أكثر الأفكار إثارةً للجدل في مقالته "مبدأ السكان"، التي قدّمت مفهوم المجاعة كحدث ديموغرافي. زعم مالتوس أن البشر يتزايدون وفق متوالية هندسية (2، 4، 8، )، بينما لا يمكن للإنتاج الغذائي سوى أن يتطور ببطء وفق وتيرة حسابية (2، 3، 4، 5). ووفقًا لرؤيته، إذا عجزت البشرية عن التحكم في نموها السكاني بطرق أخرى، فإن "المجاعة الحتمية العظيمة" ستكون الجلاد الذي يفرض قوانين الطبيعة بلا رحمة.
ورغم أن فكرة مالتوس عن حدود النمو تحمل شيئًا من المنطق، فإن رؤيته للمجاعات كأداة طبيعية للحد من النمو السكاني كانت بعيدة كل البعد عن الواقع. لم تكن هناك أي مجاعة، في أي مجتمع، تتطابق في أسبابها أو نتائجها مع ما سماه "قانون مالتوس". ومع ذلك، بقيت فكرة "المجاعة الحتمية" كالشبح الذي لا يموت، تعود دائمًا لتطارد العقل الإنساني. كانت هذه الفكرة مغرية بشكل خاص للإمبرياليين البريطانيين، الذين سعوا إلى تبرير المجاعات التي كانوا سببها في المستعمرات، سواء في أيرلندا أو الهند أو غيرها، بالإشارة إلى قوانين الطبيعة وإلقاء اللوم على "التكاثر غير المسؤول" لشعوب تلك الأراضي.
اقتحمت الحقائق السياسية للمجاعات نظرية مالتوس بعنف، لتكشف هشاشتها أمام الواقع القاسي. وفي محاولة لاحتواء الغضب في الهند وإخماد أصوات المعارضة في الداخل، سنَّ البريطانيون ما عُرف بـ"قوانين المجاعة"، وهي لوائح إدارية أُعدّت لتقديم الإغاثة المنقذة للحياة، عبر برامج "الغذاء مقابل العمل" غالبًا، حين تتجاوز المعاناة حدودًا محددة يمكن قياسها. كان إعلان حالة المجاعة في أي منطقة بمثابة صفارة إنذار تُلزم الإدارة الاستعمارية بالتحرك.
لكن، رغم ذلك كله، ظل السرد المهيمن يرى في كل مجاعة، مهما كانت أسبابها، انعكاسًا لقوانين الطبيعة التي لا ترحم، وهو سرد لا يكتفي بتجاهل المآسي، بل يمضي أبعد من ذلك ليُحمّل الضحايا مسؤولية معاناتهم، ويضفي على الجريمة غطاءً من التبرير وقسوة التفسير.
ننتقل إلى مجاعة البنغال عام 1943، تلك الكارثة التي نسجتها الظروف القاسية في ذروة الحرب العالمية الثانية. كانت اليابان قد احتلت بورما المجاورة وهددت بغزو البنغال. وفي مواجهة هذا الخطر، اعتمدت بريطانيا سياسة "الحرمان الدفاعي"، حيث منعت الموارد الغذائية ووسائل النقل، بما في ذلك القوارب، من الوصول إلى العدو المحتمل. لكن هذه السياسة، التي كانت تهدف إلى صد الغزو، تعني أيضًا حرمان السكان البنغاليين من الوسائل الأساسية للبقاء على قيد الحياة.
تحولت استراتيجية بريطانيا في تمويل الحرب إلى تحميل عبء ثقيل على مستعمراتها، خاصة الهند، مما أدى إلى تضخم اقتصادي. وفي الوقت نفسه، ضرب إعصار مدمر أجزاءً من دلتا نهر الجانج، ما تسبب في تدمير المحاصيل وغمر القرى. ومع تفاقم أزمة الغذاء، كانت جميع المؤشرات التي تستوجب إعلان حالة المجاعة، وتفعيل إجراءات قانون المجاعة، متوفرة. لكن مجلس الحرب البريطاني رفض الاعتراف بذلك، بل تم حظر الإشارة إلى الجوع في الصحف وحتى في رسائل الجنود إلى عائلاتهم.
في خضم الحرب ورقابة الحرب الصارمة، اعتُبرت المجاعة، في أحسن الأحوال، تكلفة مزعجة، وفي أسوئها كارثة سياسية. وكما يوضح جانام موخرجي في كتابه "بِنغال الجائعة"، كان هناك "قانون مجاعة" ضمني بين المسؤولين الاستعماريين يقضي بعدم استخدام كلمة "مجاعة" إطلاقًا. (واليوم، يُشار إلى المجاعة بين كبار مسؤولي الإغاثة باسم "الكلمة المحرمة"، تمامًا كما تجنّبوا الحديث عن الإبادة الجماعية، "الكلمة المحرمة الأخرى"، في رواندا والبوسنة وغيرها).
كانت أولوية بريطانيا هي خوض الحرب وتخصيص الموارد وفقًا لذلك، مع تفادي الكارثة الإعلامية التي قد يسببها الاعتراف بالمجاعة. وبينما كانوا ينتظرون، لقي نحو ثلاثة ملايين شخص حتفهم.
في كتابه المميز "States of Denial: Knowing about Atrocities and Suffering"، يصف ستانلي كوهين ثلاثة أنواع من الإنكار: الإنكار الواقعي البسيط، و"الإنكار التفسيري" (الاعتراف بالحقائق، لكن الادعاء بأنها ليست كما تبدو)، و"الإنكار الضمني" (إضفاء معنى مختلف على الفظائع لتبريرها). وكما أشرت سابقًا، ينبغي أن نضيف "الإنكار الإحصائي" إلى كل من هذه الأنواع.
في حالة البنغال، كان هناك إنكار واقعي. فقد تم فرض رقابة على استخدام كلمة "مجاعة". ومع ذلك، سُمِح من خلال ثغرة بعرض الصور. وقام إيان ستيفنز، محرر صحيفة "The Statesman" الهندية المملوكة لبريطانيا، بنشر صور مروّعة لجثث متناثرة في شوارع كالكوتا. هذه الصور تحدثت بوضوح عن مأساة الجوع الذي لم يُخفف، ولعبت دورًا رئيسيًا في دفع بريطانيا إلى الاستجابة لهذه المأساة وإنقاذ ملايين الأرواح والحفاظ على النسيج الاجتماعي للبنغال. لكن هذه الاستجابة جاءت متأخرة جدًا ومحدودة. ومع ذلك، كانت خطوة مهمة.
كان هناك "إنكار تفسيري"، حيث جرى قمع الأدلة التي تكشف المعاناة الاجتماعية الناتجة عن المجاعة، وتم نشر الإحصائيات بطريقة انتقائية تخدم الرواية البريطانية. وادعى البريطانيون أن الطعام كان متوفرًا بقدر كافٍ، وأن الوضع لم يكن سيئًا بما يكفي لإعلان المجاعة.
كما كان هناك "إنكار ضمني". فقد ألقى ونستون تشرشل باللائمة على المجاعة، مستندًا إلى ما اعتبره "دونية" الهنود، مستخدمًا عبارات مالتوسية عنصرية، زاعمًا أن سكان البنغال كانوا أقل استحقاقًا للمساعدة مقارنةً بـ"اليونانيين الأقوياء"، الذين كانوا بدورهم يعانون من الجوع بسبب الحصار الذي فرضه الحلفاء على اليونان المحتلة من قبل النازيين.
ورغم كل ذلك، كانت هناك قصة أكثر أهمية: الحرب. وفقًا للرواية البريطانية، كان النصر في الحرب أولوية تتفوق على كل شيء آخر. بالنسبة لتشرشل، كانت وفيات الجوع مجرد رقم على طريق هزيمة قوى المحور والحفاظ على الإمبراطورية. أما بالنسبة للورد ويفيل، نائب الملك في الهند، فقد وصف المجاعة بأنها "واحدة من أعظم الكوارث التي حلت بأي شعب تحت الحكم البريطاني، والضرر الذي لحق بسمعتنا لا يُحصى". كان ويفيل، كما يُقال، متأثرًا بمعاناة البشر، لكن تحرك السلطات البريطانية لم يكن مدفوعًا بالمأساة الإنسانية بقدر ما كان مدفوعًا بالخوف من كيفية تمثيل تلك المعاناة، وهو أمر بدأوا يفقدون السيطرة عليه.
وكما حدث في أوكرانيا قبل عقد من الزمن، فإن السؤال حول الأرقام حجَب التأثير المدمر على المجتمع. في حالة البنغال، لم يكن الأمر حملة إبادة ممنهجة، بل كان تجاهلًا متهورًا وعنصريًا. لكن الصدمات الاجتماعية والديناميكيات التي رافقت تلك الكارثة لا تزال مألوفة وقابلة للتعرف عليها.
في زمن الحرب الشاملة، تتحول الإحصاءات السكانية إلى أرقام باردة، تخفي وراءها أرواحًا وأسماء. هذا التجريد القاسي لا يبقى حبيس المكاتب البيروقراطية، بل يتغلغل في نسيج المجتمع، حيث يصبح مشهد الجثث أمرًا مألوفًا، وتُختزل الهويات إلى تصنيفات عابرة: هندوسي أو مسلم. وكما وصف موخرجي، عندما امتلأت كالكوتا ومدن أخرى بجثث بلا مطالبين، بدأت "لامبالاة حيال مصير الموتى" تسود بين الناس. ومع هذه اللامبالاة، تتسلل القسوة، خاصةً لدى أولئك الذين، بدافع النجاة، يمارسون قسوة يومية على من هم أشد منهم بؤسًا، في سباق خفي يفصل بين الكرامة والانكسار، وبين الحياة والموت.
المجاعة، بطبيعتها، تقسي القلوب وتغير نبرة الحديث. أما عن العنف الذي أعقبها، فيقول موخرجي: "لم يكن هذا جنونًا أصاب المجتمع بسبب شعارات سياسية، بل كان نتاجًا لعنف مفرط وموت مستشرٍ وإفلات دائم من العقاب. إنها علامات مجتمع عانى طويلًا". وهنا يضع موخرجي تركيزه على كلمة "عانى طويلًا"، لكنني أختار التركيز على "عانى".
في مواجهة الجوع، تتحول غريزة البقاء إلى سيف يقطع أوصال التضامن، والصداقة، والرحمة، وحتى الحب. هذا هو جوهر التعذيب، وهو أيضًا جوهر التجويع الجماعي. قد ينجو الفرد من الجوع، لكنه يترك وراءه ندوبًا لا تندمل، وصدمة تمتد إلى روح المجتمع بأكمله، وقد تُنهي وجوده كما عرفه يومًا.
الاقتصادي أمارتيا سن، الذي عاش طفولته في البنغال خلال فترة المجاعة، تأثر بشدة بهذه المأساة، سواء على المستوى الشخصي أو في مسيرته الأكاديمية. من أبرز مساهماته النظرية في دراسة المجاعات كان ملاحظته أن وجود صحافة حرة ومؤسسات ديمقراطية يشكل عاملًا حاسمًا في الوقاية من المجاعات. ويرى أن هذا هو السبب الرئيسي وراء اختفاء المجاعات الكبرى من الهند بعد الاستقلال، مشيرًا إلى تناقض واضح مع المجاعة التي وقعت في ظل القفزة الكبرى للأمام لماو تسي تونغ، والتي تمت في سرية تامة.
تُعد هذه المجاعة الأكبر في التاريخ، حيث أودت بحياة ما يُقدر بـ36 مليون شخص بين عامي 1958 و1962. وقد تم التستر عليها بفعالية كبيرة لدرجة أنها لم تصبح موضوعًا للدراسة إلا بعد عشرين عامًا، عندما بدأ الديموغرافيون بملاحظة شذوذ إحصائي مذهل في تعداد السكان. وبينما هلك عشرات الملايين، كان ماو يروّج لرواية تزعم أن التحديث جعل البلاد "تدور بفائض مفرط."
حالة أخرى تبرز في سنوات الجوع التي عاشتها إسبانيا من 1939 إلى 1952. المؤرخ ميغيل أنخيل ديل آركو بلانكو يوضح كيف استخدم نظام فرانكو، في أربعينيات القرن الماضي، استراتيجيات مماثلة لتلك التي وصفها ستانلي كوهين. عندما أصبح الإنكار البسيط مستحيلًا، لجأ فرانكو إلى أساطير تلقي باللوم على جفاف مزعوم مستمر، وعلى الدمار الذي خلفته الحرب الأهلية. كما برر السياسات التي عمّقت الجوع في المناطق ذات التوجه الجمهوري تاريخيًا، عبر إلقاء اللوم على الحصار الذي فرضه الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية.
هذه الأمثلة تكشف كيف يمكن للأنظمة الاستبدادية أن تعيد صياغة المآسي من خلال الروايات السياسية، فتُخفي الحقائق القاسية عن الأنظار وتلقي بظلالها على المعاناة الحقيقية.
تم التستر أيضًا على المجاعات الجماعية في كمبوديا تحت حكم "الخمير الحمر"، وفي إثيوبيا خلال عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي ومن ثم تحت النظام العسكري الشيوعي، وكذلك في السودان وجنوب السودان خلال الثمانينيات والتسعينيات. في جميع هذه الحالات، كانت المجاعات تُخفى عن الأنظار من خلال قمع الأخبار وفرض رقابة على الصحف والإذاعات والتلفزيون. ودائمًا ما كانت هناك رواية رسمية بديلة تُبرز أمرًا "أهم" من الجوع الجماعي، مثل الاحتفاء بعظمة الإمبراطورية، أو الاحتفال بذكرى الثورة، أو جذب الاستثمارات الأجنبية في الزراعة، أو ببساطة التستر على حرب مروعة.
لكن في العقد الأخير، اضطرت أساليب الإخفاء إلى التطور، فقد أصبح لدينا الآن معايير دولية لقياس حالات الطوارئ الغذائية والتعامل معها بسرعة: آليات تعتمد على حسابات دقيقة وتتميز بالشفافية والتنظيم. ومع ذلك، فإن من يسعون إلى استخدام المجاعة كسلاح باتوا مضطرين إلى إنكار هذه المعايير أو تشويهها أو تحديها. لتحقيق ذلك، يلجؤون إلى الإنكار الإحصائي - أحيانًا بأساليب بدائية وأحيانًا بطرق معقدة - إلى جانب الأساليب التقليدية القديمة لقمع الأخبار والتعتيم على الحقيقة.
قبل عقدين من الزمن، ومع تزايد الحاجة إلى نظام دقيق لتقييم الأزمات الغذائية الحادة في دول كالصومال، توحدت جهود عدد من وكالات الإغاثة لإنشاء مبادرة عُرفت فيما بعد بـ"التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (IPC). هذه المبادرة كانت أكثر من مجرد أداة تحليل، إذ جمعت بين ثلاث ركائز أساسية: استهلاك الغذاء وسبل العيش، سوء التغذية، ومعدلات الوفيات.
ومن خلال هذه البيانات، وُضع تصنيف من خمس مراحل، يبدأ من المرحلة الأولى (وضع طبيعي/لا خطر)، مرورًا بمراحل متصاعدة (ضغط، أزمة، طوارئ)، وصولًا إلى المرحلة الخامسة، التي تحمل عنوانًا مُزلزلًا: (كارثة/مجاعة). في حالة "الكارثة"، تكون الأسر قد استنفدت كل الوسائل للحصول على الطعام، أو أن مجتمعات بأكملها تسقط في المرحلة الخامسة على أساس معيار واحد أو اثنين فقط. أما "المجاعة"، فتُعلن حين تتجاوز نسب السكان في منطقة معينة الحدود الحرجة في المعايير الثلاثة جميعها.
يمثل هذا النظام أداة حاسمة في تسليط الضوء على الأزمات الغذائية العالمية، مما يتيح تدخلات أكثر دقة واستجابة فاعلة للمجتمعات الأكثر تضررًا.
وكما يوضح خبراء "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (IPC) في كل تقرير يصدرونه، فإن الظروف التي تسبق إعلان "المجاعة" تظل كارثية بكل معنى الكلمة. ففي المرحلة الرابعة، تكون المجتمعات غارقة في اليأس، ترتفع فيها معدلات الوفيات، ويواجه الأطفال مستويات حادة من سوء التغذية. أما في المرحلة الخامسة، مرحلة "الكارثة"، فإن الأسر تفقد كل وسائلها للبقاء، وتضطر إلى كسر المحرمات بحثًا عن الطعام، وتتعرض العلاقات الاجتماعية لضغوط لا تُحتمل، قد تصل إلى حد الانهيار التام.
لتقييم المجاعة، يتم النظر إلى ثلاثة أبعاد رئيسية: الشدة، والحجم، والمدة. ويركز نظام "IPC" على "الشدة" أو حدة الحرمان في منطقة معينة، حيث يمكن قياسها في الوقت الفعلي ونشرها كآلية تحذير مبكر. الفكرة وراء ذلك هي أن العالم لا يمكنه الانتظار لحساب العدد الإجمالي للوفيات، "حجم" المجاعة، أو لاحتساب مدة المعاناة قبل أن يُعلن رسميًا عن وقوع المجاعة.
في هذا النهج، يكون التركيز على التحرك المبكر، لأن التأخير يعني ترك أناس في مواجهة حتمية مع الجوع والموت، في وقت تكون فيه كل لحظة حاسمة لإنقاذ الأرواح واستعادة الأمل.
صُمّم نظام "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (IPC) بناءً على فرضية تنبع من حسن النية، وهي أن الأولوية في السياسات العامة ستكون دائمًا منع وقوع الأزمات الإنسانية والمجاعات. لكن في عالم السياسات العامة، من المألوف أن نرى كيف يمكن لتبني مؤشر معين كهدف أن يؤدي إلى تشويه السياسات لتتركز فقط على تحقيق هذا المؤشر. إنها مشكلة قديمة في مجالات مثل الصحة العامة والتعليم، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما لا تصمد فرضية حسن النية أمام الواقع.
ما نراه اليوم، للأسف، هو أن الأولوية في كثير من الأحيان ليست في منع المجاعة نفسها، بل في منع الإعلان الرسمي عنها. تُوجَّه السياسات لضمان ألا يظهر المؤشر في "المنطقة الحمراء"، ويمكن تحقيق ذلك بعدة طرق: منع الوكالات الإنسانية من جمع المعلومات، التشكيك في البيانات التي تم جمعها، أو القيام بالحد الأدنى اللازم لضمان عدم تجاوز العتبة الحرجة.
هذا هو "الإنكار الإحصائي الحديث"، وقد شهدنا أشكالًا مختلفة منه في جنوب السودان، السودان، سوريا، اليمن، وإثيوبيا. لكل بلد نسخته الخاصة من هذه المأساة، ولكل واحدة منها قصة تستحق فصلًا خاصًا في التاريخ المؤلم للتلاعب والتستر. دعونا نسلط الضوء على اثنين من هذه الأمثلة: إثيوبيا والسودان.
في منطقة تيغراي في إثيوبيا، شهدنا مزيجًا عميقًا من الإنكار وبناء قصة بديلة. فقد شنّت الحكومة الإثيوبية، بالتعاون مع شريكها الإريتري، حربًا طويلة من التجويع ضد تيغراي بدأت في تشرين الثاني/نوفمبر 2020. كانت المرحلة الأولى من الحرب، التي استمرت 9 أشهر، تهدف إلى تدمير كل ما هو أساسي للبقاء على قيد الحياة على نطاق واسع. ثم تلتها المرحلة الثانية التي امتدت لأكثر من عام، حيث تعرضت المنطقة لحصار جوع مروع. كانت الحكومة الإثيوبية واضحة في استخدام الجوع كسلاح رئيسي.
في حزيران/يونيو 2021، في ذروة الحرب، أشار "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (IPC) إلى أن المجاعة كانت مرجحة جدًا في ظل استمرار الحرب وعدم تقديم المساعدات. وحدث هذا السيناريو بالفعل، ولكن الحكومة الإثيوبية أوقفت عمل "IPC" ومنعت فريقًا تابعًا له من الوصول، مما حال دون جمع أي بيانات. واعتمدت الحكومة وبعض المسؤولين في برنامج الأغذية العالمي، إلى جانب عدد من المؤيدين الأجانب، على غياب الأدلة كدليل على عدم وجود المجاعة. ولم يُعلن عن المجاعة، بل كان الدبلوماسيون الدوليون يتفاوضون على أعداد الشاحنات التي تجلب المساعدات، ويهلّلون لـ "النجاح" كلما سُمح بمرور قافلة واحدة فقط.
كانت الرواية التي تبنتها الحكومة الإثيوبية تقول إن الحرب كانت "عملية لإنفاذ القانون"، وأنه لا يمكن أن تحدث مجاعة (ولا حتى جوع) لأن البلاد كانت تحصد محاصيل وفيرة وتصبح مصدرًا غذائيًا، وأن إثيوبيا كانت تُستعاد إلى عظمتها الإمبراطورية. كان ذلك السرد العكسي، المشابه لسياسات ستالين وماو، رواية انتصارية نجحت، من خلال مزيج من الرشوة، والأخبار المزيفة، والجُرأة في سرد حكاية أراد الجمهور الدولي سماعها، في التأثير والانتشار.
في كانون الثاني/يناير من هذا العام، منح كوي دونغيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) التابعة للأمم المتحدة، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد جائزة "أجريكولا" تقديرًا لما اعتُبر نجاحات في الإنتاج الغذائي، مما أثار استياء العديد من موظفي المنظمة.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2022، تم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في تيغراي، لكنه أدى فقط إلى فصل مرير من القصة، حيث استمرت المجاعة المُستخدمة كسلاح في إثيوبيا، والذي وُصف بأنه "سرقة غذاء على نطاق صناعي". وفي أيار/مايو 2023، تم الكشف عن جزء صغير من المؤامرة: تحويل المساعدات الغذائية في تيغراي.
ونتيجة لذلك، قامت الحكومة الأميركية وهي أكبر مانح لبرنامج الأغذية العالمي، بتعليق تمويلها للمساعدات الغذائية. لكن ذلك كان مجرد جزء صغير مما هو مخفي. أما الأمر الذي استغرق الكشف عنه وقتًا طويلًا، فقد كان اكتشاف أن صادرات القمح الإثيوبية شملت مساعدات غذائية دولية تم سرقتها، وإعادة تعبئتها، وإعادة علامتها التجارية. وهناك همسات شائعات تشير إلى أن بعضها تم بيعه مرة أخرى إلى برنامج الأغذية العالمي كجزء من المساعدات، ما يشير إلى إن جرأة الفساد مذهلة حقًا.
وفي تحقيق حديث أجرته وكالة "رويترز"، تم نقل تصريحات لمسؤولين في مجال الإغاثة يلقون اللوم على الضحايا في سرقة الطعام، قائلين إنهم كانوا يبيعون حصصهم الغذائية، في مثال واضح على "الإنكار التورطي". توجد أدلة قوية على أن آلاف الأشخاص ماتوا جوعًا نتيجة قطع تلك المساعدات. بينما ينكر الدبلوماسيون الأميركيون ذلك، ويقومون مع الأمم المتحدة أيضًا بإخفاء الأدلة المتعلقة بحجم السرقة على مستوى البلاد.
لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد الذين لقوا حتفهم، لكن التقديرات تشير إلى أنه ما بين عامي 2020 - 2022، فقد أكثر من 375.000 شخص حياتهم جوعًا، إلى جانب الآلاف الذين توفوا نتيجة انهيار النظام الصحي. سجل الأطباء في تيغراي قفزة أخرى في أعداد الوفيات بسبب المجاعة بعد قطع المساعدات الغذائية.
ورغم ذلك، لم يُستأنف العمل بنظام التصنيف المتكامل للأمن الغذائي (IPC) في إثيوبيا بعد. قد يأتي يومٌ يتمكن فيه علماء السكان من إعادة بناء أرقام أكثر دقة لتحديد الخسائر البشرية التي تسببت بها "سياسات الجوع" التي فرضها رئيس الوزراء آبي. وعندما يحدث ذلك، ربما نجد أن العدد قد يصل إلى مليون ضحية، لم يلحظهم العالم. لكن ما وراء الأرقام لا يزال أعظم: إنها عملية هدم ممنهجة لمجتمع كامل، حيث يُجبر أبناء تيغراي على التقاتل فيما بينهم في معركة قاسية للبقاء.
من المحتمل أن يكون السودان قد شهد أكثر من أي مكان آخر في العصر الحديث مجاعات شديدة، إلى جانب أشكال متعددة من الإنكار والتجاهل. وعلى مدار تلك الأوقات العصيبة، تطورت أيضًا العديد من الأساليب لكسر جدار الصمت الذي حاول النظام فرضه. ففي عام 1992، في ذروة مشروع الإسلام السياسي الراديكالي في السودان، حين كان أفراد من جماعات مثل القاعدة و"حماس" يتجمعون في الخرطوم، شنَّت جماعة الإخوان المسلمين حملة سمتها "الجهاد" في جبال النوبة، حيث أعلنوا أن سكان المنطقة، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو من أتباع الديانات التقليدية، كفار يجب قتلهم أو إجبارهم على التحول إلى الإسلام. وبحجب تام للأخبار، رافق المجاهدون الجيش النظامي وبدأوا في اعتقال الأهالي، ونقلهم إلى معسكرات بعيدًا عن موطنهم، بهدف تحويلهم إلى رعايا إسلاميين بالقوة.
لكن من قلب هذا الظلام، وقف أهل المدن السودانية بجانب هؤلاء النازحين الجوعى والمعدمين، ورفضوا أن يظلوا صامتين أمام معاناتهم. تعاونت شبكات الدعم غير الرسمية لتكسر جدار السرية الذي حاول النظام فرضه، مما ساهم في تقويض عزيمة السلطة في تنفيذ حملة إبادة جماعية عبر التجويع. واليوم، نجد أملًا يتجدد من خلال حركة مجتمعية تناضل لإطعام الجائعين وكسر حواجز الإنكار، حتى في ظل ظروف أكثر تعقيدًا. وتمثل "غرف الاستجابة الطارئة المحلية"، تلك الفرق التطوعية التي تعمل بلا كلل من أجل تقديم المعونة، نقطة الضوء الوحيدة وسط الظلام المتسع الذي يحيط بالسودان.
بدأت الحرب الحالية في نيسان/أبريل 2023، حيث دارت المواجهة بين القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. خلّفت هذه الحرب مجاعة، ليس فقط بسبب حجم الدمار الذي تسببت فيه الاشتباكات، ولكن أيضًا لأن كل طرف يستخدم التجويع كسلاح، وإن كان بطرق مختلفة.
تعتبر قوات الدعم السريع مثل أسراب من الجراد البشري، آلة نهب لا تترك شيئًا خلفها، تعيث فسادًا وتدميرًا لكل ما لا تستطيع حمله معها. ويشمل ذلك تدمير المستشفيات والمراكز الطبية، الجامعات، البنية التحتية الزراعية، وحتى مخازن الغذاء. من جهتها، تستخدم القوات المسلحة السودانية طائراتها لقصف البنية التحتية الحيوية. فهي إما تمنع المساعدات الإنسانية أو تبطئ وصولها بشكل كبير، معتمدةً على مكانتها كحكومة معترف بها من الأمم المتحدة لتأكيد سيادتها في تحديد ما إذا كانت المساعدات مسموحًا بها أم لا. وقد استسلمت الأمم المتحدة لهذه الوضعية. رغم عدم وجود قوات من الجيش السوداني ضمن مئات الأميال من الحدود بين السودان وتشاد، حيث يعبر المهربون وتجار الأسلحة يوميًا، إلا أن الحدود مغلقة تقريبًا أمام برنامج الغذاء العالمي، إذ يصر المستشارون القانونيون للأمم المتحدة على أن كل شاحنة بحاجة إلى إذن من السلطات في بور سودان، التي تبعد 1500 ميل.
في حزيران/يونيو، وبموجب تقرير من لجنة تقييم المجاعة "IPC" الذي كان على وشك أن يؤدي إلى تشكيل لجنة مراجعة المجاعة، بدأ سفير السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث محمد، بتقليص أهمية الأدلة. اعترف بالتحدي الذي يطرحه العدد المرتفع للذين يواجهون الجوع، لكنه أصر على أن 750.000 شخص في مرحلة 5 من تقرير "IPC"، وهو أكبر رقم مسجل منذ بدء اللجنة، يشكلون "نسبة ضئيلة" لا تتعدى 2% من إجمالي السكان. وأضاف أن الأرقام ستنخفض مع مرور الوقت بعد حصاد جيد. بل وذهب إلى القول، في النهاية، إن الفقر والدمار الذي تسببت فيه قوات الدعم السريع كان السبب الحقيقي وراء هذه المجاعة (وهو سرد صحيح، وإن كان من جانب واحد).
كل مجاعة تحمل نوعًا خاصًا بها من الإنكار الضمني. النسخة السودانية منها تتمثل في الفكرة القائلة إن إعلان "المجاعة" هو ذريعة للاستيلاء الدولي على البلاد. في نهاية مؤتمره الصحفي، ترك محمد أوراقه جانبًا، وتحدث بانفعال متهمًا قوات الدعم السريع بأنها تعمل "بشكل خبيث.. مع دوائر دولية محددة.. لتطوير سردية يمكن من خلالها فرض المجاعة من الأعلى... [لإعطاء وصفة لأولئك الذين يتمنون الشر للتدخل في السودان]". واختتم تحذيره بـ "حرب يوم القيامة التوراتية"، دون أن يحدد ما إذا كانت ستكون ردًا على إعلان المجاعة من قبل لجنة تقييم المجاعة أو تدخل إنساني أجنبي.
لكن لجنة مراجعة المجاعة لم تُرهبها هذه التصريحات، وفي نهاية تموز/يوليو، أصدرت تقريرًا يؤكد "وجود مجاعة مع أدلة معقولة". لكن رسالة الدبلوماسي السوداني كانت موجهة بشكل أكبر إلى روسيا، والصين، وبعض حلفائهما، الذين يطمحون إلى أن تمتلك الحكومات السيادية السلطة للتحكم في جميع المساعدات العابرة لحدودها. وخوفًا من استخدام روسيا لحق النقض في مجلس الأمن، لم تدفع الأمم المتحدة لبعثة سلام أو آلية قوية لضمان وصول المساعدات إلى الجائعين بغض النظر عن اعتراضات الأطراف المتحاربة.
وبحسب تعريف لجنة "IPC"، فإنه من المحتمل أن تكون عتبات المجاعة قد تم تجاوزها في مخيمين للنازحين بالقرب من مدينة الفاشر في دارفور، حيث من المرجح أن يموت عشرات الآلاف جوعًا. لكن البلد بأسره يعاني أيضًا من أزمة غذائية، إذ إن واحدًا من كل خمسة من سكانه يعاني من طوارئ غذائية من المرحلة الرابعة حسب تصنيف "IPC". وبالمجموع، قد تشير هذه الأرقام إلى مليون وفاة بسبب الجوع والأسباب ذات الصلة، مجاعة كارثية لا يمكن إلا أن يتم الحداد عليها بعد وقوعها. وفي الوقت نفسه، تخدم المجاعة الأغراض العسكرية والسياسية للأطراف المتحاربة من خلال قطع الروابط الاجتماعية التي تشكل أساس أي مجتمع حي.
نحن بحاجة إلى الإحصائيات لفهم المجاعة، لكن الإحصائيات لا يمكنها أن تصف كل ما تحمله المجاعة من معانٍ. المجاعة هي كارثة اجتماعية. أولئك الذين يسببونها يفعلون ذلك عن معرفة، وأحيانًا بنية إبادة جماعية. المجاعة هي ذاكرة تظل حية بين الناجين، وعار يعيش بين أولئك الذين ارتكبوا الفعل. في كل حالة من الحالات التي ذكرتها، يسبب تجويع الآخرين تدهورًا أخلاقيًا لدى من يقومون بهذا الفعل. على مدار عقود في السودان، كانت الأطراف البعيدة حيث سادت المجاعة تعتبر "مناطق خالية من الأخلاق"، حيث كان يُشجّع ضباط الجيش والمليشيات على النهب، والاغتصاب، والقتل، وحتى أخذ العبيد، حتى تحولت العاصمة نفسها إلى منطقة خالية من الأخلاق.
في إثيوبيا، أصبح أولئك الذين تسببوا في المجاعة في تيغراي في النهاية متورطين في فظائع أخرى، شَنوا حربًا مضادة شرسة في منطقة أمهرة، ودمروا الأحياء السكنية في العاصمة لبناء ناطحات سحاب على غرار دبي، ومتنزهات، ومراكز تسوق. أما المسؤولين الدوليين عن المساعدات الذين كانوا شهودًا صامتين على جرائم المجاعة هناك، فقد أصبحوا الآن في موقف محرج. لم يعد بإمكانهم التحدث عن فساد داخل صفوفهم، خوفًا من أن تتضرر سمعة المؤسسات الكبرى التي لا يمكن المساس بها.
في بعض حصارات روسيا في حربها الحالية على أوكرانيا، مثل حصار ماريوبول في 2022، شهدنا جريمة حرب تتمثل في التجويع. كما نرى أيضًا تجويع الأسرى الأوكرانيين. لحسن الحظ، لم تصل المجاعة في أوكرانيا إلى حجم الحالات المعاصرة الأخرى، على الرغم من محاولات روسيا المستمرة في هذا الصدد.
أعتقد أن القوات الروسية التي تدمر بشكل دوري وتخرب النصب التذكارية لـ"الهولودومور" في المناطق الأوكرانية التي اجتاحتْها، تفعل ذلك جزئيًا بسبب الغضب الذي ينبع من الشعور بالعار، إذ إن فلاديمير بوتين يعرف جيدًا ما فعلته القيادة السوفيتية آنذاك، ويسعى إلى كتابة رواية مختلفة للتاريخ. وهو وقواته يدركون تمامًا ما يفعلونه عندما يدمرون المزارع والفلاحين، بل وحتى التربة نفسها في أوكرانيا. هنالك درس عام هنا، وهو أنه كما أن التعذيب في النهاية سيقضي على إنسانية الجلاد، فإن التجويع سيدمر في النهاية النسيج الأخلاقي للمجتمع الذي يمارسه أو يقرّه أو ينكره. يتحول الجناة إلى ضحايا لجرائمهم، وتصبح مناطق المجاعة خالية من الأخلاق، وأولئك الذين يتسلطون عليها يفقدون إنسانيتهم في دورة مميتة.
لنختتم بالحديث عن غزة. هناك، نشهد مجاعة جماعية. نراها في الصور والقصص التي يرسلها الصحفيون المحليون وعمال الإغاثة. كما نراها في البيانات التي تجمعها اللجنة المعنية بمراجعة المجاعة في "IPC". ورغم أن هذه اللجنة تتحلى بحذر شديد في تفسير البيانات، إلا أن الأرقام تشير إلى كارثة إنسانية ضخمة، مع أعداد هائلة في مرحلة الطوارئ (المرحلة الرابعة) ومرحلة الكارثة (المرحلة الخامسة)، أي على وشك أن تتحول إلى مجاعة كاملة.
أقرب ما جاء به تقرير "IPC" في تصريحاته كان "المجاعة متوقعة" في آذار/مارس. وفي تشرين الأول/ أكتوبر، كانت "خطر المجاعة". لكن الأسبوع الماضي (مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الماضي)، أصدرت تحذيرًا غير مسبوق بأن "حدود المجاعة قد تم تجاوزها بالفعل [في شمال غزة] أو أنها ستُتجاوز في المستقبل القريب" خلال أيام.
إذا كانت بيانات "IPC" في السودان تشير إلى أكبر مجاعة من حيث الحجم خلال 40 عامًا، فإن بيانات غزة تكشف عن أشد كارثة إنسانية منذ أن بدأ "IPC" في إجراء تقييماته. ومن الممكن أن تكون هذه المجاعة الأكثر تركيزًا وشدة في تقليص عدد السكان إلى حالة المجاعة منذ الحرب العالمية الثانية. تشير تقييمات "IPC" إلى أن نسبة السكان في غزة الذين هم في المراحل الرابعة والخامسة من المجاعة تتراوح بين 37 و 69 بالمئة. وهذه الأرقام تقارن مع أسوأ البيانات المسجلة من المناطق الأكثر تضررًا في جنوب السودان واليمن وتيغراي والصومال، والتي تراوحت بين 34 و 61 بالمئة. أما شمال غزة، فتجاوزت النسبة فيه 80 بالمئة في المراحل الرابعة والخامسة. اليوم، أصبح شمال غزة "ثقبًا أسود" من حيث البيانات، ولكن لدينا كل الأسباب لتوقع الأسوأ. في رأيي، هذه مجاعة جماعية، مجاعة تقتل، وهي جريمة مجاعة.
تعتبر أرقام غزة صادمة بشكل خاص، لأنه قبل تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، كانت مستويات سوء التغذية الحاد حوالي 1 بالمئة، وكانت معدلات الوفاة العامة لا تتجاوز ربع المعدلات المعتادة في البلدان الإفريقية. كان الوضع في غزة يعاني من انعدام الأمن الغذائي بمعنى أن معظم الناس كانوا يعتمدون على المساعدات الغذائية من الأمم المتحدة، التي كانت تصل وفقًا لقرار إسرائيل. كان العديد من الأطفال يعانون من نقص في العناصر الغذائية الدقيقة، لكن قلة منهم كانوا يعانون من نقص الوزن. لكن بعد السابع من أكتوبر، قفزت مؤشرات أزمة الغذاء الحاد بشكل مفاجئ، وبسرعة غير مسبوقة.
إسرائيل وحلفاؤها في المجتمع الدولي أمام تساؤلات عميقة تحتاج إلى إجابات حاسمة. هل تسعى إسرائيل إلى استراتيجية لتجويع غزة، بحيث تبقى على حافة المجاعة دون أن تتجاوز الحد الذي يستدعي إعلانها رسميًا؟ هل تُحجم عن جمع البيانات الإنسانية حتى لا تتخطى المؤشرات العتبة الحرجة؟ وهل تدرك إسرائيل وحلفاؤها أنه، رغم الحفاظ على المؤشرات دون العتبة الرسمية للمجاعة، فإن الوفيات الحالية قد تتراكم وتصل إلى مستويات المجاعة؟ هل يمكن أن نشهد 100.000 وفاة - مجرد رقم - دون أن يُعلن عن المجاعة؟ وهل هم واعون بأن هذه الكارثة ليست مجرد أرقام، بل هي صدمة مجتمعية، وتدمير جماعي لمجموعة بأكملها؟ وكما يجب أن نقيم ما يحدث في غزة بناءً على المعايير نفسها التي نقيّم بها الأزمات الإنسانية في أنحاء العالم، يجب أيضًا أن نضع استراتيجيات الإنكار تحت المجهر.
القاضي أهارون باراك، الرئيس السابق للمحكمة العليا في إسرائيل، قد حسم في عام 1999 موقفًا شجاعًا ضد استخدام التعذيب من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، حتى ضد "الإرهابيين المعروفين"، حيث قال: "على الرغم من أن الديمقراطية غالبًا ما تضطر إلى القتال بأيدٍ مكبلة، إلا أن لديها اليد العليا". وعندما رفعت جنوب إفريقيا قضيتها ضد إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية قبل أحد عشر شهرًا، تم ترشيح باراك للجلوس على مقعد المحكمة. وفي آذار/مارس، طالبت جنوب أفريقيا بأن تسهل إسرائيل وصول المساعدات الإنسانية بشكل فوري وواسع وفعّال. صوت باراك لصالح هذا القرار، مما جعل القرار بالإجماع. وتأتي هذه المواقف لتطرح سؤالًا عميقًا: أيهما سينتصر، ادعاء إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية تحكمها سيادة القانون، أم المجاعة في غزة؟
يخبرنا التاريخ عن العار الذي لا يزول، عار أولئك الذين أنكروا المجاعة في أوكرانيا، والبنغال، وإثيوبيا، والسودان. إنه الفساد الأخلاقي الذي يعتري من تسببوا في تلك الكوارث، ومن سَتَروا الحقائق عنها، ومن أغلقوا أعينهم عن الواقع المخيف. يجب علينا أن نستخلص هذا الدرس ونحمله في ذاكرتنا، حتى لا يتكرر ما لا يمكن تحمله.