اندلعت الحرب الروسية ضد أوكرانيا عام 2022، ومنذ ذلك الوقت باتت روسيا كلها في حالة حرب، وبات على كل قطاعات البلد أن تحتشد في معسكر واحد بشعار واحد لغاية واحدة. وضع فرض على السينما الروسية قيودًا شديدة حوّلتها من منصة إبداع ونقد إلى بوق دعاية.
في ترجمة لمقال "Russian Cinema Under Siege: State Censorship and the New Normal" للكاتبة يانا كراينوفا، على موقع Russiapost تبوح السينما الروسية ببعض همومها، في دولة تخوض حربًا لا تفسح مساحة لرأي مغاير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ اندلاع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، شهد المشهد الثقافي في البلاد تحولًا عميقًا، وكانت السينما في طليعة القطاعات التي أصابها هذا التغيير الجذري. فبعد أن كانت مساحة شبه تعددية، تتأرجح بين التيار المحافظ المدعوم من الدولة وبين تيار دور السينما الفنية ذات التوجهات العالمية المعارضة، باتت اليوم ضحية لآليات الإنتاج الأيديولوجي، ودخلت السينما الروسية، شأنها شأن معظم مجالات الحياة العامة في البلاد، طورًا جديدًا يتسم بالخضوع للرقابة الفكرية، وتسخيرها لأغراض سياسية، وتزايد عزلتها عن التيارات الثقافية العالمية.
قبل السقوط: منظومة هشة من التناقضات
كانت السينما الروسية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مرآةً للتناقضات. فمن جهة، برز مخرجون ذائعو الصيت على الساحة الدولية مثل أندريه زفياغينتسيف، صاحب فيلمي "ليفياثان" و"بلا حب"، واللذين كشفا بجرأة عن الفساد الأخلاقي المستشري في الدولة الروسية، وعن أثره العميق في حياة الناس العاديين. وغالبًا ما حملت أعماله نقدًا صريحًا للفساد، والبيروقراطية، والانحلال الأخلاقي، وهي موضوعات وجدت صدى واسعًا في الأوساط السينمائية الغربية. وقد رُشِّحت أفلامه لجوائز الأوسكار، ونافست في مهرجان كان، وكانت محل نقاش مستفيض بين المثقفين الليبراليين داخل روسيا وخارجها.
ورغمًا عن مواضيعها التي تمسّ الأداء الحكومي، فكثيرًا ما حظيت هذه الأعمال بتمويل مشترك من مؤسسات حكومية، مثل وزارة الثقافة أو صناديق الدعم السينمائي التابعة للدولة. وكان المنطق وراء ذلك متشابكًا ومعقدًا: فبرغم تشديد الدولة قبضتها على الحياة السياسية والمجتمع المدني، فقد تسامحت أحيانًا – بل ودعمت – الحضور الدولي لمخرجين معارضين. فالدولة ذاتها التي أنفقت على إنتاج ملاحم عن الحرب العالمية الثانية، لم تتوان عن إرسال مخرجين ذوي مواقف سياسية متباينة لتمثيل روسيا في المحافل الخارجية. وهكذا، عاشت السينما الفنية والدعائية جنبًا إلى جنب، في حالة من التعايش القلق، لكن كليهما ظل فاعلًا ومؤثرًا.
كذلك احتفظت مهرجانات سينمائية، مثل "كينوتافر" في سوتشي ومهرجان موسكو السينمائي الدولي، بهامش من الحرية في تنظيم فعالياتها. وقدّمت منصات البث مثل "ستارت" و"بريمير" أعمالًا كوميدية غير تقليدية، بل والعديد من المسلسلات الدرامية الموجهة حصرًا لمجتمع الميم، بل وحتى أعمالًا ساخرة، تنتقد وتسخر من الشرطة والبيروقراطيين. وبذلك نشأت حالة من الاستقلالية المتفاوض عليها، استقلالية ضيقة النطاق، لكنها كانت حقيقية وملموسة.
2022 عام سقوط الستار
شكّل غزو أوكرانيا في شباط/فبراير 2022 نقطة النهاية لذلك التعايش الغامض. فبين ليلة وضحاها تقريبًا، تلاشى التسامح مع هذا التنوع في الطرح والموضوعات. وخلال أسابيع قليلة، أصدرت وزارة الثقافة الروسية إرشادات تمويل جديدة، تُلزم صانعي الأفلام صراحةً بإعطاء الأولوية لـ"القيم التقليدية"، و"الوطنية"، و"التربية الروحية والأخلاقية". لم تكن هذه توجيهات عامة أو شعارات فضفاضة، بل أوامر مُسبقة التنفيذ، إذ فُرضت على المشاريع قيود صارمة، رُفضت نصوص، أُلغيت أفلام، ووُضع بعض المخرجين على القوائم السوداء لعدم انسجام أعمالهم مع العقيدة الأيديولوجية الجديدة.
وكانت البيروقراطية الثقافية نفسها من أوائل الضحايا. فقد برز فلاديمير ميدينسكي، وزير الثقافة الأسبق والمبعوث الثقافي الحالي لبوتين، بوصفه المنظّر الأبرز لـ" القاعدة الجديدة لما هو مقبول وغير مقبول" في السينما. وفي إطلالاته العلنية، هاجم "النزعة العالمية"، وندّد بالتصوير "المتشائم" للحياة الروسية، ودعا إلى إنتاج سينما قادرة على "رفع روح الأمة". وسرعان ما بدأ جيل جديد من المسؤولين – بعضهم تكنوقراطيون، وآخرون متشددون أيديولوجيًّا – في ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات عملية.
الهجرة والمنفى: أفول سينما المستقلّين
كان هذا التحول بمثابة قضية وجودية لصانعي الأفلام المستقلين. فهناك على سبيل المثال، كيريل سيريبرينيكوف، الذي طالما اشتهر وعرف بخلافاته مع السلطة، والذي واجه حكمًا بالإقامة الجبرية بعد محاكمة طويلة قُدّم إليها بتهمة اختلاس شاع بين الجميع أنها دبّرت بدوافع سياسية. وفي عام 2022، عُرض فيلمه "زوجة تشايكوفسكي" لأول مرة في مهرجان كان السينمائي، لكن سيريبرينيكوف كان قد غادر روسيا حينها، معلنًا أن "حرية التعبير الفني لم تعد ممكنة في روسيا".
ولم يكن وحده، فقد لحق به آخرون، ومنهم كانتيمير بالاجوف، مخرج فيلم "بينبول" الذي يعتبره العالم السينمائي نجمًا صاعدًا في سماء السينما العالمية. غادر بالاجوف إلى المنفى، معبرًا علنًا عن معارضته للحرب. كما غادر صانعو أفلام وثائقية، ومنتجون، ومحررون، وممثلون، بعضهم في صمت، وآخرون دون رجعة. وبالنسبة للكثيرين، لم يكن الأمر مسألة ضمير فحسب، بل مسألة بقاء، إذ إن القانون الروسي الصادر عام 2022، الذي يجرّم "تشويه سمعة القوات المسلحة"، جعل حتى الانتقادات الرمزية أو المجازية للحرب كفيلة بجرّ صاحبها إلى أتون الملاحقة القضائية.
خلق هذا الإطار القانوني مناخًا مرعبًا وممارسين مرتعبين من الرقابة الذاتية المكثفة. صار المنتجون يراجعون النصوص مسبقًا، ويحذفون المشاهد الغامضة، ويتجنبون أي محتوى يمكن أن يُفسَّر سياسيًّا على أنه مثير للريبة. وغدت الاستعارة والسخرية – وهُما من ركائز المقاومة الثقافية الروسية – لعبتين محفوفتين بالمخاطر.
منصات البث الخاصة كأداة للمراقبة: موت التعددية الرقمية
في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عقد كثير من المخرجين آمالهم على أن تتيح منصات البث الخاصة وسيلة للالتفاف على الرقابة التقليدية. فقد تولّت خدمات مثل "كيون" و"ستارت" و"أوكو" تمويل وإنتاج محتوى أصلي، كان بعضها – وإن لم يكن ثوريًّا – يجرؤ على تجاوز بعض الحدود الاجتماعية، مستكشفًا موضوعات كالصراع بين الأجيال، والهوية الجنسية، وعبثيات الدولة.
لكن هذه النافذة الرقمية أُغلقت بدورها. فبعد انسحاب "نتفليكس" وغيرها من المنصات الدولية من السوق الروسية في عام 2022، ازدادت شعبية المنصات المحلية، لكنها خضعت بالمقابل لتدقيق الدولة. وبحلول عام 2023، اجتاحت موجة من الإلغاء مشاريع مسلسلاتٍ رُئي أنها لا تحمل ما يكفي من الطابع الوطني. فقد أُرجئ عرض دراما تاريخية عن وحدة من الجيش الأحمر لأن القصة حكت عن بعض الخلافات التي نشأت داخل صفوفه، كما أُلغي عرض كوميديا رومانسية تدور أحداثها في ضواحي موسكو بعد اتهامات بـ"تشويه صورة العائلة الروسية التقليدية". وشرع المديرون التنفيذيون في تلك المنصات – وكثير منهم على صلة بتكتلات اقتصادية مملوكة للدولة – في تبني المعايير الأيديولوجية ذاتها المطبقة على تمويل الأفلام. وفي بعض الحالات، باتت المبادئ التوجيهية الداخلية لا تختلف كثيرًا عن تلك التي تعتمدها وزارة الثقافة: عدم تقديم صورة سلبية "للقيم الأسرية"، والامتناع عن انتقاد "مؤسسات الدولة"، وإظهار "التراث الوطني" في إطار إيجابي.
ما يراه الجمهور وما يُحجب عنه
ربما كان التحول الأكثر إرباكًا هو ما يُعرض اليوم للجمهور الروسي بوصفه أفلامًا سينمائية. ففي قاعات العرض، أصبح المشاهدون محصورين بين عروض أفلام الحرب الوطنية، والأفلام الكوميدية الخالية من أي دلالات سياسية، وأفلام الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال والمحمّلة برسائل تمجّد التاريخ الروسي الماضي والحالي. أما الأفلام الأجنبية فقد اختفت إلى حد كبير؛ إذ بعد العقوبات والمقاطعات الذاتية، توقفت استوديوهات هوليوود عن توزيع أفلامها في روسيا، مما اضطر دور السينما إلى الاعتماد على إنتاج محلي منخفض التكلفة أو على نسخ مقرصنة تُقدَّم تحت مسميات ملتوية مثل "نسخة حصرية دعائية ما قبل الإصدار الرسمي".
ومع الوقت، أخذت اللغة البصرية لـ"العملية العسكرية الخاصة" تفرض هيمنتها. فقد حظيت أفلام الحرب التي تدور أحداثها في أوكرانيا، والتي تمجّد الجنود الروس وتردد رواية الدولة، بتمويل ضخم. وعُرض فيلم "مدافعو دونباس" عام 2024 وسط حملة دعائية واسعة، ترافقها عروض مدرسية وتأييد علني من مسؤولي الدولة. وكما كان الحال مع أفلام الحرب العالمية الثانية في العقد الماضي، لم يكن الهدف من هذه الإنتاجات الترفيه فحسب، بل ترسيخ سردية وطنية عن "النضال الاصيل".
ومع ذلك، فحتى هنا، تجد الدولة نفسها في مواجهة جمهور متردد. فبالرغم من الميزانيات الطائلة والدعم الحكومي، لا تحقق بعض هذه الأفلام نجاحًا يُذكر في شباك التذاكر. وبينما قد يُبدي الجمهور الأكبر سنًّا تقبّلًا أكبر لها، فإن المشاهدين الأصغر سنًّا غالبًا ما يتجهون إلى المحتوى الغربي المقرصن، أو يستخدمون شبكات VPN، أو يكتفون بتجاهل هذه الأعمال كليًّا. ففرض السيطرة الثقافية لا يعني بالضرورة امتلاك الشرعية الثقافية.
الطرف الوهمي للمعارضة
ومع ذلك، لا يمكننا القول بأن شعلة الحياة السينمائية الروسية قد انطفأت تمامًا. فما يزال صانعو الأفلام المستقلون في المنفى يواصلون إنتاج أعمالهم، غالبًا بالتعاون مع شركاء أوروبيين أو منظمات من الشتات. وقد أطلقت مجموعة من المخرجين المنفيين، في عام 2023، مهرجانًا إلكترونيًّا يعرض أفلامًا تتناول موضوعات النزوح زمن الحرب، والرقابة، والمنفى. ورغم محدودية وصول هذه الأعمال إلى داخل روسيا، فإن مثل هذه المبادرات تحافظ على ذاكرة مضادة، أشبه بأرشيف سينمائي للمعارضة.
أما داخل روسيا، فتتخذ المقاومة أشكالًا أكثر حذرًا وخفاءً. يحاول بعض المخرجين دمج النقد في الأفلام النوعية – الخيال العلمي، أو الرعب، أو الدراما التاريخية – مستعينين بالاستعارة، والرمزية، والغموض لتمرير أفكار تحمل طابعًا نقديًّا ومعارضًا. وتعرض بعض المهرجانات الإقليمية، على نحو هادئ ودون ضجيج إعلامي بعيدًا عن رصد السلطة، أفلامًا قصيرة ذات محتوى استفزازي للحكومة.
لكن التحدي لا يقتصر على الرقابة، بل يشمل البنية التحتية نفسها. فقد أغلقت دور السينما المستقلة أبوابها، ونضبت موارد شركات الإنتاج البديلة، وأُسكِت النقاد والصحفيون الذين كانوا يومًا يناصرون الأفلام الجريئة، أو أُجبروا على الهجرة. صار النظام الذي اعتاد دعم التعددية في الماضي أثرًا بعد عين.
السينما أداةً للحكم
يكمن التحول الأعمق في السينما الروسية في إعادة تعريف السينما ذاتها. فلم تعد وسيلة لاستكشاف الغموض الأخلاقي أو ممارسة النقد الاجتماعي، بل أصبحت أداة في يد الدولة، وقناة لحشد الولاء، والتحكّم في ذاكرة الشعب، وصناعة المحتوى المرضي عنه. وتستند هذه الرؤية إلى منطق سوفيتي قديم: على الفن أن يخدم الشعب، وعلى الشعب أن يخدم الدولة.
غير أن السينما السوفيتية، في ذروة مجدها، استطاعت أن تُنتج أعمالًا فنية باهرة ضمن حدود أيديولوجية صارمة، بينما تميل الدولة الروسية اليوم إلى تفضيل الوعظ المباشر على التعقيد الفني. وأصبح تقدير الأفلام يُقاس، ليس بما تحمله من قوة جمالية أو سردية، بل بمدى نفعها: هل يمكنها إلهام الشعب، وتبسيط المحتوى، وتوحيد آراء الناس؟
ولهذا التحول تبعات بعيدة المدى. إذ يُقال لجيل كامل من صانعي الأفلام – تصريحًا وتلميحًا – إن النجاح مرهون بالتوافق مع الخط العام. في عيون البعض، يعني ذلك التكيف مع القوانين الجديدة، أما في عيون الآخرين، فلا يعني سوى الصمت أو المنفى. أما بالنسبة للتراث السينمائي الروسي، فتلك القوانين من شأنها أن تفرغه من مضمونه، بل أن تسفّهه.
النتيجة: مأساة مستقبل مُتنازع عليه
تعيش السينما الروسية هذه الفترة حالة حرب، ليس فقط مع الرقابة، بل مع هويتها. فالوسيط الذي قدّم لنا رؤى تاركوفسكي الميتافيزيقية، ويأس سوكوروف الشعري، واتهامات زفياجينتسيف الأخلاقية، يتأرجح الآن بين المحتوى الدعائي والمحتوى العقيم، وتقلّصت مساحة التناقض، والغموض، والتعقيد أكثر فأكثر.
ومع ذلك، فقد علّمتنا الأيام أن الثقافة نادرًا ما تموت، بل إنها تتكيف، وتقاوم، وتعود للظهور بأشكال جديدة. في فضاءات الظل في المنفى، والعروض السرية، والتعاون مع المنفيين والمهاجرين في كل بلاد العالم، ما يزال شبح السينما الروسية القديمة حيًّا. ما يزال من غير المؤكد ما إذا كانت ستعود، وبأي شكل.
لكنّ هناك أمرًا واحدًا واضحًا: أن معركة مستقبل روسيا الثقافي لا تُخاض في ساحات القتال أو في الوزارات فحسب، بل تتكشف في النصوص، وغرف المونتاج، ووميض الشاشات. وحتى الآن، ما يزال الحصار قائمًا.