ultracheck
طه حسين

1939: عام جمود طه حسين فكريًا؟

22 ديسمبر 2024

في عام 1940، بعد عودته من البعثة العلمية (حيث أوفدته جامعته إلى جامعة كامبريدج)، أثار لويس عوض موجة من الغضب الثقافي بثورته وتمرده على الأنماط الثقافية السائدة، ثم ذاع صيته بعد ثورة تموز/يوليو عام 1952، حيث أخذ ينشر مقالاته في جريدة "الجمهورية" ثم "الشعب" وبعد ذلك "الأهرام"، وكانت أفكاره غالبًا ثورية ضد التيار.

ومن ثم تهيج المثقفون التقليديون الذين ناصبوه العداء، خاصةً لما استلمحوه في كتاباته من نقمة على الثقافة العربية والمصرية بوجه خاص، بدءًا بدعوته إلى الكتابة بالعامية مع ديوانه "بلوتولاند" عام 1947، وإعلانه موت الشعر العربي عام 1932 بموت أحمد شوقي "مات ميتة الأبد"، ثم محاولته التشكيك في أصالة الثقافة العربية على نحو ما فعل في دراسته عن المعري "على هامش الغفران" عام 1964.

هذا طبيعي من شخص خصص دراساته وبحوثه لدراسة آداب الغرب (جمعها في كتاب "في الأدب الإنجليزي الحديث" (1950) إضافةً إلى ترجماته: "برومثيوس طليقًا" (1946) لشلي، و"فن الشعر" لهوارس 1945 وغيرهما)، وتحديدًا الأدب الإنجليزي، دون أن يتصل بالثقافة العربية ولا التراث العربي إلا فيما ندر.

والتكوين الفكري للويس عوض، على نحو ما حكى في سيرته "أوراق العمر سنوات التكوين" (1989)، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه الثقافة. ففي سنيه الأولى، التحق بمدرسة الفرير وهو في الخامسة من عمره، وكانت اللغة الفرنسية هي السائدة في هذه المدرسة، ثم التحق بعد ذلك بمدرسة المنيا الابتدائية الأميرية وهو في السابعة من عمره. وعند التحاقه بالجامعة، رفض الاستمرار في كلية التجارة التي أصر والده دخولها بعدما رفض الالتحاق بكلية الحقوق، فأمضى وقته في القراءة والكتابة للصحف، ثم التحق بعد ذلك بقسم اللغة الإنجليزية، وبعد تخرجه سافر إلى بعثة. 

 

معول في جدار الثقافة العربية

في كل كتاباته، تحامل عوض على الثقافة العربية تحاملاً شديدًا، ووضعها في مرتبة أدنى من نظيرتها الأجنبية، حتى بدا لدى البعض أنه كاره لهذه الثقافة، على الرغم من أن غيره من طلاب البعثات المصرية إلى الجامعات الغربية، سواء في فرنسا أو إنجلترا، سافروا ودرسوا هناك ولم نجد منهم مثل هذا التحامل على ثقافتنا العربية. بل على العكس تمامًا، بحث بعضهم عن أواصر الصلات بين الثقافتين، وذهب آخرون إلى المقارنات العلمية بين الظواهر الإبداعية بين الثقافتين على نحو ما فعل فخري أبو السعود في سلسلة من المقالات التي كان يرسلها إلى جريدة "الرسالة". ومنهم مَن اختبر المناهج الغربية التي درسها على يد أساتذة الغرب على أدبنا العربي، بغية الوصول إلى نتائج أكثر دقة ومنهجية وعلمية، كما هو ماثل في أستاذه طه حسين. وقدمت هذه النماذج المتنوعة من روّاد البعثات المصرية إسهامات قيمة جعلت من دراساتهم في الغرب إضاءة للأدب العربي، وفهمه وفقًا للمناهج المستحدثة. 

تبلورت فكرة تنكّره للثقافة العربية ورموزها عندما دُعي، بصفته مستشارًا ثقافيًا لجريدة "الأهرام"، إلى إلقاء محاضرة في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد، للطلاب الجامعيين العرب في تشرين الثاني/نوفمبر 1971، وهي المحاضرة التي كان عنوانها "التطورات الثقافية في مصر منذ 1952".

كانت المحاضرة بمثابة تعرية لآراء لويس عوض في كل ما يخص الثقافة المصرية وكشف لانحيازاته للثقافة الغربية، التي راح يروّج لها منذ عودته من بعثته، وهو ما عبر عنه مبكرًا في مقالته التي نشرتها مجلة "الهلال" بتاريخ الأول من شباط/فبراير 1941 بعنوان "الأدب الإنجليزي أدب عالمي"، والتي أخذ يدافع فيها عن إنسانية الأدب الإنجليزي، شأنه شأن الأدبين الإغريقي والفرنسي.

بل ووصفه أيضًا بأنه "أدب يعبر عن عواطف الجنس البشري، لا عن عواطف الإنجليز وحدهم"، ساعيًا إلى البحث عن صلات الأدب الإنجليزي بغيره من الآداب الأوروبية، وفي ذات الوقت، الإلمام بما "أضافه الإنجليز إلى التراث الأدبي الذي تداولته أمم الغرب إلى يومنا هذا"، في محاولة لتقديم صورة مجملة عن هذا الأدب.

ثم راح يسهب في الكتابة عن أعلام هذا الأدب، فكتب عن أوسكار وايلد، وت . س. إليوت، وجميس جويس، وبرنارد شو، وغيرهم من الأعلام. لذا، تسلح بكل أدوات الهجوم، وشحذ أسلحته لهدم كل الثوابت، فلم يكتف بنقض الخطوط الأساسية للسياسة المصرية في هذه الفترة ممثلةً في شخصية الرئيس جمال عبد الناصر، حيث وجه له سهام النقد المباشر والمبطن فحسب، وإنما هدم معبد الثقافة على من فيه، وبدأ هجومه على نجيب محفوظ، باعتباره "صنيعة الثورة" وهي فرية، إذ إن محفوظ أبعد ما يكون عن صنيعة ثورة يوليو، فأعماله تدين الثورة، وتنتقد سياساتها بصورة مباشرة وغير مباشرة، على نحو ما ترجم في أعماله: "اللص والكلاب"، و"السمان والخريف"، حتى إن إحدى التأويلات المهمة لروايته الأزمة "أولاد حارتنا" تعتبرها نقدًا للدكتاتورية التي يمثّلها ضباط يوليو، على عكس كافة التأويلات والتحليلات التي حشرتها في خانة الدين.

الغريب أنه تحدث عن ثلاثية نجيب محفوظ الاجتماعية، ذاكرًا أنه يوجد فيها أوصاف فاضحة لثورة 1919، ثم تحدث عن رواية "بين القصرين" وشخصية السيد عبد الجواد العملاق زير النساء الذي يسلك سلوك الطاغية في عائلته كما وصفه، متناسيًا أنه تحدث عن الرواية في مقالة سابق نشره في جريدة "الأهرام" عام 1962، باعتبارها تاريخ أسرة طبّق نجيب محفوظ فيها فكر أميل زولا عن الوراثة، وقال إن هذه القصة "تحكمها وحدة رهيبة عميقة من ألفها إلى يائها، شأنها شأن كل عمل فني عظيم (...) في اجتهادي الشخصي أن هذه الوحدة الرهيبة العميقة التي تحكم "بين القصرين"، على حدة، وتحكم "الثلاثية" كلها مجتمعة إنما تكمن في أشخاص الرواية لا في أحداثها"، إلى أن يقول: "فرواية بين القصرين إذن دراسة فنية في الروابط بين أفراد أسرة مصرية من الجوانب البيولوجية والسيكولوجية والسوسيولوجية".

 

طه حسين التنويري

بدأ لويس عوض محاضرته موجهًا حديثه إلى الطلاب قائلًا: "أظن أفضل طريقة لمعالجة الموضوع، أن نعود القهقرى إلى السنوات القليلة التي سبقت ثورة 1952"، والسبب يعود عنده إلى رغبته في استيفاء الحديث عن الحياة الثقافية منذ الثورة، فمن المفيد الإلمام بحالة الآداب المصرية قبل الثورة مباشرةً. وبطبيعة الحال، أن يلتقي بقامات فكرية كانت ملء السمع والبصر من قبيل شخصيات مثل طه حسين ورفاقه: عباس محمود العقاد، وهيكل، وسلامة موسى. فهؤلاء كانوا الأعلام عندما جاءت الثورة، يصولون ويجولون بكتاباتهم على صدر المنابر الصحفية والمجلات، ومباشرةً يذهب إلى طه حسين.

في البداية، يعرفه تعريفًا يليق به هكذا: "كان طه حسين وزيرًا للمعارف مدة عامين، وكل من تتبع تاريخ طه حسين يُدرك أنه يُمثّل أعلى قمة في الديمقراطية الأدبية، وخاصةً ما صنعه من أجل التعليم، فهو الذي عمّم التعليم المجاني في المرحلتين الابتدائية والثانوية، ولكنه لم يستطع أن ينفذ خطته في التعليم الجامعي بسبب طبقة الباشوات التي لم تكن ترغب في أن تطبق مجانية التعليم في الجامعات".

الصورة التي ينقلها للطلاب عن شخص طه حسين وأدواره الثقافية في الحياة لا بأس بها، وهو يستحقها وأكثر، فأدوار حسين التنويرية كُتبت عنها كتابات مُستقلة، ولويس عوض ذاته تناول جانبًا منها في كتابه "الحرية ونقد الحرية" (1971)، إذ تحدث فيه عن طه حسين ودوره كأستاذ جامعي وأفكاره العقلانية التي كانت منارة له ولجيله، ذلك أن بداية علاقة لويس عوض بحسين كانت علاقة التلميذ بالأستاذ، فهو يقدره ويحترم أفكاره.

كما أنها علاقة شخصية، فقد لعب طه حسين دورًا مهمًا في حياته الفكرية والثقافية مع بداية تكوينه، فيحكي في كتابه عن هذه العلاقة منذ أن تخرج من الثانوية العامة، ومن ثم قبوله في كلية الآداب، وكان طالبًا فقيرًا، فذهب إلى الكلية كي يحصل على مجانية التعليم، وسأل عن العميد، فقيل له: "نحن في فصل الصيف"، لكنه لم يستسلم، فتجرأ وأخذ عنوان العميد، وذهب إليه في فيلته التي يقطنها في مصر الجديدة قبل أن ينتقل إلى رامتان الهرم.

وبعد اتصاله بسكرتيره، تم الاتفاق على موعد، وبالفعل استقبلته السيدة سوازن، وخرج إليه العميد، وسأله عن السنة التي يدرس فيها، فأخبره أن لم يدخل الكلية بعد، فقد جاء إليه طالبًا منه أن يسأله عن المجانية بسبب ظروف عائلته، فأخبره طه بأن نظام المجانية يمنح وفق قواعد، وأنه لا يستطيع أن يتدخل في عمل اللجان، وعندما استفسر منه عن عائلته، طمأنه طه حسين بأنه سيحصل على نصف المجانية.

كما يعجب لصورة طه حسين العميد، والوزير والمحاولات التي سعت إلى إجبار العميد إلى الاستقالة، وموقف الطلاب من الاستقالة، ثم العودة وكيف تم استقباله من قبل الطلاب، باعتباره واحدًا ممن غضبوا لاستقالته، ثم ابتهجوا أيما ابتهاج لعودته. ومما يؤكد عمق وتقدير لويس عوض له باعتباره أستاذه ومعلمه، أنه أهدى له كتابه "في الأدب الإنجليزي" اعترافًا له بفضله في نشر هذه الدراسات في مجلة "الكاتب المصري"، فيقول له: "فاسمح لي أن أنسى أنك اصطحبت المعالي فأحييك علنًا أمام الناس كما حييتني علنًا أمام الناس".

 

ردة فكرية

لكن هذه الصورة الجميلة لم تكن إلا الطعم الذي مهّد به كي يصل إلى مبتغاه بهدم طه حسين. فبعد هذا الثناء على الدور المهم الوظيفي الذي قام به حسين، ينقضُّ سريعًا على دوره الأدبي، فيقول بكل أريحية هادمًا تاريخ الرجل الأدبي والفكري، لمجرد أن له موقفًا بعينه، موجهًا خطابه لجمهور المحاضرة: "يمكنكم أن تقولوا إن طه حسين باعتباره مفكرًا يضطلع بدور في الأدب المصري، قد انتهى عام 1938، أي قبل الثورة بثلاثة عشر عامًا، وكانت قمة نتاجه كتاب (مستقبل الثقافة في مصر)"، الذي يُعد بحق كتابًا أساسيًا وخطيرًا أيضًا: "لأنه وضع فيه تشخيصًا لحالة الثقافة المصرية، وقدم رؤية لما ينبغي أن يكون".

فالكتاب، من وجهة نظره، جاء في أعقاب معاهدة 26 آب/أغسطس 1936، وهو ما كان له مغزى خطير، إذ كما يقول: "إن فترة الثلاثينيات تجمعت فيها مختلف التيارات الشمولية والسلفية بإزاء الأزمة التي مرت فيها الديمقراطية الليبرالية في مصر، وبناء على هذا السياق الذي سيعول عليه في محاضرته، ينظر للكتاب على أنه محاولة لإنقاذ بعض القيم الهامة في المجتمع المصري، والثقافة المصرية".

وبمعنى آخر، هو: "بمثابة رد على ذلك المد الزاحف من مختلف الفلسفات الشمولية التي كانت سائدة في تلك الفترة". كل هذه الأسباب جعلته يضعه على قمة نتاجه الفكري، وإعجابه بهذا الكتاب لم يتوقف عند ما ذكره في المحاضرة، بل جعل عنوانه عنوانًا لمقالة له عن أوضاع الثقافة المصرية نشرها في آب/أغسطس 1977 في مجلة "المعرفة".

القضايا التي عالجها الكتاب جاءت على هوى الأستاذ العائد من بعثته في أوروبا، فطه حسين في هذا الكتاب يرى: "أن على مصر أن تلتمس نهضتها عن طريق عقد الصلات مع أوروبا". ففي تصوره أن ظهور كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" في هذا التاريخ هو حُسْن توفيق من طه حسين. فهذه الفترة، وتحديدًا أواخر الثلاثينيات، شهدت مصر ظواهر كانت غاية في الخطورة، مثل الجمعيات الفاشية التي كانت آخذة في النمو والتطور وكسب المواقع. واعتبر أنه، إلى جانب ممثلي الديمقراطية الأدبية، أخذوا يبذلون "أقصى ما لديهم من جهد لكبح جماح هذه الحركات، وذلك بدعوته إلى العلمانية".

ومع كل هذه الحفاوة بالكتاب وما جاء فيه من أفكار، إلا إنه ذهب إلى القول بأن طه حسين بعد هذا الكتاب وصل إلى مرحلة الجمود الحقيقي. بمعنى أن ما جاء من كتابات بعد هذا الكتاب لا ترقى إلى مستوى كتابات طه حسين السابقة، وهو ما يشير إلى تراجع مستوى كتابات طه حسين التالية. هنا يبدو التساؤل: ما الأسباب التي جعلت طه حسين ينحرف هذا الانحراف في مساره الفكري؟ وهل حقًا أصيب بالجمود الفكري؟ ولماذا هذا التردي في هذا التاريخ؟ وهل فعلًا لم يقدم طه حسين كتابات بنفس مستوى ما قدمه قبل هذا الكتاب؟

من وجهة نظر لويس عوض، ذهب طه حسين بعد هذا التاريخ، عام 1938، تاريخ صدور كتاب "مستقبل الثقافة في مصر"؛ ذهب مذهبًا آخر بما كتبه من سلسلة التراجم الإسلامية، فكتب "على هامش السيرة" معتمدًا على سيرة ابن هشام، ثم أصدر بعدها كتاب "الفتنة الكبرى" عن عثمان الخليفة الراشد الثالث، ثم أصدر "على وبنوه".

في الحقيقة، الردة الفكرية التي ينسبها إلى طه حسين بسبب تأليفه هذه الكتب في التراجم الإسلامية، على الرغم من المغالطات التاريخية فيما ذكره، وسأعود إليها لاحقًا؛ لم تقتصر على طه حسين فقط، بل شملت أيضًا العقاد وهيكل، فيقول عن العقاد إنه هو الآخر في الوقت ذاته "أنهى مهمته كقائد من قادة الفكر". لماذا يا تُرى؟ لأنه "عكف على كتابة سلسلة من السير الدينية، لقد كتب حوالي خمس عشرة سيرة دينية"، بل يجزم "لقد تخصص في السير الدينية". وشمل هيكل لأنه كتب كتابًا بعنوان "حياة محمد"، وبعد هذه يُعلن بأنه يمكن اعتبار سنة 1936 هي التاريخ الرسمي للقضاء على الديمقراطية الأدبية. اختيار هذا العام تحديدًا لعلاقته الوثيقة بتوقيع اتفاقية 1936، أو معاهدة الصداقة والتحالف مع بريطانيا العظمى، وفق رأيه. 

السبب الجوهري وراء الهجوم على طه حسين وهيكل والعقاد، ليس تراجعهم فكريًا وإنما كتاباتهم الإسلامية، ولذلك جمع الشخصيات الثلاث في هجومه. وبعد هذا الهجوم الضاري، تأخذ المحاضرة مناحي أخرى، إذ جعلها بوابته للهجوم على نجيب محفوظ وكتاباته، وكذلك مواقفه، وهو ما لا يعنينا الآن. ما يعنيني هو إعلان وفاة طه حسين الإبداعية والفكرية في هذا التاريخ.

وإحقاقًا للحق، تعرض لويس عوض لهجوم ضارٍ بشأن هذه المقالة، بدءًا من تعليقات محمد يوسف نجم، الأستاذ في الجامعة الأميركية الذي كلفته "دار الآداب" بترجمة نص المحاضرة إلى جانب تعليقاته عليها. ثم ما كتبه سامي خشبة في العدد التالي من المجلة نفسها، في الباب الشهير "قرأت العدد الماضي". وصولًا إلى هجوم عبد الرحمن أبو عوف، ومحمد مستجاب، ومحمد محمود عبد الرازق، الذين ردود على نص المحاضرة. بل إنهم قاموا جميعًا، بتفنيد ما ورد من مغالطات كشفت عن جهل لويس عوض بالثقافة المصرية، على نحو ما حمل عنوان مقالة سامي خشبة في سياق غير هذا السياق.

بدأ لويس عوض محاضرته بمعلومات تاريخية جانبه الصواب فيها، أولها الادعاء المتعلق بالجمود الفكري الذي لازم طه حسين بعد صدور كتابه "مستقبل الثقافة في مصر". فطه حسين أصدر بعد هذا الكتاب عدة مؤلفات أدبية هامة، مثل "الأيام" (ج 2)، و"دعاء الكروان"، و"مع أبي العلاء في سجنه"، و"أحلام شهرزاد"، و"الحب الضائع"، و"جنة الشوك"، و"جنة الحيوان"، و"مرآة الضمير الحديث"، و"المعذبون في الأرض"، و"شجرة البؤس".

ومن الأشياء التي أغفلها ولوى عنق الحقيقة فيها، أن كتب الإسلاميات التي نشرها طه حسين تحت مسميات مختلفة، "على هامش السيرة" أو "الفتنة الكبرى"، كان قد بدأ نشرها مسلسلة قبل التاريخ المشار إليه، إذ صدر الجزء الأول من "على هامش السيرة" عام 1933، وكان قد بدأ نشره في مجلة "الرسالة" بتاريخ 15 كانون الثاني/يناير عام 1933 بحلقة تحت عنوان "حفر زمزم"، وتوالت الفصول.

ثم صدر الجزء الثاني منه عام 1937. أما الجزء الثالث والأخير، فقد صدر في العام نفسه الذي صدر فيه كتاب "مستقبل الثقافة في مصر"، أي في عام 1938. ومن ثم يكون لويس عوض غافلًا عن السياقات التاريخية التي أنتجت فيها الكتب، وبالتالي بنى استنتاجاته على معطيات خاطئة.

الغريب في الأمر أن عوض الذي يدعى انتهاء حسين وجموده فكريًا، جاءت دراسته عن أبي العلاء "على هامش الغفران" (1966)، والتي سعى من خلالها إلى دراسة التكوين الفكري والثقافي لأبي العلاء؛ معتمدة اعتمادًا كليًا على كتابات طه حسين عن أبي العلاء، ومنها كتاب "مع أبي العلاء في سجنه"، الذي نشره بعد التاريخ المزعوم لوفاة طه حسين فكريًا. أي تناقض هذا!

والأعجب من هذا أن لويس عوض عندما عاد سجّل وقائع هذه الرحلات في كتاب بعنوان "رحلة الشرق والغرب" (1972)، وأدرج فيه المحاضرة التي ألقاها في مؤتمر جامعة بوسطن بعنوان "إمكانيات الحوار في المجتمع العربي"، وأغفل محاضرتيه الأخريين "التطورات الثقافية في مصر منذ 1952"، و"دور المثقفين في مصر الحديثة". وهو الأمر الذي يثير ارتيابًا في عدم إدراجهما ضمن الكتاب الذي سجّل فيه رحلاته وما تضمنته من محاضرات ألقاها هنا وهناك.

فكرة الجمود الفكري التي ألصقها لويس عوض بكتابات طه حسين بعد عام 1939، لم يكن لها إلا تفسير واحد، هو موقف لويس عوض من الثقافة العربية، وهو ما تمثّل في كتابه عن أبي العلاء المعري، "على هامش الغفران"، وقد تصدى له محمود شاكر وقتها في كتابه "أباطيل وأسمار"، وهدم كل ما حاول إثارته من قضايا تتصل بأصل المعري وثقافته، وعلاقته بالثقافة اليونانية، وهو ما أراد فعله بحسين، لكن لقصور معرفته بتواريخ إصدار أعمال حسين الإسلامية، جانبه الصواب في كل استنتاجاته.

وهذا الموقف هو نتاج أفكار أستاذه سلامة موسى الذي كان له بالغ الأثر في حياته، حتى إنه يصف حضوره عليه وكأنه بمثابة المرشد الفكري الذي وجهه ونظّم قراءاته، فسلامة موسى كانت له آراؤه في الأدب العربي وفي أنداده من الأدباء والمفكرين، ومع اعتراف لويس بأنها "كانت مجرد وجهات نظر لا تقيدني في شيء" (ص 466) إلا أنها أثرت بطريقة غير مباشر.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

من قوارب الهجرة إلى جبهات القتال: عسكرة المهاجرين الأفارقة في اليمن

تمثل ظاهرة تحويل المهاجرين الأفارقة إلى مقاتلين بين اليمن والقرن الإفريقي تحديًا أمنيًا متعدد الأبعاد يتجاوز الأطر التقليدية للهجرة غير النظامية، ويخلق ديناميكيات جديدة للصراع تهدد الاستقرار الإقليمي

2

صورة إفريقيا في كأس العالم وإرث التمثيلات الاستعمارية

يقف الاحتفال بالثقافة الإفريقية في أناشيد كأس العالم في تناقض مع الحقائق الاقتصادية والسياسية للقارة. أين تذهب أموال "فيفا"؟ كم من الإيرادات الناتجة عن هذه الأحداث العالمية يستفيد منها فعليًا تطوير كرة القدم الإفريقية؟

3

في بيت خوسيه ساراماغو الأخير: مخطوطات وذكريات كاتب غزا لشبونة

يفتح خوسيه ساراماغو أبواب ذاكرته في بيته الأخير بلشبونة، حيث تختزن المخطوطات والمقتنيات الشخصية مسيرة كاتب برتغالي شق طريقه من الفقر والعزلة إلى العالمية، تاركًا إرثًا أدبيًا خالدًا.

4

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

5

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

اقرأ/ي أيضًا

الأخ الأكبر

في حضرة الأخ الكبير.. مدخل إلى مفهوم الشمولية وآلياتها

ومع أن مفهوم "الشمولية" بدأ يتداول منذ العقود الأولى من القرن العشرين، فإن تبلوره في شكل إطار نظري ارتبط بصورة أوضح بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين استخدمه عدد من الباحثين لتفسير أنظمة سياسية

إسراء عرفات

بطء السلحفاة
بطء السلحفاة

بطء السلحفاة وسرعة العالم: من مفارقات زينون إلى نقد حضارة السرعة

يناقش المقال فكرة السلحفاة بوصفها رمزًا فلسفيًا وأدبيًا للبطء والصبر والثبات في مواجهة إيقاع العالم المتسارع، إذ تظهر ككائنٍ من عالمٍ آخر يسير على مهل، وقد شكّل منذ القِدم مصدر إلهام للأدباء والفلاسفة بوصفه تعبيرًا عن مقاومة العجلة

يونس أوعلي

الصوابية السياسية بين تحقيق العدالة وتثبيت الرقابة (ميغازين).

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

إسراء عرفات

كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)

سيرة الضحك: حين يهتز الوجود مِن خاصرته

سيرة الضحك وتاريخه في الوجود الإنساني، وتمثلاته الفلسفية والاجتماعية

محمد العربي

الكساد العظيم

ترامب يعيد التاريخ .. ماذا حدث في الكساد الكبير؟

ستُعاني غالبية الدول التي بدأت لتوّها من الخروج من تبعات جائحة كورونا، بسبب الحرب الاقتصادية التي بدأها الرئيس الأميركي ترامب

إسلام أحمد

المزيد من الكاتب

ممدوح النابي

كاتب وناقد

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

مَجْمع الخالدين: قلعة تحرس اللغة العربية

نشأت فكرة "مجمع الخالدين" في بيوت الأثرياء وتحققت بمنافسة ملكية، وتقوقعت في الحي الهادئ

يوميات أورهان باموق.. البحث عن ذات ضائعة

يُعدّ التدوين عند باموق تمرينًا أساسيًا على الكتابة، إذ يُنشّط الذاكرة تارةً، ويتيح تأمّل الكتابات الجديدة مقارنةً بالقديمة تارةً أخرى

رؤوف مسعد.. حكاية لم تخضع للسلطة

رؤوف مسعد جعل من الكتابة فعل مقاومة، فواجه بالحرية والقلم قيود السلطة، والطابوهات، وسجون الجسد والفكر، والرقابة

الترجمة وجهة نظر أخرى: الآخر كمرآة لذواتنا

يتتبع المقال كيف أُهمل التراث العربي، ثم استعاد قيمته عبر الترجمة، من رسالة الغفران وألف ليلة وليلة إلى محفوظ، حين لم نكتشف قيمة كتبنا إلا حين رآها الآخر أولًا

من التنوير إلى زمن السوشيال ميديا.. أفول المعارك الأدبية

معارك التنوير في النصف الأول من القرن العشرين، سياقات مشتعلة ونتائج باقية