ultracheck
العقد الاجتماعي

وطن بلا سؤال عن الطائفة: الحلم المؤجل للعقد الاجتماعي

28 أبريل 2025

في مكان ما على هذه الأرض، وفي زمن بعيد مفترض، سيتفق مجموعة من البشر على الخروج من حالة الطبيعة معًا، والعيش مع بعضهم البعض، ولكن هذا الأمر بحاجة إلى اتفاق يحدّد طريقة ذلك. سيتعين وضع قوانين تحمي حقوقهم وتمنح لكل شخصٍ منهم نصيبه من الفضاءات المشتركة، وتعاقب المعتدين على غيرهم. سيحمي هذا القانون أراضيهم ومراعيهم وبيوتهم وعائلاتهم وكلّ ممتلكاتهم، وسيحصلون على قسمة عادلة من المياه والغنائم والطرقات.

سيتعيّن أيضًا أن ينشئ هؤلاء البشر سلطة تسيّر مجتمعهم ويختارون من يحكمهم. هذه السلطة يرضون بها جميعًا ويحتكمون إليها؛ فالهدف دائمًا هو تحسين وضعهم المعيشي، وحماية أنفسهم من حالة التشتت والضعف التي يعيشون بها، وهذا ما سيسمى لاحقًا بالعقد الاجتماعي. ولكن ما هو العقد الاجتماعي وهل هذا ما حدث فعلًا في الماضي؟

تعريف العقد الاجتماعي

من الصعب إيجاد مفهوم جامع عن العقد الاجتماعي، وقد يقودنا البحث في بداية ظهوره ونشأته إلى مفاهيم قريبة للصورة المكبّرة عنه، فيُقال عن العقد "إنه ما يكون بين طرفين أو مجموعة أطراف يضمن التزامات وتعهدات متبادلة"، أيّ أنه اتفاق مبرم بين شخصين أو أكثير للقيام بسلوك معين أو الالتزام بتعهدّات متبادلة ومتّفق عليها مسبقًا، ويشير مفهوم العقد إلى معنى ضرورة وجود اتفاق أو ميثاق لقيام المجتمع السياسي.

تُرجع بعض المصادر نظرية العقد الاجتماعي إلى الفلسفة اليونانية قبل أن يتبلور في عصر التنوير لاحقًا، حيث برز أفلاطون وأرسطو بأفكار تقول إن "الإنسان حيوان اجتماعي يستطيع الدخول في اتفاق ينظم المجتمع".

يُمكن تعريف العقد الاجتماعي، باختصار، بأنه اتفاق بين بين الناس لتشكيل سلطة أو حكومة تحكمهم، أو لجوء الناس إلى وضع ميثاق يحكمهم وفق إرادتهم، ويختارون في المقابل من يرتضونه لتطبيق هذا الميثاق، وهو أحد سبل المشاركة في الحكم.

قد تكون هذه الفكرة المفترضة جذابة ومثالية، لدى الفلاسفة والمفكرين الذين تبنوا هذا المقترح، لتبرير مشاركة المواطنين في الحكم، عبر إنشاء سلطة تحمهم تقوم على أساس التراضي، وإن كانت هذه الفكرة قد راودت خيال الفلاسفة والمفكرين منذ القدم، إلا أنها لقيت رواجًا كبيرًا في عصر التنوير، حيث برز ثلاثة مفكرين اشتغلوا على توضيح العلاقة بين الطبيعة والعقد الاجتماعي، وهو توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو.

توماس هوبز (1588-1679)

يقول هوبز: "حياة الناس كانت انعزالية وفقيرة وقذرة ووحشية وقصيرة"، ولهذا اضطروا إلى التجمع والاتفاق بينهم على إنهاء حالة الاقتتال الدائمة أو كما يسميها "التهديد الأبدي بالعنف"، فالعنف الذي كان يحدث بين هؤلاء البشر المعزولين كان منبعثًا من حالة الخوف التي كان يعيشها الإنسان في الماضي، وقد سابق إلى إيقاع الأذى بالآخرين قبل أن يتعرض هو للأذى.

سيتنازل الناس عن جزِءٍ من حريّتهم مقابل الحماية، هذا ما يذهب إليه توماس هوبز في تفسيره للعقد الاجتماعي، إذ يعتقد أن على كل فرد التنازل عن حريته المطلقة لصالح الجماعة  في سبيل الصالح العام، وأن على الناس التخلّي عن إرادتهم الحرّة للدولة لتتمكن من أداء مهامها.

جون لوك (1632-1704)

طوّر الفيلسوف الإنجليزي جون لوك وضعية العقد الاجتماعي، واعتبرها في مرحلة ما مسألة توليد لمفهوم السلطة. هذه السلطة ستُبنى على شرعية مستمدّة من المواطنين والمجتمع المدني وبتفويض منه. 

في مرحلة الطبيعة، حسب جون لوك، لم يكن الإنسان متوحّشًا على الأغلب، ولم يكن يتصرف بقانون البقاء للأقوى، فعلى نحو ما كان يتصرّف بشكلٍ جيّد.

مرحلة ما قبل العقد بالنسبة للبشرية هي المرحلة الطبيعية، حسبه، ونظرًا لحاجة الإنسان في هذه المرحلة إلى سلطة تحكمه، كان لزامًا إنشاء سلطة وظيفتها ضمان عدم التفريط بحريته باعتبارها قيمة إنسانية عليا، وحمايته من الفئة التي تتصرف بما يفسد الطبيعة البشرية.

جان جاك روسو (1712-1778)

يقول جون جاك روسو: "أنتج هذا العبور من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية تغييرًا في الإنسان، فحلّ العدل مكان الغريزة، واضطر الفرد إلى مشاورة عقله قبل الإصغاء إلى شهواته".

يفترض روسو أن ظهور الملكية كان أول مسارات الخروج من حالة الطبيعة، فعندما ظهرت الملكية بدأت الحالة الطبيعية في الاختفاء، ويعود إلى فكرة أن المجتمعي الطبيعي الذي بدأ صدفة في الظهور، يقتضي تقدمًا في المعرفة والوعي، وهو ما يتماشى مع منطق تطور البشرية.

يستدل بنظرية جان جاك روسو في العقد الاجتماعي من خلال عدّة كتب، أهمها "نظرية العقد الاجتماعي"، وأصبح هذا المؤلّف يُعرف لاحقًا بـ"إنجيل الثورة الفرنسية"، وفي كتابه الثاني "أصل التفاوت بين الناس" يبرئ جان جاك روسو الطبيعة البشرية ويذكر محاسن الحياة الطبيعية، رغم أنه بحث في إمكانية تأسيس قاعدة إدارية تُدير حياة الناس.

يؤكد روسو على ضرورة إنهاء الاستبداد، وإقامة عهد جديد قواه الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وهي الشعارات التي رفعتها الثورة الفرنسية.

الحرية والعقد الاجتماعي

في مقارنة بين هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، الذين عاشوا في فترة زمنية متقاربة ومتصلة، سنجد أن نظرية العقد الاجتماعي وإن تباينت في بعض محاورها إلا أنها تماهت في نقاط عديدة، أبرزها انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة التنظيم والحكم وتشكيل السلطة والمشاركة في صناعة القرارات جماعيًا، لحماية نفسه ومصالحه.

سيرى جون جاك روسو أنّ الناس يخسرون حرّيتهم بسبب القيود والمحظورات. سيخسرون حقوقهم غير المقيّدة في حصولهم على أيّ شيء يريدونه، ولكنهم في مقابل ذلك سيحصلون على الملكية في كل شيء يحوزنه.

إذن، يربط روسو العقد الاجتماعي بمسألة الحرية وبتقديم تنازلات مقابل حماية الممتلكات والتخلي عن حقوقه لكامل الجمعية لخلق ظروف متساوية للجميع، ويركزّ على فكرة تحوّل الحرية من طبيعية إلى مدنية، إذ يقول في مقدمة كتابه العقد الاجتماعي: "ولد الإنسان حرًا وهو في الأغلال حيثما كان، ذاك يظن نفسه سيد الآخرين، وهو ما انفك أكثرهم عبودية".

في مقابل ذلك، يرى هوبز بضرورة وجود عقد اجتماعي لإنشاء سلطة مركزية للحفاظ على النظام ومنع الفوضى، ويذهب إلى أبعد من ذلك، إلى حدّ مناصرته للحكم المطلق، حيث تبزر مسألة الحقوق والحريات الفردية.

يُحمّل توماس هوبز السلطة كامل المسؤولية الأخلاقية، ويدعو إلى ضرورة التزامها بواسطة القانون الطبيعي: بالمساواة والعدل بين الأفراد، ويترك الفيلسوف الإنجليزي ثغرة كبيرة لا يمكن ملؤها، في ظل غياب رقابة على هذه السلطة بأدوات تشريعية وهياكل منتخبة، وآليات محاسبة، تلزم السلطة باحترام الحريات والحقوق وتمنعها عن الاستبداد والبطش.

ربّما يعود دفاع هوبز عن الحكم المطلق، إلى تأثّره بالثورة البرجوازية في القرن السابع عشر، فهو يرى أن أصل الجماعة المنظّمة، هو انتقال الأفراد من حالتهم الفطرية غير المنظمة إلى المجتمع المنظم. في هذه الحالة، يتكون المجتمع المنظم، حسبه، من فئة حاكمة وأخرى محكومة، مصورًا حالة الفطرة في إطار العنف والصراع بين الأفراد والحياة الفوضوية التي يجب الخروج منا إلى حياة أفضل تتميز بالاستقرار والأمن. 

يقول توماس هوبز في العقد الاجتماعي إنّ: "هذا الاتفاق أو العقد، قد تم بين جميع اﻷفراد باستثناء شخص واحد، اتّفق عليه المتعاقدون على أن يكون هذا الفرد هو صاحب السلطة الآمرة ورئيسها".

أما جون لوك، فهو على خلاف توماس هوبز، لا يرى حالة الطبيعة بهذا السوء، ولا نظامًا فوضويًا يسوده العنفن ويعتقد أنها كانت حالة الحرية التامة حيث يستطيع كل شخصٍ التصرّف في حياته كما يحلو له وبالطريقة التي يراها أفضل.

يذهب جون لوك إلى أن كلّ الناس متساوون في حالة الطبيعة ومتحرّرون ومستقلون، وقادرون على العمل معًا بعيدًا عن التدخلات الخارجية، وأن الناس في هذه الفترة كانوا ملتزمين بنوع من الأخلاق، رغم عدم وجود سلطة تحكمهم أو نظام يؤطّرهم.

يبني جون لوك نظريته، على فكرة أن الناس يمتلكون رادعًا ذاتيًا طبيعيًا، والناس يحتكمون إلى العقل كي يضمن كلّ واحد منهم نصيبًا من الخير العام، ويقول في صدد اتباع القانون الكوني: ""لا ينبغي لأحد أن يؤذي آخر في حياته أو صحته أو حريته أو مقتنياته".

في مقابل ذلك، يدعو جون لوك إلى أن يتمتع الإنسان بكامل حقوقه في الحياة المدنية، ولا تُصادر منه حقوقه التي كان يمتلكها في حالة الطبيعة، إذ يجب على العقد الاجتماعي أن يحفظها له ولا يسحبها منه.

فشل العقد الاجتماعي

لا يمكن التمسّك طويلًا بالرؤية المثالية لنظرية العقد الاجتماعي، وبعيدًا عن نظرة بن خلدون الذي يُبرز القوة والسيطرة وإحكام الردع مع المجتمعات، لفرض هيبة الدولة وحماية حدودها، تظهر إشكالية أخرى، تتمثل في عدم تمسّك السلطة بالتزاماتهم تجاه هذه العقد، واستخدام القوّة للقمع والاستبداد وانتهاك حقوق المواطنين، متجاوزة العقد الذي يجمعها مع المواطنين.

يذهب منظّرون إلى أن فشل الحكومات في تأمين الحقوق الاجتماعي كما ذهب إليه جون لوك أو عجزها عن تلبية اهتمام المجتمع وفق ما يذهب إليه جان جاك روسو، يمنح شرعية للمواطنين للخروج عن طاعة الحكومة وتغيير قادتهم عبر الانتخابات أو اللجوء إلى الاحتجاجات والقوة.

شكّلت نظرية العقد الاجتماعي ثورة في الفكر السياسي الأوروبي الحديث، وملأت فراغات أحدثتها منظومات الحكم التقليدية، المرتكزة على الأوليغارشية والحكم المطلق والبابوية الكنسية والإمبراطوريات القديمة، فكان لا بدّ من وجود نظام يخلخل عصور الظلامية والاستبداد، ويعيد بناء علاقة المحكوم بالحاكم. تدور في هذا السياق، أسئلة كثرى حول وجود عقد اجتماعي بالأساس؟ لماذا انكسر هذا العقد الاجتماعي في حالة وجوده؟ ولماذا أصبحت الطائفة أهمّ من الوطن والقبيلة فوق القانون؟ هل تعيش الشعوب العربية بلا عقد اجتماعي اليوم؟

في الحالة العربية، يمكننا طرح مزيد من الأسئلة حول غياب العقد الاجتماعي، وهل يمكن إعادة بنائه بعد سلسلة هزائم وخيبات متتالية فشلت في إنتاج نظام حكم قائم على العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة، وماهي الأسباب التي دفعت رأسًا للوصول إلى هذه الأوضاع التي تعيشها مجتمعاتنا اليوم؟

في الحقيقة لم تفشل هذه النظريات الفلسفية في تسفير حالة الحكم، وانتقالها من حالة الطبيعة إلى حالة التنظيم والتأطير، ولكن ما فشل هو أنظمة الحكم نفسها، بعد قولبة هذه النظريات في أشكال سطحية، والفشل في خلق بدائل ديمقراطية لاستعادة علاقة الثقة بين المواطن والسلطة.

يسمح نظام العقد الاجتماعي، بالحد من شمولية الأنظمة القائمة على الفردانية والسلطة المطلقة، كحال أغلب الدول العربية، وحتى وإن ظهرت بعض أنظمة الحكم في شكل ديمقراطيات وجمهوريات، تحكمها الانتخابات وصناديق الاقتراع، ستظهر في شكل الديمقراطيات الصورية، حيث تسمح للأنظمة بتجديد هياكلها وإعادة بناء نفسها، وهي بذلك تسوّق للعالم صورة مزيفة عن واقع نظام الحكم القائم على الاستفراد بالسلطة وثروات البلاد.

قامت ثورات وحروب أهلية، وسقطت أنظمة حكم وملكيات، نتيجة تآكل المواثيق والعهود التي تحكم هذه المجتمعات، وتحوّل القوة التي كانت تحمي السيادة وتشيع الأمن والاستقرار، إلى أداة تخويف تزرع الرعب بين المواطنين، وتكرّس الثورة في يد الحاشية والقبيلة والطائفة.

بعد خروج كثير من الدول من قبضة القوى الاستعمارية، تشكّلت عدّة أنظمة سياسية عربية، بعضها مستمدًا شرعيته من الثورات التحررية والزعامات والنضال السياسي، غير أن دساتيرها لم تنشأ وفق إرادة شعبية تمتلك حقّ صياغة "العقد الاجتماعي"، ولكن كانت نتيجة صياغة أحزاب وبرلمانات صورية واقتباسات من دساتير أوروبية تمّ التعديل فيها، وهنا سنستعرض أمثلة منها:

في مصر

صدر أول دستور مصري في 19 نيسان/أبريل عام 1923 ليحل محل القانون النظامي رقم 29 لسنة 1913، وقد صاغ هذا الدستور لجنة مكونة من 30 عضوًا ضمت ممثلين لأحزاب سياسية وزعامات شعبية وقادة من الحركة الوطنية. ينصّ ذاك الدستور على أن حكومة مصر "ملكية وراثية وشكلها نيابي".

سنجد في الحالة المصرية أن السلطة المطلقة لرئيس الجمهورية، فهو يمتلك صلاحيات موسّعة تشبه الصلاحيات التي يمتلكها الحاكم في النظام الملكي، حيث يستطيع إجراء تعديلات راديكالية على الدستور، وتسمح له بتمديد فترات الحكم أو إنهائها، ثم يطرحها على الاستفتاء الشعبي "شكليًا" للموافقة عليها بالأغلبية.

يقرأ متابعون أن التعديلات الدستورية التي أقرّها حسني مبارك وقتئذٍ، صنعت عدّة أزمات ومهّدت لثورة يناير، وقد جاءت مطالبات الشعب المصري بالإصلاحات سنة 2005، خوفًا من سيناريوهين اثنين، هما إما تمديد العهدات الرئاسية إلى عهدة رئاسية خامسة بالنسبة للرئيس حسني مبارك، أو تمهيد الطريق لتوريث الحكم لابنه جمال مبارك.

وكما كان متوقّعًا سيُعلن حسني مبارك عن تعديلات دستورية، في سنة 2007، مسّت المادة (76) من الدستور، بحيث يكون انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السري العام المباشر من جميع أفراد الشعب الذين لهم حق الانتخاب، وستبدي الأحزاب استيائها من هذه "الطبخة" التي تضع شروطًا تعجيزية للترشح تمهيدًا لخلافة نفسه.

لازمت الأزمة الدستورية كل المراحل التي ستأتي لاحقًا بعد الثورة المصرية، ففي سنة 2011 صوت المصريون لصالح وضع قيود على عهدات الرئاسة لعهدتين كحد أقصى، لفترة أربع سنوات، كما صوتوا على بنود تضمن الإشراف القضائي على الانتخابات.

بعد الانقلاب العسكري في مصر سنة 2013، الذي قاد الفريق أول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، ستعود مصر إلى فترة حكم مفتوحة وفق إجراءات صورية، وسيفتح السيسي العهدات الانتخابية لخلافة نفسه إلى الأبد، وهو ما أقرته التعديلات الدستورية التي أجراها سنة 2019، تسمح له بالبقاء في السلطة حتى عام 2030. حيث عُدّلت المادة 140 لإطالة فترة الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، واستحدثت المادة 241 الانتقالية لإطالة فترة حكم السيسي والسماح له بالترشح لفترة إضافية في المنصب.

في لبنان 

يعتبر الدستور اللبناني الصادر في الـ 23 أيار/مايو 1926، القانون الأعلى في البلاد، وقد شُرّع أثناء فترة الانتداب الفرنسي بعد إقراره من مجلس الممثلين، قبل الإعلان عن قيام دولة الجمهورية اللبنانية، وقد أقرّت التعديلات التي أدخلت سنة 1989 على المناصفة بين الديانتين الإسلامية والمسيحية، ولكن ما تشهده البلاد اليوم، هو تقسيم طائفي للسلطة، قائم على تدويرها بين نخبها في الوظائف العامة والتشكيلات الوزارية.

نص الدستور اللبناني في المادة 95: "على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لإلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية".

قد نرى هنا، رغبة في تجاوز الصراعات الطائفية التي تحكم البلاد منذ ما يقارب قرنًا من الزمن، نحو تأسيس دولة قائمة على إذابة الخلافات بين هذه الطوائف، والاحتكام إلى نظام "العقد الاجتماعي". هذه المادة التي عُدلت مرتين بعد إقرارها، جاءت بعد حرب أهلية دامت 15 سنة، لتضع معالم دولة مدنية قائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية، وتجاوز الانتماء الطائفي.

ولكن على خلاف ما تنصّ عليه هذه المادة، مازال نظام الشللية والمحاصصة يحول بين تطبيقها، رغم الخطابات السياسية والحزبية التي تدعو إلى نبذ الطائفية، إذ لازال هناك خطوات شاسعة لتحقيق تقارب بين ما تقره الأحزاب والطوائف وتدعو إليه، وبين الممارسات السياسية، ومازال الدستور إلى اليوم غير قادر على تجاوز نظام كان قائمًا لعقود من الزمن على التراتبية النخبوية في البلاد.

في سوريا

مرّت سوريا بمحطات سياسية معقّدة، عرف فيها الدستور السوري تعطيلات متكررة في خضم تعاقب أنظمة الحكم، بداية من قيام المملكة السورية إلى الانتداب، مرورًا بالثورة السورية الكبرى والانقلابات السياسية، وصولًا إلى دساتير البعث ونهاية مرحلة نظام الأسد إلى غاية الإعلان الدستوري الجديد.

بعد انسحاب العثمانيين من سوريا سنة 1918، وإعلان فيصل الأول ملكًا عليها، شُكلت لجنة خاصة بإعداد الدستور سنة 1920، فكان أهم ما جاء فيه أن "سوريا ملكية مدنية نيابيّة، عاصمتها دمشق ودين ملكها الإسلام". سيعطّل الانتداب الفرنسي بعدها العمل بالدستور، ويقسّم البلاد على أسس مناطقية ومذهبية، وكان المفوض الفرنسي في دمشق يصادق على إصدار القوانين في الفترة الممتدة ما بين 1920 و1922. وفي سنة 1928 ستتشكل لجنة خاصة بوضع الدستور برئاسة إبراهيم هنانو، وبعد 15 جلسة سيُلعن عن دستور جديد في الـ 11 آب/أغسطس من السنة نفسه. تم التصويت عليه وإقراره في الجمعية التأسيسية التي انتخب هشام الأتاسي رئيسًا لها. اعتبر هذا الإعلان سوريا "جمهورية نيابية عاصمتها دمشق ودين رئيسها الإسلام"، وأن "البلاد السوريّة المنفصلة عن الدولة العثمانية هي وحدة سياسيّة لا تتجزأ، ولا عبرة بكل تجزئة طرأت عليها بعد الحرب العالمية".

في عام 1947 سيُعدل الدستور السوري مجددًا ويُستبدل نظام الدرجتين بنظام الاقتراع المباشر تحت ضغط شعبي. وفي 30 آذار/مارس 1949 انقلب حسني الزعيم عسكريًا على الحكم المدني برئاسة القوتلي وعُلّق العمل بالدستور، ولكن سامي الحناوي انقلب عليه مجددًا في آب/أغسطس 1949 ونُظمت انتخابات جمعية تأسيسيّة لوضع دستور جديد للبلاد. وفي ظل هذه الظروف ولد دستور 1950.

عطل الانقلاب الثاني لأديب الشيشكلي عام 1951 العمل بالدستور، ثم أصدر دستورًا جديدًا للبلاد، وسيعطل العمل به أيضًا ما بين 1958 و1961 خلال الفترة التي كانت فيها البلاد جزءًا من الجمهورية العربية المتحدة، ويُستبدل بدستور مؤقّت وضعه جمال عبد الناصر، وقد اعتُمدت هذه الوثيقة إلى غاية 1963، حين انقلب حزب البعث على النظام الدستوري القائم.

أقرّ حزب البعث دستورًا مؤقتًا للبلاد، ثم 1969، وبعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة أصدر دستورًا مؤقتًا هو الآخر سنة 1971 استمرّ العمل به إلى غاية 1973، قبل صياغة دستور دائم للبلاد يمنح فيه لنفسه صلاحيات واسعة وشبه مطلقة.

كان هذا الدستور، منعرجًا كبيرًا في الحياة السورية السياسية، وربما كان من أسوأ الفترات التي عاشتها البلاد وأطولها، حيث كرّس الاستبداد والاحتكار، وعاد إلى ما يشبه الأنظمة الملكية والإمبراطورية في عباءة الدولة الجمهورية، فقد كان حافظ الأسد رئيس السلطة التنفيذيّة وله سلطة إصدار التشريع منفردًا، أو حجب تمرير التشريع الذي أقره البرلمان، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء والمُعيّن للمحكمة الدستورية العليا، والقائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ويعيّن الموظفين المدنيين والعسكريين أيضًا.

احتكر حزب البعث الحياة السياسية، وأغلق أبواب المشاركة في الحكم، ووفق المادة الثامنة من هذا الدستور، يُرشح الرئيس دون منافس، وتعتبر السياسة الاقتصادية للدولة اشتراكية وتقوم على القطاع العام بشكلٍ أساسي.

بعد قيام الثورة السورية في آذار/مارس 2011، وعد نظام بشار الأسد بحزمة من الإصلاحات، مست تعديل الدستور، غير أن المعارضة لم تشارك في هذا المسعى، إذ إن التعديلات التي أقرها النظام السابق حافظت على أغلب بنود ومواده، وبعد سقوط النظام الدكتاتوري، سيأتي الإعلان الدستوري الجديد سنة 2025، الذي وقع الرئيس أحمد الشرع على مسودته في الـ 13 آذار/مارس الماضي، حدد فيه المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، بعد توقيف العمل بدستور 2012.

العقد الاجتماعي والأنظمة العربية

يقودنا الحديث دائمًا عن الأزمات السياسة والحروب الأهلية والطائفية داخل المجتمعات العربية، إلى غياب الاحتكام إلى نظام العقد الاجتماعي، فما شهدته سوريا ولبنان والعراق وحتى الجزائر في العشرية السوداء، ناجم عن عجز هذه الدساتير والنُظم، عن الاستجابة للطموحات المدنية التي وُضعت أساسًا لأجلها.

حين يُستبدل نظام العقد الاجتماعي، بأنظمة أخرى تحكم المجتمعات مثل الطوائف والمجموعات الإثنية والديانات، سيتعين أن تتحول الأدوار السياسية إلى "كعكة" للمراكز النخبوية، ويتم تقسيم البلاد ومراكز صناعة القرار، وفقًا لمبدأ القوة هنا، التي تحكمها المناصب العسكرية والاقتصادية والتعداد البشرية، وتسقط الحرية والمساواة والعدالة، أمام قانون المحاصصة والمصالح واقتسام الريع.

في مثل هذه الأنظمة، سيُصبح زعيم الطائفة رئيسًا، وزعيم الميليشيا قائدًا عسكريًا، وشيخ القبيلة مفتيًا أو محافظًا أو في أيّ منصب شاغر لاعتبارات مذهبية، وتصبح المناصب المنوطة إلى الكفاءة والمؤهّل العلمي والخبرات، مقتصرة على الطائفة والدين والجينات الوراثية، وتُسحق في خضمّ كل هذه المعطيات، كل القوانين التي تحفظ الحريات والكرامة الإنسانية وحرية المعتقد والتفكير، ويسقط الحديث عن المشاركة في صناعة القرار وبناء الدولة المدنية.

لقد افترض الفلاسفة وجود بشر قبلنا، في مكان ما على هذه الأرض، اتفقوا على الخروج من حالة الطبيعة، للعيش مع بعضهم البعض، يحتكمون جميعًا على قانون يحمي حقوقهم ويوفّر لهم الحماية، فهل كانوا يتوقعون حينها أن نصل إلى مرحلة الاقتتال والصراعات التي نعيشها اليوم؟ ألم يحن الوقت لنحلم بوطن لا يُسأل فيه الإنسان عن دينه أو قبيلته أو طائفته قبل أن يُسأل عن أحلامه؟

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الصوابية السياسية بين تحقيق العدالة وتثبيت الرقابة (ميغازين).

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

إسراء عرفات

كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)
كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)

سيرة الضحك: حين يهتز الوجود مِن خاصرته

سيرة الضحك وتاريخه في الوجود الإنساني، وتمثلاته الفلسفية والاجتماعية

محمد العربي

الكساد العظيم

ترامب يعيد التاريخ .. ماذا حدث في الكساد الكبير؟

ستُعاني غالبية الدول التي بدأت لتوّها من الخروج من تبعات جائحة كورونا، بسبب الحرب الاقتصادية التي بدأها الرئيس الأميركي ترامب

إسلام أحمد

وارقة الخوف

وراثة الخوف

الخوف حالة نفسية تهدف لحماية الإنسان، لكن تجاوزه يتطلب تجربة شخصية، لا الاكتفاء بوراثته عن الأسلاف

ميادة نصار

الإبادة الجماعية

الإبادة الجماعية.. من الإدانة إلى الدعم المطلق

تذكر موسوعة الهولوكوست أن المحامي اليهودي البولندي رافائيل ليمكين، هو أول من صاغ كلمة "الإبادة الجماعية"

فريق التحرير