ليس غريبًا أن تستمر المقاومات السلمية لشعب عانى عقودًا من الزمن من وحشية الاحتلال، سنفترض دائمًا أن هناك حالة من الغضب والانتفاضة ضد القرارات الجائرة، وظهور ردود فعل طبيعية إزاء الممارسات الوحشية والقمع والفصل العنصري وعمليات التهجير والاقتحام والقتل، وقد تتجاوز المقاومة السلمية مراحل الرفض والاحتجاج والتفاوض، إلى فرض إجراءات ملموسة تعتمد على ملاحقة العدو وتضييق الخناق عليه، والضغط بكافة الأساليب السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية.
وفي الحالة الفلسطينية، سنجد أن هناك تاريخًا حافلًا بالمقاومات والأنشطة السياسية الهادفة إلى رفع الظلم وليّ ذراع العدوان، بكافة الأساليب والوسائل، ليس بداية بالإضراب العربي العام في فلسطين الانتدابية عام 1936، وليس انتهاء باحتجاجات أهل غزة الحدودية بداية من 2018، وتأتي هذه المقاومات إلى جانب مقاومات أخرى وانتفاضات اتخذت عدة أشكال وأساليب.
في عام 2005، بزغت حركةٌ فلسطينية المنشأ عاملية الامتداد، سعت لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني والفصل العنصري، وقطع الطريق أمام اسثماراته وفرض عقوبات عليه، وقد عُرفت هذه الحركة باسم "Boycott, Divestment and Sanctions Movement" وتنطق اختصارًا بعبارة BDS، إذ حركة المقاطعة إلى الضغط على "إسرائيل" من خلال منع التعامل معها اقتصاديًا وثقافيًا وأكاديميًا، وذلك بهدف إجبارها على الامتثال للقانون الدولي ودفعها للاعتراف حقوق الفلسطينيين، باللجوء إلى سبل مقاومة سلمية للتصدّي للسياسات الاستعمارية والعنصرية.
في هذا السياق، يشار أن المجتمع المدني الفلسطيني والمجتمع الدولي سعوا إلى اتخاذ خطوات ملموسة من خلال مقاطعة الاحتلال، وسحب الاستثمارات منه، وفرض عقوبات عليه، تمامًا كما حدث في معركة مكافحة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، في سبيل المطالبة بإجراءات عقابية سلمية تركز على الضغط على "إسرائيل" لوقف احتلالها للأراضي الفلسطينية، والاعتراف بحقوق الفلسطينيين، وتوفير العودة للاجئين كما نصّت عليه قرارات الأمم المتحدة.
خلال حرب الإبادة على غزة، وبعد مشاهدة أبشع مظاهر التطهير العرقي الممارسة من قبل الاحتلال الإسرائيلي في حقّ المجتمع الفلسطيني، وفي ظلّ استمرار السياسات الإسرائيلية التي تتجاهل مئات القرارات الدولية التي تدين ممارساتها الاستعمارية. اتخذت حركة BDS مظهرًا أقوى وأشدّ صرامة من ذي قبل وأدت ذلك لنشوء صراعات داخل المنظمات العالمية سواء الاقتصادية أو السياسية أو الأكاديمية.
لقد شهد العالم حملات مقاطعة مستمرة للشركات الداعمة لإسرائيل في عدوانها الأخيرة، وانتشرت هذه الحملات بكثرة في عدد من دول العالم، كان هدفها خفض مبيعات هذه الشركات الداعمة للاحتلال، وإن تباينت الأرقام حول جدوى هذه المقاطعات وأثرها على هذه الشركات، فإن عدّة شركات بارزة مثل "ماكدونالدز" و"أمازون" و"كوكا كولا" و"ديزني"، كانت هدفًا لتلك المقاطعة، حيث أعلنت عدّة نقاط بيع إغلاق أبوابها أو رحيلها وأو تخفيض عدد عمالها.
وفي خضم هذه الحملات واستمرارها، أثارت حركة BDS جدلًا واسعًا وسط منظمات وهيئات، وتباينت الآراء حولها خاصة في الأوساط الأكاديمية، باعتبارها حركة تسعى أيضًا إلى فك الإرتباط الجامعي مع الاحتلال الإسرائيلي، وإن لم يتخذ هذا الرفض طابعًا علنيًا، إلا أن بعض الدعوات توجهت إلى فتح نقاش علني حول هذه الحركة التي تربط الحرية الأكاديمية بالحق في النضال، وهذا ما سنجده في موقف جمعية اللغة المعاصرة (MLA) من حركة مقاطعة "إسرائيل".
جمعية اللغة المعاصرة، من تكون؟
جمعية اللغة المعاصرة (MLA) هي منظمة دولية تأسست في 1883، وتُعد من أبرز الهيئات الأكاديمية في مجالات الأدب، اللغة، والدراسات الثقافية. تضم الجمعية في عضويتها الآلاف من الأكاديميين، الباحثين، والأساتذة الجامعيين من جميع أنحاء العالم. تهدف MLA إلى الدفاع عن حقوق الأكاديميين، والمساهمة في تطوير السياسات الأكاديمية، وتعزيز الحوار العالمي حول قضايا الأدب والثقافة.
هذه الجمعية يديرها أكثر من 300 عضو منتخب، من خلال مجلسها التنفيذي وجمعية المندوبين ولجان الإدارة الأخرى، ولكن في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، رفضت إدارة جمعية اللغة المعاصرة (MLA) السماح لجمعية المندوبين بالتصويت على قرارٍ يُعلَن فيه دعم الأعضاء لحركة (BDS)، بذريعة أن هذا من شأنه أن يؤدي إلى تراجع الإيرادات في الولايات التي لديها قوانين مضادة لـ BDS.
في الـ 12 كانون الأول/ديسمبر، وفي رد فعل على هذا الرفض، أصدر سبعة من أعضاء الجمعية الذين اقترحوا القرار بيانًا يدعون فيه المنظمة إلى السماح للأعضاء بتقرير موقفهم من BDS. وفيما يلي رسالة صادرة عن ثمانية لرؤساء سابقين للجمعية (مقدمة من الرئيسة السابقة جوديث بتلر) تدعو إلى إجراء تصويتٍ على هذا القرار.
"يُعبر عددٌ من الرؤساء السابقين لجمعية اللغة المعاصرة (MLA) عن اعتراضهم على قرار المجلس التنفيذي الحالي بعدم إحالة قرارٍ يتعلق بالمقاطعة للنقاش. نحن نرى أن موضوعًا بهذه الأهمية يستحقّ النقاش العلني. النقاش المفتوح يُعتبر أحد الواجبات الأساسية لجمعية المندوبين كما هو منصوص عليه في لوائح المنظمة. برفض إحالة الاقتراح، يُقوض الـ MLA هيكل الحكم المشترك الخاص بها وقيمة النقاش الحر والمفتوح. لدينا وجهات نظر متنوعة حول المقاطعة، لكننا جميعًا نرفض الادعاءات التي لا تستند إلى أساس واضح والتي طرحها المدير والمجلس التنفيذي بأن المخاوف المالية تمنع النقاش العلني حول هذا الموضوع من قبل جمعية المندوبين".
– جوديث باتلر، رئيسة جمعية اللغة المعاصرة (MLA) 2021-2022.
وجاء في رسالة داخلية آخرى قدمها بعض أعضاء الجمعية مؤخرًا للمجلس التنفيذي التابع للجمعية، النص الآتي:
"عزيزتي باولا، أعزائي أعضاء المجلس التنفيذي،
بصفتنا رؤساء سابقين وأعضاء في المجلس التنفيذي لجمعية MLA، الذين كانوا يهتمّون بشدّة بالالتزامات المالية للمسؤولين خلال فترة خدمتنا في الجمعية، نعبر عن رفضنا القويّ لقرار عدم السماح بمناقشة القرار المقترح 2025-1 في جمعية المندوبين. نطلب من المجلس التنفيذي إعادة الاجتماع لإعادة النظر في قراره في ضوء الانتقادات العامة المنتشرة والمشروعة. بعد أن درسنا الأسباب المقدمة في رسالة المجلس التنفيذي وفي الأسئلة الشائعة، ومراجعة التقرير الشامل الذي قدمه المجلس التنفيذي للجمعية بتاريخ 16 ديسمبر 2024، نحث مرة أخرى على السماح لأعضاء الجمعية بمناقشة وممارسة حقهم في التصويت على القرار 2025-1.
بينما نُقدِّر العمل والجهود الفكرية التي بُذلت في الوثائق التي أصدرها المجلس مؤخّرًا، فإننا نرى أن المبررات المقدمة ليست قوية أو مقنعة بما يكفي لتبرير الإجراء المتخذ. بشكل خاص، لا نعتقد أن المخاطر المالية التي تم الإشارة إليها قد تم شرحها بشكل كامل، أو أنها، كما تم وصفها حاليًا، تستحق أن تُعطى أولوية أعلى من التزام جمعية MLA بالحوار المفتوح حول القضايا الملحة التي يثيرها أعضاؤها.
نلاحظ أيضًا أن الجمعية قد أوصت مسؤولي الجامعات والكليات بالوقوف دفاعًا عن حرية التعبير بما في ذلك الأصوات المخالفة أو "غير الشائعة"، ومواجهة أولئك الذين يسعون لقمع حرية الكلام، وهو ما يشمل إجراءات النقاش. يمكن العثور على هذه المبادئ في البيانات المنشورة من قبل جمعيتنا حول الحرية الأكاديمية، وفي الرسالة الصريحة التي أصدرها المجلس التنفيذي في مارس الماضي بشأن الاقتراح الطارئ 2024-1. وقد أكدت تلك الرسالة دعم الجمعية "الثابت" للحرية الأكاديمية وحق أعضاء هيئة التدريس والطلاب والموظفين في "التعبير عن آرائهم ضد عنف إسرائيل في غزة".
لقد حان الوقت الآن للوقوف ضد الرقابة غير المبررة والردود السلبية، خاصةً مع تزايد عدد أعضاء هيئة التدريس الذين وُجهت إليهم تهم أو تم تعليقهم أو إنهاء خدماتهم بسبب تعبيرهم عن التزاماتهم خارج العمل. كما نشهد منع عدد كبير من الكتب، في وقت يتواصل فيه الهجوم على العلوم الإنسانية والتفكير النقدي. بينما تتعرض الحرية الأكاديمية لخطر جسيم في جامعاتنا وكلياتنا، ويظهر نظام سلطوي جديد، نتطلع إلى منظماتنا المهنية لتتصرف بشجاعة، وليس بدافع المخاوف المتزايدة التي تسيطر على الأوساط الأكاديمية الأمريكية. الشجاعة التي نحتاجها لمواصلة عملنا هي ما نحتاجه في هذه اللحظة".
ميخائيل بيروبيه • جوديث بتلر • فريدا إيكوتو • مارغريت فيرغسون • ماريان هيرش • كريستوفر نيوفيلد • ماري لويز برات • سيدوني سميث • ديانا تايلور
يُمكن القول إن موقف جمعية اللغة المعاصرة (MLA) من حركة مقاطعة "إسرائيل" وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) معقّدٌ ومتنوعٌ، في الماضي، كانت الجمعية موضوعًا للجدل بسبب نقاشاتها حول دعم أو معارضة BDS. على الرغم من أن الجمعية لم تتبنَ رسميًا موقفًا مؤيّدًا لحركة BDS كهيئة، فإن بعض أعضائها قد عبروا عن دعمهم لهذه الحركة، بينما قوبل ذلك بتأييد وآراء معارضة من أعضاء آخرين.
سيُثير هذا القرار جدلًا بين أعضاء الجمعية، حين رأى البعض أن دعم BDS كان يشكل دعمًا للقضية الفلسطينية، بينما اعتبره آخرون أن مثل هذا الموقف قد يُعرّض الأكاديميين في الجمعية لمخاطر قانونية أو سياسية.
في الاجتماعات التي عقدتها الجمعية فيما بعد، كانت هناك محاولات لمناقشة القضية بشكل مفتوح، لكن الجمعية لم تتبنى رسميًا أي إجراء يدعم أو يعارض BDS بشكل علني، بل تركت هذه المسائل لتقدير أعضائها على المستوى الفردي. بالتالي، يمكن القول إن موقف الجمعية يعتمد على تعدد الآراء بين أعضائها، وتستمر المناقشات حول هذا الموضوع ضمن أطر أكاديمية وقانونية، دون اتخاذ قرار رسمي يربط الجمعية بشكل مباشر بحركة BDS.
الحرية الأكاديمية وعلاقتها بحركة BDS؟
يناقش مفهوم "الحرية الأكاديمية" أهمية اشتراط وجودها في ظل وجود هياكل مؤسسية تضمن وتدعم ممارستها. إذ إن الحرية الأكاديمية ليست مستقلة عن الظروف التي تتيح ممارستها، بل هي حرية مشروطة بتوافر هذه الظروف. لذلك، عند الدفاع عن الحرية الأكاديمية، يجب الدفاع أيضًا عن الهياكل المؤسسية التي تجعل ممارستها ممكنة. إذا كانت هذه الهياكل مهددة أو غير مستقرة، فإن ممارسة الحرية الأكاديمية تصبح مهددة أيضًا. وبالتالي، إن الحق في حرية الأكاديمية لا يمكن فصله عن الحق في وجود مؤسسات تعليمية مستقرة.
وفي سياق الاحتلال والحصار، تُصبح هذه الهياكل مهدّدةً، ما يعرقل ممارسة هذا الحق. وفي الحديث عن الاحتلال والحصار الإسرائيلي بشكلٍ خاص فقد أظهرت تجارب جامعات مثل بيرزيت والنجاح في فلسطين كيف أن القيود العسكرية، مثل الحواجز، الاعتقال الإداري، ومنع السفر، تؤدي إلى تدمير البنية التحتية التعليمية، ما يحرم الطلاب والأساتذة من الحقّ في التعليم والحرّية الأكاديمية، ولا يُمكن تجاوز النظر إلى المدارس والجامعات الفلسطينية في قطاع غزّة التي تعرّضت خلال حرب الإبادة الأخيرة لأبشع صور الحرق والتدمير والتنكيل، أدت إلى استشهاد آلاف الطلبة ومئات المعلمين الذين سقطوا ضحايا العدوان والمجازر، وعلى إثرها توقّفت المسيرة التعليمية وحُيّدت إلى أجل غير مسمى.
وفي هذا الإطار، تتخذ حركة المقاطعة BDS طابعًا أساسيًا، حيث لا يقتصر على معارضتها السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، بل تؤكد على ضرورة ربط الحرّية الأكاديمية مع حقّ الوصول إلى التعليم المستدام والميسر. المقاطعة تطرح استراتيجية للمطالبة بحق التعليم وحرية التعبير الأكاديمية في مواجهة ظروف قمعية، مما يجعل الحق في الحرية الأكاديمية غير قابل للفصل عن النضال السياسي والاجتماعي؛ فالحرية الأكاديمية ليست حقًا فرديًا فقط؛ بل هي حق مرتبط بوجود مؤسّسات مستقرة تضمن ممارستها، وهذا ما يوضّح العلاقة الوثيقة بين دعم التعليم وحقوق الإنسان. وفي ظل الاحتلال والحصار، تُصبح هذه المؤسسات تحت تهديد مستمرّ، حيث يتم تقييد حركة الطلاب والأساتذة، وحرمانهم من التعليم بشكل منهجي.
لم تكن حركة المقاطعة BDS إلا دعوة لإعادة تعريف الحرية الأكاديمية على أساس أن الحقّ في التعليم لا يمكن فصله عن النضال ضد الظلم. فهي تركز على ضرورة حماية المؤسّسات التعليمية الفلسطينية من التدمير الذي يفرضه الاحتلال، وتؤكّد على أن دعم هذه المؤسسات هو شرطٌ أساسي لممارسة حرّية الفكر والعلم. من خلال هذه المقاطعة، تُطرح استراتيجية عالمية لدعم هذه الحقوق، وتعزيز التحالفات بين الأكاديميين والطلاب في مختلف أنحاء العالم، للدفاع عن الحق في التعليم الأكاديمي في وجه القمع المستمرّ.












