قد تُلعَن بعض العائلات أو تُعدُّ محظوظة، حين يُولد فيها شخص مصاب بداء الكتابة، طفل من أطفال العائلة، لا يبدو في البداية أن شيئًا يميزه عن غيره، لكنّه يعيش في البيت بعين ترصد، وكاميرا خفية تلتقط التفاصيل، حتى تأتي اللحظة التي يفتح فيها أدراج الذاكرة ويحوّل ما فيها إلى كتاب منشور، ساعتها تُفضَح العائلة وتتحوّل سيرتها إلى مادة للقراءة والنقد والانحياز. يضمن هذا الكاتب لتلك العائلة -وإن كرهت فعلته- مكانًا في الأرشيف الأدبي والذاكرة الجمعية. أولئك الذين ربما لم يبقَ من آثارهم غير أسماء على شواهد القبور، سيُبعثون من جديد في صفحات كتاب ما، موثقين بالأحداث والانفعالات، لا بالتواريخ وحدها. أسمي هذا النوع من الكتابة أدبًا افتضاحيًّا، حتى لو لم يكن تصنيفًا رسميًّا معترفًا به في أشكال الكتابة، فالكاتب يقدم فيه مسيرته في الحياة وسط عائلته، ويختار تفكيك علاقته بها من خلاله.
ما بين محاولة لاختراق عزلة أحد أفراد العائلة واستكشاف ظله كما فعل بول أوستر في اختراع العزلة، ورغبة في رسم خريطة حياة كاملة وسط عائلة مصرية من الطبقة الوسطى، منذ البدايات وحتى التلاشي، كما فعلت فاطمة قنديل في أقفاص فارغة، تعددت محاولات الكتابة عن العائلة، واختار كلٌّ منها أن يكشف أسراره على طريقته.
بول أوستر وندبة الأب
كان بول أوستر في المطبخ يُعدُّ الإفطار لابنه في صباح شتوي عادي، حين رن الهاتف في الثامنة صباحًا. لم يكن يتوقع أن يقتحم يومَهُ خبر من النوع الذي يُربك كل شيء مثل موت الأب. في طريق القيادة لمنزل العائلة في نيوجيرسي شعر بأنه يريد الإمساك بصورة أبيه في خياله، يريد ان يكتب عنه قبل أن يتلاشى كما لو لم يكن. ولكن كيف يكتب عن رجل منعزل لم يترك أي أثر؟
عاش بول في كنف العائلة حتى دخوله الجامعة، قبل أن يكتشف والداه أنهما ارتكبا خطأ فيقررا الانفصال. ذهبت أخته مع أمه، ورحل هو إلى الجامعة، وبقي الأب وحده في المنزل خمسة عشر عامًا. في "اختراع العزلة"، يرسم أوستر ملامح أبيه: هيئته، إيماءاته، نبرة صوته، حركة يده، ثم يُحَمّل هذه التفاصيل اليومية دلالات تتجاوزها، بحثًا عن حقيقة مستعصية. يصفه بأنه رجل جاف العواطف، غير مرئي، يبدو وكأنه لا يشغل حيزًا من الفراغ، دائم الغياب. حوّل الأبُ البيت إلى معبد لعُزلته، لم يُضف أو يُزل أي أثاث، ترك كل شيء على حاله، كما لو أن حياته تجمدت في نقطة واحدة.
عند رحيله، فتح الموت فجوة سمحت لبول أن يدخل إلى معسكر الأب المغلق، ليبدأ تفكيكَ جبل عزلته الذي حماه من المتلصصين أعوامًا طِوالًا، واكتشافَ الرجل الآخر الذي أخفاه عن الناس. رحلة مزدوجة: تفتيش في الذاكرة، واستكشاف ذاتي. تتقاطع فيها مشاهد الطفولة مع أسئلة الوجود: من هو هذا الرجل؟ ولماذا بدا دومًا كأنه يعيش بعيدًا عن كل شيء؟
منحَ موت الأب أوستر مسئولية تفريغ محتويات البيت الذي بدا وكأنه تفريغ للحياة من مقتنياتها. تصبح الأشياء مرايا للمشاعر، لتتوج في النهاية بلحظة ذروةٍ يتخلص فيها أوستر من مائة ربطة عنق دفعة واحدة في كومة النفايات. تخَلٍّ منح أوستر لحظة انكسار سمحت له أخيرًا بالبكاء. هناك فقط أدرك أن أباه قد مات حقًّا.
كيف يفكك الابن صورة الأب؟ لا أحد يولد أبًا، بل يولد كل إنسان ابنًا لأب آخر. يعود أوستر إلى ماضي أبيه لكي يراه كما كان، طفلًا وسط أسرة وابنًا لرجل آخر. وهنا يصطدم باختفاء صورة جده من بين صور العائلة، سِر الذي صانته العائلة كثيرًا. يغوص أوستر في تاريخ أسرته كأنّه صحفي يحقق في شبكة معقدة من العلاقات والتوترات، حيث يقف والده في مركز هذه الشبكة نقطةَ ارتكاز. ومِن خلال هذا التنقيب، يطارد أوستر موقعه هو من هذه العائلة، ويرصد ما أصابها، ويحاول فهم كيفية تشكُّل رؤيته للعالم من خلال ماضيه الأُسَري.
ينتهي النصف الأول من الكتاب بتسلسل سردي، ثم يبدأ أوستر في النصف الثاني من الكتاب اللعبَ مع القصة أدبيًّا عن طريق "كتاب الذاكرة" وهو مجموعة قصص يتبع بعضها بعضًا مثل المجموعة القصصية، تبدأ دائمًا من ثلاثية الزمن والانعزال وعلاقة الأب والابن، وتنطلق نحو العالم كله. تأملات جامحة، ينطلق أوستر منها ثم يشرد نحو أي شيء وكل شيء.
تُحكى القصص عن طريق صوت ثالث يحكي عن الأب والابن، بدلًا من صوت الابن الموجه إلى الأب والعائلة في النصف الأول من الكتاب. لا تقدم القصص احداثًا متسارعة بل تصوُّرًا لعالم يبدو ساكنًا أو اعتياديًّا من الخارج، لكنه ينفجر من الداخل، إذ إن لدى الشخصيات منحى عنيفًا من التفكير الداخلي، من خلاله ترى العالم.
في بعض القصص شعرت بمنحى "بورخيسي" حيث يسيل الزمن في متاهات. وتبدو حينًا آخر وكأن اوستر وصل إلى إجابة لسؤال: لماذا يريد العثور على والده؟ الذي طرح له في النصف الأول إجابتين: الأولى أن والده هو طريق العثور على نفسه، والثانية أنه سيحرره من النظر لنفسه بعيون أبيه.
“هكذا أدرك "أ" وهو يجلس في غرفته ويكتب كتاب الذاكرة، بأنه يتحدث عن نفسه وكأنه شخص آخر لكي يستطيع كتابة قصته، عليه أن يغيب عن نفسه كي يجدها في القصة.. هكذا يستمر الصوت في جريانه، وحتى حين يطبق الطفل أجفانه ويغرق في النوم، يستمر صوت أبيه في الانبعاث من الظلام". (اختراع العزلة صـ159)
فاطمة قنديل والحنجرة الداخلية
هي شاعرة وتكتب عن عائلتها أيضًا، ولكن لكل شيخ طريقة. فكرت في عنوان فرعي يمهد للحديث عن رواية فاطمة قنديل "أقفاص فارغة"، إن صح إطلاق اسم الرواية عليها، رغم أن البيانات الببليوجرافية في الصفحة الثالثة تصنف العمل رواية. لكنّ "أقفاص فارغة" عمل يقع في منطقة وسيطة بين الرواية والسيرة الذاتية، يطغى عليه الحس الشعري، لا من حيث اللغة فقط، بل من حيث تركيب المشاهد ودرجة الحميمية التي يُروى بها. تحكي لنا فاطمة قصتها كشخص قادم من من الطبقة الوسطى، وتدور أحداث الرواية في حقبة تمتد بين الستينيات والتسعينيات.
تستخدم فاطمة حنجرة داخلية قررت استعادة ذاكرتها كجرح ممتد طويل، حيث يصبح الأب، الذي لا يحتل موقعًا محوريًّا على مستوى الحبكة، أولَ من يستدعي شعور العار في نفس البطلة. فيما يظهر الأخَوان رمزي وراجي في مرحلتين مختلفتين، مرحلة الطفولة و المراهقة وبداية الشباب في المنزل، ومرحلة الهروب من العائلة وإنشاء كل منهما حياةً خاصة تفاوتت فيها درجات نجاحهما. راجي الذي تعثر لخمس سنوات في الثانوية قبل أن يختفي في ألمانيا، ورمزي الذي شدّ الرحال إلى الخليج متنصلًا جزئيًّا من مسؤوليته تجاه الأم، في مقابل البطلة التي تربطها بالأم علاقة أوثق، تمتد حتى التورط وحدها في رعايتها خلال مرضها الأخير.
لم ألحظ في أي لحظة من لحظات القراءة ما يوحي بأن الكاتبة تسعى إلى تقديم تأريخ للعصور التي عايشتها: لا ستينيات الحقبة الناصرية، ولا سبعينيات الانفتاح، ولا حتى ثمانينيات وتسعينيات الجمود والاستقرار الظاهري. كانت ببساطة تحكي قصة عائلتها من منظورها الشخصي، لكن لمسة التأريخ حدثت رغمًا عنها، إذ إن السياق العام، سواء كان اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا، يتسلل إلى الخاص ويشكّله من دون استئذان.
تكتب قنديل، بصوت شاعرة، عن تاريخ الأشياء داخل البيت: صينية الطعام البلاستيكية، علبة الشوكولاتة، حوض الشرفة. حاجيات صغيرة لكنها خاضت حيوات موازية لحياة ساكني البيت. الورود المرسومة على "الصواني" ذبلت، وحوض الشرفة الذي كان مزدهرًا بالنباتات المتسلقة في حياة الأب، تحوّل مع الوقت إلى مطفأة سجائر، ثم إلى مخزن. وتاريخ المنازل التي سكنوها من السويس، إلى الألف مسكن، إلى مدينة نصر، وهكذا، كل جماد يخوض مساره الخاص، ويغدو شاهدًا صامتًا على الزمن وتحولاته.
"أسوأ ما يمكن أن يحدث لي بعد موتي هو أن يأخذ الأخرون أقوالًا مأثورة مما سأكتب الآن، أن تصير حياتي قولًا مأثورًا، هو ما يصيبني بالغثيان، أن تصير درسًا، أو عبرة، هو الجحيم ذاته، أحاول أن أتجنب هذا المصير وأنا أكتب، بلغة عارية تمامًا، لاترتدي مايستر عورتها من المجازات".
"ما تزال تلك الذكرى ثقيلة، كصخرة أزيحها بعيدًا، وبقوة عن ذاكرتي". بتلك الجملة التي ذكرتها فاطمة في إحدى الصفحات يمكننا قراءة الرواية، تلك الحيوات مثلها مثل غيرها، تحلم وتريد الدنيا كلها، ولكن الأمور غالبًا ما تنتهي بإحباط وفشل. ولكل شخص قصته، الأب الذي اضطر إلى التضحية وعدم إكمال دراسته صغيرًا، والأم التي درست في مدارس فرنسية قبل أن تنهار عائلتها وتتزوج الأب المحبط، وراجي الذي ضاع في ألمانيا، ورمزي الذي حاول عدم خسارة أي طرف، وفاطمة التي تقف في منتصف كل ذلك. أقفاص فارغة هي تراجيديا الحياة بكل تعقيداتها ومآسيها، كما صاغتها فاطمة قنديل في سرديتها العائلية.
سجن العائلة الطوعي
إذن، لنتحرر من التصوّرات المراهِقة الساذجة، التي ترى في مغادرة بيت الأسرة أو حتى موت الوالدين الفصل الأخير من مسرحية التورط التي لم نختر أدوارها، لا بد أن ندرك أن التداخل العاطفي ومساحات التورط بيننا وبين جذورنا أعقد من أن تُفكّ بمجرّد الانتقال إلى بيت آخر. فالتحرر الحقيقي يبدأ حين نكشف طبقات الوهم التي تغلف تلك العلاقة.
هكذا اختار بول أوستر وفاطمة قنديل أن يكتبا عن ماضيهما، وألّا يقفا على مسافة من قصصهما، بل ينخرطان فيها، ويكتبان من داخل العاصفة لا من خارجها. ينزعان القدسية عن الأبوين وأدوارهما التي طالما قُدِّمت كأدوار شبه إلهية، ويضعانها تحت مجهر التحليل لا التبجيل. استدعاء الذكريات ليس تذكّرًا حياديًّا، بل اجترار ذهني تعيده ذاكرة الطفولة والمراهقة بكل ما تحمله من جموح وعاطفة. تعود الذاكرة كما لو أنها كاميرا مخرج، توجه زاوية النظر، وتكثّف المشهد عاطفيًا حيثما أرادت، لأن ثمة شيئًا ما يعنيه هذا الموقف للكاتب ربما يفصح عنه، وربما لا. هي لعبة مع القارئ، لا يُمسك الكاتب دائمًا بكل خيوطها، فهو يجربها كمن يختبر أثرها على نفسه أيضًا. تجربة نفسية ثقيلة، تُعرَض فيها الذات وجذورها على الطاولة.
تنطلق تجربة بول أوستر وفاطمة قنديل من موضوع مشترك ظاهريًّا: تشريح الذات عبر الذاكرة، وسحب الخيط العاطفي الذي يربطهما بالعائلة. لكن طريقة المعالجة لدى كلٍّ منهما تختلف بوضوح. أوستر يغوص في تفاصيل حياة أبيه، وعزلته، كأنما يكتب في محاولة لاختراق "الجزيرة" التي لجأ إليها الأب بعد انفصاله عن الأم وجذورها في الماضي. وبعد وفاة الأب، يجد أوستر نفسه في وضع استكشافي، يتجول في بيته دون أن يخشى من أن ينبثق حارس خفي يمنعه من اقتحام مكان مغلق أو مقدّس. ومع ذلك، لا يبقى أسير التفاصيل العائلية، بل ينطلق منها نحو تأملات أوسع في معنى الحياة والموت، الحضور والغياب، الذات وظلالها. يظهر أوستر في النص كعين خفية، تراقب وتُحلّل وتُعلّق، دون أن تتمركز حول ذاتها. أما قنديل، فتأخذ موقعًا مغايرًا، فهي تضع نفسها في مركز الحكاية، بكل وضوح، لأنها ببساطة "قصتها". أو كما تقول عندما فاتحت زملاءها في العمل بأنها تكتب مذكراتها فنصحها أحدهم بأن تكتبها بضمير الغائب فردت:
"أريد أن أحضر كما لو أنني كنت غائبة دائمًا، الحضور الكامل هو كل ما أحلم به"
يختلف الكاتبان أيضًا في تقنية الكتابة. ففي النصف الثاني من اختراع العزلة، يلعب أوستر لعبة أدبية مع القارئ، يكتب مجموعة من القصص القصيرة بأسلوب يبدو محايدًا، كأنه مجرد كاتب يروي عن شخصيات متخيلة. لكن ما نعرفه من النصف الأول عن حياته وعلاقة أبيه به يمنح تلك القصص جاذبية إضافية، إذ تصبح الشخصيات مأهولة بتفاصيل نعرفها سلفًا عن أوستر، وعن والده، وعن العائلة، أكثر مما تُفصح عنه القصص نفسها. وما إن نبدأ في التقاط تلك الخيوط، حتى يبدأ أوستر بالظهور تدريجيًّا، كما لو كان يقول لنا إن الاختفاء الكامل عن النص مستحيل.
يبدو أوستر، في مواضع كثيرة من اختراع العزلة، وكأنه يطفو على سطح الذاكرة بطبقة شفافة من التأملات، يتنقل من الحكاية إلى الفكرة، ومن الخاص إلى التأملي، في رحلات جانبية تضيء المشهد. أما عند قنديل، فتأتي التأملات جزءًا لا يتجزأ من الذكرى نفسها، تنشأ من داخل الحدث.
مسألة "الافتضاح" تبدو وكأن لها مخلبين، مخلب العار، ومخلب التحرر. التحرر، في كلا العملين، لا يتحقق إلا عبر المكاشفة، بإطلاق الشعور نحو الخارج، نحو العالم، إذ إنّ حبسه داخل القفص الصدري لن ينتج سوى صديد الجراح المندملة. اعتبرت عائلة أوستر الكتاب فضيحة للعائلة، صرّحوا ضده في الصحف ونعتوه بالكذب. ولكن أليس هذا رد الفعل الطبيعي حين يجد أحد أفراد العائلة أن باب البيت فُتح فجأة أمام الغرباء ليتلصصوا على أدق أسرار العائلة وما كان يُظن أنه سيبقى مستورًا؟ مثل كل العائلات. لا أعتقد ان موقف عائلة قنديل كان مخالفًا رغم ظني أنه ربما يكون أقل حدة، ولكني لم أقرأ عنه في أي مكان. هكذا وإن اختلفت مع "أدب الافتضاح"، رغم متعة التلصص، لا يمكنك إنكار أنه يمنح الحياة للموتى في قبورهم، عندما "يؤنسنهم" مرة أخرى ويزيل عنهم قدسية الموت الخادعة، ويحولهم لأكثر من شاهد مدوَّن عليه، تاريخ الولادة والوفاة، ويعيد بعثهم ليعيشوا مرتين. ثم يحرر الكاتب من سجن الذاكرة، ولو قليلًا.