في أحد أيّام عام 1958، جلس الفنان البريطاني جيرالد هولتوم في غرفته، محاصرًا بالخوف من سباق التسلّح النووي، أمامه ورقة بيضاء، وفي ذهنه سؤال واحد: كيف يمكن لرمز واحد أن يوقف الحروب؟ كيف يمكن لرمز واحد أن يكون عابرًا للحدود والشعوب والثقافات والديانات والإثنيات ويفهمه جميع البشر برسالة واحدة؟ بعد لحظات من التأمّل، رسم خطين متقاطعين داخل دائرة.. وهكذا ولد رمز السلام العالمي الشهير.
استلهم هولتوم تصميمه عبر دمج حرفي النون والدال بالإنكليزية في إشارة إلى (Nuclear Disarmament) بالإضافة إلى ذلك، أشار هولتوم إلى أنه استوحى الفكرة من لوحة "الثالث من مايو 1808" للفنان الإسباني فرانشيسكو جويا، التي تُظهر فلاحًا يمدّ ذراعيه في مواجهة فرقة إعدام، معبّرًا عن اليأس والاستسلام. أصبح هذا الشعار رمزًا عالميًا للسلام، وتبنّته العديد من الحركات والمنظمات الساعية للسلام حول العالم.
لماذا يصنع البشر الرموز؟
ينقل الباحث بلال موسى العلي في كتابه "قصة الرمز الديني" إن الرمز يأتي ليُضفي معنىً للثقافة بصورة غير منطوقة، ويحمل دلالات وشحنات ثقافية واجتماعية ودينية، ويتم تعريفه باعتباره صورة أو إشارة مرئية لتمثيل فكرة معينة. للرمز قوّة إيحاء، ويبني علاقة تبادلية للتفاهم بين الناس، ويؤسس شبكة من العلاقات والانتماء والترابط بين أفراد جماعة ما.
قد يتساءل البعض عن أهمية الرمز؟ لكن هذه التساؤلات ستغيب في اللحظة التي يبدأ الشخص بالاضطلاع على دور الرموز وأهميتها وأساطيرها وعلاقتها بالثقافة وبكل مجالات الحياة. فالعالم غابة من الرموز، بحسب الكاتب الإيطالي إمبرتو إيكو. وبحسب الباحث فيليب سيرنج، في كتابه الرمز والفن، يشير إلى أن "الحقائق تختبئ خلف الأشكال الرمزية".
صديق قال لي: "كل حياة البشر عبارة عن ميتافورات أي استعارات". حفزتني مقولته خلال نقاشنا للبحث والتعمق وقراءة بعض الدراسات، وكان أن وجهت تركيزي ناحية المسألة لأجد الرموز منتشرة في الطرقات، عند فرق كرة القدم، والفرق الكشفية، والأحزاب السياسية، والحركات الاحتجاجية، والحركات الحقوقية والمطلبية والعمالية، والفرق الموسيقية، وفي المؤسسات التعليمية، وشركات السيارات، والعلامات التجارية كافة، والجيوش، والحضارت القديمة، وفي الديانات المختلفة.
صارت كثير من هذه الرموز توشم على الأجساد ولها تعبيرات ودلالات وفلسفات وتعود إلى عصور خلت وحقبات مضت، ولها سيرورة حياة من الولادة إلى الممات، ويقدر عددها بالملايين. ومسألة الرموز ليست مسألة بسيطة، بل دراستها مستعصية وتعرض لها فلاسفة كبار من أمثال سارتر ويونغ وباشلار وفرويد ومرسيا إلياد وجيلبير دوران، وطال دراستها صراع بين مدارس شتى منها الاجتماعية والسيكولوجية والإنتروبولوجية.
وبحسب دوران في كتابه: "الإنتروبولوجيا: رموزها، أساطيرها، أنساقها"، فيُشير إلى أن الرمز معقد، إنه ذاته وعكسه، ويحمل في طياته عناصر متعددة وتأويله يكون بين الظاهر والباطن، بين المادي والروحاني، بين الوعي واللاوعي. ويعتبر أن الرموز تؤثر على إدراك الأفراد للعالم من حولهم كما تشكل طريقة تفسيرهم للتجارب الحياتية. فالرمز أداة للإجابة على الأسئلة الكبرى التي قد لا تكون لها إجابة مادية واضحة، والرمز يحمل القيم الاجتماعية والدينية وينتج معان ودلالات ثقافية تترسخ في الفكر الجمعي، كما تعد الرموز الرابط بين الوعي واللاوعي. حيث تُعتبر وسيلة للاحتفاظ بالمعلومات والمعرفة عبر الأجيال، ولكن أيضًا كأداة لفهم وتحليل الأحلام والأفكار اللاواعية التي لا يمكن التعبير عنها مباشرة. لذا فإن الرمز يخدم وظيفة تطهير النفس والتحليل الذاتي، مع ما يصاحب كل ذلك من بناء علاقة بين الفرد والجماعة.
فتلعب الرموز دورًا سيكولوجيًا مهمًا عند البشر، مثلًا عند رؤية الحمامة البيضاء يشعر المرء بالأمان والطمأنينة والاستقرار، وعندما يراها تطير يشعر بالأمل والتفاؤل. الرمز سرعان ما يحيل إلى فكرة، والفكرة يتوّلد عنها أحاسيس ومشاعر، عندما يرى المرء رمز البومة يشعر تلقائيًا بالسلبية، لذا فهناك ربط دائم بين الرموز وبين انعكاسها على البشر، وبشكل نسبي طبعًا، وفقًا لعالم النفس كارل يونغ، هناك رموز متأصلة في اللاوعي الجماعي، فالحمامة البيضاء تتكرّر كرمز في مختلف الثقافات وبسبب ذلك لأن السلام قيمة متجذرة أصيلة في العقل البشري!
وقد استخدمت الرموز في العلاج النفسي منذ القرن التاسع عشر من خلال تعبير المريض عن نفسه بالرسم، ثم محاولة فكّ دلالات الرسم. وعلى هذا المنوال والقياس، كما عند الأفراد، يمكن البحث أيضًا في دور الرمز في بناء الهويات الثقافية والمجتمعية، فالرمز الديني يفرض الهيبة والخوف والرجاء والمحبة كتعابير نفسية سيكولوجية عند المؤمنين.
الرمز والهوية
أصبحت رمزية الحمامة وورقة الزيتون جزءًا من الهويات الوطنية، خاصةً في الدول التي مرت بصراعات، مثل فلسطين، حيث أصبح غصن الزيتون رمزًا للمقاومة في شعار منظمة التحرير الفلسطينية، وتلعب الرموز دورًا في عملية التماسك الاجتماعي، وإن على صعيد شخصية الفرد وعلاقته بالأفراد الآخرين داخل الجماعة، وعلى صعيد تماسك الفرد مع الجماعة، وعلى صعيد تماسك الجماعات ضمن بوتقة واحدة، أو تناحر الجماعات على اعتبارها "آخر" مختلف لديه رموزه التي تشكل بنيان مستقل، فالرموز تحدد من "نحن" ومن "الآخر".
كل جماعة اتخذت لنفسها رمزًا بحيث نجد الرموز في كل الأمكنة والأزمنة، ويكاد لا يتفق شخصان على قضية إلا ويكون الرمز ثالثهما، يشدّ عضدهم ويمثل فكرتهم وقضيتهم بشكلّ بصري ويحيل إلى الخلفية والفكرة والمعنى والمغزى والهدف والهوية وإلى ما يتخطى كل ما ذكر، إنه فلسفة بكاملها.
هناك قوة تحملها الرموز ولكنها قوة متفاوتة، فالرمز الديني يحمل في نواته قوة مقدسة. وعبر التاريخ أنتج الإنسان العديد من الرموز، ومنها الرموز الدينية، والتي اعتبرها واعتقد بقدسيتها مما جعله يحيطها بهالة من المنع والتحريم والقداسة والهيبة، مما أدّى إلى أن يحتفظ الرمز الديني على مر مراحل التاريخ بأصالة مميزة أضفت عليه وحدة متماسكة لا نزاع فيها.
في ذات السياق يمكن فهم الرموز المنبثقة من العقائد السياسية والقومية، كشعار النازية، لكنها أخف شدة لناحية استمراريتها، لأن تاريخ صلاحيتها مرتبط بالمؤسسة التي أنتجتها أو النظام الذي أوجدها، وبمجرد انهيار المؤسسة أو النظام ينهار الرمز تلقائيًا، على عكس الرموز الدينية، التي ترتبط بالمقدس ولأن فترة صلاحية الدين عبر التاريخ البشري تمتد أكثر بكثير.
الهلال والصليب ☪️✝️
مع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، أصبح الهلال رمزًا للأمة الإسلامية ووحدة الأمة والسلام بين الدول الإسلامية، حيث كان يُعرض في العديد من الخطب والمناسبات الدينية كرمز للتآخي والتسامح. ومع ذلك، في فترات أخرى من التاريخ، أصبح الهلال أيضًا رمزًا للصراع، خاصة في الحروب ضد القوى غير الإسلامية. في الحروب الصليبية، كان الهلال يمثل المقاومة ضد الحملات العسكرية التي شنها الصليبيون.
أما الصليب فارتبط ظهوره مع المسيحية، حيث كان رمزًا للصليب الذي صُلب عليه المسيح وفقًا للعهد الجديد، و أصبح الصليب على مر العصور، رمزًا رئيسيًا للدين المسيحي وأصبح جزءًا من الطقوس والكنائس المسيحية في معظم أنحاء العالم. في المسيحية، يُعتبر الصليب رمزًا للتضحية والحب الإلهي، ويعبر عن دعوة للسلام والمغفرة. كما استخدم في العديد من الحركات المسيحية التي تبنت رسالة السلام، لكن في فترات معينة من التاريخ، كان الصليب أيضًا رمزًا للصراع، خاصّة في الحروب الصليبية، حيث استخدمه الصليبيون المسيحيون في حملاتهم ضد المسلمين.
في فترات الحروب الصليبية والإسلامية، كان الهلال والصليب من الرموز الدينية الهامة التي تم نقشها على الأعلام والرايات والدروع والأسلحة والخوذ، حيث مثل كل منهما هوية دينية وأيديولوجية للطرفين المتحاربين. وبهذا الشكل، أصبح الهلال والصليب رمزان متعارضان في الحروب الصليبية، حيث كان كل طرف يستخدم رمزه لتأكيد مشروعية حربه.
ثم انتشرت في سنوات القرن العشرين شعارات تضم عناقًا متبادلًا بين الهلال والصليب أو بين المسجد والكنيسة، وذلك تأثرًا بحركات مناهضة الصراعات الدينية والدعوة إلى العيش المشترك والسلام العالمي والتسامح الديني سيما في المجتمعات المتعددة الأديان في مصر وبلاد الشام، وكدليل على وحدة الهوية الوطنية والقومية.
وقد لفتني كثيرًا أن الصليب الأحمر الدولي يستخدم شعار الصليب على خلفية بيضاء، وصدر عام 1863 لحماية العاملين في المجال الطبي أثناء الحروب. ثم انبثق الهلال الأحمر على خلفية بيضاء واعتمد في اتفاقية جنيف عام 1929، وكانت نشأته بسبب الحساسيات الدينية التي يشكلها الصليب في المجتمعات الإسلامية. ثم في العام 2005 صدر شعار الكريستالة الحمراء على خلفية بيضاء كرمز إنساني محايد وتم تبنيه من قبل الحركات الدولية بعد جدل طويل.
على سبيل المثال، الكيان الصهيوني رفض استخدام الصليب والهلال المعتمدة عالميًا وطالب بالإعتراف بشعاره الخاص، نجمة داوود الحمراء على خلفية بيضاء. فجاء رمز الكريستالة الحمراء كحل وسطي محايد وعابر للثقافات والأديان ولا يحمل أيّة دلالات، هذا التطور يعكس شيئًا من مسألة الرمز وتأثيراته وعلاقته بالمجتمعات والثقافات.
نجمة داوود ✡️
ارتبطت نجمة داود باليهود منذ زمن بعيد، ومن المحطات المؤلمة في تاريخ هذا الرمز هو أن اليهود أُجبروا في ألمانيا النازية على ارتداء شارة تحمل النجمة لتدل عليهم، في إجراء تمييزي مهّد للهولوكوست. وفيما بعد، أصبحت النجمة رمزًا لدولة الاحتلال الإسرائيلي عقب تأسيسها عام 1948، ما دفع غالبية المسلمين والعرب، وكل المعارضين للصهيونية، للنظر إليها بصورةٍ سلبية تربطها بالاستعمار الاستيطاني والتطير العرقي.
هذا الرمز، المكوّن من مثلثين متداخلين أحدهما متجه إلى الأعلى والآخر إلى الأسفل، كان يستخدم في الثقافات القديمة للإشارة إلى الخصب والتوازن، طالته تحولات كثيرة جعلته يكتسب الدلالات السياسية التي يحملها الآن، ولذا هناك محاولات لمقاومة هذه الصورة بربطه بالسلام من جهات مرتبطة بالمشروع الصهيوني.
يُعبّر اليوم هذا الرمز عن التراث اليهودي والانتماء والفخر والصمود والقوة والهوية والتاريخ حسبهم، وقد بات منتشرًا في الثقافة اليهودية، وكانت هناك محاولات إقحامه في المبادرات التي تسعى لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، حيث يدعو بعض نشطاء السلام اليهود إلى تبني هذا الرمز في مشاريع التعايش والتفاهم بين الشعوب، يضاف إلى ذلك، أن هذا الرمز استخدم في الكنائس والزخارف والفنون المسيحية. لكن الصراع العربي الإسرائيلي أصبغ على الرمز سمات الاحتلال والسيطرة العسكرية والاستعمار وصار يستخدم في المجال السياسي من قبل المتطرفين في "إسرائيل" كتعبير عن التفوق أو العظمة القومية، مما جعله موضع خلاف عالمي.
الحمامة وورقة الزيتون 🕊️
تنبع من الميثولوجيا الدينية، وتحديدًا من سفر التكوين في العهد القديم. بعد الطوفان العظيم الذي أرسله الله لتطهير الأرض من الشر، ترك النبي نوح سفينته يترقب انحسار المياه. أطلق طائر الغراب أولًا، لكنه لم يعد، ثم أرسل الحمامة، فعادت في المرة الأولى خاوية، لكنه أرسلها مجددًا، فجاءت تحمل في منقارها ورقة زيتون خضراء، معلنةً انتهاء الكارثة وعودة الحياة إلى الأرض. تخطت هذه الحكاية سرديتها الدينية، وتحولت إلى نموذج رمزي عابر للثقافات، إذ حملت معاني التجديد، الوعد بالخلاص، والسلام بعد الدمار، وارتبطت بالطهارة والسلام.
في المسيحية ترمز الحمامة إلى الروح القدس، وتحمل ورقة الزيتون كدلالة على المصالحة الإلهية، والمصالحة بما تتضمنه من معنى للسلام. ففي القرن العشرين، بعد الحروب العالمية، قام بابلو بيكاسو بإعادة إحياء الرمز من خلال رسمته الشهيرة "حمامة السلام"، كرمز لمؤتمر السلام العالمي في باريس عام 1949، وأصبحت شعارًا عالميًا لحركات مناهضة الحرب ووقف الصراعات وبناء السلام. وفقًا للقصة التوراتية في سفر التكوين، فإن الحمامة التي أرسلها النبي نوح بعد الطوفان عادت إليه وهي تحمل ورقة زيتون في منقارها، وليس غصنًا كاملًا. وهذا التفصيل مهم دلاليًا، إذ إن ورقة الزيتون تمثل إشارة رمزية رقيقة وخفيفة على أن اليابسة بدأت تظهر، أي أن الأمل لا يزال هشًا لكنه موجود.
في بعض الحروب، استخدمت الحمامة لتصوير طرف معين على أنه داعٍ للسلام بينما يتهم الطرف الآخر بعدم الرغبة في المصالحة، مما يجعلها رمزًا للصراع الأيديولوجي. خلال فترة الحرب الباردة، استخدم الاتحاد السوفيتي رمز الحمامة البيضاء كجزء من دعايته للسلام، مما أثار شكوكًا حول نواياه الحقيقية. على سبيل المثال، في عام 1950، رسم الفنان إدوين ماركوس كاريكاتيرًا بعنوان "حمامة السلام الروسية" يصور دبابة على شكل حمامة، معبرًا عن الشكوك تجاه دعاية السلام السوفيتية، وفي عام 1950، أشار بيتر فييرك في مقال بعنوان "الحمامة الطروادية" إلى أن الدعاية السوفيتية تبنت رمز الحمامة، مما أثار تساؤلات حول مصداقية نوايا السلام المعلنة.
تعبير الحمامة الطرواديةمستوحىً من حصان طروادة، وهو الحيلة التي استخدمها الإغريق لخداع أهل طروادة وإدخال الجنود داخل المدينة، مما أدى إلى سقوطها. فهو يشير إلى أن الحمامة، التي تعتبر رمزًا للسلام، قد استُخدمت كأداة خادعة لإخفاء نوايا أخرى؛ أي أن الاتحاد السوفيتي لم يكن يسعى إلى السلام الحقيقي، بل كان يستخدم رمز الحمامة كواجهة دعائية لنشر أيديولوجيته أو للتأثير على الرأي العام العالمي ضد الغرب.
بعض الجماعات المسلحة استخدمت الحمامة بشكل ساخر أو مضاد، للتأكيد على أنهم يحاربون من أجل سلام مستقبلي، كما فعلت بعض حركات التحرر التي بررت العنف بضرورة تحقيق السلام العادل. بعض الفصائل الثورية في أمريكا اللاتينية استخدمت صورة الحمامة للدلالة على أن النضال المسلح عمل نبيل وهو الطريق إلى السلام. وهناك حركات عديدة منها حركة التحرير الوطني الجزائرية وحركة تحرير جنوب أفريقيا وجبهة التحرير الوطني في كولومبيا وجبهة التحرير الوطني في نيكاراغوا والثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو.
تجدر الإشارة أيضًا إلى التاريخ الطويل لاستخدام الحمام الزاجل في المشاركة في بعض من أبرز النزاعات التاريخية لنقل الرسائل، وهناك دول وحركات سعت إلى تربية وتدريب الحمام كأداة من أدوات الاتصال الحربي.
غصن الزيتون 🌿
غصن الزيتون أصبح رمزًا للأمل والنجاة والسلام؛ ففي اليونان القديمة، كان تتويج الفائزين بأغصان الزيتون في الألعاب الأولمبية يعبر عن السلام والانتصار النبيل، كما صُوّرت الآلهة، مثل إيريني، إلهة السلام عند الإغريق، وهي تحمل غصن زيتون. وظلّ الزيتون رمزًا للنقاء والبركة في التقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية. ففي الكتاب المقدس، استخدم الزيت المستخرج من الزيتون لمسح الأنبياء والملوك. أما في الإسلام، فقد ورد ذكر الزيتون في القرآن كرمز للخير والنور.
ظهر غصن الزيتون مع بندقيتين في شعار "حركة فتح" تعبيرًا عن الكفاح المسلح مع السعي للسلام العادل، ومن ينسى خطاب الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات: "جئتكم بغصن الزيتون في يد، وبندقية الثائر في اليد الأخرى، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي". وكذلك كان هناك انتشار لرسومات حمامة السلام بعد توقيع اتفاقية أوسلو، كما رُسم شعار الحمامة على جدار الفصل العنصري الإسرائيلي في الضفة الغربية من قبل الفنان البريطاني بانكسي. مع هذا فالسلام لم يعم في فلسطين، ورأى بعض الفلسطينيين أن الحمامة تعد كرمز للاستسلام وليس للسلام الحقيقي المبني على الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني، فيما استمرت "إسرائيل" في جرائمها على الرغم من أنها ادعت السلام في كثير من المحطات.
ارتبطت الرموز بحركات الدبلوماسية الدولية، مثل استخدامه في شعار الأمم المتحدة، مما يدل على تقبل الشعوب لفكرة السلام كحاجة إنسانية عميقة، لكن هذه الرموز وحدها لم تمنع الحروب، لكنها أسست لمعاني الأمل، وخلقت لغة عالمية يتفق عليها الجميع ولها منافع عدة في تربية الأطفال في المدارس مما يعزز النزعة السلمية لديهم.
اليد الحامية 🖐️
يشار إليه أيضًا بالخمسة أو كف فاطمة، نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة النبي محمد. هذا الرمز التقليدي استخدم في العديد من الثقافات كرمزٍ للحماية من الشر والأذى، بما في ذلك الحماية من الأرواح الشريرة أو الأعداء، ويعتبر أن اليد الحامية تقدم السلام النفسي والطمأنينة والأمل للمجتمع والأفراد، وتمنحهم شعورًا بالأمان. يوضع كقلادة أو يعلق على الجدران في المنازل والأماكن التجارية ليحميهم من الحسد أو الطاقة السلبية، وانتشر الرمز في اللوحات ونقش على المجوهرات ورسم على الأوشحة وصار يستخدم في كموضة رائجة في الملابس، كما أنه رمز للوحدة والمصالحة. في المقلب الآخر، يشير الرمز إلى الثأر والانتقام والقوة والمقاومة ضد الأعداء وله صبغة ثورية نضالية.
قوس القزح🌈
كان أبرز ظهور لرمز قوس القزح في القرن العشرين في سياق الحركة الداعمة لحقوق المثليين والمساواة والعدالة والقبول والتنوع، حيث صممه الفنان الأميركي غيلبرت بيكر عام 1978 مستخدمًا الألوان لترمز إلى مجموعة من القيم والمفاهيم مثل الحياة، والشفاء، والشجاعة، والشمس، والروح، والحرية، والانسجام. تم تبني الشعار من قبل مجتمع المثليين في المظاهرات والاحتجاجات والفعاليات والمناسبات الحقوقية وانتشر عند بعض الحركات السياسية والاجتماعية للتأكيد على القيم الإنسانية، وتبنته المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
لكن الشعار لاقى رفضًا من قبل العديد من المجتمعات والحكومات المحافظة، وقد دارت معارك قانونية وسياسية شديدة في العديد من الدول بين مؤيدين وبين رافضين لهذا الشعار وما يمثله على الصعيد المجتمعي والسياسي كالزواج وحقوق التبني والحقوق المدنية. تطور الصراع إلى حد فرض الرقابة والتهديدات القانونية على استخدام هذا الشعار في الأماكن العامة سيما في الدول والمجتمعات التي اعتبرت أن الشعار يمثل تهديدًا للقيم الدينية. وكما يبدو أن الصراع حول الشعار ومفاهيمة سيبقى طويلًا ومحتدمًا في المستقبل سيما مع وقوع العديد من الحوادث العنفية حول العالم بين معارضي ومناصري رمز قوس القزح.
غريزة متأصلة أم مفاهيم ثقافية!
الرموز تحمل قوةً تفوق المعاني اللغوية، فهي أدوات ميتافيزيقية تختزل أفكارًا معقدة في صور بصرية بسيطة. فكثير من الفلاسفة تساءلوا عما إذا كان السلام حالة طبيعية أم أنه بناء اجتماعي ثقافي؛ وعند متابعة أفكار الفلاسفة فيما يتعلق بالسلام والصراع وعلاقتهما بالغريزة وأيهما متأصل في الطبيعة البشرية، نجد أن الرموز يمكن أن تشكل مضمار هذا النقاش.
الفيلسوف جان جاك روسو يرى أن الإنسان بطبيعته مسالم، لكن المجتمع يفسده ويدفعه للعنف. في هذا السياق، تصبح الحمامة رمزًا لفطرة الإنسان الأولى، قبل أن يتعلم الحرب والصراع. أما توماس هوبز فيشير إلى أن البشر ميالون للصراع، والسلام ليس إلا نتيجة عقد اجتماعي لحماية المصالح المشتركة، وليس لأن السلام هو الحالة الأصيلة في النفس البشرية. وهنا، يتضح لنا أن الحمامة مرة تكون رمزًا للخير ومرة تعبر عن الشر.
ثم نجد في جمهورية أفلاطون الفاضلة، هذا الحلم المثالي والتوق إلى العالم القائم على التوازن والعدالة، وهكذا ترمز الحمامة لهذا الحلم اليوتوبي المتجدد. في المقابل، نجد أن الفيسلوف فريدريك نيتشه ينتقد الطوباوية ويعتبر أن الحياة تقوم على الصراع، وأن السلام المطلق ليس إلا وهمًا يعطل إرادة القوة والتطور.
ينقل عن الفيلسوف هيغل أن "الشرّ محرك التاريخ"، وعلى الرغم من كون المقولة تعزو إلى الدقة التامة في نسبتها إليه، إلا أن مواقفه من المسألة يمكن أن تتلخص باعتباره أن التاريخ هو سيرورة من الصراعات التي تؤدي إلى تقدم البشرية. وبالتالي، فإن رموز السلام لا تصبح تعبيرًا عن واقع وإنما عن رغبة لم تتحقق بعد، أما عند جان بول سارتر، فالحرية والمسؤولية الفردية تعنيان أن الإنسان هو من يصنع سلامه أو صراعه، وبهذا يصبح السلام أو الصراع ليسا أمورًا حتمية أو طبيعية موجودة خارج إرادة الإنسان، بل هما نتيجة لاختياراته الحرة. أما عند ميشيل فوكو، فالرموز ليست بريئة، بل هي أدوات سلطة تستخدم لتشكيل وعي المجتمعات؛ فكما استخدم الصليب والحجاب والنجمة كشعارات للسيطرة الدينية والسياسية، ويمكن أن تكون الحمامة البيضاء مجرد أداة سياسية لتبرير مواقف وأفعال معينة.
وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن تشكل هذه الرموز المتعلقة بالسلام والصراع ممرًا عالميًا يعبر بالبشر إلى السلام في حال انتشرت وسادت؟! أم أن النزعة إلى الصراع هي النزعة المتأصلة عند البشر؟! لا يعني كلامي هذا إجبارية الاختيار بين السلام والصراع دون الأخرى، فربما هناك خيارات ثالثة ورابعة... ومن هذه الخيارات أن غريزتي السلام والصراع متأصلتين داخل نفوس البشر!












