كان سيجموند فرويد قويًا وجريئًا حين أثار الجدل في كتابه "ما وراء مبدأ اللذة" (1920) الذي اقترح فيه وجود غريزة رئيسة في الإنسان تقف جنبًا إلى جنب مع غريزة الحياة، وهي غريزة الموت المتجلية في العنف والتدمير الذاتي للنفس، والرغبة الملحة في عودة الأشياء إلى حالة الجمود الساكنة (انعدام الحياة). والنفس البشرية بذلك عند فرويد تعيش في صراع بين هاتين الغريزتين؛ الأولى متجهة نحو البقاء والحياة، والأخرى نحو العدم.
يتجاوز مفهوم غريزة الموت عند فرويد معنى تمني الموت أو الانجذاب لكل ما هو ميت وراكد (النيكروفيليا)، بل تتوسع إلى كل ما هو خطير وعدائي ضد الذات وضد الآخرين. إنّ الاعتراف بالسادية هو اعتراف بالدافع التدميري في النفس[1]، علمًا أنّ السادية ليست مقترنةً بالكراهية، إنّها تظهر في قمة الحب كذلك.
وعلى الرغم من مخالفة المحللة النفسية ميلاني كلاين للعديد من أفكار فرويد، فقد طرحت أيضًا أنّ "غريزة الموت" تبدو واضحة في العدائية البشرية منذ الطفولة؛ فالطفل الذي يشعر بالخوف أو الإحباط يكون عنيفًا حتى إن لم ينشأ في بيئة عنيفة. إنّه تدميري مع الأشياء التي لا يفهمها، وهذا ما وضحه إريك فروم أيضًا في المثال الذي يقول إنّ تكسير الألعاب وتفكيكها هو تدمير لها، لكن المغزى من وراء ذلك هو محاولة فهم هذه اللعبة، وإن لم تُفهم هذه الأشياء التي يكسرها الأطفال ستُدمر أكثر بسبب الإحباط المولد للعنف الذي طرحته كلاين.
إنّ الكائنات الحية تحمل في ذاتها أسباب الموت، فيموت الإنسان (ميتته الطبيعية) بفعل عمليات داخلية فيه. إنّه يحمل موته في حياته؛ لهذا يتكاثر، كي لا تموت الحياة على الكوكب، وهذا ما يخبرنا به "شوبنهاور": أنّ الموت هو النهاية الحتمية للكائنات؛ لذلك هو غاية الحياة [2].
وفي استخدامٍ للتشبيه الدارج بأنّ الحياة هي امتحان صبر، أو طريق تحدياتٍ علينا قطعه، فإنّ الرغبة المرافقة لنا بالحياة اليومية هي الوصول إلى الامتحان الأخير. هذا لا ينفي محبة الحياة، بل يطرح الرغبة المصرح بها وغير المصرح بها للوصول إلى النهاية.
النيكروفيليا نظرة حياة لكل ما هو ميت
تعني النيكروفيليا Nekrophili المشتقّة من الكلمة اللاتينية Nekros الجثةَ الميتة، والمعنى الأكثر شيوعًا للمصطلح هو: اشتهاء جثث الموتى، إلّا أنّ النيكروفيليا تتجاوز الغريزة الجنسية أحيانًا لتتجلى في السلوكات والأفكار؛ إنّها ميل نفسي لكل ما هو غير حي يوضّح الضعف الذاتي في إثبات الوجود، وعدم الإيمان بوجود فائدة مما هو حي[3].
يُقدّم إريك فروم سمات واضحة للشخصية النيكروفيلية تتلخص في التحدث الدائم عن المرض والموت والماضي. النيكروفيليون باردون، وشاردون، ومكرَّسون للقانون والنظام، ويثيرهم ويرضيهم الموت لا الحياة؛ ذلك أنّهم يدركون أنّ الحياة لا يملكون السيطرة عليها ولا التنبؤ بها، ويجعلونها قابلة للسيطرة بالموت وحده؛ لأنّ الموت هو اليقين الوحيد بالحياة، إنّهم مفتونون بالقوة، ويرحبون دائمًا بالقتل ويحتقرون القتيل، يحبون كل ما هو ميكانيكي، ويحوّلون كلّ الأشياء الحية والأحاسيس إلى أشياء مجرّدة، وتصبح ذاكرتهم بديلًا عن خبرتهم، والامتلاك بديلًا عن الوجود، ومن ثَمّ إذا فقدوا ما يملكون فسيشعرون بالتهديد؛ لذلك يُقْدمون في الدفاع عمّا يملكون حتى لو كلّفهم الأمر خسارة حياتهم؛ لأنّ خسارتهم ما يملكون تُفقدهم اتصالهم بالعالم[4].
يرحّب النيكروفيلي بالقتل لأجل إقامة القانون والعدالة؛ فكل ما يهدّد القانون يُعدّ هجومًا على قيمه السامية. أسلوبه وظيفيّ مركّب، يحب كل ما هو ميكانيكيّ، ويحوّل العضوي إلى غير عضويّ؛ أي الأحياء إلى مجرّد أشياء، وإلى مقاربة الحياة بشكلٍ آليّ.
هناك شروط اجتماعية معاصرة أسهمت في زيادة النيكروفيليين اليوم؛ كالتربية بين أشخاص ميّالين للموت والبؤس والماضي، ونقص الإلهام، والخوف، والنظام الآلي السائد في العصر الذي حلّ مكان العلاقات البشرية في التوجيه والعمل، والاعتماد على الآلة والجمادات بدلًا من الناس، وفقدان الأمان الذي هو مهدّد اليوم، ولا سيما اقتصاديًّا بما يهدد كفاية الشروط المادية للحياة الكريمة، والاهتمام الحديث بالناس بوصفها أِشياء في القواعد الإحصائية لسلوك الجماعات، وزيادة البيروقراطية، كل هذا يدمّر في الإنسان حب الحياة، ويحوّل شخصيته إلى قاتلة لها.[5]
كذلك، إنّ الكبت القائم على صراع رغبات الحياة مع واقعٍ بخيل لا يساعد على الإشباع الكافي للغرائز، قد يخلق إنسانًا محبطًا من الحياة، نيكروفيليًّا يميل إلى الموت، وهذا الميل إلى الموت يُعبَّر عنه بحب كل ما يتّصل بالموت من ظلام، وقتل، ودمار، وسادية باطشة[6].
كبت رغبة الحياة
إنّ الكبت المتواصل لدوافع الغرائز الأساسية عند الإنسان (الجنسية والعدائية) يُراكم الضغط النفسي، الذي قد يظهر لاحقًا على شكل سلوكات تدميرية للنفس أو للآخرين؛ كإيذاء النفس، أو التورط في أنشطة خطِرة، والسلبية والعجز، وقد لا يكون السلوك التدميري موجّهًا فيظهر في القلق وهوس الكمال والأفكار الانتحارية.
تستقرّ المكبوتات في اللاشعور، وبهذا فإنّ سلطة الوعي عليها تضمحل، ما يجعل الشخص عُرضة للأمراض العصابية إذا ما استمرت عملية الكبت هذه. ولا بدّ من التنويه أنّ الكبت ليس السبب الرئيس للأمراض النفسية كما هو شائع، بل عدم القدرة على التعامل معه، وزيادة المكبوتات [7].
عندما يعي الإنسان حقيقة هذا الصراع الداخلي الذي يُولّده الكبت يحاول تجنبه بأن يُطفئ الرغبة، أو أن يحوِّل موضوع إشباعها؛ إنّه لا يريد كبت رغبته، بل يريد ألا يرغب. على سبيل المثال إنّ الرغبات الثابتة في الإنسان عند فروم هي ثلاث؛ المجد، والسلطة، والمال، فالذي يعي أنّه لا يستطيع أن يطال تحقيق هذه الرغبات عليه إقناع نفسه بعدم ضرورة هذه الرغبة في حياته، أو أن يحاول تحويل الرغبة إلى مكان ما بتحقيق شيء آخر يبعث فيه النشوة التي قد تخلقها السلطة في النفس؛ بهذا يكون الشخص إمّا أنّه محا رغبة السلطة بحد ذاتها بأن يُقنع نفسه أنّ السلطة والمجد ليسا على قدر من الأهمية في حياته التي وَجَدت معنى آخر بعيدًا عن ذلك، وإمّا أن يُفلح في إيجاد بديل نفسي عنها.
إنّ رفض الرغبة أو تحويلها يعدّ محاولة عظيمة للحفاظ على التوازن النفسي في عالم لا يكترث بأن يكون الإنسان فيه مشبع الرغبات والغرائز، وهذا تعامل واعٍ مع غريزة الموت في الإنسان وإقرار بوجودها كذلك؛ بأن تطفئ شهوات الحياة المُلحَّة فيك لتتمكن من الحياة.
ركوب المخاطر والموت سعادة
إنّ كل ما يثير الأدرنالين فينا يمكننا تسميته بالرائع؛ الألعاب العالية الخطرة، وتسلق الجبال المنحدرة، والمغامرة في موجٍ هائج، وحتى مشاهدة فلم رعب شديد الإخافة. كل ما يحركنا من الداخل بهذا العنف ويساعد في اضطرابنا جميل؛ لأنّنا كائنات نكره الوتيرة الواحدة، والتوليفة الثابتة، فكل صارخ في الحياة وإن كان واقفًا على حافة الموت يغرينا لتجربة عيشه، هذه هي غريزة الموت التي تصيح في أوج رغبة الحياة؛ إنّنا في حبنا للحياة نضع قدمًا في الموت ونسحبها عائدين ضاحكين في الحياة. ورغم مجازفتنا بأن يسحبنا ذات مرة هذا الموت من قدمنا الممدودة في مساحته، فإنّ فرحة الحياة مسروقة من رغبة الموت.
لا نقصد بهذا التحليل أنّ غاية المغامرين المتهورين هي قتل أنفسهم، وإنّما مواجهة احتمال الموت، والشعور بالسيطرة على الحياة بإثبات قدرتهم على البقاء وتحدي الموت، والسعي نحو الإثارة. إلّا أنّ هذه الإثارة هي الدليل على غريزة الموت؛ فهي تُحفز الشخص على أن يسلك سلوكات تدميرية.
إنّ لذة تعريض النفس للمخاطر هي بديل عن مواجهة الموت أو الخوف منه، بأن يُقيم المغامر تجربة حدودية معه تخلق متعةً تحاول بها الذات السيطرة على القلق الذي يصنعه صراع غريزتي الحياة والموت في الإنسان، ولكن تظلّ هذه الممارسات الخطرة تعبيرًا صريحًا عن تفوّق غريزة الموت لدى صاحبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع:
1- روزين بيرلِبرج، قراءة عصرية، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، 2020م، ص196.
2- سيجموند فرويد، ما فوق مبدأ اللذة، دار المعارف، القاهرة، ص79، ص86.
3- إريك فروم، حب الحياة، دار جداول للنشر والتوزيع، بيروت، 2016، ص36-38.
4- إريك فروم، جوهر الإنسان، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 2014، ص48-50.
5- إريك فروم، جوهر الإنسان، ص64-71.
6- ندا ذبيان، العنف المقنّع، دار رسلان للطباعة والنشر، دمشق، 2013م، ص57.
7- سعدي الحانوتي، الاضطرابات العصابية، مكتبة العبيكان، 2016، ص259.












