ultracheck
تيمقاد

رثاء المدن والدول.. طقوس التأبين السياسي

13 فبراير 2025

الاغتراب هو الموت، أو هكذا يُفهم من حكايا الناس وقصصهم عن الغربة والسفر والابتعاد عن الأوطان وفراق الأحبة، فما بالك بأن يعودوا ليجدوا مدينة كاملة اختفت معالمها من وجه الأرض، ويقفوا على تفاصيل ممزّقة ضاعت فيها بوصلة الوجهات، "فماذا تكون المدينة سوى البشر؟" كما قال ويليام شكسبير.

المدينة كائن حيّ عند بعض الفلاسفة والمفكرين والشعراء، ينطبق عليها ما ينطبق على الناس من توصيف وخطاب ومدحٍ ورثاءٍ، وربما تلتحم تلك العلاقة بين الإنسان ومدينته إلى درجة الذوبان، فلا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.  

الحاجة أم العبد (حليمة الكسواني) التي تسكن مخيّم الزرقاء للاجئين الفلسطينيين في الأردن، كان يبدو وهي تردد أغنية "شدو بعضكم يا أهل فلسطين شدّوا بعضكم.. ما ودعتكم رحلت فلسطين ما ودعتكم"، قد أخرجت مدينة أسطورية من تحت الرمال، وباهتزاز وتر العود دندنت مرثية حزينة لبلدها فلسطين، ولكنها في الوقت نفسه أعادتها إلى الحياة من جديد حين ردد أغنيتها عشرات المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي.

يُخاطب المنتفضون من رماد القصف في غزة بيوتهم المدمّرة، مثلما يُخطابون شهداءهم تمامًا، وربّما لم ننتبه إلى صرخة ناجٍ من الموت يقول لفقدانه أحبائه أو بيته "كلو فدا القدس.. كلو فدا فلسطين"، ألهذه الدرجة يقترب تعبير فقدان الناس لأحبتهم مع فقدانهم لبيوتهم ومدنهم؟ 

قصيدة الحميري

في تاريخنا العربي، سنجد هناك مدنًا ألهمت الشعراء واستنطقت دواخلهم وكتبوا فيها قصائدَ عبّرت عن ارتباطهم الوثيق بها، وبقيت شاهدةً على عصرهم، ولعلّ شعر رثاء المدن من أصدق ما قيل من الشعر، ذلك أنه جاء كترنيمة حزينة يردّدها صدى الأسى، ويحمل في متنه عواطف صادقة ونبرة حزينة ومشاعر جياشة.

ظهر هذا اللون من الشعر القديم قبل الإسلام، وكانت القصائد في عمومها بكائية حملت كمًا كبيرًا من الألم، وصوّرت ما حل بتلك المدن من حرق ودمار وخراب. ولم يقف هذا النوع من الرثاء عند حدود المدن وحدها، بل تجاوز ذلك إلى رثاء الدول والممالك التي سقطت وغابت في مجاهيل التاريخ.

أقدم الأحباش على غزو اليمن وسيطروا عليها سنة 533 م، وأطاح القائد أرياط بذي نواس الحميري، ووفي خضم هذه الأحداث تطالعنا قصيدة لشاعر يعرف باسم ذو جدن الحميري يرثي فيها دولة الحميريين في اليمن التي دُمرت على يد الأحباش، حيث يقول:

"هونك ليس يرد الدمع ما فاتا

لا تهلكي أسفا في إثر من ماتا 

أبعد بينون لا عين ولا أثر

وبعد سلحين يبني الناس أبياتا

 دعيني لا أبا لك لن تطيقي

لحاك الله قد أنزفت ريقي 

لدي عزف القيان إذ انتشينا

وإذ نسقى من الخمر الرحيق 

وشرب الخمر ليس علي عارًا

إذا لم يشكني فيها رفيقي 

فإن الموت لا ينهاه ناه

ولو شرب الشفاء مع النشوق".

 كما رثى دولة الحميريين شاعرٌ آخر يُدعى ابن الذئبة الثقفي، وهو شاعر جاهلي وفارس معروف وقتئذٍ، وكانت  أمه تسمّى الذئبة، فنسب إليها، إذ ييقول في قصيدته

"لعمرك ما للفتى من مفر

مع الموت يلحقه والكبر 

 لعمرك ما للفتى صحرة

لعمرك ما إن له من وزر 

أبعد قبائل من حمير

أبيدوا صباحًا بذات العبر 

بألف ألوف وحرابة

كمثل السماء قبيل المطر 

يصم صياحهم المقربات

وينفون من قاتلوا بالذفر".

 ويرثي الأسودُ بن يعفر دولة آل محرّق في الحيرة وحضارتها، وتعتبر مملكة الحيرة أو دولة المناذرة أو اللخميين(268 – 633)، إحدى ممالك العرب القديمة التي ظهرت بعد الميلاد، وسكن أهلها بلاد ما بين النهرين (العراق حاليًا)، وكانت من أقوى الممالك العربية قبل الإسلام، إذ يقول  الأسود فيها:

"نام الخليّ وما أحسّ رقادي

والهمّ محتضر لديّ وسادي

من غير ما سقم؛ ولكنّ شفّني

همّ أراه قد أصاب فؤادي

 ومن الحوادث، لا أبا لك، أنني

ضربت عليّ الأرض بالأسداد 

ولقد علمت، سوى الذي نبّأتني

إن السبيل سبيل ذي الأعواد 

إن المنيّة والحتوف كلاهما

يوفي المخارم يرقبان سوادي 

لن يرضيا مني وفاء رهينة

من دون نفسي، طارفي وتلادي 

ما ذا أؤمّل بعد آل محرّق

تركوا منازلهم، وبعد إياد".

في الفترة الإسلامية، أسقط العباسيون الدولة الأموية بدمشق، واقتحموا أسوار عاصمتها سنة 750 للميلاد، وقبل ذلك كانت مدن الشام قد تمردت عن الأمويين واحدة بواحدة، مثل مدن قنسرين وحمص وبعلبك، وبعد سقوطها بكاها الشعراء في قصائدهم ومراثيهم ووقفوا على أطلالها، ومن بينهم الشاعر عبد الله بن علي الْعَبَلي الأموي، الذي كتب رثاءً فيها جاء في مطلعه:

"تقول أمامة لما رأت

نشوزي عن المضجع الأنفس

 وقلة نومي على مضجعي

لدى هجعة الأعين النعس

 أبي ما عراك؟ فقلت الهموم

عرون أباك فلا تبلسي

 عرون أباك فحبّسنه

من الذل في شر ما محبس

 لفقد الأحبة إذ نالها

سهامٌ من الحدث المبئس

 رمتها المنون بلا مصل

ولا طائشات ولا نكس

 بأسهمهما الخالسات النفوس

متى ما اقتضت مهجةً تخلس

 فصرعاهم في نواحي البلاد

تلقى بأرض ولم ترمس

 كريم أصيب وأثوابه

من العار والذام لم تدنس".

في رثاء الدولة الأموية 

ومن بين الشعراء الذين رثوا الدولة الأموية الشاعر أبو العباس الأعمى، الذي كان يحبها حبًا جمًا. ويُقال إن الخليفة أبو جعفر المنصور خرج في يوم من الأيام إلى مكة المكرمة وكان يريد الحج. وعند وصوله إلى المدينة، التقى برجل أعمى كان يعرفه من قبل، إذ قابله في الشام قبل ذلك وكان حينها متوجّهًا إلى مجلس مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ومعه قصيدة قد أنشدها في مدحه.

سلّم أبو جعفر المنصور على الرجل وأخذ بيده، فسأله الأعمى قائلًا: من أنت؟ فقال له الخليفة: أنا من رافقك في الشام عندما كنت تريد مجلس مروان بن محمد، فأخذ الرجل ينشد قائلًا:

"آمت نساء بني أمية منهم

وبناتهم بمضيعة أيتام

 نامت جدودهم وأسقط نجمهم

والنجم يسقط والجدود نيام

 خلت المنابر والأسرّة منهم

فعليهم حتى الممات سلام".

 وفي صدر العصر العباسي، أدت الصراعات السياسية إلى سقوط مدن وانهيار أنظمة حكم، ما انعكس سلبًا على عاصمة الخلافة بغداد. ولعل من أبرز تلك الصراعات ما حدث في نهاية عهد الخليفة هارون الرشيد الذي جدّد في أيامه الأخيرة البيعة للأمين كخليفة أول، والمأمون كخليفة ثانٍ.

وبعد وفاة الخليفة، اشتدت العداوة بين الأخوين الأمين والمأمون، ثم وقعت الفتنة بينهما عام 197 هجري، فحاصر المأمون عاصمة الخلافة وضربها بالمنجنيق. وبعد عام، سقطت بغداد وتعرضت منازلها للحرق والنهب. وقد عبّر أبو يعقوب الخرمي عن هذه النكبة في مرثية لعاصمة الخلافة جاء فيها:

"هل رأيت الجنان زاهرة

يروق عين البصير زاهرها!

وهل رأيت القصور شارعة

تكن مثل الدمى مقاصرها

وهل رأيت القرى التي غرس

الأملاك مخضرة دساكرها

 محفوفة بالكروم والنخل

والريحان ما يستغل طائرها
فإنها أصبحت خلايا من

الإنسان قد أدميت محاجرها

قفرا خلاء تعوي الكلاب بها

ينكر منها الرسوم زائرها

وأصبح البؤس ما يفارقها

إلفا لها والسرور هاجرها".

وخلال الحصار الدامي، وما وصلت إليه أحوال المدينة المدمّرة والمستباحة، أنشد فتيانها تعبيرًا عن أحوالها:

"بكيتُ دمًا على بغدادِ لمّا

فقدتُ غضَارة العيش الأنيق 

 تبدّلنا همومًا من سرور

ومن سِعة تبدّلنا بضيق

‏أصابتْنا من الحسّاد عينٌ

فأفنت أهلُها بالمنجَنيق

 فقومٌ أحرقوا بالنّار قسرًا

ونائِحة تنُوح على غَريق

 ‏ومُغترب قريبُ الدار مُلقى

بلا رأسٍ بقارعة الطريق".

ابن الرومي وخراب البصرة 

وإبّان ثورة الزنج بين عامي 255 – 270 للهجرة، وما ترتب عليها من خراب عمّ البصرة، كتب ابن الرومي رثاءً إنسانيًا يفيض بالحزن الذي احتل قلبه عليه، جاء فيه: 

"ذادَ عن مقلتي لذيذ المنام

شغلها عنه بالدموع السجامِ

 أيُّ نوم من بعد ما حلّ بالبصرة

من تلكمُ الهنات العظامِ

 إنَّ هذا من الأمور لأمرٌ 

كادَ أنْ لا يقومُ في الأوهامِ

 لهف نفسي عليك أيّتها البصرة

لهفا كمثل لهبِ الضّرام".

 ووصفت سينية البحتري إيوان كسرى، حين وقف على أطلالها، وصفًا بديعًا في قصيدة قال فيها:

"صُنْتُ نفسي عما يُدنِّس نَفْسي

وترفَّعْتُ عن جَدَا كلِّ جِبْسِ

 وتَماسكْتُ حين زَعزَعني الدَّهْرُ

الْتِماسًا منه لِتَعْسِي وَنَكْسِي

بُلَغٌ مِن صُبابةِ العيشِ عندي

طفَّفَتْها الأيامُ تَطفيفَ بَخْسِ 

 وبعيدٌ ما بينَ واردِ رَفْهٍ

عَلَلٍ شُرْبُه ووَارِدِ خِمْسِ

 وكأنَّ الزمانَ أصبحَ مَحْمولًا

هواهُ مع الأخَسِّ الأخسِّ".

سقوط الدولة الطولونية 

بعد غارة الموفَّق بالله ولى العهد العباسي على الشام لإنهاء دولة الطولونيين، استولى عليها ووصل إلى حدود مصر، وبعد أن ضعفت سلطة الدولة العباسية، استقلّ ولاتها وأصبح لكلٍ منهم إمارته، وكان من بينهم أحمد بن طولون التغزغزي التركي الذي أسس إمارته في مصر، التي تمدَّدت لاحقًا إلى الشام لتكون بذلك أول دُويلة تنفصل سياسيًّا عن الدولة العبَاسية.

ولكن بعد 37 عامًا، سقطت الدولة الطولونية وعادت مرة أخرى إلى حكم العباسيين، ورثاها حينها العديد من الشعراء، ونجد بينهم سعيد القاص الذي رثى تاريخها وأشاد بها في قصيدة قال فيها: 

"جرى دمعُهُ ما بين سحْر إلى نحر

ولم يجْر حتى أسلمته يد الصبر

 وبات وقيدًا للذي خامر الحشا

يئنُّ كما أنَّ الأسير من الأسر

 وهل يستطيع الصبر من كان ذا أسى

يبيت على جمر ويُضحِي على جمر

 تتابُعُ أحداث يُضيِّعْن صبره

وغدر من الأيام، والدهر ذو غدر

أصاب على رغم الأنوف وجدعها

ذوي الدين والدنيا بقاصِمة الظَّهْر

 طوى زينة الدنيا ومصباح أهلها

بفقد بني طولون والأنجم الزهر

 فبادُوا وأضحوا بعد عِزٍّ ومنعة

أحاديث لا تخفى على كل ذي حِجْر".

بعد سقوط الدولة الفاطمية التي استمرت إلى غاية 1171م، استقل صلاح الدين الأيوبي بمصر بعد وفاة آخر خلفاء الدوة محمد العاضد لدين الله، فقد شكَّل العصر الفاطمي امتدادًا للعصر الذهبي للإسلام. ولكن، كغيرها من الدول، صعد نجمها ثم خفت في عهد صلاح الدين. وتعتبر الدولة الفاطمية أول دولة تتخذ من المذهب الشيعي الإسماعيلي مذهبًا رسميًّا لها.

انخرط شعراء كثر في رثاء الفاطميين، من بينهم عُمارةُ اليمني الذي انحاز في حينها لهم بعدما أغدقوا عليه بالعطايا، وحنّ بعد سقوط دولتهم إلى ما كان ينعم به، وأسف على زوالها. إذ يقول اليمني: 

"رميتَ يا دهر كف المجد بالشلل

وجيده بعد حسن الحلي بالعطل

 سعيت في منهج الرأي العثور فإن

قدرت من عثرات الدهر فاستقل

 جدعت مارنك الأقنى فأنفك لا

ينفك ما بين أمر الشين والخجل

 هدمت قاعدة المعروف عن عجل

سقيت مهلاً أما تمشي على مهل

لهفي ولهف بني الآمال قاطبة

 على فجيعتها في أكرم الدول 

 قدمت مصر فأولتني خلائفها

من المكارم ما أربى على الأمل".

يا دار ما صنعت بك الأيام

برز رثاء المدن، بشكلٍ خاصٍّ، عندما حل الخراب بعاصمة الخلافة العباسية بغداد على يد المغول بقيادة هولاكو في عام 656 هجري، حيث أزالوا كل المظاهر الحضارية والمدنية، دمَّروا الكثير من المعالم العُمرانية من قُصور وحدائق ومدارس ومستشفيات، بالإضافة إلى المساجد والأماكن المُقدَّسة، مثل جامع الخليفة، ومشهد موسى الجوَّاد، ومقابر الخُلفاء.

كما أحرق المغول أعظم المكتبات في العالم وهي "بيت الحكمة"، إضافةً إلى الكثير من مكتبات بغداد النفيسة والقيِّمة التي تحتوي على كتب في مختلف المجالات العلميَّة والفلسفيَّة والأدبيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وغيرها، وألقوا بها في نهريّ دجلة والفُرات، وقتلوا الكثير من أهل العلم والثقافة.

كان سقوط بغداد مدويًا ومريعًا، وترك أثرًا هائلًا وعميقًا في نفس العديد من الشعراء الذين قاموا برثائها، وكان من بينهم الشاعر شمس الدين الكوفي الذي ألقى قصيدة عند دخول المغول إليها، وجاءت تحت عنوان "في رثاء بغداد": 

"عندي لأجل فراقكم آلام

فإلام أعذل فيكم وألام

 من كان مثلي للحبيب مفارقًا

لا تعذلوه فالكلام كلام

 ويذيب روحي نوح كل حمامة

فكأنما نوح الحمام حمام

إن كنت مثلي للأحبة فاقدًا

أو في فؤادك لوعة وغرام

 قف في ديار الظاعنين ونادها

يا دار ما صنعت بك الأيام".

 أما في الأندلس، فقد شهدت فترة حكم "ملوك الطوائف" التي امتدت لـ 57 سنة من 422هـ إلى سنة 479هـ، حيث عرفت توترات واضطرابات سياسية وعسكرية بين دويلاتها المتناحرة، ما جعل منها فريسة سهلة لأعدائها. وبعد سقوط تلك الدويلات واحدة تلو أخرى، نظم بعض أمرائها والعديد من الشعراء قصائد في رثائها تذكّر بما أصاب دولتهم. 

وكان المعتمد بن عبّاد، أمير إشبيلية وقرطبة وثالث أمراء بني عبّاد وآخرهم، وعميد ملوك الطوائف، أحد هؤلاء الشعراء، إذ بكى حكمه في الأندلس الذي لم يحافظ عليه بعد تحالفه مع القشتاليين ضد المرابطين، وكتب من منفاه في مراكش يقول في رثائه: 

"غريب بأرض المغربين أسير

سيبكي عليه منبر وسرير

 وتندبه البيض الصوارم والقنا

وينهل دمع بينهن غزير

 مضى زمن والملك مستأنس به

وأصبح منه اليوم وهو نفور

 برأي من الدهر المضلل فاسد

متى صلحت للصالحين دهور

 أذلَّ بني ماء السماء زمانُهم

وذُلَّ بني ماء السماء كبير

 فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة

أمامي وخلفي روضة وغدير".

 وفي أواخر القرن الخامس الهجري، سقطت مدينة طليطلة على يد الفرنجة، وكانت أول مدينة إسلامية - أندلسية يدخلها الفرنجة، وبداية مأساة سقوط الأندلس. وقد كتب شاعر مجهول في حينها رثاءً للمدينة قال في مطلعه: 

"لثُكلكِ كيف تبتسم الثغور سرورًا

بعدما سبيت ثغور طليطلة

أباح الكفر منها حماها

إنّ ذا نبأ كبير". 

ولكن تبقى نونية أبي البقاء الرندي أهم ما كتب في رثاء الأندلس، فقد عاصر أبو البقاء سقوط معظم المدن الأندلسية المهمة، مثل قادس وقرطبة وإشبيلية وغيرها في يد الملوك الكاثوليكيين.

يقول الرندي في قصيدته:

"لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ

فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ

 هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ

مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ

 وَهَذِهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحَدٍ

وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ

 يُمَزِّقُ الدَهرُ حَتمًا كُلَّ سابِغَةٍ

إِذا نَبَت مَشرَفِيّات وَخرصانُ

 وَيَنتَضي كُلَّ سَيفٍ للفَناء وَلَو

كانَ ابنَ ذي يَزَن وَالغِمد غمدانُ

 أَينَ المُلوكُ ذَوي التيجانِ مِن يَمَنٍ

وَأَينَ مِنهُم أَكالِيلٌ وَتيجَانُ

 وَأَينَ ما شادَهُ شَدّادُ في إِرَمٍ

وَأينَ ما ساسَه في الفُرسِ ساسانُ

وَأَينَ ما حازَهُ قارونُ من ذَهَبٍ

وَأَينَ عادٌ وَشدّادٌ وَقَحطانُ

 أَتى عَلى الكُلِّ أَمرٌ لا مَرَدّ لَهُ

حَتّى قَضوا فَكَأنّ القَوم ما كانُوا

 وَصارَ ما كانَ مِن مُلكٍ وَمِن مَلكٍ

كَما حَكى عَن خَيالِ الطَيفِ وَسنانُ".

ومن مصر التي لم ترقه، كتب ابن سعيد الأندلسي (1214-1286) المولود بغرناطة، يُعبّر عن اشتياقه إلى الأندلس وأيامه بها قائلًا:

"هذهِ مصرُ فأينَ المغرِبُ

مذ نأى عَنّي دموعي تسكبُ

 فارقتهُ النفس جهلا إنّما

يعرَفُ الشيء إذا ما يذهبُ 

 أين حمص أين أيّامي بها

بعدها لم ألقَ شيئاً يعجِبُ 

 كم تقضّى لي بها من لذّةٍ

حيث للنهر خريرٌ مطربُ". 

ولم يطب المقام لأبو بكر محمد بن القاسم (271-328 هـ)، الملقّب بـ"غشكنهادة الحجاري"، في العراق ثم حلب بعدها، فأنشد متشوقًا إلى الأندلس نادمًا على مفارقتها، قائلًا:

أين أقصى الغرب من أرض حلبْ

حنَّ من شوقٍ إلى أوطانِهِ

 جال في الأرض لجاجًا حائرًا

كلُّ مَنْ يلقاه لا يعرفُهُ

 لَهْفَ نفسي أينَ هاتيك العلا

والذي قد كان ذُخْرًا وبِهِ
صار لي أبخسَ ما أعددتُهُ

يا أحبّايَ اسمعوا بعضَ الذي

ولتكن زجرًا لكم عن غربة

ولئن قاسيتُ ما قاسيتُهُ

 ولقد أُخْبِرُكُمْ أن ألتقي

أملٌ في الغرب موصول التّعبْ

 مَنْ جفاه صبره لَمّا اغتربْ

بين شوقٍ وعناءٍ ونَصَبْ".

لقد رثى كل هؤلاء مدنًا لم تدمر ولم يطلها العدوان غالبًا ولم يُقتّل أهلها، ولكنهم فعلوا فقط لأنهم فارقوها ورحلوا عنها، فمابلك بمدن تحولت إلى أطلال ورماد بسبب العدوان والهمجية والاحتلال أمام أعينهم.

يُحاول العائدون إلى ديارهم في غزّة ترميم هذه المدينة الصغيرة، فهم يُؤمنون أنها ستعود إلى الحياة بوجودهم وصمودهم فيها، ولذلك يُحاولون ترميمها كصورة عائلية قام أحد بتمزيقها إلى قطعٍ صغيرة، وجاء آخر يذكر تفاصيلها جيّدًا فقام بتجميعها من جديد كصورة البازل، وحتى مع وجود بعض الفراغات والأجزاء الضائعة، سنجد أن بإمكانه إيجاد تكملة لهذه الصورة/القصة، والتقاط الحجر الناقص من الأحجية من حكاياه وذاكرته.

ما الذي يمنع أن تكون المدينة كائنًا حيًا مثلًا؟ شوارعها هي الشرايين وقلبها مكان عامٌّ نابض بالحركة، ونحن السابحون في أزقّتها كرياتُها الدموية التي تغذّيها وتُدافع عنها، ولذلك هي تحاورنا ونفهمها حين تخاطبنا عبر أسماء شوارعها وشواهد قبورها ولوحاتها الإعلانية.

 

 

 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الصوابية السياسية بين تحقيق العدالة وتثبيت الرقابة (ميغازين).

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

إسراء عرفات

كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)
كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)

سيرة الضحك: حين يهتز الوجود مِن خاصرته

سيرة الضحك وتاريخه في الوجود الإنساني، وتمثلاته الفلسفية والاجتماعية

محمد العربي

الكساد العظيم

ترامب يعيد التاريخ .. ماذا حدث في الكساد الكبير؟

ستُعاني غالبية الدول التي بدأت لتوّها من الخروج من تبعات جائحة كورونا، بسبب الحرب الاقتصادية التي بدأها الرئيس الأميركي ترامب

إسلام أحمد

وارقة الخوف

وراثة الخوف

الخوف حالة نفسية تهدف لحماية الإنسان، لكن تجاوزه يتطلب تجربة شخصية، لا الاكتفاء بوراثته عن الأسلاف

ميادة نصار

الإبادة الجماعية

الإبادة الجماعية.. من الإدانة إلى الدعم المطلق

تذكر موسوعة الهولوكوست أن المحامي اليهودي البولندي رافائيل ليمكين، هو أول من صاغ كلمة "الإبادة الجماعية"

فريق التحرير

المزيد من الكاتب

محسن القيشاوي

كاتب وصحافي فلسطيني

قبل الكارثة.. عن الحاجة إلى إعادة إحياء منظمة التحرير

جرى الحديث في الكثير من المناسبات عن ضرورة إصلاح منظمة التحرير، لكن الأمر ظل مجرد حبر على ورق

قطاع غزة.. تاريخ مقاوم

راكمت غزة على مدار أكثر من 100 عام تجارب مختلفة في العمل المقاوم، بدأت مع الانتداب البريطاني، ثم النكبة، فعدوان 1956، وصولًا إلى النكسة وما بعدها

الاستيطان في فلسطين.. مشروع استعماري لإعادة رسم خارطة المنطقة

كل الجهود التي بُذلت لتوطين اليهود في فلسطين لم تكن سوى ذريعة لإيجاد كيان حليف يتم تسخيره لخدمة المصالح الاستعمارية الغربية في الشرق الأوسط

جبهة إسناد غزة.. من الالتزام بقواعد الاشتباك إلى الأيام العشرة القاسية في عمر الحزب

تلقى حزب الله ضربات متتالية استنزفته، ورغم كل ذلك ظل على نشاطه في جبهة الإسناد، وصعّد من عملياته، بالموازاة مع إدارته للمعركة البرية بشكل يُحسب له

المرتزقة الكولومبيون.. قتلة تحت الطلب

تحوّلت كولومبيا إلى خزان للمرتزقة الذين وظّفوا خبراتهم، التي اكتسبوها في القتال ضد اليساريين وتجار المخدرات أثناء خدمتهم في الجيش، في العمل كقتلة تحت الطلب

طيف جيم كرو الذي لم يغادر الولايات المتحدة

أضفت قوانين جيم كرو شرعية قانونية على سياسة الفصل العنصري، وساهمت في ترسيخ ثقافة فوقية تضع السود في مرتبة أدنى من البيض، وتعزز العنف الممنهج ضدهم