ultracheck
بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمان وعباس محمود العقاد

بنت الشاطئ ونيران العقاد

10 فبراير 2025

كانت المعارك الأدبية زادًا يوميًا لجيل طه حسين والعقاد والرافعي والمنفلوطي، وقد ساهمت المعارك الأدبية في تنشيط الحياة الثقافية، فأثْرت واقعها، وتركت ميراثًا مهمًّا من الكتابات التي خلفتها هذه المعارك، وهي تمثل - كما يقول أنور الجندي - قطاعًا حيًّا من قطاعات الحياة الفكرية في الأدب العربي له خطورته وأهميته في مجالات النثر والشعر واللغة العربية، والقومية العربية، ومفاهيم الثقافة ونقد الكتب"، وكان العقاد فارس هذه المعارك، فهو أكثر أصدقائه صخبًا في الحياة الأدبية وكذلك السياسية، فمعاركه لم تقف عند الأدب وقضاياه، وإنما امتدت إلى الحياة السياسية، ومن ثم غدًا موته كما وصفه لويس عوض بعد رحليه أشبه بموت هرقل، الذي: "كان يسحق بهراوته الشهيرة الأفاعي والتنانين والمردة وكل عناصر الشرّ في الحياة". 

نعم، كان أشبه بهرقل، فأحمد أمين وصفه هكذا: "أول ما يروعك في العقاد أنه صارم قويُّ الجأش لا يأبه للعواقب، وأصدق ما يكون في القتال إذا نازل من مسّ كرامته، أو جرح عزته، إذْ ذاك يكون أجرأ من السيل، وأهول من الليل، ينسى نفسه وماله وكل شيء حتى يسترد كرامته ويثأر لعزته "وقد تجلت هذه الصفات وهو يذود عن نفسه، ويهاجم من ينتقصون من كتاباته، والأدلّ على ذلك معاركه الكثيرة التي خاضها سواءً مع الأدباء أو مع السياسيين، لكن تبقى معركته مع الدكتورة بنت الشاطئ "عائشة عبد الرحمان"، واحدة من المعارك التي يُمكن وصفها بأن هرقل لم يتعامل معها من منطق أدبي أو علمي، وإنما تجرّد من أخلاقيات العلم والأدب، وراح ينازل الدكتورة بنت الشاطئ منازلة عنيفة، مجرّحًا في طبيعتها الأنثوية، وعلاقتها الزوجية، وهو ما أخرج المعركة في ظنّي من معارك الأدب إلى الصراعات الشخصية.

دفاعًا عن المرأة

العجيب أن مؤرّخي الأدب يُسجلون أنّ بدايات معركة بنت الشاطئ مع عباس العقاد كانت بسبب آراء العقاد في كتابه "المرأة في الإسلام"، وهي الآراء التي رفضتها بنت الشاطئ كلية، بل واعترضت على العقاد وردت عليه، رغم تطاول العقاد عليها بقوله: "أنت آخر سيدة يجوز لها أن ترد على ما أكتبه عن المرأة". عبارة العقاد بقدر ما فيها شوفينية، وتقليص لدور المرأة بل وتنمرٌّ لو استخدمنا مصطلح هذه الفترة، فإنها تكشف عن تناقض موقف العقاد حول المرأة، ليس هو؛ فالجيل كله كان يدّعي مناصرة المرأة ودعمها إلا أنه في واقع الحال كان يهاجمها ويضعها في مرتبة متدنية.

والأمثلة على ذلك كثيرة، ولا أدل على هذا موقف الأدباء من مي زيادة، ففي محنتها توارت أصوات الرجال الذين كانوا يتهافتون على صالونها، وينشدون أجمل الأشعار في اسمها، وهناك موقف طه حسين المشهور مع مي زيادة، وكذلك مع الرائدة النسائية درية شفيق، فعندما تشكّلت لجنة الدستور برئاسة علي ماهر لعام 1954 لوضع دستور مصر الجديد، حيث لم تكن بين اللجنة امرأة واحدة. هنا احتجّت درية شفيق، وقامت ومعها تسع نساء أخريات بالاعتصام بمبنى نقابة الصحفيين، مما أثار غضب الكثير من المناصرين لثورة حزيران/يونيو. كان على رأس المعترضين على اعتصام النساء الدكتور طه حسين، فكتب مقالًا لاذعًا يوم 16 آذار/مارس بصحيفة الجمهورية تحت عنوان "العابثات"، وفيه برّر رفضه بأن البلاد تمر بمنعطف تاريخي ولا تتحمل هذه القلاقل و"الخزعبلات". والنماذج على خذلان النخبة للمرأة رغم التشدق بأنهم حماةٌ لمطالبهن، وسندٌ لحقوقهن، لكن كل هذه الأقاويل كانت تتبخر عند الامتحان.

سارة بداية الأزمة

لكن الحقيقة أن بداية المعركة كانت أسبق من صدور كتاب العقاد “المرأة في الإسلام” (1959)، حيث بدأت المعركة مع رواية “سارة” فبعد أن نشر العقاد رواية سارة عام 1938،كانت بنت الشاطئ صارت كاتبة في الأهرام، إلى جوار قامات كالحكيم والعقاد، وفي يوم من الأيام وبينما هي في مكتب رئيس التحرير التقت العقاد، وأثنى عليها بكلمات تشجيعية تحفيزًا لكاتبة ناشئة، ولا ندري هل كانت هذه المقدمة الإطرائية إعجابًا بكتابات بنت الشاطئ التي أخذت تلفت الانتباه بأسلوبها رغم حداثة سنها، أم أنها كانت مداهنة منه، ليظهر بمظهر الكاتب الكبير المساند للجيل الجديد، بطبيعة الأحوال لم ندخل في النيات، ولكن عقب هذا الإطراء سألها: “هل قرأتِ كتابي سارة؟” كان العقاد ينتظر ردًّا يرضي زهوه الطاووس، ولكن جاء الرد بغير ما أمل وداعبه خياله، إذ فاجأته بنت الشاطئ بقولها: “لم أجد نفسي فيه، والأنثى أقرب إلى فهم طبيعة الأنثى من الرجل”. فقام من المكتب، ولكنه أسرها في نفسه. 

وعندما أصدر كتابه “المرأة في الإسلام” أخذ يردد آراءه التي جعلت من المرأة “غانية”، بل وإن المهن التي ألِفَتها وأقرب إلى طبيعتها -من وجهة نظره -كالطبخ وتصميم الأزياء، وتصفيف الشعر وحياكة الملابس لم تتفوق فيها، وتفوق فيها واشتهر الرجال، حتى البكاء والنواح والرثاء والحداد على الأموات، وهي من خصال المرأة. ومع ذلك لم تتفوق بقصيدة واحدة في الرثاء، ولم يقدم لنا التاريخ شاعرة متفوقة في الرثاء.

هكذا تكشفت سريرة العقاد، وآرائه حول المرأة بعكس تلك التي كان يتشدق بها في مجالسه، وعبر كتاباته، فالمرأة عنده بطبيعتها "قذرة، وفي مجالس اللهو أو حينما تتعرى فالمرأة عنده أقرب إلى الاستثارة الجنسية والخفة".

موقف العقاد المعادي للمرأة قد يعود إلى مواقف نفسية أثرت في شخصية العقاد، خاصّة ما مرّ به من أزمات في حياته، وهو تفسير قدمه الكثير من تلامذته ورفقائه الذين كانوا يحرصون على مجلسه، مثل هذه الأزمات، التي كانت تمر بالعقاد بين الحين والآخر جعلت بعض نقّاده ودارسيه ومؤرخيه يربطون بينها وبين عنف موقفه من المرأة في بعض الأحيان، فمثلًا ربط تلميذه الكاتب الراحل أنيس منصور بين حب العقاد لسارة وما أصابه بعد ذلك من جُرح عميق، وبين موقفه من النساء عامة حيث سجل في كتابه "يسقط الحائط الرابع" قائلًا: "وسارة هي المسؤولة عن كل ما أصاب المرأة من قلم العقاد.. فالعقاد كان يرى المرأة – في صورة سارة – تافهة، عاشقة للقوة والشباب، كما يراها لا تقدّر الرجل الحقيقي حق قدره، وأنها ضيقة الأفق حيث لا يتسع أفقها لأكثر من أربعة أشخاص هم أبوها وزوجها وأخوها وابنها. فتلك هي الدنيا بالنسبة لغالبية النساء". إلى أن يقول: "ويرى العقاد أن حياة المرأة تتلخص في سطر واحد: إنها تضع الأحمر والأبيض وتعرض نفسها في الشارع أو النافذة انتظارًا للرجل".

الغريب أن العقاد لا يعترف بأنه يحمل عداءً للمرأة، وإنما هذه هي طبيعتها، ففي إجابة عن سؤال وجه له في حوار لمجلة "آخر ساعة" في يوليو 1961 هو: "ما سر العداء التقليدي بينه وبين المرأة؟" ليردّ قائلًا: "ليس هناك عداء.. المسألة أنني أضع المرأة في مكانها الصحيح حسب فهمي لها".

لماذا بنت الشاطئ؟

السؤال الذي يتبادر إلى ذهن القارئ أين جيل بنت الشاطئ من الكاتبات والأديبات والصحفيات من تلك الاتهامات الخطيرة التي لا تطول كتابة المرأة، وإنما وجودها وهويتها. لماذا لم ينتفضن لما قيل من انتقاص في حقهن؟ في الحقيقة، تحمست كثيرات للرد على العقاد، ولكن لوجود اسم العقاد أو هرقل، جعل معظمهن ينسحبن من المعركة قبل أن يدخلنها، لدرجة أن الدكتورة سهير القلماوي لم ترفض الدخول في المعركة وفقط، بل تنصح عائشة أيضًا بأن تنسحب قائلة: "يا عائشة خليك بعيد أحسن"، أما لطيفة الزيات فتعد بأنها سترد، ولكنها تنسحب هي الأخرى قائلة: "معلش أنا والنبي.. أصل العقاد..  ولا تكمل!!"، وبالمثل فعلت الممثلتان فاتن حمامة ولبنى عبد العزيز، بعدما أعلنتا نيتهما الرد على العقاد.

وسط المنسحبات والخائفات كانت هناك امرأة وحيدة هي مَن تجرأت ودخلت المعركة، وحدها وقفت أمام هراوات الهرقل، لم تكن سوى بنت الشاطئ أو الدكتورة عائشة عبد الرحمان، ومرجع هذا يعود إلى طبيعة بنت الشاطئ التي تتسم بالجرأة، وأنها لا تخشى في الحق لومة لائم، كما إن طبيعة شخصيتها تتسم بالتحدي والمواجهة، والأمثلة على ذلك كثيرة، منذ الطفولة وهي أمام اختبار تحدٍّ للخرافات والأعراف، فقد شبّ وعيها على حكايات ترويها لها أمها عن أفاعيل جِن البحر، حتى تصدها عن النهر، إلا أنها لم تتوانَ عن هوايتها في الذهاب إلى النهر والجلوس على شاطئه، حتى عندما عرفت سبب المأساة التي كانت تروّع أمها وسعت إلى شحن وجدانها من النهر، فلم ترتدع، بل في سيرتها "على الجسر" تقول: "ومن عجب أن علمي بهذه المأساة وما أعقبها من ذيول فاجعة، لم يقهر حبي للنهر! بل لعله شدني إليه بوثاق لم يكن في طاقتي أن أتحرر منه.. ".

امرأة التحديات

 حالة التمرد والتحدي متكرّرة في حياة بنت الشاطئ، بل نستطيع أن نقول إنها صارت من سمات شخصيتها، وفي نفس الوقت هو تحدٍّ أظهر قدراتها ونبوغها العلمييْن، وأيضًا استقلاليتها، فعندما تشجعت وأخبرت أباها عن رغبتها في الذهاب إلى المدرسة مع بنات الجيرة، فإذا برد أبيها الحاسم يقع على مسامعها كأنه الصاعقة: "ليس لبنات المشايخ العلماء أن يخرجن إلى المدارس الفاسدة المفسدة، وإنما يتعلمن في بيوتهن". رفض والدها الشيخ لم يثنِ عزيمتها أو يفترْ من رغبتها في الالتحاق بالمدرسة، وإنما قوّى عزمها كي تحقق حُلْمها، فحاربت حتى حققت مبتغاها، وبالفعل نجحت بالحيلة في استكمال دراستها، تكرر الأمر بعد ذلك عندما أرادت الالتحاق بالمدرسة الراقية، ثم مدرسة المعلمات بالمنصورة، ثم كان التحدي الأكبر عند الدخول إلى الجامعة، وبصبرها وإرادتها استطاعت فتح الأبواب الموصدة أمامها، فكما تقول: "توجهت إلى الجامعة مشحونة بالكبرياء والتحدي والعناد، وقد آليت على نفسي ألا أدع هذه الجامعة تستدرجني لتسلبني كنزي القديم في غفلة مني!".

سمة التحدي صارت ملازمة لها في حياتها، فمع دخولها الجامعة وقفت أمام أستاذها أمين الخولي بعدما أعطى لها صفرًا في تقييمه لبحث كتبته، وراحت تجادله في هذه النتيجة التي لم تكن تتوقعها، ثم بعد التخرج تحدت أستاذها طه حسين، ودرست أبا العلاء، ولم تكتفِ بدراسته وإنما عارضت أستاذها طه حسين وزوجها أمين الخولي في آرائهما، حيث رأت أن "المعري ركل الدنيا بإرادته، وهما كان يريان أنه كان محصورًا في أن يتزهد". كما أنها عارضت الجميع عندما اعتقدوا بأن المعري في كتابه "الفصول والغايات" نقد القرآن الكريم، لكنها هي خلُصت بعدما قرأت الكتاب إلى أنها وجدت “وعظًا من الدرجة الأولى، ومواجد صوفية تسجد لله سبحانه وتعالى". 

مواقف التحدي والحجاج لا تنتهي في حياة الدكتورة بنت الشاطئ، وتعدت الأسرة والظروف التي كانت مكبّلة لاستكمال مسيرتها التعليمية إلى السياسة، فأول مقال لها في جريدة الأهرام بعد مقالاتها في مجلة النهضة النسائية لصاحبتها لبيبة أحمد، وهي المجلة التي كانت طريقها إلى الأهرام؛ كانت عن الريف المصري ومشاكل الفلاح، وفيها انتقدت المسؤولين بكل جرأة هكذا: "لقد تغافل السابقون عن الفلاح، فلو تغافلنا نحن أيضًا كان معنى ذلك أن الفلاح قد قضى عليه بالموت، والعيش في أغلال شقائه ومرضه وفقره". ثم في موقف مهيب يُحسب لها تحت قبة البرلمان، عارضت سياسة الإصلاح الاجتماعي التي تبنتها ثورة يوليو، ونددت بأن جناة ثمار الإصلاح هم من غير مستحقيه، على مسمع من قائد الثورة عبد الناصر، الذي كان يصغي للشابة التي تنتقد سياسات الدولة بفصاحة وبيان، وأدلة دامغة، دون أن تقلل من قيمة الثورة ولا مبادئها، أو حتى تبتذل رئيسها، بل انتقت عباراتها، وأبانت حجتها بجرأة شديدة، فما اهتزت ولا توانت.

التحدي حاضر وهي تواجه أستاذها أمين الخولي الذي كان تتهيبه من قبل أن تتلقى على يديه أول دروسها، من كثرة ما سمعت من الطالبات عن علمه وشخصيته، فتحدت الجميع في أول محاضرة بأن تكتب بحثًا عن أسباب النزول، على أن يمهلها يومًا، وهو ما أثار استنكار أستاذها الخولي، لكنها كانت تعلم أنها على قدر التحدي والمسؤولية، وبالفعل جاءت في المحاضرة التالية وهي جاهزة على الرغم من ما أبداه الأستاذ من قسوة تجاهها. التحدي حاضر في حياتها العملية وكتاباتها أيضًا، وهو ما يثبت أنها على قدر المسؤولية، فعندما جاءت باحثة أمريكية بسؤال إلى السفارة المصرية بواشنطن عن كتاب يحكى سيرة أم النبي (محمد صلى الله عليه وسلم). ولما كانت الإجابة بالنفي، يتصل د. عصمت عبد المجيد المسؤول عن الثقافة بوزارة الخارجية بالدكتورة عائشة، فتطلب منه أن يمهلها بعض الوقت لتكتب عن أم النبى آمنة بنت وهب، وهي تعلم أن المصادر عن السيدة آمنة قليلة، بل شحيحة، ومع هذا عكفت لمدة ثلاثة أشهر، وحققت حلمها الذي تواصل بكتابات عن نساء النبي، وبنات النبوة مظهرة أبوة النبي الكريم.

في مواجهة العقاد

هكذا كانت كل المقوّمات تقول إن بنت الشاطئ هي الوحيدة الكفؤ التي تستطيع أن تدافع عن بنات جلدتها، تدافع عن كرامة المرأة التي انتقص منها العقاد، ومن ثمّ لم ترهب الهرقل، أو تراجعت للوراء كما فعلت سهير القلماوي ولطيفة الزيات وغيرهما، كانت وحدها القادرة على ردّ أباطيل العقاد عن المرأة، وتحقيره لها بهذه الصورة وتفسيره المتجنّي لبعض آيات القرآن التي أوردها للتدليل على صحة رأيه، وبالفعل كتبت مقالتها في الأهرام كرد على ما أثاره من اتهامات بعنوان “اللهم إني صائمة” فقالت: “إن المرأة التي يتحدث عنها العقاد والتي تتردد على مجالسه لا نعرفها ولا نعرف الذين يعرفونها… إضافة إلى ذلك … من قال إننا نتعلق بأن نكون طباخات أو مصممات أزياء أو نعمل مصففات شعر أو حائكات ملابس بعد أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه من أستاذية في الجامعات؟ (في إشارة إلى عدم إكمال العقاد لتعليمه) ثم أكملت: "أنت لا تعرف المرأة لا زوجة ولا بنتًا ولا أختًا فهلا عرفتها أمًّا؟ ... أما قولك بأن المرأة قذرة فالذي أعلمه أن أمهات الأنبياء جميعا نساء، وذكرت أن من النساء فاطمة بنت النبي وخديجة أم المؤمنين وسيدات بيت النبوة الأطهار، فهل هنّ كذلك.

لكن لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، بل سعت الصحافة الثقافية كعادتها إلى إذكاء نار المعركة، فعندما زار أحد محرري دار الهلال العقاد في بيته سأله عن ا لآراء التي نُشرت ضد كتابه، ولاسيما ما كتبته الدكتورة بنت الشاطئ، فإذا بالعقاد يجيب، ولكن إجابة فيها سخرية، وامتهان لشخصية بنت الشاطئ، فيقول: «إن السيدة بنت الشاطئ لا تحوجنا إلى جواب، لأنها هي بذاتها جوابنا المفحم، ولو أننا بحثنا عن رد عليها أقوى منها لإقناعها لأعيتنا الردود، فمن الخير أن يُصان الكلام لغير هذا المجال، ويستمر في قوله: إن كاتبة المقال (يقصد مقال اللهم إني صائمة) لا أضعها في عالم النساء، ولا في عالم الرجال وإنها المثل الواضح على تناقض المرأة حتى في الشكل وليس المضمون فحسب". ثم يستكمل: "إنني أعجب من دفاع امرأة هي ثالثة ثلاث في الترتيب عند الرجل الزوج بالنسبة إلى بنات جنسها من النساء.. كيف تسمح لنفسها بأن تدافع عن المرأة وكأن جميع النساء وكلوها نيابة عنهن! «مشيرا في هذه العبارة إلى أن الدكتورة بنت الشاطئ كانت الزوجة الثالثة لزوجها الشيخ أمين الخولي". 

وما إن قرأت بنت الشاطئ ما أدلى بها العقاد للمحرّر، حتى غضبت، وزاد غضبها قوله "رأيي هو رأي الطبيعة، ورأي الخالق"، وقالت: "إنه لا يصح أن ينسب الرأي إلى الخالق"، عندئذ سعت بنت الشاطئ إلى إنهاء المعركة لأن من وجهة نظرها أن ما قاله العقاد مناقض لأصول العقيدة، وانتهت إلى أن ما وقع فيه العقاد من أخطاء قاصمة تدل على عدم معرفة فيما خاض. وما إن انتهى شهر رمضان حتى عاد العقاد إلى الموضوع مرة ثانية حيث أرسل له أحد القراءة رسالة بتوقيع محمد عبد الجواد أبو سناق، طالب بالمعهد الديني بالمنيا، يسأله فيها عما قالته بنت الشاطئ، هكذا جاءت الرسالة: "... وبعد فقد طالعتنا كاتبة بمقال تنقد به كلمة صدرت منكم في الحكم المرأة، وهذه الكلمة هي: إن رأيي رأي الطبيعة، ورأي الخالق إلخ إلخ. وقالت إنه لا يصح أن ينسب الرأي إلى الخالق... ولكننا نعتقد أن ما قلتموه له تعليله المقنع عندكم... ونطمح في تفسير هذا التعليل". فرد العقاد في يوميات الأخبار بتاريخ 15 آذار/مارس 1961، هكذا: "إن هذه السيدة - ولا يذكر اسمها – تعتمد على قول مبشر أعجمي (هو الأب لامنسي) لتتخذ منه حجة وبرهانا ودليلًا على العلم في اللغة والدين وكل من الاثنين في منزلة واحدة من العلم بما يكتبان فيه» إلى أن يقول: «ولولا أن هذه السيدة التي يشير إليها الطالب النجيب مسلّطة على نفسها، لما انساقت مرة بعد مرة إلى هذه اللجاجة التي علم من يقرؤونها حقيقة ما تنطوي عليه، ولم يبق أحد - ولا إحدى - يفهم أنها مناقشة برئية تتحرى مواقع الصواب والموافقة كما تتحرى مواقع الخطأ والانتقاد، وأنها لتسيء إلى نفسها وإلى المرأة فيما تزعمه من الدفاع عنها، فقد كادت - وهي تثور على الحجاب - أن تقنع الناس بأنها في حاجة إلى برقع لعقلها يستر ما لا يحسن كشفه من الأخطاء وعيوب التفكير، وقد كانت المشكلة كلها من قبل براقع الوجوه! ».

فردت بمقال ثالث ختمت به المعركة من جانبها وقررت بعد ذلك احترامًا لنفسها بأن تصمت ولا تكرر الكلام ولا تنزلق في الرد أكثر من هذا. وقالت في نهاية مقالها الأخير "بقيت كلمة أرجو أن تحسم هذا الموقف الكريه وهي أن كل ما يقوله الكاتب وغيره من خير في الرجال فهو منا وإلينا، لأنهم أبناؤنا وأزواجنا وإخوتنا وأبناؤنا، وكل شر  يقال في المرأة فهو حتمًا مردود إلى الرجل، لأن الدنيا لم تعرف رجلًا  لم تلده أنثى". طوال هذه المعركة، ولا في غيرها من المعارك الفكرية التي خاضتها، لم يرد الشيخ أمين الخولي زوجها، ولا تلامذته؛ احترامًا وتقديرًا لها، وأنها تستطيع ولديها القدرة والحجّة العلميّة للرد، كما أنها لم تطلب، في أي مرة، أي تدخّل.

المجمع ولقاء الأزواج

أغلقت بنت الشاطئ الباب على العقاد، إلا أنه استمر كلما وجد فرصة في الهجوم عليها وعلى زوجها خاصة أن الخولي في كتابه عن "الإمام مالك" انتقد منهج العقاد في العبقريات وهو ما أغضب العقاد عليه كثيرًا، وظنّ أن رئيس الأمناء هو مَن يحرّض تلامذته بالهجوم عليه، ومن الانتقادات التي وجهها العقاد لعائشة وزوجها أمين ما جاء في رسالة الأديب وديع فلسطين إلى صديقه الأديب عيسى الناعوري: "عائشة بنت الشاطئ: بنت الشاطئ، ردّ الله عليها نعمة التواضع، مشغولة الآن بالحديث عن نفسها في مقالات فيّاضة تنشرها لها جريدة الأهرام كلَّ جمعة. فقد تحدثت فيها عن تحدّيها لليأس وعن كفاحها في سبيل دخول مجمع اللغة العربية وعن اشتراكها في معارك أدبيّة وهميّة وعن وعن. ولستُ ألوم بنت الشاطئ، فكلّ إنسان مغرور بطبعه، ولكنّ اللوّم واقع على الذين يفسحون لها صدر الأهرام ثم على القّراء الذين يتسامحون في قراءة هذا الهذر. ومن طريف ما أذكره لك عن "معركة" بنت الشاطئ لدخول المجمع اللغوي أن أستاذنا العقّاد (كما روى لي ذلك بنفسه) ذهب إلى زملائه في المجمع وقال لهم: ما شاء الله. سنقلب المجمع إذن غرف نوم ونرفع منه المكاتب لينفرد كلّ زوجين بخلوة حميمة. فبنت الشاطئ تريد أن تلحق بزوجها (أمين الخولي) في عضوية المجلس. وسهير القلماوي تريد كذلك أن تنضم إلى زوجها الدكتور يحيى الخشّاب في عضوية المجمع، فنفتح الباب لدخول جميع زوجات الأدباء! (الرسالة رقم 28 ـــ القاهرة في 30 كانون الثاني/يناير 1963)

توفي العقاد في مارس 1964 بعدما خلف خلفه تراثًا أدبيًّا وفكريًّا ما زال موضع تقدير وإعجاب من قبل القراء والباحثين، ومع وفاته طويت صفحة مهمة من صفحات المعارك التي أثارها في حياته على صدر الصحف والمجلات أو في كتبه. نعاه الناعون، ومن بين هؤلاء قدمت الدكتورة عائشة عبد الرحمن مرثية عذبة تليق بالفقيد الراحل، فنشرت في الأهرام بتاريخ 14 آذار / مارس 1964 تنعيه هكذا:  "والعقاد قد عاش عمره ملء دنيانا. فمن المحزن حقًا أن نتمثله وقد انطفأت فيه الحياة. وهو الذي ظل حتى أيامه الأخيرة يناضل في معركة الوجود بسلاحه الذي لم يلقه قط: بقلمه الذي عاش به وله! مات العقاد وقلمه إلى جانبه، كما يموت الجندي في الميدان، مات وكتبه من حوله: ما ألفه منها، وما طالع ودرس وقد كانت كل دنياه".

رثاء بنت الشاطئ للعقاد هو تأكيد للأخلاقيات التي كانت سائدة بين الأدباء رغم الخلافات الفكرية والمنهجية، إلا أنهم كانوا يُقدِّرون كتابات بعضهم البعض، ويكبرون أعمالهم، ويحترمون أفكارهم. وهذه الثقافة هي نتاج ثقافة وتربية وبيئة اجتماعية صحية، كانت تفرق بين المعارك الشخصية والأدبية والفكرية. رغم كل ما نالها من سهام العقاد، إلا أنها لم تبخسه حقه، أو تقلل من مكانته في عالمنا، فالعقاد، هو العقاد كما وصفه رجاء النقاش بعد وفاته "لم يكن في فكرة من أفكاره مأجورًا.. فالعقاد كثيرًا ما يفرض على الذين يناقشونه - عندما يغضب - أن يستخدموا ضده كل الأسلحة، حماية لهم من أسلحته التي يستخدمها هو والتي كانت بلا حدود".

 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الصوابية السياسية بين تحقيق العدالة وتثبيت الرقابة (ميغازين).

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

إسراء عرفات

كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)
كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)

سيرة الضحك: حين يهتز الوجود مِن خاصرته

سيرة الضحك وتاريخه في الوجود الإنساني، وتمثلاته الفلسفية والاجتماعية

محمد العربي

الكساد العظيم

ترامب يعيد التاريخ .. ماذا حدث في الكساد الكبير؟

ستُعاني غالبية الدول التي بدأت لتوّها من الخروج من تبعات جائحة كورونا، بسبب الحرب الاقتصادية التي بدأها الرئيس الأميركي ترامب

إسلام أحمد

وارقة الخوف

وراثة الخوف

الخوف حالة نفسية تهدف لحماية الإنسان، لكن تجاوزه يتطلب تجربة شخصية، لا الاكتفاء بوراثته عن الأسلاف

ميادة نصار

الإبادة الجماعية

الإبادة الجماعية.. من الإدانة إلى الدعم المطلق

تذكر موسوعة الهولوكوست أن المحامي اليهودي البولندي رافائيل ليمكين، هو أول من صاغ كلمة "الإبادة الجماعية"

فريق التحرير

المزيد من الكاتب

ممدوح النابي

كاتب وناقد

صورة الزعيم.. بين الأدب الرسمي والمخيال الشعبي

هنا بحث في صورة جمال عبد الناصر كما رآها التاريخ الرسمي والأدب والنخب من جهة، وكما صاغها المخيال الشعبي والذاكرة الجمعية من جهة أخرى

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

من التنوير إلى زمن السوشيال ميديا.. أفول المعارك الأدبية

معارك التنوير في النصف الأول من القرن العشرين، سياقات مشتعلة ونتائج باقية

رؤوف مسعد.. حكاية لم تخضع للسلطة

رؤوف مسعد جعل من الكتابة فعل مقاومة، فواجه بالحرية والقلم قيود السلطة، والطابوهات، وسجون الجسد والفكر، والرقابة

صنع الله إبراهيم.. الروائي كاذب كبير ولو صدق

رجل الروائي صنع الله إبراهيم، بعد أن شكّل حالة استثنائية في الأدب العربي والمصري، خاصة ضمن "جيل الستينيات"، حيث تبنى كتابة صادمة وصادقة

المرأة تحت حكم "ظلم المصطبة".. هل تملك النساء حرية الاختيار؟

من قاسم أمين إلى درية شفيق، ومن هدى شعراوي إلى دراما ظلم المصطبة، تستمر معركة المرأة العربية من أجل أبسط حقوقها: الاختيار