ultracheck
ظلت الهزيمة العربية سؤالًا محيّرًا للمفكرين (ميغازين).

الهزيمة العربية في كتابات المفكرين.. سؤال قديم يمتد مع الزمن

26 أغسطس 2025

سؤال الهزيمة العربيّة (1): الفكرة

هذا السؤال الذي نطرحه بهذه البساطة، عمره على أقل تقدير سبعة عقود، منذ الهزيمة العربية الأولى عام 1948، التي لم نستطع خلالها منع تأسيس الدولة اليهودية، أو فرض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم حتى شهر أيار/مايو. بل إنّ تدخل الجيوش العربية أسهم في توسيع الصهاينة نطاقَ التطهير العرقي والتهام أراضي فلسطين. وهكذا أصبحت إسرائيل أمرًا واقعًا فُرض عبر القوى العالمية الصاعدة حينها، مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ولم يعد للعرب قول في ذلك. 

في هذا السياق طُرح السؤال لأول مرة في عمل مهم لقسطنطين زريق بعنوان "معنى النكبة" (آب/أغسطس 1948)، وأيضًا في كتاب عارف العارف "نكبة فلسطين والفردوس المفقود" (نشر في خمسة مجلدات بين أعوام 1951- 1961). هذا السؤال كان محرّكًا لهذه الأعمال التأسيسية لفهم النكبة وتداعياتها وأسبابها. فالهزيمة لم تكن قدرًا محتومًا، بل كانت نتيجة خيارات وقرارات وأفكار وتأطيرات. قال زريق في المقدمة "سبع دول عربية تعلن الحرب على الصهيونية في فلسطين، فتقف أمامها عاجزة ثم تنكص على أعقابها"، يفتتح في هذا السؤال كيف حدث ذلك، حيث إن وصف النكبة هو جزء من الاجابة. ولفَتَ الانتباه إلى نقطة شديدة الأهمية، أن النكبة الأخطر هي النكبة الفكريّة التي بدأت تتضح ملامحها خصوصًا لدى الجيل الشابّ، وهذه النقطة تحديدًا ستقود زريق للعملِ المكثف مع الشباب وتأسيس حلقات فكرية منها العروة الوثقى التي جمعت قيادات ثوريّة فلسطينية وعلى رأسهم جورج حبش في بيروت.

بالمقابل، اهتمّ عارف العارف بوصف تأريخ الحدث وتحليلهِ، فعنوان "الفردوس المفقود" يلمّح لبعدٍ إلهيّ سماويّ كونيّ، هي الهزيمة التأسيسية، وانتصار الصهيونية الذي أسس ديمومتها، في المجلد الأخير الذي أسماهُ "سجل الخلود" وفيه معلومات مفصلة (المتوفر منها) عن الشهداء العرب في حربِ الدفاع عن فلسطين التي انتصرت بها الحركة الصهيونية بدعمِ القوى العالميّة، قال في المقدمة "دونت فيهِ أخبار الأحداث التي حدثت في هذه البلاد إثر صدور ذلك القرار الجائر، والمعارك التي شملت البلاد كلها، من أدناها إلى أقصاها. دونتها كلها، بمفاخرها ومخازيها، ليحفظها أبناء هذا الجيل، وليحدّثوا عنها أبناء الاجيال القادمة. فإن من حق تلك الأجيال أن تعلم: كيف؟ وما الذي جرى؟ ولماذا ألمت بنا هذه النكبة التي فاقت، في مرارتها ونتائجها نكبة الأندلس؟". هذهِ الكلمات الختاميّة تعبّر عن الألم الكامن في كتابة هذا العمل، وهو تاريخ نكبة فاق أثرها حجم هزيمة الأندلس، إذ إن المفكر خالد عودة الله تحدث مرارًا عن العلاقة بين الأندلس (1492) وفلسطين (1948) فهي تعبّر عن قرون متواصلة من صعود القوّة الاستعماريّة الأوروبية (انظر: "بيان جنوبي تحرري من فلسطين: من أكتوبر 1492 إلى أكتوبر 2023" مجلة الجنوب). 

ليس هدف هذا المقال استعراض الأدبيات، بل محاولة للفهم، أو للإجابة عن السؤال بشكل غير ميكانيكي قائم على عرض الأسباب فقط، وإنما تمرين فكري نقدي مرتبط بتاريخنا ونضال العرب عامة والفلسطينيين خاصة، في الفترة الحديثة من أجل الاستقلال، والحرية، وبناء الدولة، والمؤسسات. يمكننا طرح السؤال في عدة أشكال، مثل: "ماذا تعني هزيمة إسرائيل؟" هل هي هزيمة عسكرية ماحقة يتفكك بها الجيش ويُفرض على المستوطنين العودة في السفن إلى أوروبا؟ أم هي أساسًا هزيمة اجتماعية، تتعلق بتقدم العرب وبناء دولة واحدة أو دول حديثة ومؤسسات ونظام ديمقراطي ليبرالي أو اشتراكي؟ خاصة أن أحد أهم أهداف إسرائيل هو تدمير المقدرات العربية ومنع قيام دولة عربية حديثة ثرية، إذ ترى في ذلك خطرًا محدقًا. وهذا طبيعي في ظل أن مشاعر جماهير المنطقة عمومًا وتوجهاتهم في الغالب ترى في إسرائيل جسمًا غريبًا، يُغذّى بروح عدوانية ضد المنطقة وثقافتها، ودينها، ومجتمعها، وحضارتها. وفي كل مرة كان من الممكن فيها إقامة علاقات على أساس احترام شعوب المنطقة، وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني، كانت إسرائيل ترفض ذلك، وتؤسس دائمًا لمعارف ومناظير وتحالفات تقوم على أساس عنصري ضد العرب ونزع إنسانيتهم، وهو ما برز بوضوح في الأدبيات الصهيونية.

هزيمة بلا مهزومين

تاريخيًّا، وحتى عام 1956 على الأقل، لم يتعامل الفلسطينيون مع إسرائيل بصفتها حقيقة مطلقة وأكيدة، بل إنّ فكرة العودة أو كما تسميها المؤسسة الاستعمارية "التسلل" شكلت تحديًا لوجود الدولة وثباتها، من خلال مقاومتها عملية بناء الحدود والسيادة الاستعمارية في العقود الأولى. أما الدول العربية فقد بدأت تخشى أن إسرائيل ستصبح حقيقةً ثابتة ولن تُهزم قريبًا، قُبيل حرب حزيران/يونيو مع بداية إنشاء مشروع المياه القُطريّ. 

فمع بداية الستينيات تحديدًا أصبحت هذه المشاريع التحديثية (modernization) تتحدى الأمن القومي العربيّ، خصوصًا في طموحها المستمر للتوسع والسيطرة على مصادر المياه، وأدركت الدول العربية تدريجيًّا أنها لن تستطيع منع إسرائيل، ما أسهم سريعًا في التدحرج نحو الحرب. خصوصًا أن الاتحاد السوفيتي ساهم في دفع الحرب إلى الأمام بشكل غير واعٍ، ثم فوجئ بالانتصار الإسرائيلي الكاسح. ففي مقدمة كتاب "النقد الذاتي بعد الهزيمة" (1968) لصادق جلال العظم، يشير الكاتب إلى أن الاتحاد السوفيتي تعامل مع الهزيمة كما لو كانت كارثة طبيعية ينبغي التكيّف معها. من هنا استهدف الكتاب تحليل الأسباب المادية والعملية وراء الهزيمة. غير أن الكتاب واجه نقدًا واسعًا، إذ اعتُبر في نظر كثيرين متأثرًا بالمنظور الاستشراقي، بل ومتنكّرًا للمنهج الماركسي. 

غير أن ما يتجاوز نقد الكتاب نفسه هو أن الهدف الأساس للمفكر السوري كان مقاربة فكر الهزيمة وتفكيك جذوره في السياق العربي. فقد سعى العظم إلى تشخيص مظاهر هذا الفكر عبر رصد إهمال العلوم وضعف البنية التحتية التعليمية، والتراجع التدريجيّ عن مشروع الثورة الاشتراكية. كما حاول إعادة التفكير في المفاهيم الرائجة مثل "النكبة" و"العدوان"، معتبرًا أن هذه المصطلحات تُسهم في إنكار المسؤولية الذاتية عن الهزيمة، وتقدّمها كقدر محتوم لا سبيل إلى دفعه. 

فعلى سبيل المثال، شاع استخدام مصطلح "العدوان" بعد حرب حزيران/يونيو كوسيلة لتجنب تحميل الجيش والقيادات المصرية مسؤولية الهزيمة، وكأن من الطبيعي أن تلتزم إسرائيل بمبدأ حسن الجوار وأقتبس في هذا السياق "في الواقع إن ما قيل عن الغدر بالنسبة للهجوم الإسرائيلي لا ينمّ عن محاولة هزيلة لإزاحة المسؤولية عن النفس ورفع المعنويات فحسب، بل يبين أيضًا أن العرب دخلوا الحرب وعقلية الفروسية في القتال لا تزال تسيطر على عقولهم وردود فعلهم". يوضح العظم أن مثل هذا الخطاب يُعيد تشكيل العقل العربي بحيث ينفي أي صلة بيننا وبين الهزيمة، باعتبارها نتيجة خارجية بحتة. ومن هنا أستنتج أنّه إذا اعتبرنا الهزيمة ليست مسؤوليتنا، فإن النصر على إسرائيل لن يكون بدوره نتاج فعلنا وإرادتنا. وهنا تكمن أهمية نقد العظم: فالتنكر للهزيمة يعني عمليًا التنكر أيضًا لشروط النصر، أي للعمل والتنظيم باعتبارهما مدخلًا أساسيًّا لتحقيقه. 

ولكنّ نقد العظم، لم يتحوّل بدورهِ إلى حالةٍ شعبية، بل سرعان ما أصبح جزءًا من نقاش نخبويّ. فقد أسهمَ غرامشي في تأطير علاقة المثقف مع الجماهير، من خلال الفصل بين "الفهم" و"الشعور"، إذ أن مهمّة المثقف هو ربط مشاعر الشعب البدائية من خلال فهمها وتفسيرها وتبريرها في شروط اللحظة التاريخيّة الراهنة، وربطها جدليًّا في قوانين التاريخ. هذا ما ينقص كتاب العظم، إذ لم يفهم أهمية التواصل مع الجماهير للتخلّص من فكر الهزيمة. وأقتبس عن غرامشي "أما اذا اتصفت العلاقة بين المثقفين والشعب-الأمة، بين القادة والأتباع، الحكّام والمحكومين، باندفاع عضويّ، يتحول فيه الشعور-الشغف إلى نهم، وبالتالي إلى علم (ليس علمًا آليًّا، وإنما علم خلّاق) تتولد إذ ذاك فقط علاقة تمثيل، ويجري تبادل عناصر المحكومين والحكام، بين الأتباع والقادة؛ أي تتحقق الحياة المشتركة التي هي وحدها القوّة الاجتماعية الفاعلة؛ وتولد الكتلة التاريخية". (راجع كتاب "قضايا المادية التاريخية" ترجمة فواز طرابلسي). من المهم التذكير على أن العظم لم يكن وحدهُ، بل هو جزء من حالة فكريّة نقديّة عمت العالم العربيّ مثل نديم البيطار في كتاب "من النكسة إلى الثورة" (1968) وقسطنطين زريق "معنى النكبة مجددًا" بعد شهرين فقط (آب/أغسطس 1967). والعديد من الكتابات مثل كتابات عصمت سيف الدولة وناجي علوش وغيرهم، سواء في ذلك ذات التوجهات القومية العروبية واليسارية الماركسية، مع العلم أن بدايات حالة فكريّة اسلاميّة ثوريّة نشأت في أعقاب الهزيمة. 

سؤال الهزيمة العربيّة (2): الطبقة

كتاب العظم "النقد الذاتي بعد الهزيمة" هو محاولة لردمِ هذا الصدع، في تشكيل وعي مغاير عن المؤسسة الرسمية للحرب والهزيمة، إذ إنّ أهم التحولات بعد الهزيمة هو صعود الحركات الثورية الفلسطينية المسلحة، ففي الضفة الغربية نستطيع تتبع ذلك في تاريخ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهذا نجدهُ في نشاط القائد أبو علي مصطفى والتدريبات والمعسكرات، وحوارهِ مع غسان كنفاني في الأغوار حول الثورة المسلحة، وأيضًا المفكر أحمد قطامش وقد شارك في التدريبات والعمل السياسيّ والعسكريّ المقاوم واعتقل مرّات عديدة، وأقتبس "وفي بدايات التمرّد الثوريّ قرأنا كتابَيْ صادق جلال العظم (النقد الذاتيّ بعد الهزيمة، ونقد الفكر الدينيّ)، وقرأنا الكثيرَ في ميدان الأنثروبولوجيا ودور البشر في إنتاج حضارتهم، ولم نقبل التفسيراتِ التي نظّرتْ لهزيمة حزيران على أنها عقابٌ من السماء وأنّ شهداءَ الثورة ليسوا شهداء. وفي مرحلةٍ متقدّمةٍ من الوعي اكتشفنا الفارقَ بين دور الدين كإيديولوجيّةٍ إقطاعيّةٍ في أوروبا، وبين الدين الإسلاميّ في التاريخ العربيّ كحاملٍ ومحمولٍ للهويّة القوميّة" (راجع مقالة كيف حضرت الماركسيّةُ – اللينينيّةُ في تجربتي السياسيّة). حيث إن كتاب صادق جلال العظم حضر في التجربة الفلسطينية الصاعدة بعد الهزيمة، وبالتالي استطاع اختراق فكر الهزيمة، أو على الأقل استطاع أن يُحدث أزمة وعي، علمًا بأنهٍ لم يشكّل حالة ثقافية وجماهيريّة واسعة.

نشر العظم عام 1969 في العدد الخامس من مجلة المواقف، مقالة بعنوان "نحو فهم أفضل للصهيونية"، يمكن اعتبارها امتدادًا لكتابه السابق. في هذه المقالة، يتناول الأزمة "الأخلاقية–الخطابية"، والمتمثلة في قصور النخب العربية العسكرية والسياسية عن فهم طبيعة الصهيونية، إذ اعتمدت قراءتها على مفاهيم ضبابية- مسيانية بعيدة عن أي تحليل علمي أو تاريخي. في المقابل، يقدّم العظم مقاربة علمية ترى أن إسرائيل مشروع استعماري استيطاني دفعت به البرجوازية اليهودية الأوروبية من خلال اندماجها العضوي مع البرجوازيات الأوروبية. ويرى أن هذه البرجوازية الصهيونية شبيهة بالبرجوازيات المستعمَرة التي تطمح إلى بناء سوق قومية ضمن حدود سياسية، لكنها فشلت في تحقيق ذلك داخل أوروبا، فتحولت بالتالي إلى مشروع متداخل مع التوسع الرأسمالي الصناعي الأوروبي، الذي يختلف عن التوسع الإقطاعي–الميركنتالي في القرن السادس عشر. ما يهم هنا هو تركيز العظم على دور الطبقة التي استطاعت أن تنتصر وتؤسس مشروعها، خلافًا للبرجوازية الوطنية في العالم العربي المستعمَر، التي بقيت عاجزة. غير أن الخطأ الذي وقع فيه العظم، هو عدم تمييزه بدقة بين طبيعة البرجوازيات المختلفة: فالبرجوازية اليهودية ارتبطت بالصعود الرأسمالي الصناعي وامتلكت مصادر قوة اقتصادية هائلة، بخلاف نظيرتها العربية التي افتقرت إلى ذلك. 

بالمقابل، فإن فانون في فصل "مزالق الشعور القوميّ" التي أسماها في كتابهِ الأكثر شهرةً "معذبو الأرض" لم يناقش الهزيمة تحديدًا، ولكنهُ أعطانا الشرط الماديّ التاريخيّ للهزيمة، وهو نشوء طبقة "البرجوازية الوطنية" التي يرى أنها "لا تقوم بأي دور فليس لها أية فائدة. إن هذهِ البرجوازية التافهة في أرباحها وفي أعمالها وفي فكرها تحاول هذه التفاهة بأقنعة شتى: بأبنية فخمة على المستوى الفردي، بسيارات أمريكية غنية بالكروم، بإجازات تقضيها على شواطئ الريفييرا، بعُطلات أسبوعية في الكباريهات المتوهجة بأضواء النيون. ذلك كلّ شأنها". وبالتالي، يشير فانون إلى الطبقة التي تحمل الهزيمة في أحشائها وتؤسس لبنية فكرية اقتصادية وسياسية تابعة للمستعمِر، في فترة ما بعد الاستقلال، في فترة الخروج الرسميّ للمستعمِر. طروحات فانون تفيدنا حينما نعي أن فلسطين هي جزء من المسألة العربيّة الحديثة، لا يمكننا فهم نشوء البرجوازيات الوطنية وحكمها في العالم العربيّ دون الهزيمة في فلسطين، لن نستطيع تكوين الإجابة عن أسئلة التنمية والحداثة والديمقراطية في العالم العربيّ، دون فهم الدولة الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين. لذلك فإنّ الطبقة التي تحمل الهزيمة لم تستطيع حشد الشعوب العربية تاريخيًا، من أجل القضية الأساسية التي تسبب فقر الجماهير واستدامة اضطهادهم وتخلف بلدانهم.

كيف يحدث ذلك؟ يتساءل فانون. السبب أن هذه الطبقة ضعيفة أصلًا، فلم تمتلك في زمن الاستعمار أي مصادر حقيقية للقوة، ولم تدخل في سيرورة تراكم رأس المال أو بناء المصانع، كما لم تنتج نخبًا محلية مثقفة متجذرة ومتواصلة مع الشعب. بل على العكس، كانت النخب غالبًا بعيدة تمامًا عن القرى والريف، تنظر باحتقار إلى عادات الناس وتقاليدهم وثقافتهم، بينما تتبنى في المقابل الثقافة الأوروبية البرجوازية وتظل تابعة لها، ولم تؤسس لشروط طبقة برجوازية. 

لم يكن إدوارد سعيد بعيدًا عن أصداء النقاشات الفكريّة التي تفجّرت بعد هزيمة 1967. فقد ارتبط بعلاقة صداقة مع أدونيس، محرّر مجلة مواقف، الذي دعاه أكثر من مرة للمساهمة بمقالة، وهو ما تحقق بالفعل حين نشر سعيد نصه "التمنّع والتجنّب والتعرّف" (1972). وقد لقيت المقالة انتشارًا واسعًا واعتُبرت محاولة فلسفية لإعادة التفكير في العقل العربيّ، في الثقافة، وفي علاقة العرب بالإمبريالية. ويمكن النظر إليها باعتبارها النواة الأولى لمشروعه الأكبر، الاستشراق (1978). في هذا النص طرح سعيد أسئلة جوهرية حول الهوية: "من نحن؟"، وكيف وصل العرب إلى حالة "الضعف العام"، وما العوامل التي تُبقيهم في هذا الوضع. كما ناقش أثر الإمبريالية في تشكيل وعينا وثقافتنا، وما الذي ينبغي أن يكون عليه الموقف العربي من الغرب: أي كيف نؤسس لموقع مقاومة ونضال ينطلق من مرتكزات وطنية أصيلة. وفي هذا السياق انتقد التناقض الكامن في فكر فانون، الذي رغم جذريته ظلّ محكومًا بمفاهيم وأدوات غربية ويشتبك داخل دوائرها. رأى سعيد أن الثقافة الغربية بطبيعتها توسعية وهي تسعى لفرض سطوتها على "الآخر" العربيّ، بينما يكتفي العرب بتقليدها سطحيًا من دون الغوص في أسسها الفكرية والعلمية التي أفضت إلى منجزاتها التكنولوجية والثقافية. هنا يلتقي مع نقد العظم، الذي أشار إلى تجارب الصين واليابان والاتحاد السوفيتي في تفكيك منجزات الغرب وإعادة بنائها بما يتلاءم مع ظروفهم واحتياجاتهم. غير أن سعيد أضاف بعدًا سيكولوجيًا، مستندًا إلى فرويد، لفهم علاقة العربي بالحضارة والثقافة في بعدها التاريخيّ. بهذا النص، حاول سعيد تفكيك جذور التبعية الفكرية العربية، واضعًا إياه ضمن إطار النقاش الأوسع الذي فجّرته الهزيمة العسكرية الساحقة واحتلال مساحات واسعة من الأرض عام 1967.

خلاصات القول

الخلاصة التي يمكن أن نستخلصها هي أنّ الهزيمة العربية ليست حدثًا طارئًا أو خطأ عابرًا، وليست مجرد خيانة ملك أو نزوة قائد، بل هي جزء متجذّر في البنية التاريخية-الاجتماعية العربية، وهو ما يستدعي التعامل معها كحقيقة بنيوية إذا أردنا تجاوزها. لهذا السبب انشغل مفكرون ومثقفون عرب، كلٌ بطريقته وسياقه، بطرح سؤال الهزيمة والبحث في جذورها الفكرية والسياسية. عام 1967 شكّلت الهزيمة صدمة مضاعفة، لأنها وقعت في ظل وعود القومية والاشتراكية والدولة الحديثة، فكانت الفجوة بين الشعارات والواقع أكبر وأكثر إيلامًا. أما هزيمة 1948، فقد عُزيت حينها إلى خيانة الملوك العرب وتبعية الأنظمة للاستعمار البريطاني والفرنسي، وهو التفسير الذي حاول قسطنطين زريق تجاوزه عبر إعادة التفكير في المشروع الحضاري العربي. 

الدرس هنا واضح: لا يمكن تخطي الهزيمة إلا بالاعتراف بها وتحليلها ومواجهتها، لا بإنكارها أو تبريرها. وإذا كنا نعيش اليوم لحظة انكسار جديدة، في ظل الإبادة الجماعية في غزة، والتحالف الأميركي-الإسرائيلي ضد إيران وحركات المقاومة في لبنان والعراق واليمن، فإن العودة إلى سؤال الهزيمة العربية ليست ترفًا، بل ضرورة فكرية وسياسية لفهم موقعنا وتصور طريق الخروج من هذا المأزق.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

الأخ الأكبر

في حضرة الأخ الكبير.. مدخل إلى مفهوم الشمولية وآلياتها

ومع أن مفهوم "الشمولية" بدأ يتداول منذ العقود الأولى من القرن العشرين، فإن تبلوره في شكل إطار نظري ارتبط بصورة أوضح بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين استخدمه عدد من الباحثين لتفسير أنظمة سياسية

إسراء عرفات

بطء السلحفاة
بطء السلحفاة

بطء السلحفاة وسرعة العالم: من مفارقات زينون إلى نقد حضارة السرعة

يناقش المقال فكرة السلحفاة بوصفها رمزًا فلسفيًا وأدبيًا للبطء والصبر والثبات في مواجهة إيقاع العالم المتسارع، إذ تظهر ككائنٍ من عالمٍ آخر يسير على مهل، وقد شكّل منذ القِدم مصدر إلهام للأدباء والفلاسفة بوصفه تعبيرًا عن مقاومة العجلة

يونس أوعلي

الصوابية السياسية بين تحقيق العدالة وتثبيت الرقابة (ميغازين).

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

إسراء عرفات

كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)

سيرة الضحك: حين يهتز الوجود مِن خاصرته

سيرة الضحك وتاريخه في الوجود الإنساني، وتمثلاته الفلسفية والاجتماعية

محمد العربي

الكساد العظيم

ترامب يعيد التاريخ .. ماذا حدث في الكساد الكبير؟

ستُعاني غالبية الدول التي بدأت لتوّها من الخروج من تبعات جائحة كورونا، بسبب الحرب الاقتصادية التي بدأها الرئيس الأميركي ترامب

إسلام أحمد

المزيد من الكاتب

محمد قعدان

باحث وطالب دكتوراه

إعادة التفكير في الصهيونية: مقدمات واحتمالات تفكيك الاستعمار

يوجد إيمان سياسي بأن المستوطنين اليهود حينما يتخلون عن الصهيونية فإن هذا التخلي سيجعل منهم مباشرةً مواطنين ديمقراطيين يعترفون بحقوق الفلسطينيين والعرب وسيادتهم. لكن هل هذا الإيمان ممكن؟