شكَّل مفهوم المجتمع المدني أحد أهم محاور النظرية السياسية المهتمة أساسًا بتفسير الانتقالات، التي عرفتها المجتمعات من حالة "الطبيعة" مثلًا إلى حالة "المجتمع المنظم" أو حالة "الدولة"، وتفسير العلاقات التي من شأنها أن تربط الفرد مع المجتمع والدولة، خاصةً إذا ما استحضرنا عند الحديث عن المجتمع ما يسمى "المصالح وقيم العيش المشترك"، وعند الحديث عن الدولة ما يسمى "السلطة العمياء" التي تتمتع بها، والتي قد تؤدي إلى استخدامها بشكل متعسف في غياب هياكل وأجسام اجتماعية معينة.
في خضم هذه الإشكاليات، استُدعي المفهوم كأداة تحليلية غالبًا، لكن أيضًا كمقولة معيارية لتحديد شكل ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع والدولة.
لعل الأطروحة الأساسية التي يدافع عنها المقال، هي أن مفهوم المجتمع المدني ظل طوال فترة تزيد على العشرين قرنًا من الزمن – سواء استُخدم بصيغته المركبة المباشرة "مجتمع مدني"، أو استخدم بصيغ أخرى مختلفة – التعبيرَ عن صور تجلي المواطنة المدنية ومسارات تطورها في إطار علاقة تتسم بالاضطراب مع كلٍ من الدولة أو شكل الحكم القائم من جهة، والمجتمع من جهة أخرى. أو هكذا يقرأ العقل الأوروبي بالتحديد سيرورة "تطوره السياسي" عبر استخدام مفهوم المجتمع المدني كمفهوم تحليلي.
وتستبعد هذه الأطروحة فيما تستبعد الصورة النمطية والكاريكاتورية لتعريف المجتمع المدني عندنا بوصفه مجتمعًا غير سياسي محايد تجاه الدولة وشكل الحكم القائم. كما تستبعد هذه القراءة من أفقها كل التصورات المبتورة حول فكرة المجتمع المدني، والتي تختزل مساره الطويل في صورة حالية قائمة الآن، مثل "مؤسسات مدنية" أو "جمعيات غير حكومية" وغيرها من الأشكال التي يُطلق عليها الآن "مجتمع مدني". وذلك لأن هذا المفهوم وليد مخاضات تاريخية طويلة متعددة الصور والأشكال هي التي أوصلته إلى حالته وتجسيده الراهن.
ولعل الميزة العظمى لتقصي تواريخ المفاهيم تتمثل في استبعاد مثل هذه القراءات السطحية المتعجلة التي تبتر المفاهيم من سياقاتها وتحنطها في صورة واحدة ليست هي ما يعكس مضامينها في الحقيقة.
إن البحث في تاريخ مفهوم المجتمع المدني – بالنسبة لنا – هو بحث في تاريخ الفكر السياسي الغربي، وما يوزاي ذلك الفكر من تطورات اجتماعية واقتصادية، ولا يمكن في نظرنا أن يكون لمفهوم المجتمع المدني أي قيمة تفسيرية دون ربطه بتاريخ العمليات السياسية والاجتماعية التي عرفها الغرب، والمتمثلة في التمايزات والتمفصلات التي حدثت على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والدولة.
وبحسب المفكر العربي عزمي بشارة، فإن: "المجتمع المدني هو صيرورة فكرية وتاريخية نحو المواطنة والديمقراطية، عبر مجموعة من التمفصلات والتمايزات في العلاقة بين الفرد والجماعة، أو بين المجتمع والدولة". ولذلك، فإن تقصي تاريخ المفهوم هو تقصي لتاريخ من الارتباطات بين السياسة والاقتصاد ونشوء فكرة المجتمع والدولة: "في مقابل الجماعات الوشائجية من جهة، وآليات القسر التي تستخدمها الدولة في تثبيت سيطرتها من جهة أخرى".
في هذه اللحظة التحليلية، يمكن أن نشير إلى مضمونين للمجتمع المدني؛ أولهما، والذي كرسته فلسفة العقد الاجتماعي مع روادها توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، يماثل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي؛ أي أن المجتمع المدني يخص الحالة التي تعبّر عن الانتقال بفعل التعاقد الاجتماعي من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع الذي يعني الدولة.
وفي هذا السياق، يتم استحضار مجموعة من المفردات التي لا يمكن لمفهوم المجتمع المدني أن يقوم دونها، مثل مفردة "المتوحش" باعتبارها نقيضًا لـ"المدني"، ومفردة المواطنة بوصفها تجسيدًا قانونيًا لفعل التعاقد في تعريف الإنسان بكونه منتميًا لجماعة تتجاوز محددات الجماعة الأولية في تعريف وانتساب أفرادها إليها، وهذا في الحقيقة مسار متطور لم يكن هو أساس الانتماء. وهكذا يكون المجتمع المدني تعبيرًا عن الجماعة الأولى المنظَّمة كما يقول آدم فيرغسون. وهنا غني عن القول إن معطيات مثل "المصلحة" و"المِلكية" و"عمليات التموين" و"مراكمة الثروة" مثلت محددات هذه النقلة من حالة الطبيعة.
ومن أجل هذه المنظومة الجديدة من التصورات والأفعال، تم "ابتكار" المجتمع المدني لحمايتها، إذ يقول فيرغسون إن: "قوانين المجتمع المدني هي التي تكبح بغي الأفراد وتجاوزهم لقوانين العدالة". فالمجتمع المدني إذن هو فضاء تدبير، وهو هنا أيضًا حالة مماثلة للدولة، لكنه يعبر عن ذلك الانفصال العضوي بين الفرد وجماعته الأولية لصالح الانخراط في منظومة قائمة على قوانين ومبدأ مُنظِّم مخصوص، هو الذي من شأنه - حسب فلاسفة العقد الاجتماعي وحسب فيرغسون - أن يسمو بالإنسان عن وضع "العنف والتوحش والوضاعة الحيوانية". هذا هو المضمون الأول لمفهوم المجتمع المدني، والذي تُعتبر فلسفات العقد الاجتماعي مثالًا عليه، وبالتالي فهو إذن مفهوم ناظم لحالة التعاقد الاجتماعي التي ستعلن ميلاد "مجتمع المواطنين" و"مجتمع الدولة".
أما المضمون الثاني الذي يعبر عنه المفهوم، فهو أحد تجلياته التاريخية لكن هذه المرة في سياق الفلسفة السياسية اليونانية القديمة، وفي إطار مدينة الدولة أو دولة المدينة "أثينا" كمجتمع مدني يكون الانتماء فيه لمجتمع المواطنين انتماءً مخصوصًا لفئة معينة تتحدد في فئة "أرباب المنازل"، الذين يديرون اقتصادًا منزليًا كان هو قوام الحياة الاقتصادية حينها. فمجتمع أثينا، كمجتمع مدني قائم على الديمقراطية المباشرة التي تفترض مشاركة المواطنين بفعالية في إدارة شأن المدينة، هو مجتمع يفرض قيودًا على استحقاق المواطنة. وبعبارة أخرى، على استحقاق أن تكون فاعلًا مدنيًا، حيث ظل العبيد والأطفال والنساء وحتى الشباب أو الرجال الذين لا يمتلكون صفة "رب البيت" خارج دائرة هذا المجتمع المدني لكونهم لا يديرون نشاطًا اقتصاديًا خاصًّا بهم.
وقد كان ذلك هو معيار: "المواطنة الكاملة أو على الأقل المواطنة التمثيلية التي تعطي حقوقًا كاملة"، لكن المهم في استحضار هذه اللحظة هو لفت الانتباه إلى أن استحقاق المواطنة مر بهذا الفصل بين الإنسان والمواطن والاقتصاد والسياسة "الدولة المدنية كسلطة"، حيث لم يكن كون الإنسان إنسانًا مؤهّلًا مباشرًا لنيل استحقاق المواطنة المدنية الكاملة في مجتمع المدينة.
وبالتالي، ليست العضوية في هذا المجتمع المدني عضوية طوعية أو خيارية، بل هي استحقاقية يعمل فيها الإقصاء دورًا أساسيًا على الرغم من قيامها على الديمقراطية المباشرة التي يصبو إليها من يسميهم عزمي بشارة: "مغتربو العصر الحالي ومستلبوه"، الذين يغيب عن توقهم إليها وجهها الآخر القائم على إقصاء الغرباء والنساء والعبيد.
هذا الطرح هو ما يمكن استخلاصه من تنظيرات أرسطو السياسية حول مجتمع المدينة، الذي يبدو مجتمعًا متحررًا من أي قبضة أو ضبط خارجي مصدره الدولة أو السياسة مثلًا، وهذه إحدى صور استعمالات المفهوم المعيارية كما سنرى لاحقًا عندما يتمايز بشكل كبير حقل المجتمع المدني عن الدولة كحيز عام خارج عن جهازها.
وفي اللحظة الأثينية أيضًا، كما في لحظة فلسفة العقد الاجتماعي، ليست هناك حدود واضحة تفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي والدولة، بل يمكن القول إن هنالك تماهيًا بين هذه الثلاثية وإن كان حيز الأفراد والأسر والجماعات الأولية المنظَّمة يظهر كحقل متمايز له ضوابطه ويتم تسييره بشكل شبه مستقل عن الدولة أو السلطة السياسية.
أما اللحظة التحليلية الثالثة التي ستمثل منعرجًا مهمًا لمفهوم المجتمع المدني، فهي لحظة الفيلسوف الألماني هيغل والفلسفات السياسية الماركسية التي ستقوم، لأول مرة، بحصر المفهوم في تحديدات وأطر اجتماعية واقتصادية خاصة، حيث سيكون المجتمع المدني عند هيغل تعبيرًا عن لحظة السلب بما تحمله من تناقض للمصالح. فالمجتمع المدني عند هيغل هو مجتمع الأفراد المنقسم على نفسه، ويعتبر نظام السوق وعلاقاته النموذج المثالي لصورته. ولذلك لا يُعدّ المجتمع المدني عند هيغل غاية في حد ذاتها، وإنما هو تمهيد لمرحلة الدولة التي تتضمن مكاسبه وتتجاوز مثالبه.
تكمن أهمية هذه اللحظة التحليلية في تعميق علاقة مفهوم المجتمع المدني بمفهومي المجتمع والدولة، حيث لا يمكن وعيه أو إدراكه بمعزل عن تلك العلاقة ذات المنحى الديالكتيكي "التطوري" عند هيغل. ففي حين تشكل لحظة الأسرة والجماعة الأولية لحظة بروز أواصر التعاطف والمحبة والتكامل على أساس شعوري، فإن لحظة المجتمع المدني، على النقيض من ذلك، تمثل لحظة بروز رابطة المصلحة التي تجعل من وحدات المجتمع أفرادًا بالمعنى الواقعي للكلمة. يقول هيغل "في هذا الشكل الجديد لوجودهم الاجتماعي، أي البشر، يصبحون واقعيًا أفرادًا، وهكذا وهم مستقلون ومعزولون يتخذون من أنفسهم غاية لنشاطهم، وبصفتهم أعضاء في المجتمع المدني يكونون أشخاصا خاصين وغايتهم مصلحتهم الخاصة".
وبالتالي، فإن المجتمع المدني عند هيغل حقيقية اقتصادية أنانية بالدرجة الأولى، لكنه في جانب آخر هو الذي تتحقق فيه واقعة أن يكون الانسان فردًا بما تعنيه الفردية في العصر الحديث من حرية وبما تومئ إليه من استقلالية وإنتاجية اقتصادية. لكن ذلك لا يكفي عند هيغل، فالدولة هي الكيان الوحيد الذي يظل قادرًا على تحقيق الغاية الأسمى لوجود الانسان بتوفير إيجابيات كل من آوِنَتَيْ الأسرة أو الجماعة الأولية من جهة، والمجتمع المدني من جهة ثانية.
أما في التقليد النظري الماركسي، فنجد مطابقة شبه تامة بين المجتمع المدني والمجتمع البرجوازي. ويعني ذلك، أولًا، ربط المفهوم بالواقعة الاقتصادية وبالأخص بالنشاط الاقتصادي للمجتمع البرجوازي. وثانيًا، جعل مفهوم المجتمع المدني بمؤسساته وأجهزته جهاز قسر وقمع بيد الطبقة البرجوازية ضد الطبقات الأخرى.
هذه الإشارة هي ما سيلتقطها أنطونيو غرامشي ليستأنف القول الماركسي في المجتمع المدني، الذي أهملته النظرية الماركسية، شيئًا ما، لارتباطه بآليات السيطرة الفوقية للمجتمع البرجوازي، المرتبطة بالثقافة ممثلةً في المدرسة والتعليم وغيرها من المؤسسات الثقافية التي تضمن استمرارية هيمنة هذه الطبقة.
عمد غرامشي إلى إنزال المفهوم من بنيته الفوقية بجعله إحدى أسس البنية التحتية التي يخاض فيها الصراع الطبقي، معتبرًا أن كل المؤسسات "غير الرسمية" والوسيطة بين الفرد والمجتمع والدولة هي مجتمع مدني. وكما أن للطبقات البرجوازية مؤسساتها "المجتمع مدنية" التي تحفظ هيمنتها وتعمل على إعادة إنتاجها، فإن الطبقات الدنيا والبروليتاريا هي أيضًا مطالبة بخلق مؤسسات مجتمعها المدني الخاص، وإنتاج مثقفيها العضويين القادرين على مقاومة الهيمنة البرجوازية.
إن قيمة هذه اللحظة التحليلية في استخدام مفهوم المجتمع المدني، هي تكوين حيز عام خاص بهذا المفهوم بجعله إحدى حلبات الصراع على الهيمنة في إطار فرز طبقي قائم في الدولة الأوروبية الحديثة، خلال فترة الاستبدادية النازية والفاشية. وقد أصبح مفهوم المجتمع المدني مع غرامشي مرادفًا لمفهوم الهيمنة وآلياتها، والمقاومة وآلياتها، ضد الدولة وبالتحديد ضد الطبقات الاجتماعية التي تستعمل الدولة لصالحها. وهذا النَفس الجديد للمجتمع المدني، كحيز مقاومة وكحيز مستقل، الذي حاول تعديل العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، سيكون حاضرًا في التحديدات اللاحقة للمفهوم وعلامة من علاماته.
ومع سيادة النموذج الليبرالي وانحصار الفضاء العام على حيز عام تمثله الدولة، وآخر خاص تمثله السوق التي أصبحت جهازًا ضخمًا يبتلع كل المؤسسات الوسيطة المصنفة غير عامة؛ تراجع حضور مفهوم المجتمع المدني وغاب عن الاستعمال لفترة طويلة، حيث لن تتم العودة إليه كمفهوم تحليلي مهم للنظرية السياسية إلا مع ما عُرف بالثورة البولندية والثورات الديمقراطية التي حصلت في دول المعسكر الاشتراكي، حيث كان للحركات النقابية التي حملت مطالب اجتماعية وحقوقية اقتصادية، وحتى سياسية، دورًا بارزًا في تلك العودة.
لقد كان ذلك الحراك الاحتجاجي دافعًا لضخ دماء جديدة في المفهوم: "لكن هذه المرة كصيرورة دمقرطة" تعلن عن وجهها بشكل سافر، حيث إن خنق الحريات الاقتصادية والسياسية في دول المعسكر الاشتراكي كانت هي الدافع وراء الحراك الاحتجاجي الذي اعتُبر النموذج البولندي مثاله البارز. وهنا أيضًا تمت استعادة المفهوم بشكله التقليدي كمجتمع المواطنين القائم على المشاركة الفعالة للمواطنين، وأيضًا باعتباره مؤسسات وتنظيمات اجتماعية مستقلة عن الدولة من شأنها أن تحصّن الفرد أمام سلطوية الجهاز الحكومي.
ومن حينها، انطلقت شرارة المجتمع المدني باعتباره فاعلًا مشارك بحيوية في رسم السياسات، ومتدخل في بعض الأحيان في مسائل شكل الحكم القائم، وكركيزة من ركائز الانتقال الديمقراطي وتثبيته. ومن هذا المنطلق، راجت في الأساس أطروحة أن تاريخ مفهوم المجتمع المدني هو تاريخ الدمقرطة في الغرب، بالتمايزات التي حصلت فيه بين مجالات الجماعة الأولية أو الأسرة والمجتمع والاقتصاد والدولة، حيث ظل المجتمع المدني يتمظهر بصور مختلفة إلى أن استقر على حالته الراهنة كمجال تحصين للفرد وللمكتسبات الحقوقية والمدنية والسياسية والقانونية، التي تم الحصول عليها عبر مسار طويل من التمايز والانفصال.