على خلاف الوفرة اللافتة في الكتابات التي تمجّد الحكمة والذكاء، لاحظ الكاتب النمساوي روبرت موزيل (1880–1942) أن موضوع الغباء البشري ظل هامشيًا، رغم أنه ملازم للإنسان في حياته اليومية، ولا يقل أهمية عن الحكمة.
من هنا حاول موزيل تجاوز النظرة التقليدية للغباء، والتي تقتصر على اعتباره نقصًا في القدرات الذهنية أو انخفاضًا في معدل الذكاء ليضعه في سياق أوسع، ذلك أن الإنسان يمكنه أن يمتلك ذكاءً عالي المستوى، لكنه يفقد القدرة على التقدير السليم، أو على التفكير النقدي.
هذا النوع من الغباء، الذي يمكن تسميته بـ"الغباء المتعلم" أو "الغباء المركب"، هو الأخطر، إنه غباء لا ينبع من الجهل، بل من سوء توظيف المعرفة، أو من اختلال التوازن بين العاطفة والفكر، وأحيانًا يترافق مع الغرور والعجز عن إدراك الذات، لينظر بذلك إلى العالم من ثقب ضيق.
ولم يكن موزيل وحده المهتم بموضوع الغباء، فمن الواضح أن التهميش الذي تعرض له هذا الموضوع قديمًا، ساهم في بروزه لاحقًا كأحد الموضوعات التي لا تقل أهمية في الوجود البشري، حيث سعى باحثون إلى دراسة مفهوم الناس عن السلوك غير الذكي، بينما سعى آخرون إلى تحليل آثاره على المجتمع باعتباره "التهديد الأكبر للمجتمعات البشرية".
"الغباء" في الاستعمال الإنساني
في عام 1937، وقبل سنوات قليلة من وفاته في منفاه في سويسرا، حيث أمضى أواخر حياته هربًا من النازية، ألقى الروائي النمساوي روبرت موزيل في فيينا محاضرة بعنوان "عن الغباء"، ونُشرت بعد فترة لتكون آخر كتاب يكتبه في حياته، هو الذي كان أحد أهم الكُتّاب الحداثيين في الأدب الأوروبي.
هذا النص، الذي يعد بمثابة دراسة فلسفية وأدبية عن علاقة الإنسان المستمرة مع الغباء، وعن جذوره الاجتماعية والسياسية والعاطفية، صدر باللغة العربية بترجمة المترجم السوري عبد الحكيم شباط تحت عنوان "الغباء".
وقد انطلق من فكرة مركزية مفادها أن الغباء لا يطابق الحماقة الصريحة، ولا يُختزل في ضعف حاد في القدرة العقلية. فالحماقة، في نظر موزيل، حالة مكشوفة وواضحة وغير متخفية، أما الغباء، فشيء آخر أشد تعقيدًا وخطورة، إذ يتسلل إلى الوعي متخفيًا، ويصيب أحيانًا أولئك الذين يُفترض فيهم الذكاء والرزانة.
موزيل الذي لم يكن يملك تعريفًا واضحًا للغباء، كما لم يكن يدّعي الإحاطة به، تعامل مع هذا الموضوع بوصفه ظاهرة تتبدّى في اللغة والسلوك وفي العلاقات الاجتماعية. فما يهمه هو الكيفية التي يُستعمل بها مفهوم الغباء، والوظائف التي يؤديها في الواقع، لا تصنيفه ضمن خانة معينة. فاللغة اليومية، كما يلاحظ، تستخدم كلمة "غباء" في سياقات متباينة، أحيانًا بوصفها حُكمًا أخلاقيًا، وأحيانًا بوصفها أداة للتقليل من شأن الآخر، وأحيانًا أخرى تبريرًا للفشل أو العجز. كما أنه استخدمها لوصف شخص معين ينطوي على نظرة متعالية من قبل الشخص الذي أصدرها.
هذا التصور يبدو أنه وجد صداه في الدراسات الحديثة، حيث سعت ورقة بحثية تحت عنوان "ما هو الغباء؟ مفهوم الناس عن السلوك غير الذكي"، إلى فهم المعنى الاجتماعي والنفسي لمفهوم "السلوك الغبي" كما يدركه الناس في حياتهم اليومية، بدلًا من النظر إلى الغباء بوصفه نقصًا في الذكاء العقلي الذي يُقاس باختبارات رسمية. ولهذه الغاية انطلق الباحثون من أمثلة واقعية قدّمها المشاركون عن مواقف وصفوا فيها أفعالًا بأنها غبية، ثم حلّلوا هذه الأمثلة لاستخلاص الأنماط المشتركة.
وتُظهر النتائج أن الحكم على السلوك بالغباء لا يرتبط عادةً بقدرات معرفية ثابتة، بقدر ما يرتبط بتوقعات المراقبين لما كان ينبغي فعله في الموقف، أي أن "الغباء" يُفهم اجتماعيًا كإخفاق في التصرّف بما يتناسب مع المعلومات المتاحة، أو مع مستوى المسؤولية المفترض بالشخص.
وتبيّن نتائج البحث أن الناس يميلون إلى وصف السلوك بأنه غبي خصوصًا في ثلاث حالات: الأولى عندما تكون هناك ثقة مفرطة لا يدعمها الأداء، والثانية عند وجود إهمالٍ وانعدامُ انتباهٍ كان من الممكن تفاديه بسهولة، والثالثة عند فقدان السيطرة على السلوك بما يؤدي إلى نتائج سلبية. كما يتعزز هذا الوصف كلما زادت خطورة العواقب أو كبرت مسؤولية الفاعل. ومن ثم، فإن مفهوم "الغباء" في الاستخدام اليومي هو حكم تقييمي أخلاقي – اجتماعي بقدر ما هو حكم معرفي، يدل على خيبة أمل المراقبين من تصرّف يرونه غير عقلاني مقارنة بما كان متوقعًا في ذلك السياق.
ذكاء عالٍ.. غباء محتمل
تشير الورقة البحثية المذكورة إلى كتاب تحت عنوان "لماذا قد يكون الأذكياء أغبياء؟"، وهو الكتاب الذييكرّس ملاحظة شائعة مفادها أن امتلاك قدر عالٍ من الذكاء لا يحصّن الأفراد من الوقوع في سلوكيات توصف عادة بالغباء أو الحماقة.
يعرض الكتاب سلسلة من الأمثلة تُظهر كيف يمكن لأشخاص مشهود لهم بالذكاء أن ينزلقوا، بوعي كامل، إلى أفعال ذات عواقب وخيمة، ويذهب إلى طرح فكرةٍ إشكالية مؤداها أن الأذكياء قد يصبحون أغبياء تحديدًا بسبب ذكائهم، إذ تسمح لهم قدراتهم الفكرية ببناء حجج معقّدة ومتماسكة ظاهريًا للدفاع عن آرائهم ونظرياتهم، حتى حين تكون هذه الحجج بعيدة عن الواقع أو مناقضة له. هذا الانفصال المحتمل عن الواقع ينتج، غالبًا، عن الإفراط في استخدام التفكير في اتجاهات خاطئة.
في اتجاه قريب، يقدّم أستاذ علم الطب النظري بروس تشارلتون نموذج "الأذكياء الحمقى"، في إشارة إلى الأفراد الذين يتمتعون بمعدلات ذكاء مرتفعة لكنهم يفتقرون إلى ما يُعرف بالفطرة السليمة. ويُقصد بهذه الفطرة القدرة على التصرّف بشكل متكيّف في المواقف الإنسانية الأساسية، كفهم سلوك الآخرين، والتنبؤ بردود أفعالهم، والتأثير فيهم ضمن سياقات الحياة اليومية. بحسب هذا التصور، يميل أصحاب الذكاء العالي إلى إهمال الحس العملي، معتمدين بدلًا منه على التفكير التحليلي المجرد في معالجة مشكلات يفترض أنها تُحلّ بوسائل أبسط وأكثر مباشرة.
يذهب تشارلتون أبعد من ذلك حين يربط هذه الظاهرة بمنظور تطوري، مشيرًا إلى أن الذكاء البشري تطوّر أساسًا للتعامل مع المشكلات الجديدة وغير المألوفة، لا مع القضايا اليومية التي طوّرت لها عملية الانتقاء الطبيعي حلولًا تكيفية فعّالة. وعندما يُستبدل هذا المخزون الغريزي من الحلول بتفكير تحليلي معقّد في سياقات لا تستدعيه، قد تصبح النتائج غير ملائمة أو حتى مضرة.
قوانين كارلو شيبولا لغباء الإنسان
في عام 1976 قدّم المؤرخ الاقتصادي الإيطالي كارلو شيبولا، أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة كاليفورنيا، تحليلًا عميقًا لظاهرة الغباء الإنساني من خلال مقالته الشهيرة "القوانين الأساسية لغباء الإنسان". شيبولا لم ينظر إلى الغباء بوصفه سمة فردية، وإنما بوصفه قوة اجتماعية واقتصادية قد تمثل التهديد الأكبر للمجتمعات البشرية. وبيّن أن الأغبياء يتسمون بسمات مشتركة، أبرزها كثرتهم ولاعقلانيتهم، وقدرتهم على إلحاق الضرر بالآخرين دون تحقيق أي منفعة لأنفسهم، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تقليص سعادة المجتمع ككل.
وقد شدّد شيبولا، الذي توفي عام 2000، على أن الغباء لا يمكن التحصن منه أو القضاء عليه، وأن السبيل الوحيد لتقليل آثاره يتمثل في أن يبذل غير الأغبياء جهدًا كافيًا لتعويض الخسائر التي يتسبب بها الأغبياء، وهو ما صاغه لاحقًا في خمسة قوانين شكّلت إطارًا نظريًا لفهم الغباء كقوة مدمّرة في التاريخ والاقتصاد والمجتمع.
وتقوم قوانين شيبولا الخمسة للغباء البشري على فكرة أساسية مفادها أن الناس يميلون دائمًا إلى الاستخفاف بعدد الأغبياء في المجتمع، فيفاجَأون مرارًا بحضورهم وتأثيرهم في كل البيئات. ويؤكد شيبولا أن الغباء لا يرتبط بأي عامل اجتماعي أو ثقافي أو تعليمي؛ إذ يمكن أن يوجد الغبي في جميع الطبقات والمستويات دون استثناء، ما يجعل الظاهرة أكثر شمولًا وخطورة مما يُفترض عادة.
ويعرّف شيبولا الشخص الغبي بأنه الشخص الذي يُلحق ضررًا بالآخرين من دون أن يحقق لنفسه أي مكسب، بل وقد يتسبب في خسارة لنفسه أيضًا. هذا النمط من السلوك، غير العقلاني بطبيعته، يجعل الغباء قوة مدمّرة يصعب التنبؤ بها أو احتواؤها. ويزداد الأمر سوءًا لأن غير الأغبياء غالبًا ما يقللون من حجم الأذى الذي يمكن أن يسببه الأغبياء، فيتعاملون معهم باستهانة أو تساهل، وهو ما يؤدي إلى نتائج أكثر كلفة.
ولهذا يخلص شيبولا إلى أن الغبي هو أخطر أنواع الأشخاص في المجتمع، بل أشد خطورة من المجرم أو الانتهازي؛ لأن الأخيرين يتصرفان بدافع مصلحة يمكن فهمها أو توقعها، بينما يتصرف الغبي بلا منطق واضح، فيُلحِق الأذى بالجميع دون سبب عقلاني.
من خلال هذا المنظور يرتقي الغباء عند شيبولا إلى درجة اعتباره قوة اجتماعية تهدد توازن المجتمعات وتقدّمها، ويمكن التمييز في هذا التحليل بين أربعة أنماط من البشر بناءً على تأثير أفعالهم على أنفسهم وعلى الآخرين: الأول هو الساذج الذي يضر نفسه وينفع الآخرين، والثاني هو الذكي الذي ينفع نفسه وينفع الآخرين، والثالث هو الشرير الذي ينفع نفسه ويضر الآخرين. أما الرابع، فهو الغبي الذي يضر الآخرين ويضر نفسه.
الغباء في بُعدَيه الاجتماعي والسياسي
رغم أن التحليلات المذكورة تؤكد أن الغباء غالبًا ما يُطلق على سلوكٍ يُخالف التوقعات العقلانية، لا على ضعف القدرات الذهنية وحده، إلا أن هناك بعدًا اجتماعيًا للغباء لا يمكن تجاهله، وهو إمكانية التظاهر به كآلية للنجاة، خاصة في المجتمعات التي تعيش الاستبداد. ففي هذه المجتمعات التي تسود فيها السلطة المطلقة أو الأنظمة القمعية، يعد إظهار الذكاء أو التفكير النقدي عملًا محفوفًا بالمخاطر، قد يُعد وقاحة أو تهديدًا لأصحاب النفوذ، وهو ما يحتّم على الأشخاص التظاهر بالغباء كقناع اجتماعي أو درع واقٍ، ذلك أن العجز أو السذاجة أكثر أمانًا من الذكاء الذي قد يجلب لصاحبه المتاعب.
وبالإضافة إلى البعد الاجتماعي، هناك بعدًا سياسيًا انتبه له الصحفي والكاتب البريطاني ستيوارت جيفريز في كتابه "تاريخ موجز للغباء"، وذلك باعتباره ظاهرة مؤثرة في سير الديمقراطية والحياة السياسية الحديثة.
ويُشير جيفريز إلى أشخاص مثل دونالد ترامب، إيلون ماسك، فلاديمير بوتين، نايجل فاراج، وبوريس جونسون، بوصفهم "فرسان غباء مرحلة ما بعد الحقيقة" بحيث يقوّضون أسس الديمقراطية من خلال تحويل الناخبين إلى أدوات لغبائهم، ما يؤدي إلى إضعاف القيم الديمقراطية وتقويض القرارات العقلانية في السياسات العامة. هذه الشخصيات، تمثل نماذج لـ"زبائن الغباء" السياسي، حيث يستخدم الجهل والسطحية كأدوات لجذب الدعم الشعبي وتحقيق القوة، وكقوة سياسية جماعية لها تأثيرات واسعة في المجتمع.
وما دفعه إلى إطلاق هذا التوصيف هو أن هذا الكتاب هو من نتائج مرحلة كوفيد-19، ففي حوار له مع سوزان هارينتن يشير الكاتب إلى ترامب باعتباره "من أضفى شرعية على احتقار الخبرة، مع إعلاء قدر من لا يعرفون الكثير، فالفكرة الأميركية المتمثلة في قدرة المرء على فعل ما يشاء فكرة وثيقة الارتباط بالغباء"، كما يشير إلى "من لا يحترمون العلم، ومن لا يحترمون من يقضون أعمارهم باحثين عن لقاحات لتنقذ حياتنا"، معتبرًا أن "هذا لونٌ من الغباء يبدو أنه يتنامى".
بالإضافة إلى ذلك يعتبر جيفريز أن الغباء ظاهرة مراوغة عصيّة على التحديد العلمي الدقيق، إذ يؤكد أن العلم لا يستطيع قياسه لأنه حُكم قيمي، وليس كيانًا موضوعيًا، إذ لا يرتبط بالذكاء كما تقيسه الاختبارات النفسية. مؤكدًا أن الغباء هو نتاج سياقات اجتماعية وثقافية تتغير باستمرار، وأنه يتخذ أشكالًا جديدة تتلاءم مع الأزمنة والظروف، ما يجعله غير قابل للاندثار.
من هنا يمكن فهم رؤية جيفريز بأنها تنقل الغباء من كونه حالة فردية ثابتة إلى كونه ظاهرة ديناميكية تعيش على التكيف تباعًا للسياق الاجتماعي والبيئة المحيطة بها.












