يبدو الانتحار للوهلة الأولى موقفًا استسلاميًّا من إنسان يئِس من إكمال المسير في حياته فقتل نفسه، إلاّ أنّ دافع الانتحار قد يقلب هذا التصوّر ويُحوّل هذا الانطباع اليائس إلى صورة للمقاومة والثورة؛ فالانتحار الاحتجاجي لا يمكن اعتباره إلا حركة أخيرة من التمرد في وجه الظلم، يحمل مطالب حقوقية ظلّ المنتحِر ينازع السلطات عليها حتى في سلوكه الأخير بقتل نفسه.
ويكشف هذا الانتحار فساد الأنظمة ويتحداها، ويصل إلى أبعد من ذلك بأن يصبح اختبارًا لشرعية السلطة في البلاد، فإمّا أن تعترف السلطات بعد هذه الحادثة بفشلها في توفير الحياة الكريمة للمواطنين وإمّا أن تكشف عن وجهها القمعي وتتجه إلى تشويه الحدث وإنكار الخلل، وفي هذا الحالة فإنّ قرار تصعيد الانتحار الاحتجاجي الفردي مقرونٌ بتعاطي المجتمع المتضرر من ذات السلطة مع الحدث.
يخلق هذا الفعل انزياحًا دلاليًّا خطيرًا؛ إذ إنّ الموت الذي من المفترض أن يكون النهاية يصبح بداية لفعل أقوى من الموت نفسه، وهو الصراع للتغيير والاحتجاج المجتمعي على أسباب هذا الموت، فلا يصبح الانتحار هزيمة وضعفًا بل يلبس ثوب القوة والتمرد وينتقل من فردانية الفعل إلى الفعل الجماعي الثائر والمُحتج والمطالب بالتغيير.
الإطار النظري والنفسي للانتحار الاحتجاجي
يفترض "شنايدمان" الرائد في مجال السلوك الانتحاري أنّ الألم النفسي هو العامل الأخطر المؤدي للانتحار، وكل العوامل والظروف الأخرى التي يعاني منها الإنسان بعيدة عن التسبب بالانتحار إلا بقدر ما تُضخّم الألم النفسي. وإذا كان الألم النفسي هو دافع للانتحار، فيجدر التفريق بين الانتحار هروبًا من الألم، والانتحار لغاية لَفْت النظر للألم؛ ففي الانتحار الاحتجاجي الذي يكون غالبًا علنيًّا وليس سريًّا، يكون المجتمع مستهدفًا من قِبل المنتحر؛ لأنّ غاية الانتحار تسليط الضوء على القضايا التي تسببت بالألم النفسي، والتي تتعلق بمعظمها بالنظام والحكومة والمجتمع، فيكون الموت اعتراضًا عليها وتعبًا منها، ووسيلة للفت النظر لخطورتها ولضرورة تغييرها.
وإذا كان الانتحار الفردي هو انتحار هروبيّ يستهدف تخليص الذات من الألم، فإنّ الانتحار الاحتجاجي هو انتحار إيثاري، يُعرّفه "إميل دوركايم" بأنّه تخلي فرد من الجماعة عن حياته لضمان تحسين المجموعة التي ينتمي إليها، وشرطه أن يكون انتماء الفرد لهذه الجماعة وثيقًا، وهو صفة للمجتمعات التي تمر بها تغييرات سياسية واقتصادية، فيتسم هذا الانتحار بعاطفة إيجابية،[1]وهذا ما نراه في التفجيرات أو الاشتباكات الانتحارية في فلسطين والعراق إبان الغزو الأمريكي وغيرها من المجتمعات التي تمر بظروف حربية.
يتحوّل الألم في الانتحار الاحتجاجي من الألم الفردي إلى الجماعي، وتُصبح روح المنتحر رمزًا للخلل الذي على الجماعة الالتفات لوجوده وأخذ موقفٍ ما تجاهه. وتقوم هذه الظاهرة على ثلاثة عناصر تؤثر في البعد الاجتماعي والسياسي بشكل كبير، أولها علنية الانتحار وطريقته الدرامية كحرق النفس في مكان عام أو الانتحار بالقفز من فوق مبنى إحدى مؤسسات الدولة المراد لفت النظر لسوئها، وعلنية الانتحار، كانتحار المواطن البولندي "رازارد سيويك" بإحراق نفسه في استاد للاحتفالات أمام 100 ألف متفرج احتجاجًا على احتلال الاتحاد السوفييتي لتشيكولوفاكيا، ليقوم بعدها مواطنان تشيكيان بالانتحار لذات السبب، وانتحر الأمريكي "نورمان موريسون" المنتمي لجمعية الأصدقاء احتجاجًا على تورط أمريكا في الحرب على فيتنام بأن أحرق نفسه أمام مكتب وزارة الدفاع، وفي 2006م انتحر الناشط الأمريكي المناهض للحروب "مالاتشي ريتشر" بإحراق نفسه وسط شيكاغو احتجاجًا على حرب العراق[2].
والعنصر الثاني هو الإطار الاجتماعي للظاهرة؛ فالمجتمع مع أسفه على المنتحِر إلا أنّه هنا لا ينظر إليه كفرد بل كمؤشر لخلل في البنى الاقتصادية أو السياسية في الدولة، وهذا ما يفسره تكرار ظاهرة الانتحار الاحتجاجي بعدما يفعلها المحتج الأول، دلالة على أنّ المجتمع قد وضع جل تركيزه على موطن الخلل ورأى أنّ الانتحار هو لغة مشتركة بين الغاضبين المحتجين.
والعنصر الثالث هو الاستجابة المؤسسية للحدث، فإذا تعاملت المؤسسات في الدولة مع هذا الحدث على أنّه سلوك فردي يعبّر عن أزمة شخصية لصاحبها فإنّ هذا سيزيد من الألم والاحتجاج الجماعي؛ لأنّ هذا النوع من الاستجابات يعبّر بشكل صارخ على إهمال وتجاهل الحكومات للقضية التي احتج عليها المنتحر وتعبر عن ألم الجماعة.
إذن فإنّ المعادلة تكون كالآتي: الانتحار ثم التفاعل المجتمعي ثم استجابة السلطات، ويقف تصاعد هذه الظاهرة على العنصر الأخير، أي على كيفية تعاطى السلطة مع الحدث، كما حدث في تونس بعد انتحار "محمد البوعزيزي" بحرق نفسه احتجاجًا على ظلم الحكومة التي لم تتعامل بجدية حذرة مع الأمر، ما أدى إلى إشعال الثورة التونسية.
وقد تتصاعد ظاهرة الانتحار الاحتجاجي من الحالة الفردية التي تقوم على لفت النظر إلى الحالة الجماعية ليرسم أقوى صور التفاعل الاجتماعي مع حالة المنتحر، وتتميز حالة الانتحار الجماعي المقتدِية بالانتحار الفردي الأول بكونها منظمة ومعبّرة عن انتشار الرفض المجتمعي لفساد السلطات، وتُشكّل أداة ضغط أكبر على السلطة التي عندما تصل إلى هذه المرحلة فإنّها تعني بفقدانها القدرة على التملص من معالجة الأزمة، وهذا ما حدث في 1963م عندما أحرق الراهب دوك نفسه احتجاجًا على اضطهاد حكومة الرئيس الفيتنامي الجنوبي للبوذيين، تلاه بعدها انتحار خمسة رهبان فيتناميين حتى أطيح بحكومة دايم. وكانت هناك محاولات لانتحار جماعي بمحافظة القصرين في تونس في أيلول/سبتمبر 2011م من قِبل حملة الشهادات العليا المُعطَّلين عن العمل تتضمن الشنق والقفز من أعلى مبنى المندوبية الجهوية للتربية والتعليم، احتجاجًا على تهاوي قيمة الشهادات العليا في تونس، والتي يستغرق حاملها 17 عامًا من عمره ليرفع من مستواه المادي والاجتماعي، لكنه يصطدم بواقع البطالة المجتاحة للبلاد، والتي لا تفرق بين متعلم وغيره، وحملت هذه الحركة رسالة واضحة للمجتمع والسلطة أنّ الأسباب التي قادت البوعزيزي لحرق نفسه ما تزال قائمةً في البلاد حتى بعد تسعة أشهر من تلك الحادثة[3].
ومن صور الانتحار الاحتجاجي الجماعي كذلك الإضراب عن الطعام، إذ يحاول المحتجون الضغط على أصحاب السلطة للإقرار بحقوقهم أو التوقف عن أفعالها بحرمان أنفسهم من الطعام إلى أن تتحقق مطالبهم أو أن يموتوا. من أمثلة ذلك، التاريخ الطويل للإضراب عن الطعام حتى الموت الذي قام به الإيرلنديون احتجاجًا على احتلال ايرلندا.
كيف تعاطت الحكومات مع الانتحار الاحتجاجي؟
يعدّ الانتحار الاحتجاجي تحديًا للسلطات؛ ذلك أنّه يُصعّد مستوى الصراع بطريقة يصعب على السلطة تجاهلها، فهو بطبيعته اللافتة للمجتمع نحو القضية المنتَحر لأجلها يضع الحكومة في موقف حرج أمام الشعب والمجتمع الدولي بضرورة حل المشكلة، ولكن وعلى مدى عقود طويلة اختلفت الطرائق التي تعاملت بها الحكومات مع هذه الظاهرة، فاعتمدت التشويه أحيانًا كأن تتهم المنتحِر المحتج بالمرض النفسي وتوتره من مشكلات حياته كما تعامل نظام بن علي في الأيام الأولى لحرق البوعزيزي لنفسه احتجاجًا على ظلم الحكومة، أو قد تُعتّم الحكومة على الحادثة، وهذا التعتيم نجده واضحًا في حالات إضراب المعتقلين، فتمنع تواصلهم مع الإعلام أو المنظمات الحقوقية، وتحاول تصدير صورة جيدة عن حالة المعتقلين، وتتستر على محاولات بعضهم الانتحار في السجون.
وترمي السلطات أسباب الانتحار الاحتجاجي أيضًا على شماعة المؤامرات الخارجية التي تستهدف استقرار البلاد، وتتهم الإعلام الذي يُسلط الضوء على هذه الحالات بأنّه مُغرِض ويحاول إحداث بلبلة في البلاد ما يُصوّر المنتحِر المحتج عميلًا أو يتهمه بعدم المواطنة النزيهة من قِبل السلطات، وفي السابق حاولت الحكومة التركية تغيير مسار المظاهرات الاحتجاجية الكردية التي نشبت في البلاد بسبب انتحار "أوغور سكار" شنقًا احتجاجًا على اعتقال الزعيم الكردي "عبد الله أوجلان" وعزله بصورة غير شرعية، ما أثار حالة من الاحتجاج تضمنت إضراب مئة وسبعين شخصًا في المعتقلات عن الطعام لذات السبب، وقيام مظاهرات في البلاد نفت تركيا أنّها بسبب واقعة الانتحار، وحرّفت مطالب الاحتجاج أمام المجتمع الدولي؛ كي لا تُطالب بالتعاطي مع مطالب المحتجين.
ومن أشهر أساليب تعامل السلطات مع الانتحار الاحتجاجي القمع والاحتجاز، ففي مظاهرات التبت ووفقًا للحملة الدولية "من أجل التبت" أحرق 38 إنسانًا أنفسهم في 2009م وحدها، وفي عام 2012م أقدم 25 شخص على نفس الفِعلة احتجاجًا على ظلم الحكومة الصينية للتبت، وحرمان التبتيين من حقوقهم الأساسية والتضييق عليهم حتى في ممارساتهم الدينية، فما كان من الحكومة إلا اتهام الزعيم الروحي "الدالاي لاما" بالتحريض على حرق النفس، وتشجيعه على المظاهرات، فحاربته السلطة ومنعت رفع صوره، واتهمت المنتحرين بعدم الاتزان النفسي، واعتقلت المتحتجين المتظاهرين.
ومن الممكن أن تلعب السلطة بدهاء مع حالات الانتحار الاحتجاجي بأن تدّعي أسفها على المنتحِر واحتضانها لقضيته؛ لأجل استيعاب الصدمة الجماهيرية. لكن الحيلة الذكية هذه تحوّل فعل الانتحار من كونه مقاومة احتجاجية إلى حالة مؤسفة اجتماعيًّا وقع ضحيتها المنتِحر، والسلطة إذ تقر بالانتحار الذي لا يمكن إنكاره فإنّها تحاول تفريغه من مضمونه الثوري، ونشهد هذا بعبارات الترحم ووعود التعويضات التي تقوم بها الحكومة لأهل المنتحِر، وزيارة أحد المسؤولين لعائلة المنتحر لاستعراض الرحمة المزيفة، وقد يُتخذ إجراء قانوني بحق أي (كبش فداء) قد ترمي عليه الحكومة مسؤولية انتحار المحتج، كشرطي أو موظف صغير في الدولة.
ولأنّ الانتحار الاحتجاجي يكشف تقصير وفساد الحكومات التي تعجز عن توفير كرامة العيش للشعوب، والتي تكون جائرة في التعامل مع منتقديها أو من يحاول مواجهتها بظلمها، فإنّها لَتخشى هذه الظاهرة التي تُحوّل جثمان المنتحر إلى مرآة تعكس الفساد والظلم الذي قاد المنتحِر لحالة اليأس من العمل الإصلاحي فاعتبر الموت سبيلًا للإصلاح معوِّلًا بذلك على المجتمع الذي سيثور ويضغط ويحتج لتلك الأسباب التي أزهقت روح المحتج.
تُدين بعض الدول الانتحار ومحاولة الانتحار، وتعده جريمة مهما تكن أسبابه، فتنصُّ قوانين العقوبات في كثير منها على اعتبار الشروع بالانتحار جريمة يعاقَب عليها بالحبس أو الغرامة أو كليهما، ولكن العقوبة تسقط في حالة تنفيذ الانتحار؛ إذ لا عقاب لجثة.
المثير في القوانين التي تُجرّم الانتحار في العديد من الدول، هو سنّها لعقوبات شديدة على المحرِّض على الانتحار، وهو الشخص الذي حَمل إنسانًا على قتل نفسه، أو ساعده بإعطاءه سلاحًا، أو هيأ له ظروف الانتحار، أو هدده أو خدعه، أو استغل نفوذه في البلاد، ولكن هذه المحرضّات لانتحار أي إنسان تستثني الحكومات أنفسها منها، فربما تكون الظروف وسياسة الحكومات الظالمة المُفقرة هي التي قادت الشخص للانتحار، لكنّ المنتحر في هذه القوانين هو شخص يائس أو مضطرب هانت عليه روحه، والمحرّض –إن وجد- في ملف المنتحِر فلا بدّ أن يكون إنسانًا آخر
تقوم هذه القوانين على مبدأ سلب الحق في الموت، لكن في المقابل يبقى السؤال: ماذا تفعل لتفعيل الحق في الحياة لدى البشر؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] كومار وماندال، الانتحاريون : دراسة نفسية حول فهم الإرهاب الإنتحاري، العبيكان للنشر، 2018م، ص27
[2] صادق الركابي، الانتحار الجماعي، مكتبة مدبولي، ص20، 21
[3] أشرف عبد القادر وآخرون، النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الدول العربية، المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، 2013م.