إن التساؤل الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة في أتون الواقع المعاصر، وخاصةً في سياقات مجتمعية تتشكّل فيها مفاهيم الهوية والحقيقة بفعل قوى سياسية واجتماعية متصارعة، هو: أيٌّ منّا هو الأكثر حقيقة؟ هل هو ذلك الكيان الرقمي الذي نصوغه بعناية فائقة ونَعرضه عبر واجهات الشاشات المتوهجّة، أم هو ذلك الوجود المعيش، المادي، الملموس، بتفاعلاته الحسية وتجاربه الخام؟ في زمنٍ باتت فيه الحدود بين ما هو مادي وما هو افتراضي، بين ما نختبره مباشرة وما يُقدّم لنا كواقع مُصاغ، تبدو هذه المعضلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؛ مما يستدعي إعادة تقييم شاملة لمفهوم "الذات" ذاته، ذلك الكيان الذي لطالما افترضنا رسوخه واستقلاليته في إطار الواقع المادي الملموس.
لطالما ارتكز مفهوم الهوية والذات البشرية، عبر التاريخ الطويل للحضارات الإنسانية، على الارتباط الوثيق بالوجود الجسدي. قبل أن تُصبح الفضاءات الافتراضية نسيجًا لا يتجزأ من حياتنا، وقبل أن تُحطّم ثورة الحواسيب قيود الزمان والمكان، كانت الهوية تُقاس بالحضور المادي الملموس: بالبصمة الوراثية، بالسجل التاريخي للأفعال المادية القابلة للتوثيق والشهادة، بنبرة الصوت المباشر التي تحمل بصمة فريدة تعكس الحضور الحي، بنظرة العين التي لا تخطئها ألفاظ غير منطوقة، بل ومشاهد ملموسة. في هذا السياق، أكدت الفلسفة الظاهراتية، وعلى رأسها مفكرون كبار مثل موريس ميرلو-بونتي، على الدور المحوري للجسد ليس فقط كحاوية للوعي، بل كبوابة أساسية للإدراك والوجود ذاته. فالجسد، في هذا المنظور، هو شرطٌ أساسيٌّ لوجود هذا الوعي، هو "الأرض" التي تُزرع عليها تجاربنا الحسية، وتُبنى عليها علاقاتنا بالعالم الخارجي وبالآخرين. إن الشعور الجوهري بالوجود، بالإحساس بالشيء ككيان قائم بذاته، ينبع من تفاعلنا الحسي المباشر معه؛ لمس قسوة الحجر، سماع ترددات صوتٍ واضحٍ ومباشر، الشعور بالدفء أو البرد الذي يبثه الواقع على بشرتنا. هذه العمليات الفيزيولوجية والتجريبية هي التي تُشكّل لبنات تجربتنا للعالم، وهي التي تُسهم بدورها في تكوين فهمنا لأنفسنا ككائنات فاعلة، كذواتٍ مُدركةٍ ومُؤثرةٍ في هذا الواقع المادي.
إن التقدم التكنولوجي المتسارع، وتحديدًا ظهور الإنترنت والفضاءات الرقمية وما تبعها من منصات تواصل، قد منحنا، بل ربما فرض علينا، إمكانية التحرر من بعض القيود المادية التي لطالما شكلت سجنًا للجسد والهوية. في بدايات هذا التحول الكبير، كان هناك تفاؤل عارم بأن الفضاء الرقمي سيُمثّل مساحة لتحرير الذات من قيود الشكل، أو الجنس، أو العرق، أو حتى القيود الاجتماعية الصارمة التي كانت تُفرض على الأفراد في الواقع المعيش. أصبح بإمكان الشخص، من خلال تبني أسماء مستعارة، وصور مُعدّلة ببراعة، وكلمات مُنتقاة بعناية فائقة لتوصيل رسالة معينة، أن يبني ذواتًا بديلة، قد تكون أقرب إلى ما يحلم به، أو ما يرغب بأن يراه العالم، بعيدًا عن ضغوط الواقع وصعوباته. هنا، بدأت الهوية الرقمية في الظهور ككيان شبه مستقل، ربما ككيان أكثر "صفاءً" أو "مثالية" مقارنةً بالذات المادية التي تحمل في طياتها شوائب التجربة، ندوب الماضي، ولحظات الضعف الإنساني التي لا مفر منها في رحلة الحياة.
لكن هذا التحرر، الذي بدا واعدًا في البداية، سرعان ما كشف عن وجهه الآخر؛ وجه الصنعة، ووجه الأداء المتقن، ووجه الكذب المبطّن الذي قد يُمارسه الفرد على نفسه وعلى الآخرين، غالبًا مدفوعًا بالضغوط الاجتماعية أو السياسية. فالشخصية الرقمية، في معظم الأحوال، ليست مجرد انعكاس صادق ومباشر للذات، بل هي بناء مُدروس، اختيار دقيق ومُحاسب لما نريد أن يراه العالم، وغالبًا ما يكون ذلك مصحوبًا بتعتيم متعمد على ما قد يُظهرنا بمظهر أقل كمالًا أو جاذبيةً، أو حتى ما قد يُشكل خطرًا على صورتنا أو أمننا. هنا، تعود بنا الأمور إلى مفاهيم إرفينغ غوفمان، عالم الاجتماع البارز، حول "تقديم الذات" (Presentation of Self) في الحياة اليومية. يُمكن النظر إلى العالم الرقمي، بأسره، كمسرحٍ هائل، يتقمص فيه كل فرد، بوعي أو بغير وعي، دورًا مُتقنًا، يقدم فيه نسخًا مُرشّحة ومُعدّلة من حياته، مُبرزةً إنجازاته، مُخفيةً إخفاقاته، ومُعززةً لجوانب معينة من هويته على حساب جوانب أخرى قد تكون أقل قبولًا اجتماعيًا أو أقل جاذبيةً في هذا السياق الافتراضي. هل يمكن اعتبار هذا البناء المتقن والمُعدّ للذات على الشاشات، "حقيقيًا" بالمعنى العميق للكلمة؟ هل تعبّر هذه الواجهة المصقولة، بعيدًا عن كل شائبة أو عيب، عن جوهر أعمق من تلك الذات الجسدية الفوضوية، المُتناقضة، والمليئة بالضعف الإنساني؟ أم أنها مجرد تمثيل مُضلل، أشبه بواجهة براقة لموقع إلكتروني تخفي وراءها خوادم معقدة، غير مرئية، وربما مُقلِقة، تُدار من قبل قوى لا ندركها تمامًا؟
إن الجدل حول الأصالة يُصبح أكثر تعقيدًا عندما نُدرك أن هذه الذوات الرقمية التي نبنيها، ليست مجرد صور ثابتة تُعرض وتُترك، بل هي كيانات ديناميكية تتطور وتتفاعل وتُشكّل باستمرار. نصبح، عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمُنتديات الرقمية، "خبراء" في صياغة الرسائل، في اختيار الصور التي تُجسّد أسلوب حياتنا "المثالي"، في كتابة التعليقات التي لا تزيد من شعبيتنا فحسب، بل تُعزز أيضًا صورتنا الاجتماعية المرغوبة. نُصبح في حد ذاتنا مُخرجين وممثلين في مسلسلاتنا الحياتية التي نعرضها على جمهور افتراضي واسع؛ نختار زوايا التصوير التي تُبرز أفضل ما فينا، نُعدّل الإضاءة لتُضفي علينا هالة من السحر، ونُضيف مؤثرات صوتية أو نصية تُعزز الحالة المزاجية المرغوبة. وهنا، تكمن المفارقة الأبرز: فبينما نسعى، في جوهرنا، لتقديم "أنفسنا الحقيقية" عبر هذه المنصات، فإننا في الواقع غالبًا ما نُنتج نسخًا مُحسّنة، مُعقمة، وأحيانًا مُضللة، بعيدة كل البعد عن تعقيد وتناقض الواقع. هل الأصالة، في هذا السياق المعقد، تكمن في الوحدة والاتساق التام بين العالمين – الرقمي والمادي – أم في القدرة على الاختيار بوعيٍ وشفافية بين أيٍّ من هذين العالمين يعكسنا بشكل أفضل في لحظة معينة، وبأي درجة من الصدق؟
ولكن، هل لا يزال فصل "الواقع الرقمي" عن "الواقع المعيش" ممكنًا أو حتى منطقيًا في عصرنا هذا؟ يبدو أن الحدود بين هذين العالمين قد أصبحت، بشكل مُتزايد، مُبهمة، بل أخذت تتداخل وتتعانق بطرق لم نكن نتصورها. فالتجارب الرقمية لم تعد مجرد شكلٍ من أشكال الترف، أو وسيلة للتسلية العابرة، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، تُشكّل قراراتنا اليومية، وتؤثر بشكل كبير على علاقاتنا الشخصية، وتُعيد تعريف هوياتنا بشكل جذري. العلاقة التي قد تبدأ برسالة نصية بسيطة، أو بتعليق عابر على صورة ما، قد تتطور إلى حبٍّ حقيقي وعلاقة وجودية عميقة. الصداقات التي تُبنى عبر شبكات افتراضية، مع أشخاص لم نلتق بهم قط وجهًا لوجه، قد تُصبح الدعم الأساسي لنا في أوقات الشدة، بل قد تتفوق في عمقها على العلاقات المادية. الصور التي نلتقطها وننشرها على الإنترنت ليست مجرد صور ثابتة، بل هي "بصمات رقمية" تُسجل لحظات من حياتنا، وتُشكل ذاكرة جماعية مُشتركة قابلة للتداول والتفاعل. حتى القرارات التي نتخذها في العالم المادي، سواء كانت قرارات استهلاكية أو مواقف سياسية، غالبًا ما تتأثر بشكل مباشر بالمعلومات التي نجمعها عبر الإنترنت، وبالآراء التي نطلع عليها، وبالنماذج التي تُقدّم لنا كأمثلة يُحتذى بها.
في المقابل، فإن ذواتنا الرقمية، تلك الصور المُعدّلة والمُصاغة بعناية، لا تنفك عن الانبعاث من ذواتنا المعيشة، ولا يمكن فصلها عنها بشكل كامل. لا يمكن لشخصية افتراضية، مهما بلغت درجة إتقانها في التزيين والتحسين، أن تتجاهل تمامًا واقع جسدها الذي ينبض بالحياة، حدودها العاطفية المُعقدة، تجاربها المادية التي شكلتها منذ الولادة. حتى أكثر الشخصيات الرقمية تجميلًا أو مثاليةً، والتي قد تبدو مُصممة بعناية فائقة لتعكس الكمال، تتسلل إليها، ولو عن غير قصد، خيوطٌ من الحقيقة تُشير إلى واقعها الأصلي: لحظة إرهاق تظهر في التوقيت المتأخر لنشاطها على الإنترنت، تعليقٌ يحمل غضبًا مكبوتًا يكشف عن صراع داخلي، صورةٌ "عفوية" قد تُظهر تفاصيل غير مُخطط لها تُشير إلى ما وراء الواجهة. إن الجسد، بكل ما يحمله من عيوب ونقائص، يظل هو المصدر الأصلي للتجربة الإنسانية، وهو الذي يغذي، بشكل أو بآخر، كل ما نعبّر عنه أو نخفيه في عالمنا الرقمي. إن العلاقة بين هذين العالمين أصبحت تبادلية، بل جدلية؛ فالواقع المعيش بظواهره وتحدياته يُغذي العالم الرقمي ويُشكّله، والعالم الرقمي بدوره، بقيمه وأدواته، يُعيد تشكيل واقعنا المعيش بطرقٍ لم نكن نتوقعها.
إذًا، كيف يُعيد هذا التداخل العميق والمعقد تشكيل مفهوم "الذات" في جوهره؟ ربما لم تعد "الذات" كيانًا واحدًا، متجانسًا، ومُتجذرًا في جسدٍ ماديٍّ واحدٍ ثابت، بل أصبح أشبه بـ"شبكة" أو "سلسلة" مُتغيرة من الهويات، تتداخل فيها الأبعاد الرقمية والمادية، الرسمية وغير الرسمية، الواعية واللاواعية. قد نكون في لحظة ما ذلك الجسد الذي يشعر بالبرد القارس في شتاء لندن القارس، وفي لحظة أخرى نكون تلك الذات الرقمية التي تشارك في نقاش فلسفي عميق وعابِر للقارات عبر منصة إلكترونية مع أشخاص لم نرهم من قبل. وكلاهما، في سياقه الخاص، يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من مجمل تجربتنا الإنسانية المعقدة.
وهنا تبرز إشكالية محورية تتعلق بـ"الحقيقة" و"الأصالة" في ظل الهيمنة المتزايدة للخوارزميات على تشكيل واقعنا الرقمي. فمُحركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات لتقديم المعلومات والاتصالات، بل أصبحت تُعيد تشكيل واقعنا الرقمي نفسه من خلال آليات تحكم معقدة. خوارزميات التوصية، غرف الصدى (echo chambers) التي تُعيد تضخيم أفكارنا، والفقاعات المعلوماتية (filter bubbles) التي تُحيط بنا وتُقلل من تعرضنا لوجهات نظر مختلفة، كلها تعمل معًا لتقديم نسخة مُصممة خصيصًا لكل مستخدم من العالم. هذا يعني أن "ذواتنا الرقمية"، وهي تتشكل بفعل هذه القوى غير المرئية والمعقدة، ليست دائمًا نتاجًا لاختياراتنا الحرة والواعية، بل هي أيضًا نتاج مباشر لتصميم هذه المنصات التي غالبًا ما تُعطي الأولوية للتفاعل، الاستهلاك، والبقاء ضمن النظام الخاص بها. فإلى أي مدى يمكن أن تكون هذه الذوات الرقمية، وهي تتشكل وتُعاد تشكيلها باستمرار بفعل هذه الأنظمة التقنية غير الشفافة، "حقيقية" بالمعنى الذي نفهمه تقليديًا، أي بمعنى أنها تعكس جوهرًا ثابتًا وغير متغير؟
ربما يجب علينا، كمفكرين ومُجربين لهذه التحولات، أن نتجاوز السؤال المباشر عن أيٍّ من هذين العالمين "أكثر حقيقة". قد يكون هذا السؤال نفسه مُضللًا، لأنه مبني على ثنائية قديمة لم تعد صالحة لتفسير واقعنا المُعاصر. بدلًا من البحث عن جوهر ثابت للذات يقع في أحد هذين القطبين، قد يكون من الأجدى لنا أن ننظر إلى "الذات" كعملية مستمرة، كبناء مُتجدد ودائم، وكشيء يُصنع ويُركّب ويتغير باستمرار عبر تفاعلٍ لا ينتهي بين عالمنا المادي الملموس، وتجاربنا الرقمية المُتزايدة التعقيد. إن الأصالة، في هذا السياق الجديد، قد لا تكمن في اختيار "الذات الحقيقية" من بين بديلين مُتصارعين، بل في الوعي المُعمّق بعملية التشكيل هذه، وفي فهم آليات التأثير التي تُشكّلنا، وفي القدرة على التنقل بوعي نقدي، لا بسذاجة، بين هذه العوالم المتشابكة، مُحتفظين بمسافة نقدية تسمح لنا بالتمييز بين ما هو مُقدّمٌ لنا وما هو مُختبرٌ حقًا. إن التحدي الحقيقي في عصرنا ليس في إثبات أنفسنا كذواتٍ ماديةٍ أصيلةٍ تُنافس ذواتًا رقميةٍ زائفة، بل في بناء هويةٍ مُتكاملةٍ وقادرةٍ على الصمود في وجه هذا التداخل، هوية تُدرك كيف تؤثر تجاربنا الرقمية على واقعنا المادي، وكيف تُشكّل خبراتنا الجسدية تصوراتنا عن أنفسنا عبر الإنترنت. قد تكون "الحقيقة" في هذا السياق مُعقدة، مُتشظية، ومُتغيرة، وليست شيئًا يُمكن الإمساك به أو تحديده بشكل نهائي في أيٍّ من هذين المجالين. إنها، بالأحرى، تكمن في السعي الدائم للفهم، في التساؤل المُستمر، وفي الاعتراف بأننا، في جوهرنا، نعيش تجربة مُركّبة تتأرجح بين حضور الجسد وصخب الأثير، بين واقع المعيش وواقع الشاشة، وكلاهما، في نهاية المطاف، يُشكّل جزءًا لا يتجزأ من حكايتنا الإنسانية الفريدة.