ultracheck
الاحتفاء بالموت

الاحتفاء بالموت

11 يناير 2026

لطالما كان الموت في الوعي الإنساني سؤالًا وجوديًا كبيرًا، اختلفت الثقافات عبر الأزمنة كلها في إيجاد إجابة له؛ لذلك تنوّعت الطرق التي تعامل بها البشر مع الموت، إلى أن أُنتجت له معانٍ عديدة. وقدّمت الثقافة الإسلامية نموذجًا مبكرًا في التعامل مع الموت بوصفه مرحلةً انتقالية في حياة الإنسان، إذ نظرت إليه كوسيلة لتهذيب النفس، ومحكّ لاختبار صدق الإيمان. فصاغت أدبيات الزهد الإسلامية قيمة التأمل فيه وتذكّره، لأجل الانعتاق من التعلّق بالدنيا، وصولًا إلى مفهوم الشهادة، حيث لم يدعُ الدين إلى الإقبال على الموت، بل إلى الصمود على الحق حتى الموت، والدفاع عن النفس في حال العدوان المباشر. لكن مع تقدّم الحضارة وانفتاح العقل السياسي على العالم، أُعيدت صياغة مفهوم الجهاد ليحمل بُعد التعبئة الجماهيرية الدينية، عبر التحريض على المواجهة والسعي إلى القتال، بجعل الموت في سبيل قضية دينية أو وطنية عملًا بطوليًا يُحتفى به، ويُضفي على الموت معنى يتجاوز الذات الفردية.

أما في السياق الاجتماعي، فقد حوّلت المجتمعات فكرة الموت إلى حدثٍ جماعي يخرج من إطار الفردية، إذ يربط الفرد بجماعته ويحمل معاني الولاء والانتماء. إلا أنّه، وعلى الصعيد النفسي، فإنّ إدراك حتمية الفناء يجعل الإنسان يسعى نحو إنشاء شكل من الخلود الرمزي في الدنيا، بما يساعده على تجاوز قلق الموت، حتى ولو كان ذلك عبر خلق معنى بطولي لنهايته. وتصبح الميتة المحتفى بها آليةً دفاعية في مواجهة ألم الفناء وهشاشة الوجود.

يُعرّف الاحتفاء بالموت، إذن، بأنّه إعادة بناء معنىً للموت يجعل تهديد الفناء مقبولًا، ويحوّل الخوف إلى شعور بالفضيلة والفخر المعنوي للفرد ولجماعته بعد أن يموت. لكن خطورة هذا المفهوم في بعده النفسي تكمن في تحوّل هذه الظاهرة إلى ثقافة انتحارية، يصعد بها نزوع التمرد على الحياة نفسها. ومن هنا، يناقش هذا المقال بعض البنى التي تنتج هذا الاحتفاء بعيدًا عن السرديات التبجيلية.

الموت في الثقافة الشعبية

عودةً إلى قضية الموت في الثقافة العربية، نجد أنّ تقديس الموت قد تطوّر عبر الزمن، منذ العصر الجاهلي الذي احتفى بمعاني الشرف والكرامة، وأعلى من قيم الفداء والتضحية، فكان الموت وسيلةً لحماية الجماعة وصيانة اسمها. وهذا ما عزّزه شعر ذاك العصر، من تصوير الموت في ساحات القتال كمجد خالد الذكر؛ ومن هنا، كانت الثقافة تأسس لبنية رمزية تجعل الموت يحمل قيمة أكثر من الحياة. وحتى بعد الجاهلية، حافظت الثقافة الشعبية على جزء من هذا التراث، الذي يحث على الموت في سياق الضرورة والدفاع ولا يحتفي به لذاته، بل بالمعنى الذي يموت المرء من وراءه. فكانت فكرة الاستشهاد في سبيل الله، التي توسّع مفهومها لاحقًا ليصير قيمةً عامة في أذهان الشعوب، يتم استدعاؤها في الخطابات الوطنية والقومية والدينية، ويُكرّس فيها الموت للتأكيد على الانتماء والبطولة.

تُسهم الثقافة الشعبية، كذلك، في تعميق فكرة الاحتفاء بالموت، عبر تحويله إلى حدثٍ جماعيّ يحتوي أشكالًا من الندب واللطم، وخروج فنون جنائزية لتحتفي به. وهنا يمكن الإشارة إلى مشاهدات الاحتفاء الجنائزي في العراق، حيث تبدأ النساء بالتهليل أمام تابوت المتوفّى الذي مات في عملٍ بطولي، مع ترديدٍ جماعي لبعض الأشعار الشعبية المنتمية إلى ثقافة المنطقة، مثل: "زفوني بتابوت اليوم يم حيدر يمه.. ما دام بدمي اتحنيت ما خاف الظلمه.. ضحيت بعمري وما خاف، ضحيت لديني.. علّمني الغيرة العباس، علّمني حسيني". يعمل هذا الاحتفاء الجماعي على تهذيب الخوف من الموت باعتباره قيمة مقدسة، متمثلة بنموذج البطل الذي مات لفضيلة ما اجتماعية أو سياسية أو دينية.

أسهمت السياسة والحركات الجماعية في تطويع هذه الفكرة لصالحها، عبر جعل الموت وسيلةً لتثبيت الهوية الوطنية أو الطائفية أو الحزبية السياسية. فالشعارات التي تصدح بها الأوساط السياسية، مثل "نموت ويحيا الوطن" و"الموت في سبيل الله غايتنا"، وحتى الأغاني الوطنية، تتسرّب فيها عبارات تُعبِّر عن الاندفاع نحو الموت واستنكار محبّة الحياة، كما في أغنية "زلزل أمن إسرائيل": إنّهم في القلب شتّى ويخافون الممات، خلف جدران تواروا جبنهم يهوى الحياة.

هذه الشعارات السياسية والكلمات التي نسمعها على مدار حياتنا كاملةً تُعيد إنتاج صورة الموت كبطاقةً خضراء يتم عبرها الاعتراف الاجتماعي والسياسي بولاء حاملها وانتمائه. ويتوافق ذلك مع تحليل إريك فروم في كتاب "تشريح التدميرية البشرية"، إذ يرى أنّ الموت، عندما يصبح أداةً للسيطرة في الجماعة الاجتماعية أو السياسية، فإنه يصبح ممجَّد، بل ومُحلَّل أيضًا؛ فيأخذ الميت به اعتراف الجماعة ببطولته ونبله إذا خدم ما يؤمنون بتوافقه مع مصالحهم أو يسير مع قيمهم.

غير أنّ الدكتور مصطفى حجازي، الذي وضع المجتمعات العربية تحت مجهر التحليل النفسي العميق، اعتبر في كتابه "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور" أنّ المجتمع العربي، الذي يعاني من القهر والضعف، يحاول تعويض عجزه عن فقدان قدرة الفعل وتغيير الواقع، بجعل التضحية قوة وحرية؛ لأنّ الموت هو المجال الوحيد المفتوح لإثبات الذات داخل مجتمع سياسي قاهر.

وبذلك، فإنّ فكرة تقديس الموت ليست طارئة على الثقافة الشعبية، إلا أنّها تطوّرت بفعل تراكم الأحداث التاريخية والدينية والثقافية، حتى أصبحت ثابتة في لاوعي الجماعة التي تحتفي وتسر لا تلقائيًا عندما تسمع بموت إنسان لغاية تحترمها. في الفقرة التالية سأقدّم تحليلًا يستند إلى مدرسة التحليل النفسي لهذه الظاهرة المتأصلة في الثقافة.

الموت كبطولة تعويضية

ناقش إرنست بيكر في كتابه "إنكار الموت" فكرة الخضوع لشخصية القائد، الذي تصنعه الجماعة ويصنعها، موضحًا أنّ وجود القائد أو الكبير لجماعة ما يمنحها أمانًا رمزيًا من غريزة الموت نفسها؛ إذ يصبح كل فعل تدميري أو مميت يدعو إليه القائد خاليًا من التفكير وألم الضمير؛ لأنّ المسؤولية الأخلاقية وحتى التخطيطية تقع على عاتق الكبير الذي سيتحمل العواقب.

وبذلك، فإنّ إقبال الفرد على التضحية في سبيل أمر ما يعتبره القائد نبيلًا، وبالتالي الجماعة، يعد عملًا بطوليًا، ولنكون دقيقين أكثر، فهي تضحية لأجل مشروع قوي يعطي قيمة معنوية للفرد تتجاوز حياته الشخصية، وتحسسه بخلود رمزي لمشاركته في رسالة كبرى تؤمن بها الجماعة وقائدها، ما يخفف عنه قلق الفناء؛ لأنّ الموت هنا ليس نهاية لحياته، بل مساهمة في استمرارية فكرة أكبر وأبقى. يقول بيكر في هذا الصدد: "كل جماعة مهما كانت صغيرة أو كبيرة لديها دافع فردي للتخليد، يتجلى في خلق الأبطال الوطنيين والدينيين والفنيين والاعتناء بهم، والفرد هو من يمهد السبيل لدافع التخليد الجمعي هذا".

وبالتالي لا يكون فعلُ الموت البطولي، الذي يسعى لتخليد فكرةٍ أو اتباعًا لقيمةٍ جماعية، فناءً مخيفًا في عقل الفرد، بل سعيًا للتحرّر من الخوف من الموت نفسه. وهذا ما أكّد عليه الدكتور مصطفى حجازي في أطروحته حول الإنسان المقهور، إذ إنّ التضحية السائرة إلى الموت قد تولد أحيانًا من القهر والحرمان والعجز الوجودي؛ فالإنسان الذي لا يملك القوى القاهرة يوجّه عدوانه نحو ذاته على شكل تضحيةٍ يعتبرها عملًا بطوليًا، ينتزع عبرها قيمةً ومعنىً لم ينلهما في حياته.

وتُقدّم حالاتُ التضحية الفردية، والانتحار الاحتجاجي، أو الموت في سبيل الثأر وأخذ حق الجماعة، أمثلةً على هذه البطولة التعويضية؛ حيث تتحوّل المخاطرة بالحياة إلى معيارٍ للكرامة يمنح الميت مقامَ الشرف، وبذلك يستعيد كرامته وخلاصه من القهر، لأنّ الموت حفر له أثرًا نفسيًا واجتماعيًا أعمق من ذلك الذي أُتيح له في حياته.

يتلاقى هذا التحليل مع طرح إريك فروم للتدميرية الناتجة عن العجز، حيث يوجّه الفرد طاقة العدوان نحو ذاته عندما لا يستطيع مجابهة سلطات الأنظمة التي يقع تحت قراراتها القهرية، فيُفرغ هذه الطاقة في مقاومة السلطة والظلم تحت مسمى "الموت البطولي". فالعدائية الموجّهة نحو الذات هنا تصبح مخرجًا لشعور الفرد بالحرية، والمساحةَ الوحيدة التي يستطيع من خلالها ردّ عدوان النظام وإثبات قوته ورجولته وانتمائه إلى الجماعة.

ويكون دور الجماعة هنا إضفاءَ قيمةٍ أخلاقية أو دينية على هذا الشكل من الموت، ما يعزّز فكرة "الموت كبطولة تعويضية". فعندما تُشاع أمثال شعبية من قبيل "الموت ولا المذلة"، ويُصنّف الميت في مقاومة السلطة شهيدًا، فإنّ الموت نفسه يصبح سبيلًا مباشرًا لردّ الاعتبار واستعادة الكرامة، وتغدو البطولة هنا لا تعبيرًا عن القوة بقدر ما تكون حاجةً إلى إنقاذ الكرامة.

نفهم من هنا أنّ عبارة "البطولة التعويضية" هي نتاج علاقةٍ مضطربة بين الذات الفردية وواقعها الذي يُشبِعها بالقهر والشعور بعدم الجدوى، ما يُصيّر الموت فعلًا يعيد للذات ثقتها وإحساسها بأنّ لها صوتًا وأثرًا في واقعها. وبالتالي فإنّ هذا الموت هو نتيجة لليأس، وتتغذّى فكرته على الظلم الواقع على الفرد، ما يُقيم هذا الانحراف الخطير في التعبير عن الحياة، بجعلها سعيًا إلى الموت بوصفه طريقةً طبيعية لاستعادة معنى الحياة نفسها. وتتجلى خطورة هذه الفكرة في إعادة إنتاجها للأجيال اللاحقة كصورة مستساغة وطبيعية ومحتفى بها للحياة الكريمة، ما يصنع نزوعًا إلى التقليل من قيمة حياة الفرد، ويزيد استعداده للتضحية مهما كانت الأسباب صغيرة، ولا سيما أنّ الجماعات قد تستغل هذا "الموت البطولي" باستثماره في خدمة سلطة الجماعة أو حتى القضايا الشرفية، من دون أن يعي الفرد حقيقة وضعه من الجماعة والعالم، ودون إدراكٍ لأهمية ذاته وطرق المقاومة التي تحميه من أن يذهب ضحيةً للنظام مرتين، من باب قتل الذات عند العجز عن قتل قاهرك.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الصوابية السياسية بين تحقيق العدالة وتثبيت الرقابة (ميغازين).

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

إسراء عرفات

كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)
كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)

سيرة الضحك: حين يهتز الوجود مِن خاصرته

سيرة الضحك وتاريخه في الوجود الإنساني، وتمثلاته الفلسفية والاجتماعية

محمد العربي

الكساد العظيم

ترامب يعيد التاريخ .. ماذا حدث في الكساد الكبير؟

ستُعاني غالبية الدول التي بدأت لتوّها من الخروج من تبعات جائحة كورونا، بسبب الحرب الاقتصادية التي بدأها الرئيس الأميركي ترامب

إسلام أحمد

وارقة الخوف

وراثة الخوف

الخوف حالة نفسية تهدف لحماية الإنسان، لكن تجاوزه يتطلب تجربة شخصية، لا الاكتفاء بوراثته عن الأسلاف

ميادة نصار

الإبادة الجماعية

الإبادة الجماعية.. من الإدانة إلى الدعم المطلق

تذكر موسوعة الهولوكوست أن المحامي اليهودي البولندي رافائيل ليمكين، هو أول من صاغ كلمة "الإبادة الجماعية"

فريق التحرير

المزيد من الكاتب

ميادة نصار

أخصائية وباحثة نفسية

من الهلع إلى الوعي.. تطور مفهوم المرض النفسي في السينما

تعاملت السينما في بدايتها مع المرض النفسي بوصفه أداة درامية تثير عاطفة المشاهد بغض النظر عن نوع هذه العاطفة

رغبة الحياة تُطفئها شهوة الموت.. نظرة في غريزة الموت لدى الانسان

إلى جانب غريزة الحياة توجد لدى الإنسان أيضًا غريزة نحو الموت يتم التعبير عنها بطرق مختلفة

وراثة الخوف

الخوف حالة نفسية تهدف لحماية الإنسان، لكن تجاوزه يتطلب تجربة شخصية، لا الاكتفاء بوراثته عن الأسلاف

الأغاني العربية والثورات.. تاريخ بلغة النوتات

بقيت الأغاني العربية ملئية بأسماء الشخصيات الثورية والنضالية التي خلّدت في أرشيف المقاومة والوطنيات، أمثال الشيخ أحمد ياسين، وأبو إبراهيم، وكمال عدوان

في حضن التراب.. ماذا تقول قبورنا عنّا؟

يلجأ الدكتاتور في حالة الإبادة الجماعية إلى محو الإنسان وفكرته وجموع البشر الذين على شاكلة مخالفة ما يتبناه النظام

التشخيص الديني للأمراض النفسية: جدلية الموروث والعلم الحديث

بين قوة الموروث وحُجة العلم، يبقى التشخيص الديني للأمراض النفسية ظاهرة مثيرة للجدل ولانتقادات المختصّين النفسيين.