ultracheck
الإبادة الجماعية

الإبادة الجماعية.. من الإدانة إلى الدعم المطلق

4 مارس 2025

 

"تاريخنا مكتوب بالحبر الأبيض.. إن أوّل ما يفعله المنتصر هو محو تاريخ المهزومين. ويا الله، ما أغزر دموعهم فوق دماء ضحاياهم، وما أسهل أن يسرقوا وجودهم من ضمير الأرض.. هذه واحدة من الإبادات الكثيرة التي واجهناها وسيواجهها الفلسطينيون كذلك.. إن جلّادنا المقدّس واحد". 

(مايكل هولي إيجل، من نشطاء الهنود الحمر)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذه المقولة يحاول مايكل هولي إيجاد حالة التماثل بين الفلسطينيين والهنود الحمر، فيقول إن الجلاد يسعى دائمًا إلى محو تاريخ الشعوب وبالتالي يسهل عليه إبادتهم؛ فهو يعتقد أن البشر بلا تاريخ هم فائض من السكان فوق الكوكب، يمكن تطويعهم واستغلالهم وتذويبهم في المجتمعات الأخرى.

يُشير مصطلح "الإبادة الجماعية" المعتمد سنة 1948 من قبل الأمم المتحدة، إلى الجرائم المرتكبة أثناء السلم أو الحرب، واعتُمد هذا المصطلح من قبل الأمم المتحدّثة في اتفاقية أطلق عليها "منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليه"، ومن ثمّ فقد اعتُرف بالإبادة الجماعية كجريمة دولية في السنة نفسها.

تذكر موسوعة الهولوكوست أن المحامي اليهودي البولندي رافائيل ليمكين، هو أول من صاغ كلمة "الإبادة الجماعية"، وقدم هذا المصطلح لأول مرة في كتابه عام 1944.

كما تُشير الموسوعة أيضًا، أن 24 من القادة النازيين، وُجهت لهم تهم الإبادة الجماعية من طرف رؤساء النيابة العامة في المحكمة العسكرية الدولية، وبقي استخدام الكلمة لصيقًا بالجرائم النازية ولكنها لم تكن مصطلحًا قانونيًا.

مفاهيم متعلقة بالإبادة الجماعية

يُمكن القول إنّ المصطلح القانوني للإبادة الجماعية، يشدّد على إدانة الأفعال العنيفة المرتكبة ضد الأفراد أو المجموعات بشكلٍ العام؛ فالإبادة هي الأفعال التي تُرتكب بقصد الإهلاك الكلّي أو الجزئي لمجموعة قومية أو عرقية أو طائفية أو دينية، حيث تعتبر الإبادة الجماعية جريمة دولية وفقًا لاتفاقية 1948 سالفة ذكر.

وتُقسّم الأفعال التي تشكل الإبادة الجماعية إلى خمس فئات وهي: 

  • قتل أفراد المجموعة
     
  • التسبب في وقوع أذىً جسدي أوعقلي خطير لأفراد المجموعة
     
  • إخضاع ظروف معيشية للمجموعة عمدًا يُراد بذلك تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا
     
  • فرض إجراءات تهدف إلى منع التناسل ضمن المجموعة
     
  • نقل أطفال الجماعة بالقوة إلى جماعة أخرى.

إذا كان إثبات واحدة من هذه الأفعال الشنيعة، كافيًا لإثبات لإدانة الجهة التي تتورّط فيها، فماذا يمكن القول عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي الذي ارتكب فيها كل هذه المحظورات بما فيها منع التناسل وخطف الأطفال وتحويلهم إلى العائلات اليهودية، وصولًا إلى ارتكاب واحدة من أكبر جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث، ولكنها تختلف عن سابقاتها بأنها موثّقة بمادة أرشيفية صوتًا وصورة، وتحدث أمام أعين العالم وبموافقة قوى دولية ودعهما.

وبالعودة إلى الأفعال التي تشكّل الإبادة الجماعية، يبين الأرشيف الثقيل المحفوظ عن حرب الإبادة الجماعية، أن "إسرائيل" تعمدت قصف المدنيين في غزة بقنابل تزن أطنانًا، واستهدفت الخيام والمستشفيات ومراكز الإيواء وسيارات الإسعاف؛ وقامت بإعدام السجناء والأسرى والعزّل جماعيًا، حيث أكدت هيئات أممية وصولها إلى تقارير موثوقة تفيد أن جنود الاحتلال أعدموا نساء مع أطفالهن خارج نطاق القضاء، وهو ما أشارت له مقرّرة الأمم المتحدة الخاصّة المعنية بالعنف ضد المرأة، ريم السالم، في تصريحاتها لوسائل إعلامية.

لطالما كانت المستشفيات وقاعات الولادة هدفًا لصورايخ الاحتلال وقذائفه، فقد استَهدفَ الأطباءَ والمستشفيات بشكلٍ مركّز، وأحرق الأجهزة الطبية وقاعات العلاج، وأخرج الجرحى والمصابين، وليس هناك أقسى من حادثة ترك الأطفال الخدج بمفردهم داخل المستشفى بعدما اعتقلت قوات الاحتلال الجميع لعدة ساعات، ليعودوا ويجدوا أن الأطفال قد أسلموا أرواحهم. 

 لم يتأخر الاحتلال في حربه على غزة على ارتكاب جريمة "اختطاف الأطفال وتسليمهم إلى جماعات أخرى"، وهو ما حدث في غزة، وفق مقرّرة الأمم المتحدة الخاصّة المعنية بالعنف ضد المرأة، إذ أشارت في تصريحاتها لوسائل إعلامية، عن قيام جنود الاحتلال الإسرائلي باختطاف طفل وتحويله خارج القطاع، ويذكّرنا هذا بأفعال مشابهة تورّطت فيها "إسرائيل"، حيث قامت باختطاف أطفال يمنيين في خمسينات القرن الماضي.

تروي تفاصيل الحكاية،وصول العائلات اليمنية اليهودية في إطار عملية "بساط الريح"، إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، ونزولهم في منازل مؤقتة (أكواخ وخيام)، نُقل أكثر من 650 طفلًا بحجة تلقيهم للعلاج في المستشفيات وتوفير الدواء لهم، ليخبروا أهلهم فيما بعد أنهم توفّوا نتيجة الأمراض، دون تسليم جثثهم أو إطلاعهم على أماكن دفنهم، ليتبين لاحقًا أن الأطفال والرضع المختطفين، تم بيعهم إلى عائلات الأشكناز والناجين من المحرقة، وهي القضية التي ما زالت تثار في تل أبيب حتى اليوم.

غالبًا ما تكون هذه الإبادات الجماعية، محمولة على ظهر التطرف والانتقام والعنصرية، تمهيدًا لتطهير المنطقة والوصول إلى الثروات أو تغيير معالم الجغرافيا في المنطقة لفرض السيطرة، وهو ما يتجلى أيضًا في الحالة الفلسطينية، حيث يذهب بعض الخبراء، إلى محاولة الاحتلال استغلال حقوق الغاز الموجودة في المنطقة، ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق تهجير السكان.

لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب مجازر راح ضحيّتها قرابة 50 ألف شهيد أغلبهم من الأطفال والنساء وأكثر من 100 ألف جريح، بينهم أكثر من 1400 عائلة مُسحت من السجّل العائلي، لتأتي دعوة الرئيس الأميركي ترامب بخطة تهجير الفلسطينيين من أرضهم بالقوّة، تأكيدًا على الإمعان في هذه الإبادة الجماعية، ومنح شرعية دولية للقتل والتهجير، والعودة إلى أساليب الاستعمار الكلاسيكية التي عرفها العالم منذ بداية القرن التاسع إلى منتصف القرن العشرين.

الحق في إبادة الشعوب

في الميثولوجيا الإسلامية والحكايا الدينية، سنجد واحدة من قصص الإبادة الجماعية التي وردت في القرآن، وهذه المرّة مع بني إسرائيل، حيث أمر فرعون بقتل أطفالهم وارتكاب المذابح في حقّهم، إيمانًا منه بالنبوءة السائدة في عصره، وهي أنه سيأتي من نسل إبراهيم نبيٌّ ينتهي فيه مُلك فرعون على يديه، فأمر بقتل كل ذكرٍ يولد من بني إسرائيل، وسنجد أيضًا أن الإسرائيليين تعرضوا للإبادة الجماعية في العصر الحديث، أو ما يُعرف بالمحرقة النازية من طرف الألمان، فما الذي يدفع شعبًا تعرّض للإبادة إلى "احتكار الإبادة" لنفسه بعد احتكار "دور الضحية" مستفيدًا من أحداث الحرب العالمية الثانية؟

في المقابل من ذلك، سنجد أن كل من الشعوب التي عانت من القوى الاستعمارية، وتعرّضت إلى حروب إبادة وشهدت حركات تحررية في بلدانها، مثل جنوب أفريقيا وفيتنام والجزائر، تدعم حقّ الشعوب في الوجود والمقاومة والدفاع على نفسها ومن بينها القضية الفلسطينية، في حين نجد أن الإسرائيليين الناجين من المحرقة يحتكرون المحرقة لأنفسهم ويعتبرون أنهم الوحيدون من يمتلك "حقّ إبادة الشعوب" تحت مسمّى الدفاع عن النفس.

في التاريخ الإنساني، لم تكن الإبادة الجماعية على الأغلب فعلًا عارضًا، ناجم عن خطأ عسكري في الحروب والصراعات، ولكنه يستند إلى أفكار متطرفة وشرعية دينية لاهوتية وتبريرات أيديولوجية متعلقة بالتفوق العرقي، ويمكن القول إن الإبادة الجماعية في فلسطين تتشرّب من مصادر متشابهة، وتحديدًا الأفكار الصهيونية الدينية، التي تدعو إلى قتل الأطفال والرضع والأبرياء، كما أنها تتقاطع مع الفكر النازي في مسألة "العرق النقي"؛ فاليهود هم "شعب الله المختار" و"الشعب المميز" عن بقية الشعوب، وبالتالي ستكون نظرتهم الدونية إلى بقية الشعوب، مصدرًا لاحتكار القتل والإبادة والتهجير تمامًا كما فعل النازيون استنادًا إلى بروباغاندا "الجنس الآري".

يبرز في هذا السياق، عدد من الحاخامات اليهود، الذين خرجوا للإعلام وأدلوا بتصريحات تدعوا إلى الإبادة الجماعية وقتل الأطفال والمدنيين، ومنحوا سلطتهم مباركة الرب، وذلك استنادًا إلى نصوص توراتية، وجّه عشرات من كبار الحاخامات في إسرائيل رسالة إلى حكومة الاحتلال في بداية العدوان، يحثّونهم فيها قتل جميع الفلسطينيين، معتبرين أن "الشريعة اليهودية والأخلاق لا تحرّم ذلك".

واستند هؤلاء الحاخامات، وفق رسالة تداولتها وسائل إعلامية على نطاق واسع، إلى نصوص توراتية إباداوية من ضمنها: "من الضيق الذي ألمّ بيعقوب جاء الخلاص. ستقوم أمة إسرائيل وسيُضرب أعداؤها بشجاعة، وكما قال داوود ملك إسرائيل: ألاحق أعدائي وأُبيدهم ولا أرجع حتى تتم إبادتهم"، ويُفهم من هذا أن الإبادة الجماعية التي تتبناها إسرائيل عقيدة سياسية وعسكرية وتصل إلى درجة "اليوتوبيا الدينية" حيث يتحول القتل والتهجير إلى غاية وهدف.

وبينما يربط مؤرخّون إبادة الأرمن على يد العثمانيين بالتفوّق الطائفي، نجد أنّهم يربطونها كذلك في القارة الأميركية واستراليا وأفريقيا بالتفوق العرقي و"محاربة الهمجيين ونشر الحضارة"، وإن كانت هذه الإبادات الجماعية ترتكز على المصالح والأطماع التوسعية،  فإنها غالبًا ما تُغلّف بالشحن العاطفي الديني والإثني والعرقي لحشد التعاطف وتبرير القتل والتهجير.

قصص من تاريخ الإبادة الجماعية

وفي سياق المذابح وجرائم الإبادة في التاريخ الإنساني، تبرز عدة مذابح وحروب وإبادات كتب عنها باحثون ومؤرخون ووردت في الرسائل والشهادات، مثل سقوط بغداد على يد المغول، إذ توجّه هولاكو بنحو 800 ألف مقاتل من منغوليًا إلى آسيا الوسطى ثم إلى بلاد فارس عام 1256 قبل أن يحاصر بغداد ويرتكب فيها إبادته.

في تصوير ابن كثير لهذه المجازر، مشاهد دموية رواها عن جيوش هولاكو، التي "طاردت الناس الذين اختبأوا في الآبار والأحراش وكمنوا أيامًا لا يظهرون، وكان من الناس من يجتمعون في الحانات ويغلقون عليهم الأبواب، فوصل إليهم التتار، ودخلوا عليهم وقتلوهم على أسطح المباني، حتى جرت الميازيب وسالت منها الدماء في الأزقة".

إلى هنا، وفي سياق الحديث عن السياسيات الممنهجة لإخضاع شعوب لظروف معيشية قاهرة من أجل تدميرهم كليًا أو جزئيًا، هو أسلوب تمسّكت به عدة قوى استعمارية في التاريخ المعاصر، وحدثت إثر ذلك عدة مذابح ومجازر ترفض الإدارات الجديدة لهذه الدول، الاعتراف بها أو الاعتذار عن جرائمها الاستعمارية، ومن بين المفارقات أن تتحول الأدلة التي تدين تلك المجازر البشعة إلى أيقونات متحفية مفرغة من محتواها ومصدر للتفاخر لدى بعض الدول.

في هذا السياق، تعرض فرنسا جماجم مقاومين جزائريين في مكان تُطلق عليه "متحف الإنسان". قد يبدو الأمر لوهلة متعلقًا بمتحف للمستحثّات والحيوانات المنقرضة والهياكل المتحجرة، ولكن هذا الملف يشكّل أحد الملفات العالقة بين الجزائر وباريس في موضوع الذاكرة، وإن كانت فرنسا سلّمت جماجم بعض قادة المقاومة الجزائرية سنة 2020، ومن بينهم القائد شريف بوبغلة، إلا أن ما استعادته الجزائر هو 24 جمجمة من أصل 536 جمجمة، وفقًا للباحث الجزائري في الأنثروبولوجيا علي فريد بلقاضي. فما علاقة التفوّق بالإبادة الجماعية هنا؟

تاريخيًا، تُشير مصادر كثيرة، إلى أن حكامًا فرنسيين زينوا قصورهم بجماجم المقاومين، ووضعوا جماجم الثوّار الجزائريين في مداخل قصورهم للتفاخر أمام ملوك أوروبا، ودليلًا على الانتصارات التي حققتها الجيوش الفرنسية، وإلى غاية في عام 1937 حوّل عالم في الأنثروبولوجيا بول ريفييه تلك الجماجم إلى متحف بالقرب من وسط باريس بدعم من الحكومة الفرنسية، وإن كان تجميع الجماجم في البداية كان بغرض إثبات التفوق العسكري وتحقيق الانتصارات، فإن تجميعها في المتحف، كان بهدف، إثبات أن الشعب الفرنسي لديه الحقّ في ثروات العالم واستعمار الشعوب الأخرى، لذكائه وسرعة قابليته للتطور.

إلى هنا، مازالت ذكرى الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الأرمن، تلاحق الدولة العثمانية التي كانت تحارب مع دول المحور ضد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، ويتذكّر الأرمن جيّدًا تاريخ 25 نيسان/أفريل 1915،  حيث تجاوز عدد ضحاياهم مليون قتيل (وفق مصادر متطابقة)، إذ كانوا يتشكلون من مجموعات مسيحية وقتها، ولذلك يربط كثير من المؤرخين هذه المجازر بالتفوق الطائفي، ويستندون إليه في تفسير الأسباب التي أدت إلى هذه الإبادة الجماعية، حيث أُجبر الأرمن وقتها على السير لمئات الأميال إلى الصحراء، ونتيجة لحرمانهم من الطعام والماء قُتل كثيرون في هذه الحادثة، واليوم، تعترف 24 دولة رسميًا بأن ما حدث مع الأرمن يعتبر "إبادة جماعية".

ارتبطت فكرة الإبادة الجماعية بأساليب المحتلين والفكر الكولونيالي على مدار التاريخ، وكانت واحدة من أدوات الترويع والتخويف وترهيب السكان لبسط السيطرة، وليس أدلّ على ذلك ما حدث من إبادة جماعية للهنود الحمر في أميركا أو ما حدث على يد الاستعمار الفرنسي في الجزائر منذ سنة 1930، أو الإبادة في رواندا أو أو الأرمن أو الأويغور وصولًا إلى غزة.

ففي الحالة الأميركية، استُغل التطرف الفكري والعنصرية لتبرير جرائم الإبادة الجماعية، وسنجد أن كريستوفر كولمبوس، حثّ الأوروبيين على احتلال الهنود الحمر، واعتبر في رسائله أن هؤلاء السكّان يجب أن يكونوا خدامًا جيّدين للكنيسة، أما الكتب الإنجليزية التي تحدّثت عن الهنود الحمر، فوصفتهم في بداية القرن الــ 16، بـ"الوحوش الذين لا يعقلون، وبأنهم يأكلون أبناءهم وزوجاتهم".

وتعاطيًا مع سردية التوحش والهمجية، حملت روايات كتاب وقصاصين من أمثال كوتون ميذر وجون نورتون، وفاني كيلي، وماري رولاندسون، قصصًا عن توحش الهنود الحمر، وقد عرفت لاحقًا بـ"روايات الأسر"، وتدور غالبًا حول المواجهات الدامية مع الهنود الحمر، ووقوع البيض في أسر الرجل الهندي، ثم التخلص منهم والعودة إلى بلادهم، وكل ما تتضمنه هذه النصوص يدور حول الطقوس المتوحشة للهنود الحمر، وتخلفهم، وقسوتهم مع الأسرى.

انهيار حقوق الإنسان

من هنا، وفي سياق عمليات التطهير العرقي التي اعتمدها الاستعمار الفرنسي في بعض المناطق، ومحاولته مسح عدد من سكان القرى من على وجه الأرض، وفي تشابه مع الاستعمار البريطاني للمنطقة، روّج الاستعمار الفرنسي في دعايته لهمجية سكان أفريقيا، وأطلق عليهم تسمية "الأنديجان"، وصورهم في وثائقيات وأفلامهم بكائنات تقترب للإنسان المتخلف البدائي، في إطار تبرير استعماره للأرض، واعتماده على "سياسة الأرض المحروقة" في إطار حملته العسكرية، لإجبار السكان على الاستسلام والرضوخ والمغادرة والهجرة والنفي تحت عمليات التقتيل والقصف والحرق.

 يُجمع مؤرّخون على إطلاق تسمية "مرحلة الإبادة" في التاريخ الجزائري، على الفترة ما بين 1958 و1960، لارتباطها بمجيء الجنرال ديغول، وتطبيقه سياسة تقتيل ممنهجة ضد السكان الجزائريين، حيث عُرفت مرحلته بزرع ملايين القنابل على الحدود (11 مليون قنبلة) وانتهاج وسائل وحشية للتعذيب واستنطاق الأسرى والموقوفين، حيث لجأ الاستعمار الفرنسي لفرض سياسة الإبادة الجماعية كمحاولة أخيرة لوأد الثورة الجزائرية.

لطالما ارتبط تاريخ الإبادات الجماعية، بسياسة تهجير السكان من أرضهم أو ما يعرف بالاستعمار الإحلالي (إحلال شعب مكان شعب آخر)، وقد لا تختلف إبادة الفلسطيين، عن إبادة الأرمن أو الجزائر أو الأويغور، ولكن المسار القانوني الذي عرفته القضية الفلسطينية، كان مختلفًا عمّا وقع سابقًا؛ فالجنائية الدولية أصدرت مذكرة توقيف في حق مجرمي الحرب بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

غير أن المجتمع الدولي استمّر في التغاضي عن تنفيذ هذه القرارات، وتواطأ بصمته مع المجازر العنيفة والحصار المتواصل والإبادة المستمرة للشعب الفلسطيني، فبعد توقّف نيران المعركة في صفقة تسليم الأسرى، استمرّ الاحتلال الإسرائيلي في فرض حصار مطبق على المساعدات والكرافانات والخيام الموجهة للغزاوييين العائدين إلى بيوتهم وأحيائهم المدمرّة بالكامل.

لم يكن هذا التواطؤ مع الإبادة الجماعية بالصمت فقط، أو بالتغاضي عن المجاز المرتكبة أو تجاهل تنفيذ قرارات الجنائية الدولية، فقد لجأ الرئيس الأميركي إلى معاقبة الجنائية الدولية بسبب مذكرات الاعتقال الصادرة عنها في حقّ مجرمي الحرب الإسرائيليين نتنياهو وغالانت.

استهدفت العقوبات التي فرضها ترامب على الجنائية الدولية، الأفراد الذين يساعدون في تحقيقات المحكمة الجنائية الدولي، إذ تتعلق بمواطني الولايات المتحدة أو حلفاء لها. ويتيح هذا الأمر التنفيذي الذي وقعه الرئيس الأميركي، من فرض عقوبات مالية أو عقوبات على التأشيرات تستهدف الأفراد الذين يساعدون في التحقيقات فضلًا عن استهداف أفراد أسرهم، وفي هذا السياق، وصف رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، أن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية يهدّد استقلالها ويقوض نظام العدالة الدولية.

إمعانًا في الإبادة الجماعية، ووسط حصار مطبق للفلسطينيين وسط الأراضي المحتلة، ترسل أميركا أسلحة بقيمة 4 ملايير دولار إلى الاحتلال الإسرائيلي، حيث استخدم وزير الخارجية ماركو روبيو "سلطات الطوارئ" للمرة الثانية خلال شهر لتجاوز الكونغرس، واعتبر أن إدارة ترامب ستستمر في استخدام جميع الأدوات المتاحة للوفاء بالتزامها مع الاحتلال.

شرعنة الإبادة الجماعية ودعم "إسرائيل" بشكل غير محدود، تحت مسمى الحق في الدفاع عن نفسها، وتعطيل عمل المحكمة الدولية، وتجاهل مذكرات التوقيف في حقّ مجرمي الحرب وعدم تنفيذها، واستمرار تزويد الاحتلال الإسرائيلي بالذخيرة، كلها أفعال تقوّض عملية السلام في العالم، وتضرب في مصداقية الشرعية الدولية ومؤسساتها الحقوقية، وتؤكّد على انهيار المنظومة الدولية لحقوق الإنسان.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

الصوابية السياسية بين تحقيق العدالة وتثبيت الرقابة (ميغازين).

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

إسراء عرفات

كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)
كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)

سيرة الضحك: حين يهتز الوجود مِن خاصرته

سيرة الضحك وتاريخه في الوجود الإنساني، وتمثلاته الفلسفية والاجتماعية

محمد العربي

الكساد العظيم

ترامب يعيد التاريخ .. ماذا حدث في الكساد الكبير؟

ستُعاني غالبية الدول التي بدأت لتوّها من الخروج من تبعات جائحة كورونا، بسبب الحرب الاقتصادية التي بدأها الرئيس الأميركي ترامب

إسلام أحمد

وارقة الخوف

وراثة الخوف

الخوف حالة نفسية تهدف لحماية الإنسان، لكن تجاوزه يتطلب تجربة شخصية، لا الاكتفاء بوراثته عن الأسلاف

ميادة نصار

الغباء البشري

الغباء البشري: مقاربة في الاستعمال الاجتماعي والسياسي

ظل موضوع الغباء البشري هامشيًا، رغم أنه ملازم للإنسان في حياته اليومية، ولا يقل أهمية عن الحكمة. ورغم ذلك، نظر كتّاب إلى أن الإنسان قد يمتلك ذكاءً عاليًا، لكنه يفقد القدرة على التقدير السليم أو على التفكير النقدي

يونس أوعلي

المزيد من الكاتب

فريق التحرير

فريق التحرير

الكارثة بوصفها فرصة: كيف يطلق الاحتباس الحراري سباق التسلح في العالم؟

لم تتعامل الدول الكبرى مع التغيرات المناخية في منطقة القطب الشمالي بوصفها "كارثة" وإنما "فرصة" تسعى إلى استغلالها بطريقة تجعل المنطقة ساحة صراع

الوحدة غير الممكنة.. الحياة الاجتماعية للقراءة

يقول إدموند وايت إنه قرأ الكتب من عدة زوايا؛ كباحث، ومعلم، ومحكم، وناقد. وعلى الرغم من أنه يجد قراءة الكتب من أجل المتعة أعظم فرحة، إلا أنه في حالات النقد والمراجعة يشعر بأنه مقيد بالالتزام

خوسيه ساريّا: أنا شاعر أندلسي

يتحدث ساريا في هذا الحوار عن علاقته بالشعر، والتجارب المؤثرة في تشكيل توجهه الشعري، وحضور الإرث الثقافي للأندلس في تجربته الشعرية

ما الولايات المتأرجحة في الانتخابات الأميركية؟

الولايات المتأرجحة ولايات حاسمة في مسار الانتخابات الرئاسية الأميركية، وعادةً ما تكون "ساحة المعركة" الحقيقية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري

فرنسيس كومب: أكتب ضد ما يرعبني

يؤكد فرنسيس كومب في أعماله الشعرية ونشاطاته المختلفة على انتمائه للتغيير وللشعوب المقهورة، وأصدر مؤخرًا مختارات بالفرنسية عن غزة

التنين الأخضر: كيف أصبحت الموارد الأولية للتحول الأخضر ساحة صراع بين الصين والغرب؟

يشكّل الصراع على موارد الطاقة الجديدة والمعادن النادرة بين الصين والدول الغربية أحد أهم التحديات أمام تحقيق التحول الأخضر في العالم