ultracheck
مثّلت الأغنية البدوية امتدادًا حيًّا للشعر القديم (ميغازين).

الأغنية البدوية.. صوت العربي القديم يتجدد في مصر وليبيا

7 يوليو 2025

الأغنية.. حنجرة الهوية
في زمنٍ تتباين فيه الأذواق، وتتسارع وسائط التعبير، تظل الأغنية البدوية صوتًا حيًّا يحمل ذاكرة المكان، ويُجسّد صلة حقيقية بين الماضي والحاضر. فليست الأغنية البدوية مجرد فنّ شعبي نابع من الصحراء، بل هي امتداد حيّ لتراث شعري طويل، تشترك معه في القيم الجمالية والفنية والأخلاقية، حتى إنه ليُخيَّل إلينا أحيانًا، حين نسمع أغنية بدوية، أننا نصغي إلى صدًى لقصيدةٍ عربية قديمة.

تمثِّل اللهجة البدوية امتدادًا طبيعيًّا للعربية الفصحى، ومجالًا خصبًا لتكاثرها عبر الاشتقاقات والاجتراحات التي تنحدر من جذورها، والتي هي من آليات حفاظ اللغة الفصحى على كينونتها وبقائها، عبر مشروعية هذه اللهجات -على اختلافها- وكونها تتنمى إلى ذلك الأصل الكبير. 

وهذه المُصَاهَرة، بين اللغة الرسمية واللهجات، مستمرة منذ اختراع اللغة، سواء عن طريق التداول بالكلام، أو بالأدب، الفصيح والشعبي، أو بالمشافهة والرواية، غناءً أو حُداءً أو قصصًا أو حتى أمثالًا ونوادر.

وقد امتدَّتْ هذه المُصَاهَرة، حتى إننا أصبحنا نلمس مواضع هذا الاتصال الجمالي والشفاهي بين قصيدة عربية وأغنية بدوية، وكأن الشاعر لم تتغيّر طريقة تفكيره خيالًا وشعرًا وتركيبًا. يظهر ذلك في كثير من الأغاني، في بوادي غرب مصر وليبيا، بحيث إننا إذا تتبعنا خيوط هذه الجماليّات، سنجد أنه متصل اتصالًا وثيقًا بالتراث العربي، ما يعني أننا أمام ظاهرةٍ جماليةٍ وبلاغيةٍ، تختلف في تشكُّلاتِها مع الزمن، ولكنها تتفق في الجوهر.
اللافت أن اللهجة البدوية، على الرغم من محليَّتها، تحمل في طيّاتها الكثير من الملامح الفصيحة، سواء في جذور الألفاظ، أو في طريقة الاشتقاق والتصريف، أو في التراكيب والصيغ البلاغية. وهذا ليس غريبًا، فالبداوة كانت لفترات طويلة هي الوعاء الذي حافظ على نقاء اللغة، وأبناء البادية ظلّوا يتناقلون الشعرَ والخَبَر والغناء بالسليقة، بعيدًا عن التقعيد والتدوين الرسمي لمختلف فروع اللغة. 
ما يميز الأغنية البدوية أنها فن شفاهي لا يُدوَّن، بل يُروى ويُغنّى ويُتداوَل بالأصوات. وهو ما يجعلها بمثابة "أرشيف حيّ" للثقافة العربية، لأنها تحتفظ بكلمات وأساليب وصور لم تعد موجودة في الاستعمال اليومي، لكنها تظل حيّة في الغناء، تُحرّك في المستمع إحساسًا بالماضي والهوية، وتغذي فيه مَلَكَةَ تذوُّق اللغة العربية الفصيحة بمذاق شعبي، يوازن بين كونه فنًا شعبيًا، وكونِهِ ابنًا شرعيًا لهذه اللغة الجليلة.

بل إن هذا الشكل من المشافهة، الذي يبدو بسيطًا، يحمل في داخله عُمقًا ثقافيًّا كبيرًا، فكل أغنية بدوية هي حكاية عن الصحراء، وعن التنقّل، وعن العلاقات، وعن الأخلاق، وعن الحبّ الذي لا يُقال إلا على استحياء. وهذا ما يجعل الأغنية البدوية استمرارًا لغويًّا للشعر، وامتدادًا وجدانيًّا وثقافيًّا لما كان عليه العرب القدامى، من قِيَمٍ وأخلاقٍ وعاداتٍ وتقاليد، ولأن اللهجة البدوية ابنةُ اللسان العربي، فقد حملت كثيرًا من خصائص الروح العربية.

المرأة بين الحضور والغياب

لا تكاد القصيدة العربية القديمة تخلو من صورة المرأة، لكنها نادرًا ما تحضر حضورًا مباشرًا. غالبًا ما تأتي عبر أثرها، عبر غيابها، أو عبر سؤالٍ معلّق في الفضاء لا ينتظر جوابًا، فهي المرأة الحلم، والوطن، والانتماء، والحنين إلى زمن الشباب، أفادت الأغنية البدوية من التراث الحافل بحضور المرأة جماليًّا، وأشبعتْ قوامَها بهذه الجماليّات التي جعلت من قصائد الشعراء بيوتًا عامرةً بأنفاس المرأة وروائحها الفاتنة.
وفي حين اختلف الشعراء في طرائق التعبير عن حضور المرأة في قصائدهم، التفت بعضهم إلى غيابها، الذي كان بمثابة الحضور القوي والفاعل لاشتعال القصيدة في خيال شاعرها، نذكر للشاعر الجاهلي ميمون بن قيس بن جندل، المعروف بالأعشى الكبير قصيدة يقول في مطلعها:

ما وقوفُ الكبيرِ بالأطلالِ .. وسؤالي، وما تردُّ سؤالي؟
يتحول الوقوف أمام الدار إلى طقس حزن، ومحاولة عبثية لاستعادة مَن مضى. والمرأة هنا لا تُذكَر بوصفها شخصًا، بل ذكرى كامنة في جدران المكان وفي مخيّلة العاشق. هذا الحضور القائم على الغياب يكاد يكون مكونًا أساسًا في الشعر العربي القديم، لأن الغياب أحيانًا يكون أقوى من الحضور في صناعة الشعر، والتواري يكون أبلغ من المشاهدة، وهذا ما يجعل الخيال مشحوذًا ومُتأهبًا لاصطياد الأطياف وتحنيطها في البيت الشعري. 
ولم يكن صناع الأغنية البدوية بمعزلٍ عن هذه الزاوية في استقراء جماليّات حضور المرأة وغيابها، وأفادوا بشكل ملحوظ في أغانيهم من هذا التراث الضخم، وتلك الفلسفة الجماليّة والشعرية، يظهر ذلك جليًّا حين نرى أن هذا التوجّه الفني يتكرّر، ولكن بصوت بدوي، في أغنية "وين الغالي" للفنان المصري المعروف بالشيخ صديق بوعبعاب يقول في بدايتها:

"وين الغالي 

نريد ننشدك يا دار
وين الغالي؟ 
بالله والنبي رُدِّي عليَّ سُوَالي"

فكأني بالأعشى الكبير بُعِثَ من جديد، كأني به وهو حائر بين نفس الدار، ونفس السؤال الذي يقف وحيدًا أما الغياب الهائل، ولكن بلُغَةٍ أبسط، يبث من خلالها شكواه، وبأسلوبٍ أكثر قُربًا من المستمع، يفتِّش المغني عن مَنْ رحل من أحبابه، ويخاطب الدار، وهو يعلم أن من فيها قد ذهب، لكنه يصر على السؤال، لأن في السؤال عزاء وسلوى، مثلما قال المتنبي: كثيرٌ من السؤالِ اشتياقٌ.

وبينما نرصد الغياب بوصفه مكونًا للقصيدة، ومُحفِّزًا للمِخْيَال لدى الشعراء، نجد أن حضور المرأة يُعَدُّ مجالًا أفسح لاستعراض الأداء الفني، فنجد الشاعر القديم يصوّر الحضورَ الخاطفَ للمرأة، بوصفه اختبارًا للتديُّن، أو امتحانًا للثبات والوقار، حيث إن جمال المرأة الفاتن ما هو إلا زلزلة لقلب الرجل، سواء كان عاشقًا أو مجرد عابر سبيل صادف جمالًا أنثويًّا في طريقه، فيقول الشاعر ربيعة بن عامر التميمي، المعروف بمسكين الدارمي، ناطقًا عن لسان الرجال جميعًا، وهم ضحايا المَلَاحة الآسرة في حضور المرأة:

قُلْ للمليحةِ في الخِمَارِ الأسودِ ..  ماذا فعلتِ بناسِكٍ متعبَّدِ

قد كان شمَّرَ للصلاةِ ثيابَهُ ..  حتى وقفتِ لهُ ببابِ المسجدِ

ونجد أيضًا في الأغنية البدوية هذا الشكل من استعراض الضعف أمام جمال المرأة، والتأثر بحضورها القوي، فيغني الفنان عوض بو عبدالقادر المالكي في أغنية "مريم":

مريمْ تِخِفّ الشايبْ 

بو حِجِّتَيْنِ الِّلي تِيَقَّنْ تايبْ

في هذين النموذجين، نجد أن الأنثى ليست مجرد جمالٍ يُوصَف بالشعر أو الغناء، وإنما هي عنصر تأثير عميق، تهزُّ العقيدة، وتُربك مَن حَسِبَ نفسَه بعيدًا عن الهوى. المرأة في المِخْيَال العربي ليست هامشًا، بل مركز للعاطفة، والحنين، والهشاشة الداخلية التي لا يُفصح عنها الرجال، إلا حين يكتبون الشعر، أو يصدحون بالغناء.

التجربة: الصديق والخذلان

ليس كل ما يُغنّى أو يُكتَب شعرًا عن الحب واللوعة، أحيانًا يكون الغناء عن الصداقة، وعن الأخوّة، عن ذلك الرفيق الذي نظنه سندًا، ثم يُفاجئنا غيابه أو خذلانه، وقد انشغلت القصيدة العربية طويلًا بهذه الفكرة، فمثلًا نجد أن دعبل الخزاعي يقول:

 ما أكثرَ الناسَ! لا، بلْ ما أقلَّهُمُ   .. واللهُ يعلمُ أني لم أقُلْ فَنَدا

إني لأفتَحُ عيني حين أفتحُها ..  على كثيرٍ، ولكنْ لا أرى أَحَدَا

هذا الإحساس العميق بالخُذلان لا يُخطئه القلب، وهذا الشعور بأن الخِلَّان والأحباب، مهما ظننت أنهم بالقرب منك، يختفون حين تحتاج إليهم، وقد يصوّبون إليك فجأة طعنات غائرة وعميقة، هو ما عبّرت عنه الأغنية البدوية بإحساسٍ مُرهفٍ، وإفادةٍ دقيقةٍ من هذا الرصيد الشعري والجمالي في التراث العربي، يغني الفنان الليبي رمضان بو ونيس في أغنية " خاطري واجعني":

نَا خاطري واجعني

صاحب شريته في الخَفَا بايعني

حتى حبيبي.. اللي هو طبيبي

دِيمَا بالخَطَا فاجعني.

السلاح: الخل الوفي

وفيما يحضُرُ الحديث عن الخِلَّان والخذلان، والوفاء والخيانة، كمُتَلازمةٍ اجتماعيةٍ وأخلاقيةٍ، يخطُرُ الحديثُ عن الخل الوفي باعتباره أسطورةً وخرافةً غير موجودة إلا في الخيال، لكن الشعر العربي تحدث عن وفاءٍ من نوع آخر، وفاء الأشياء إذا خان الأشخاص، ووفاء الأدوات إذا لم تَـفِ الصداقات، فكان الشعر العربي دائمًا ما يصوّر الشاعر في وقت حاجته، وحيدًا ومليئًا بالأسى، وخائب الرجاء بالناس، بينما تظهر الأشياء كبَطَلٍ رئيسٍ في المشهد. يقول الشاعر مالك بن الريب في قصيدته الشهيرة في رثاء نفسه: 

تذكَّرتُ مَنْ يبكي عليَّ، فلم أجدْ ..   سوى السيفِ، والرمحِ الردينيِّ باكيا

وأشقرَ مَحْبُوكٍ، يَجُرُّ عنانَهُ ..  إلى الماءِ، لم يترُكْ لهُ الموتُ ساقيا

كاشفًا عن خذلانٍ مؤسفٍ، ونسيانٍ مُخجِل، فهو وحيد في مواجهة الموت، وقد ذهب كلُّ امرئٍ إلى أشغاله، ولم يبقَ من باكٍ عليه، وآسِفٍ لرحيله، غيرُ سيفِهِ، ورمحِهِ الرُّدَينيِّ، وحصانِهِ الأشقر، في مشهد يصوّر هذه الأشياء بوصفها رفاقًا وصُحبةً، لا ينتبه الإنسان لوجودها وقيمتها، إلا في غياب أصحابه، وكأنَّ مالك بن الريب يُعيد ما تنبَّهَ إليه الشنفرى الأزْديُّ مبكِّرًا، وهو يصف أهلَهُ الجُدُدَ، الذئبَ والنَّمِرَ والضَّبْعَ، حين أحلَّهُمْ مكانَ أهله الذين رَحَلَ عنهم، قائلًا: 

هُمُ الأهلُ، لا مُستودَعُ السرِّ ذائعٌ 

لديهِمْ، ولا الجاني بما جَرَّ يُخذَلُ

وكأنَّ هذه الرفقة هم أهله الحقيقيون الذين يضمن في معيّتهم الوفاء والأمان وعدم الخذلان، وهذه القيمة الجمالية والأخلاقية انتقلت بالضرورة إلى الأغنية البدوية، في الأغنية التي غنَّاها الفنان الليبي رافع العكوكي " بندقته قالت نا كانِّي" في رثاء أحد الجنود المقاتلين في الجيش على لسان بندقيته:

بِنْدِقْتَهْ قالتْ نَا كَانِّي 

سِمحْ العاتق غايبْ عنِّي

قالتْ شِيلُوني .. 

ولا في مَخْزَنْ حُطُّونِي

غابَ اللي عارِفْ قانُونِي

بالزيتِ العِطْرِ مِدَهِّنِّي

ولا في رُكنْ خَلُّوني 

لِدَافِنْ سِيْدِي يِدْفِنِّي.

وهنا نجد البندقية، التي هي المُعادِل العصري للسيف والرمح، تبكي على رفيقها، وتتذكره، لأنه يعرف طبيعتها ومتطلباتها، فيُدلِّلُها ويدهنها بالزيت والعطر، تتذكر هذه اللقطات وهي تقول، اتركوني، أو ضعوني في مخزن أو في أي ركن، حتى يأتي مَنْ سيدفن سيدي وصاحبي، وادفنوني معه، فلا حياة لي من بعده. في مشهد بديع للصداقة بين السلاح والإنسان، وفي اتصال جمالي نادر بين الشعر العربي والأغنية في العصر الحديث. بهذه الجماليات الهائلة من الخيال والأساليب الفنية، البندقية تتكلّم، وتعبّر عن الفقد، تمامًا كما عبّر السيف والرمح  والحصان في القصيدة القديمة عن وحشته بعد موت صاحبه. تكرار هذا المعنى، بعد قرون، يبيّن أن بعض الرموز تظلّ حيّة وحاضرة في الوجدان، لا لأن الناس يصرّون على استخدامها، بل لأنها تُعبّر بصدقٍ، عن أشياء لا ندرك قيمتها الحقيقية إلا بعد فوات الأوان.

الفروسية.. مسألة شرف

من أقدم الصفات التي التصقت بصورة العربي في المِخْيَال الجمعي صفة الفروسية، لا باعتبارها مهارة قتالية، بل بوصفها منظومة أخلاقية كاملة، تقوم على الشجاعة والمروءة والنجدة والاعتداد بالذات. كانت الفروسية في الشعر العربي القديم، مرآةً لهوية الإنسان الذي لا يرضى بالدونية، ولا يقبل أن يُسأل عن المروءة إلا إذا كان هو نفسه الجواب. يقول طرفة بن العبد:

إذا القومُ قالوا: مَنْ فتًى؟ خِلتُ أنني 

عُنيتُ، فلمْ أكسَلْ ولم أتبلَّدِ

في هذا البيت، لا يكتفي الشاعر بتأكيد شجاعته، بل يضع نفسه في موضع الإجابة التي يبحث عنها الناس، حين يسألون عن الفتى الكامل، أي مَنْ تتوافر فيه صفات الجرأة والفعل والسؤدد. الفتى هنا هو النموذج الأخلاقي، الذي يُعوَّل عليه عند النوازل. وهذا المعنى  يتكرر في الأغنية البدوية، في صورةٍ مُقارِبة، حين يغني الفنان رافع العكوكي في وصف الشهيد سمح العاتق:

الِّلي دونَ رِفَاقَاهْ يفادي 

يَلْهَثْ هُوْ الاولْ مِتْعَنِّي

هي نفس المروءة، ونفس الاستعداد للتضحية فداءً للرفاق. الفارس، سواء في القصيدة أو الأغنية، ليس بطلاً فرديًا، بل جزء من منظومةٍ اجتماعيةٍ يتقدم فيها لحماية مَنْ حوله، إعلاءً لقيمة الرفقة والوفاء والمروءة.

وتأخذ الفروسية بُعدًا أكثر عمقًا حين تمتزج بالزهد في الراحة، والعزوف عن التَّرَف، كما يصوّر المتنبي سيف الدولة الحمداني، وهو يجعل من غُبُار الحرب خيمةً له، مُستغنيًا عن مظاهر البَذَخ:

يعافُ خيامَ الريطِ في غزواتِهِ 

فما خَيْمُهُ إلا غُبَارُ حُروبِ

إنها صورة للفارس الذي لا يُقيم وزنًا للراحة، بل يرى في التعب والكدّ والمواجهة مَسْكَنًا حقيقيًا، وشرفًا ومَجْدًا يليق بمروءته ومقامه ومكانته. وقابَلَ هذه الصورة في الأغنية البدوية مشهدٌ شعريٌّ عذبٌ وبديعٌ يصف حال الشهيد "سمح العاتق" في المعركة، فتقول:

مِتْوَسِّدْ صُنْدُوقْ ذِخِيْرَةْ 

ما هِيْ رِيشْ نَعَامْ مُوَرِّدْ

هذه الصورة تختصر فلسفة الفروسية البدوية، إذ لا يحتاج الفارس إلى سريرٍ ناعم، بل يكفيه أن يتوسد صندوق ذخيرته. ففي أرض المعركة، لا مكان للترف، ولا وقت للنعيم، فالمعركة هي الاختبار للفروسية الحقيقية. وهكذا، تتأكد الفروسية بوصفها خيطًا ممتدًّا من الشعر العربي إلى الأغنية البدوية المعاصرة، لا باعتبارها موضوعًا فنيًا فقط، بل قيمةً أخلاقيةً تستدعيها الذاكرة الجمعية للإنسان العربي، وتعيد الأغنية إنتاجها كلما تلاشى بريقها في الواقع، وهذا دور البداوة على مدار التاريخ العربي، فهي تحفظ اللغةَ من اللحن، والقيمَ من التلاشي، والهويةَ من الضياع.

الروح بين اللهو والصحو

في لحظات التأمل بعد اللهو، حين تهدأ العاصفة ويخلو الإنسان إلى نفسه، تتفتح في داخله أسئلة الندم والمراجعة. وهذا الجانب من التجربة الإنسانية لم يغب عن الشعر العربي القديم، بل كان حاضرًا فيه بعمق وصدق. يقول أبو نواس:

فقد ندمتُ على ما كانَ من خَطَلٍ .. ومن إضاعةِ مكتوبِ المواقيتِ

هذه الأبيات تفتح نافذة على الضمير الإنساني في لحظة وعي، حيث يتحول الزمن الضائع إلى عبء على القلب، ويغدو التلهّي عن الواجب نوعًا من الخيانة الذاتية. صوت الشاعر هنا ليس صوتَ زاهدٍ اعتزلَ الدنيا، بل هو صوت إنسان أدرك متأخرًا أن الوقت لا يُستعاد، وأن كل لحظة لهو كانت إهدارًا لرصيده الروحي، وسلامه النفسي.

وهذا الندم العميق نجده حاضرًا في الأغنية البدوية، ولكن بصوتٍ أكثر مباشرة ومرارة، حين يغني الفنان عوض بوعبدالقادر المالكي في أغنية "التوبة":

غلطة كبيرة في طَرَف مولانا 

يجينا كلام الله نِسْتَهْزُوا بَهْ 

ونسِيبُوا الفِقِيهْ وسِبْحِتَهْ وأذانَه 

ونَبْقَوْا نِلاغُوا في حَبيبْ وصَوْبَهْ

هنا لا يتحدث الشاعر عن لحظة خطأ عابرة، بل عن سقوط كامل في اللهو، واستهانة بكلام الله، وتخلٍّ عن مظاهر الدين من صلاة وتسبيح، مقابل الانشغال باللهو والغرام. وهي لحظة مكاشفة مؤلمة، لكنها ضرورية ليبدأ طقس التحوّل.

في كلا النموذجين، نرى كيف يصحو الضمير، ليس بوعظ خارجي، بل بصوت داخلي يوقظ الإحساس بالذنب، ويحوّل الشعر أو الأغنية إلى أداة اعتراف، أو حكاية توبة. وهذا التوازي بين القصيدة والغناء يعيد إلينا شعورًا بأن الفنَّ مرآة للوجدان، وأن الندم فيه ليس ضعفًا، بل لحظة نور، واستعادة للذات والحرية.

في النهاية، بعد تسليط الضوء على نماذج من الأغنية البدوية، في غرب مصر وليبيا، نرى اشتباكًا مع التراث الشعري العربي، واشتراكًا في منظومة القيم الجماليّة والأخلاقيّة القارّة والمترسّخة في وجدان الثقافة والهوية العربية، ممّا يعزّز من فكرة التوالُد الفني، والاتصال الجمالي بين مختلف فنون اللغة، وأن كل الفنون المنبثقة من اللغة العربية -بوصفها مركزًا للأمة- فهي بالضرورة تخدم الهوية، وتحفظ التاريخ، وتعيد إنتاج الحضارة في قوالب وأشكال مختلفة ومتجددة ومواكبة للعصر. 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

بطء السلحفاة

بطء السلحفاة وسرعة العالم: من مفارقات زينون إلى نقد حضارة السرعة

يناقش المقال فكرة السلحفاة بوصفها رمزًا فلسفيًا وأدبيًا للبطء والصبر والثبات في مواجهة إيقاع العالم المتسارع، إذ تظهر ككائنٍ من عالمٍ آخر يسير على مهل، وقد شكّل منذ القِدم مصدر إلهام للأدباء والفلاسفة بوصفه تعبيرًا عن مقاومة العجلة

يونس أوعلي

الصوابية السياسية بين تحقيق العدالة وتثبيت الرقابة (ميغازين).
الصوابية السياسية بين تحقيق العدالة وتثبيت الرقابة (ميغازين).

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

إسراء عرفات

كان الضحك أقدم من اللغة في الوجود (ميغازين)

سيرة الضحك: حين يهتز الوجود مِن خاصرته

سيرة الضحك وتاريخه في الوجود الإنساني، وتمثلاته الفلسفية والاجتماعية

محمد العربي

الكساد العظيم

ترامب يعيد التاريخ .. ماذا حدث في الكساد الكبير؟

ستُعاني غالبية الدول التي بدأت لتوّها من الخروج من تبعات جائحة كورونا، بسبب الحرب الاقتصادية التي بدأها الرئيس الأميركي ترامب

إسلام أحمد

وارقة الخوف

وراثة الخوف

الخوف حالة نفسية تهدف لحماية الإنسان، لكن تجاوزه يتطلب تجربة شخصية، لا الاكتفاء بوراثته عن الأسلاف

ميادة نصار

المزيد من الكاتب

أحمد حافظ

شاعر وكاتب مصري

المتنبي مثقفًا: التوازن المستحيل بين الوعي والمصلحة

محاكمة لشعر المتنبي في ضوء المعايير الأخلاقية التي يُفترض أن ترسخها الثقافة.

الشيوعي الأخير يشتري قميصًا.. سعدي يوسف شاعر المنافي

عن الشيوعي الأخير سعدي يوسف، شاعر الحرية والمنافي، رائدًا للجيل ومثيرًا للجدل