في ليلة شتوية تميل إلى الدفء، كان لي موعد مع نولة درويش في بيتها الواقع في شارع مراد بالجيزة، على مقربة من جامعة القاهرة والنيل. ثمة هدوء في المكان لم أعهده في هذه المنطقة التي لا تهدأ فيها حركة الناس وهدير السوبرجيت الذي ينقل المسافرين إلى كل بقعة في مصر. ركبت المصعد لأصل إلى الدور الثالث، وكل ما أفكر فيه هو فوبيا الأماكن المغلقة التي ذكرتها مضيفتي في كتابها، وكيف تتغلب على هذه الفوبيا اليومية، لكنني نسيت أن أسألها!
استقبلتني السيدة نولة متدثرةً بثياب شتوية أنيقة، ومنزل لا يقل أناقة عنها؛ حيث قطع الأثاث القليلة الفخمة وإضاءة خافتة تشعرك بالاسترخاء. وكان أمامي إبريق من الخزف به زرعة صغيرة، أخبرتني أن هذه القطعة كانت من جهاز عرس جدتها راشيل وجدها موسى درويش، والدا والدها يوسف درويش، أي أن عمر هذا الإبريق يربو على 150 عامًا.
وُلدت نولة درويش عام 1949 لتجد نفسها ابنة المحامي والمناضل العمالي يوسف درويش، وهي أيضًا والدة الممثلة الجميلة بسمة. عاشت حياة مليئةً بالأحداث، حيث نشأت في أسرة يهودية مصرية. كان والدها ووالدتها قد اختارا الوقوف إلى جانب قضايا الشعب المصري واعتنقا الإسلام. كان والدها عضوًا في الحزب الشيوعي المصري، محاميًا معروفًا بنضاله في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة، وقد تعرض للسجن عدة مرات، فيما دفع أفراد الأسرة ثمنًا باهظًا لهذا الخيار. نشأت نولة درويش على حب الوطن، وظلت دائمًا إلى جانب من يعانون من القهر والظلم، وتساندهم في مواجهتهما بشجاعة.

بعد حصولها على شهادة الليسانس في الآداب الفرنسية والتربية، تنقلت بين عدة وظائف، فعملت مدرّسةً للغة الفرنسية وعاشت في مدن مختلفة مثل القاهرة، الجزائر، براغ، وموسكو. خلال تلك الرحلات، التقت بمناضلين من مختلف البلدان، وشاركت في النضال بصور متنوعة. كما انخرطت في العمل الحزبي في مصر، وشاركت في العمل العام من خلال منظمات المجتمع المدني التي تهتم بحقوق النساء، وكتبت مقالات تدافع عن حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق النساء بشكل خاص. ساهمت أيضًا في تأسيس مؤسسة المرأة الجديدة التي مازالت عضوًا فعالًا فيها.
تعد سيرة نولة درويش نموذجًا حيًا وملهمًا لمناضلة مصرية، في ظل التغيرات الكبيرة التي شهدتها الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في مصر منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى ثورة يناير 2011، التي شاركت فيها.
في كتابها المكون من 267 صفحة والصادر عن دار الكرمة في القاهرة لعام 2024، لا يسعى الكتاب إلى تسجيل وقائع وحقائق أو أن يكون تاريخًا موازنًا، بل من خلال سرديتها، تقدم بانوراما بصرية متمثلة في مايزيد عن 80 صورة كأن في يدك ألبوم صور عائلية لفترة زمنية هامة وممتدة عبر عقود في تاريخ الوطن. فترة على الرغم من قربها زمانيًا، إلا أن الغموض يكتنفها والحقائق تتداخل فيها.
تتنوع "الذكريات" لتشمل مشاهد من المدينة وعمرانها الذي تبدل وتحول، وحميمية في السرد لتتقاطع حياتها مع حياة الوطن. كما يتضمن الكتاب وصفات طعام تبدو شهية، لا تستغرب عزيزي القارئ فنولة لها كتاب بعنوان "في صحبة الطعام" جمعت فيه وصفات من أغلب البلدان التي زارتها، ووصفات خاصة بعائلتها. الكتاب أشبه ما يكون بدفتر الأمهات الذي كن يسجلن فيه الوصفات ويتناقلنه في عصر ما قبل الأنترنت وذكّرني بالحلقة الشهيرة " أستاذة طبيخ" من المسلسل المصري التليفزيوني بطولة بسمة وأشرف عبدالباقي، فالعجب أن بعضهم إذا أراد أن يحط من شأن المرأة والمدافعات عن حقوق النساء يطلق الجملة الشهيرة المستهزية "مكانكم المطبخ" فها هي نولة تؤلف كتابًا عن الطبخ!

حرصت نولة على نقل صورة من بيت ينتمي إلى الطبقة الوسطى التي كانت تعيش في وسط المدينة، والتي أصبح وجودها جزءًا من الماضي بعد أن تبدل الحال الاقتصادي والتغير السكاني لهذه المنطقة. تعرض للقارئ طقوس حياتها اليومية في العديد من التفاصيل.
تتذكر نولة أوائل الحوارات التي دارت بينها وبين والدتها، وكان الأب يوسف درويش غائبًا في سجون عبد الناصر. حين سألت "بابا فين؟" كانت إجابة الأم واضحة: "في السجن". وقبل أن تكمل الطفلة أسئلتها، حكت لها الحكاية: "كان بابا ماشي في الشارع، وبعدين لقى ضابط كبير وتخين، بيضرب طفل صغير فضربه". قصة وهمية "لكن فيها رمز جعلني فخورة بأبي الذي ضرب الضابط من أجل طفل صغير".
بدأت اللقاء بسؤال: ما الذي دفعكِ لكتابة مذكراتك؟ وهل لديكِ رسالة تريدين إيصالها للقارئ؟
أجابت نولة: "هي ليست مذكرات وليست سيرة ذاتية بالشكل المتعارف عليه، أنا أقول إنها مجرد ذكريات. ولم تكن بالتسلسل الزمني بل كانت مساحة التحرك بين أحداث قريبة وبعيدة، كأني أحكي لصديقة حكاية. كتابتي للمذكرات بها قدر كبير من تداعي الذكريات، كأني "بكلم نفسي" على حد تعبيرها، مما أعطاني قدرًا كبيرًا من الحرية. لم أكن أفكر في هذا الكتاب بل كانت لدي مقالات عن النسوية والمجتمع المدني ومدن أفتقدها، كان عدد المقالات 40 مقالًا. فعرضت على سيف سلماوي، الصديق العزيز، الذي أعده ابننا لي، وقال لي: "لا أحد يهتم لقارئة مقالات نشرت سابقًا، من الأفضل لك أن تكتبي مذكرات، فأنت لديك حياة ثرية". فأخذت فترة أفكر في الأمر وأعرضه على الأصدقاء، وأبلغت بسمة، والجميع شجعني. بالمناسبة، أنا أكتب هذه الأيام ما يمكن أن تعتبر رواية."

هناك تحدٍ يقابل المرء أثناء عملية الكتابة، ترى كيف تغلبت نولة على ألاعيب الذاكرة من النسيان وتداخل الذكريات؟
"كنت متخوفة بعض الشيء من عملية الكتابة، فأنا لست كاتبة متمرسة، ولكن الكتاب أخذ مني ثلاث أشهر فقط. وتغلبت على ألاعيب الذاكرة من خلال البحث والتدقيق في المعلومات، ومن حسن حظي أن المعلومات كانت متوفرة على الإنترنت، واستعنت بالأصدقاء، وتحريت الدقة في التواريخ الخاصة بسجن والدي ورفاقه، مستعينة بكتابات تلك الفترة وأيضًا مذكرات والدي حاضرة."
الحديث عن الماضي يجعلنا نفكر إذا كان بإمكاننا العودة بالزمن إلى الوراء لنغير أمور حياتنا. "عن نفسي، لا أريد تغيير شيء. عشت حياتي بالطول والعرض ولا أندم إطلاقًا على أي شيء، حتى على الأشياء التي لم تكن ملهمة بالنسبة لي، لأننا نتعلم من كل شيء.
حرصت نولة على أن لا توجّه ابنتها بسمة إلى العمل النضالي أو أي شيء كما فعل والداها يوسف درويش معها. تقول عن هذا: "أبي ورطني في العمل النضالي، وهذا أزعجني كثيرًا، لأنني كنت أظن أن النضال هو أن أصبح جان دارك، لكن وجدتني سكرتيرة في الحزب الشيوعي المصري، وأنا لم أضغط على ابنتي في أي لحظة، وتركتها تختار ما تشاء بحرية. اختارت أن تكون مذيعة، ومن ثم أصبحت ممثلة، وساندتها في أي خيار."
أخبرتني أنها وهي صغيرة كانت تعرف على كونها ابنة يوسف درويش، وبعد أن كبرت تعرف على أنها والدة بسمة الممثلة، ثم ابتسمت بابتسامة عرفان.
تعرض اليهود في مصر إلى حوادث تفجير على يد الإخوان ومصر الفتاة، وذلك في أعقاب نكبة 1948، وباتت هناك تضييقات على اليهود، فهاجر من هاجر، وتحول بعضهم إلى الإسلام. كان من ضمن هؤلاء والدي نولة يوسف درويش وإستر حاسين، التي غيرت اسمها بعد الإسلام إلى إقبال حاسين. فتوضح قائلة: "اعتناق أهلي للإسلام عام 1947، أي قبل الهجمات بعام، لم يكن يخشى التضييقات، ووالديّ كانا يريدان أن يكونا قريبين من الحركة العمالية المصرية ومن الشعب المصري ذي الأغلبية المسلمة. عائلتي مختلطة من أكثر من دين وجنسية وهوية، ونحن بشر في الأول والآخر. عائلتي كانت أشبه بـ 'مجمع أديان' امتزجت فيه اليهودية بالإسلام، ثم بالمسيحية. حيث تزوج شقيقي من امرأة مسيحية، فيما تزوجت ابنة أخي من مسلم."
أشارت درويش في كتابها إلى شعورها بالألم تجاه التغيرات التي طرأت على وسط البلد (حيث وُلدت وقضت أغلب عمرها فيه) لتتناسب مع المدينة الاستهلاكية. تستكمل قائلة: "القاهرة كلها تغيرت ليست وسط البلد وحدها، وأشعر بغربة شديدة، وياله من إحساس قاس... مثلًا، أشعر بالغربة وأنني خارج مصر في المدن الجديدة في القاهرة. وكانت لي تجربة إقامة هناك، لم أحبها، لأن العلاقات الإنسانية فيها معدومة، الشوارع خالية حتى من الكلاب والقطط، والبشر فقط منازل وسيارات، والأسعار مرتفعة بشكل مبالغ فيه. ربما هذه هي الحياة الحديثة، لكنها لا تناسبني، وليست بالضرورة أفضل شيء. فعدت فورًا إلى مكاني هذا، وعلى الرغم من ضجيجه، إلا أنني أشعر أني في أمان... مجرد أن أنزل إلى الشارع، الناس معظمهم يساعدوني. مازلت أتعامل مع البقالة التقليدية والبائعين في سوق الخضار، ونتحدث ونتعرف. هذا الأنسب لي، وأكثر إنسانية".

في أعقاب النكبة عام 1948 وحرب السويس عام 1956، تعرض اليهود في مصر لتضييقات وصلت حد الطرد، والتي ترتب عليها تشتت عائلة والدي نولة بين أصقاع الأرض. أخبرتني عن هذا "لم أتأثر كثيرًا لأنني كنت صغيرة، وكنت أحب الخروج مع الأصدقاء وحياتي كانت مليئة. بعد ذلك توطدت علاقاتي بأبناء عمومتي، وهم جميعًا كانوا في أمريكا، وكانوا يتحدثون العربية، وأبناؤهم يفهمون العربية، وتحديدًا الشتائم. لم تنقطع الصلات، وكانوا يأتون بين الحين والآخر لزيارة عائلتنا، ليمدوا الجذور ويتعرفوا على ماضيهم ويزورون الأماكن التي سبق وعاش فيها الأجداد. الكثير من المصريين هاجروا في تلك الفترة، واليهود المصريين لم يُطردوا، فمثلاً عائلتي سافرت برغبتها فقط. تم طرد من لا يحمل الجنسية المصرية، وكان عددهم كبيرًا. لكن لا ننسى ما فعلته دولة انقلاب 23 يوليو من الخلط بين فكرة "صهيوني" و"اليهودي"، وهذا خطأ كبير؛ فليس كل يهودي صهيوني. فوالدي كان يهوديًا ومناهضًا للصهيونية قبل قيام إسرائيل، وكان عدد كبير من اليهود في مصر ضدها، والدليل على ذلك أن عائلتي لم تذهب إلى إسرائيل، بل توزعت بين الدول الغربية. أما اليهود البسطاء، فلم يكونوا يعرفون ما هي الصهيونية ولا يهتمون بها، كانوا مجرد مصريين مثل المسلمين والمسيحيين.
ترى من سافر إلى إسرائيل؟
أولاً، كان اليهود مقسمين إلى ثلاث طبقات:
الطبقة العليا: تضم أصحاب المصالح الكبيرة المتحكمين في الصناعة.
الطبقة الوسطى: تحتوي على شريحة عليا وشريحة دنيا.
الطبقة الفقيرة.
لم يسافر أحد من الطبقة العليا إلى إسرائيل، بل سافروا إلى دول مثل فرنسا وإيطاليا وأمريكا، حيث كانت لديهم الثروات التي تمكنهم من الاستثمار. كما أن الشريحة العليا من الطبقة الوسطى سافرت إلى تلك البلدان. أما الذين سافروا إلى إسرائيل، فكانوا من الطبقة الفقيرة جدًا أو من الشريحة الدنيا في الطبقة الوسطى، لأنهم لم يكن لديهم المال الكافي للسفر إلى أماكن أخرى.
من لحظة الميلاد التي لم يكن الأب حاضرًا فيها وتغييبه خلف القضبان، مرت نولة بصعوبات كثيرة ومحن مريرة، لكنها دائمًا مبتسمة ومتفائلة، وتبث الأمل في كل من حولها. يظهر هذا جليًا في عنوان الكتاب "أجمل الذكريات ستأتي حتمًا" تقول: "البداية من المنزل أنا ابنة رجل متفائل حتى النهاية، حتى أنه بعد رحيل أبي، هاتفني أخي وقال لي: لو كان بابا موجودًا، لكان شارك في مظاهرات التحرير أثناء ثورة يناير ولو كان على كرسي متحرك، لأنه كان مناضلًا للوطن وللحياة، ويحب الحياة. كان يتمنى لو عاش 150 سنة." حتى جدتي راشيل أم أبي كانت تحب الحياة جدًا. كانت مناضلة من أجل الحياة. سمعت، وهي في الـ 85، أن أكل الزبادي يطيل العمر، فطلبت من أمي أن تشتري لها زبادي كل يوم. كما طلبت مني أكثر من مرة أن أذهب بها إلى السينما. وفي مصيف رأس البر، صدمتها سيارة جيب وكان عمرها 78 سنة، واضطرت لوضع جسمها في الجبس وعاشت في السرير سنة كاملة. لكنها تجاوزت كل ذلك وسافرت وحدها إلى أمريكا سنة 1968 وهي تقترب من التسعين، وركبت الطائرة لهذه المسافة. ويبدو أن حب الحياة وراثي لدينا في العائلة.
أما تفاؤلي هذا للأجيال القادمة، فأنا مؤمنة بحتمية التغيير وبصيرورة التاريخ وتراكم النضالات. لا يمكن أن نتجمد عند حالة بعينها. أنا أؤمن بأن استمرار الأمل في غدٍ أفضل هو الذي يعيننا على التعامل مع ما تأتي به الحياة إلينا. وهو ما يجعلني أستدعي تلك الأبيات الرائعة لشاعرنا العظيم ناظم حكمت، الذي رغم بقائه سنوات طويلة في السجن ومعاناته من القهر والظلم، ظل يقاوم بالأمل الذي بثه حوله للأجيال المتتالية من المناضلين من أجل العدالة والحياة والإنسانية:
"أجملُ البحار
هو البحرُ الذي لم نذهبْ إليه بعد.
وأجملُ الأطفال
هم الذينَ لم يكبروا بعد.
وأجملُ الأيام
هي تلكَ التي في انتظارنا.
وأجملُ القصائد
هي تلك التي لم أكتبها لك بعد."
ثم أكملت: "من عندي، أجمل الذكريات ستأتي حتمًا"، وهذا ما أعجب به سيف سلماوي وجعله عنوانًا للكتاب.
يتقاطع تاريخ نولة الشخصي مع تاريخ مصر، سواءً كان مع والدها المناضل العمالي يوسف درويش، أو معها شخصيًا بعد أن اختارت العمل المجتمعي." فإلى أي مدى حرصت على أن يكون هذا الكتاب مادة تاريخية؟" فتجيب: "أنا محظوظة لأنني عشت أشياء لم يشاهدها أحد مثلي، حتى من هم في جيلي. ودوري ودور من عاش مشابه لما عشته هو أن تعرف الأجيال القادمة، وهذا حقهم علينا. أنا لست مؤرخة، ولكن أي شخص يكتب عن فترات أجيال كثيرة لم تعشها، فهي قطعا مادة تاريخية. هذا هو التاريخ الشفوي الذي لن تجدوه في الكتب الرسمية."
السيرة الذاتية عمل شائك في عالمنا العربي، وللنساء تحديدًا. تحدثت نولة عن اختيارها للأحداث والشخصيات التي ظهرت في كتابها، وقالت: "ما أذكره هو ذكريات. وبالمناسبة، الذكريات أكثر بكثير مما ذكرته. ومعاييري هي أنني لا أذكر أحدًا بكلام سيء وهو مازال على قيد الحياة أو أذكر اسمه. لكنني حرصت على ذكر كل الأسماء التي أحببتها. وهناك ذكريات لها خصوصية لي ولأفراد عائلتي. أما للآخرين، كنت لا أريد أن أقع في النميمة. وعن السيرة الذاتية النسائية "النساء صمتن كثيرًا، فلابد من البوح بما في داخلهن من غضب وحب وكراهية."
نجحت ثورة يناير في تفجير قضايا اجتماعية، وتحديدًا قضايا المرأة بشكل أوسع. تشير درويش"إلى أن الثورة بشكل عام أعطت الناس مساحة لتأمل أحوالهم ومعرفة حقوقهم، وجعلت البنات على وجه الخصوص أكثر جراءة ويتحدثن عن المسكوت عنه. "ما لم نكن نستطيع أن نتحدث عنه سابقًا، دائمًا ألتقي بفتيات واعدات." كما أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت النساء أكثر انفتاحًا على العالم، وتواصلًا مع نساء في أماكن أخرى قد تكون مماثلة لمصر. "نعم، أشعر بالتغيير في هذا الجيل، وخصوصًا لدى نساء الطبقة الوسطى".
وعن التحديات التي تواجهها الحركة النسوية في مصر اليوم، تقول: "الحركة يعني أننا نعمل كمجموعات كبيرة متفقة على أغلب أو حتى بعض القضايا، مثل العنف ضد المرأة أو حقوق المرأة في العمل. هذا ليس متحققًا مع جمعيات حقوق المرأة الحالية، فكل منا يعمل بمفرده. عملنا كثيرًا على أن يوجد مشترك بيننا، ولكن للأسف لم يحدث. لكن لدي أمل في حدوث ذلك قريبًا. هذا أول تحدٍ. أما التحدي الثاني فهو انتشار خطاب أصولي يُهمش النساء تمامًا ولا يتم مواجهته على المستوى الرسمي بطريقة واضحة. هذا الخطاب يؤثر على جماهير عريضة ذات نسبة أمية كبيرة، ولا توجد نية لتغيير ثقافة المجتمع على مستوى المناهج التعليمية أو الخطاب العام. ولا نغفل الأزمة الاقتصادية وطحنها للناس، خصوصًا النساء، مما يجعلهن لا يفكرن في حقوقهن. الطبقات الفقيرة، التي يعمل أغلب نسائها في أعمال لا تضمن حقوقهن، مثل العاملات في المنازل، يُجبرن على تحمل العديد من الظروف الصعبة."
تعاني النساء من تمييز طبي ضدهن، وهو تمييز تعاني منه النساء في مصر وفي جميع أنحاء العالم. يعني أن النساء قد يحصلن على خدمة طبية أقل، أو يتأخر تشخيصهن، نتيجة أنهن نساء. ويرجع هذا التمييز في المجال الطبي إلى تنميط النساء من قبل مقدمي الخدمات الصحية، بأنهن يدّعين المرض. نتيجة هذا التنميط، تحدث تشخيصات خاطئة، مما يؤدي إلى زيادة المضاعفات التي كان يمكن تجنبها إذا تم التعامل مع شكاوى النساء بجدية.

وكانت لنولة تجربة شخصية مع هذا التمييز، عندما وصف الطبيب بسخرية آلامها المبرحة بأنها "هستيريا نسائية"، وكادت أن تفقد حياتها. أضافت أيضًا أن صديقتها تعرضت لمشكلة مشابهة عندما تعرضت لنزيف حاد، وقالوا لها ولزوجها في المستشفى إن "هذه هستيريا نسائية" وإنها "بتتدلع". وفي النهاية تبين أنها كانت مصابة بسرطان، وماتت لاحقا.
وعلى ذكر الطب تذكر نولة الطبيب فريد حداد الذي قُتل من شدة التعذيب في سجون عبدالناصر تصفه" بأن وجهه، وبشرته الفاتحة وعينيه الزرقاوين وشعره الكستنائي، يذكرني بجمال الطبيعة في أبهى صورها. كان ذو قلب عطوف ومحبّ للبشر. كانت عيادته في حي شبرا ملاذًا للمرضى، خاصة الفقراء منهم، حيث كان يقدم لهم خدماته بكل تواضع وحب. كان وجهه يشع نورًا دافئا يطمئن القلوب، إنني عندما أتخيل وجهًا لملاك، فإنما تأتي صورته إلى ذهني على الفور..
كما أتذكر جيداً زياراتي لعيادته. كانت رائحة المطهرات تفوح في الهواء، ولكنها كانت رائحة مريحة تطمئن القلب. كان مكتبه صغيرا، ولكنه كان مليئًا بالكتب الطبية والأدوات الجراحية. كان يجلس خلف مكتبه، يستمع إلى شكواي بصبر، ثم يصف لي العلاج بابتسامة لطيفة. كان يحرص على أن يشعر كل مريض بالأهمية والاهتمام".
في كتابه "خارج المكان"، ذكر إدوارد سعيد أن الدكتور حداد تزوج من فلسطينية تدعى إيدا وأنجب منها ثلاث أطفال غادرت مصر منكسرة الفؤاد بعد أن ظلت لسنوات تبحث عن زوجها في المعتقلات وكان لديها أمل في أن تجده. وقد التقيت بأولاده، وهم وديع وسامي ومنى، ووجدت فيهم نفس الصفات الإنسانية التي يتمتع بها والدهم.
تحكي نولة عن ذكريات تعرفها على الثنائي الفني الذي جمع بين الملحن والمطرب الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم، حيث أتيحت لها الفرصة في فترة شبابها لحضور حفل خاص بالشيخ إمام في منزل شخص فلسطيني لم تلتق به بعد ذلك. "حضرت الحفل مع جهاز تسجيل كاسيت، وسجلت جميع الأغاني التي استمعت إليها"، والتي كانت بالنسبة لها اكتشافًا مذهلا. من بين الحضور كانت المناضلة شاهندة مقلد التي اشتهرت بتبني قضايا الفلاحين، وقد تأثرت بالمؤلفة عندما علمت أنها ابنة يوسف درويش. استمرت المؤلفة في الاستماع إلى التسجيلات التي أخذتها طوال الأيام التالية، وكان صدى الأغاني يلاحقها حتى عندما لا تستمع إليها.
وفي ثورة يناير 2011، حين تم بث أغنية "يا مصر قومي وشدي الحيل، كل اللي تتمنيه عندي"، انفجرت مشاعر المؤلفة بالبكاء من التأثر. تذكرت المرة الأولى التي استمعت فيها إلى أغاني إمام ونجم مثل "جيفارا مات"، "رجعوا التلامذة"، و"اتجمعوا العشاق في سجن القلعة". وبعد ذلك، حضرت عدة لقاءات مع الثنائي، بعضها في منازل الأصدقاء والمعارف، وأخرى في مدرجات الجامعة. كما كانت تتبع أخبار القبض عليهما ومدة حبسهما. ورغم الحظر المفروض عليهما، كان الملحن الكبير رياض السنباطي قد صرح في حديث إذاعي عندما سُئل عن "أفضل عازف عود في مصر" قائلاً بشكل تلقائي: "الشيخ إمام عيسى".
في نهاية حديثنا، شعرت أنني أمام امرأة استثنائية، مليئة بالتجارب والمشاعر التي لا يمكن اختصارها في كلمات قليلة. نولة درويش، بكل ما مرت به من تحديات ومواقف، تظل مصدر إلهام حقيقي لكل من يقرأ مذكراتها. كان الحديث معها ليس مجرد استرجاع للذكريات، بل دعوةً للحياة، للأمل، وللتغيير الذي لا بد أن يأتي رغم كل الصعاب.
عندما سألتها عن رؤيتها للمستقبل، ابتسمت وقالت: "نحن فقط نتعلم ونمضي، وإذا كانت الذكريات قاسية أو مؤلمة، فبفضلها نعرف كيف نختار طريقنا. وأنا مؤمنة أن أجمل الذكريات ستأتي حتمًا، لأن الحياة دائمًا تحمل لنا الأفضل." ثم نصحتني أن أتعلم البوح من الآن وأن نشجع بعضنا بعض لأنها تقول إن النساء يقضين عمرهن في الصمت والإختلاس وما أقساهما فعلان! كانت كلماتها بمثابة خاتمة غير رسمية لحديث طويل، ولكنها تظل عميقة ومعبرة عن فلسفة حياتها التي تجسد الأمل المستمر.
خرجت من منزل نولة درويش وأنا أحمل في ذهني العديد من الأفكار والنصائح التي لن تبارحني، سواء عن النضال، عن التغيير الاجتماعي، أو عن قدرتنا على التكيف مع الظروف مهما كانت وتغيرها .












