ultracheck
غسان نداف

غسان نداف: نسعى إلى عمل مسرحي بأدوات فلسطينية

28 يونيو 2026

في ظل اللحظة الفلسطينية الراهنة، يفتح الباب أمام مراجعة وإعادة قراءة الكثير، وتتاح الفرصة للنظر بما كان قائمًا من قبل، ولم يكن المسرح أو العمل المسرحي في فلسطين بعيدًا عن ذلك، في ظل حرب مفتوحة تضع كل الأسئلة على طاولة الحوار من جديد. يسعى هذا الحوار لإعادة النظر في التجربة المسرحية في فلسطين، في ظل وضع سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي مأزوم ومختنق وضبابي، يعايش فيه الفلسطيني إبادته ومحوه بشكل يومي. ويحاول الحوار مساءلة ومناقشة أحد أشكال التحرك الثقافي لطرق جدران الخزان، وهو المسرح، الذي يندرج تحت مظلة الفعل والنشاط المجتمعي، باعتباره على تماس مباشر مع الناس، بطرحه لقضاياهم وأسئلتهم، وهل يؤدي هذا الدور حقًا؟ ماذا عن الناس بما هم حضور في مسرح لا يكتمل دونهم؟ هل حقًا يأزمهم المسرح وطريقة طرحه لأزمة/أزمات الواقع؟ أم يقفز عنها لاعتبارات فنية؟

نجري هذا الحوار مع غسان نداف، وهو قاص وكاتب مسرحي، وطالب ماجستير في برنامج الدراسات الثقافية النقدية في جامعة بيرزيت، من قرية رنتيس غرب رام الله، ولد في عام 1991. ويعيش الآن في مدينة رام الله. حاصل على بكالوريوس في العلوم المالية والمصرفية من جامعة بيرزيت، بدأ كتابة القصة في عام 2013، وصدرت له أول مجموعة قصصية بعنوان "موت سارق الخبز"، ثم صدرت له مجموعة قصصية أخرى بعنوان "محاولات النجاة"، وصدرت مؤخرًا المجموعة الثالثة "كل أرض كربلاء". بدأ عمله المسرحي في عام 2015 مع مجموعة "نبض" وشارك في تأسيس فرقة "أثر" المسرحية. ويواصل العمل مع مجموعات شبابية منها مبادرة لوين للتغيير المجتمعي.


  • ما بحيلة المسرح فعله في هذه الأوضاع؟ أقصد في حالة السبات القائمة أو وسط مجتمع يتعرض لإبادة؟ ولا يزال يتعرض لها؟

دائمًا أطالب من الفنون التواضع، ولكن في الوقت نفسه أطالبها بأن تعرف مسؤوليتها وتقف عندها. المسرح غير قادر على تغيير العالم، والمسرحية لن تقف أمام رصاص عسكري ولا هراوة رجل أمن، ولكن هناك مسؤولية تاريخية أمام كل شخص يعيش على الأرض وفي العالم، والذي أقل ما يُقال عنه إنه مجنون ويسحق العدالة بقذارة كما قال غسان كنفاني.

يعتمد المسرح على التراكم الذي بدوره يخلق "ذائقة"، وعندما تُخلق هذه الذائقة فأنت تطرح عليه الأسئلة اليومية الصعبة، التي يعايشها في يومه، شريطة أن لا أقدم له إجابات، وأواصل طرح الأسئلة. العروض المسرحية تكمل بعضها بعضًا بالنسق نفسه، بمعنى أن كل مسرحية تحقق هدفها بذاتها.

  • لكن ما علاقة الذائقة بالعدالة؟

أنت خلقت ذائقة عند الجمهور بأن المسرح يُضحكهم، ولكن الضحكة يمكن أن تأتي في سياق تحرش بفتاة وهو ما نشاهده في مسرح عادل إمام مثلًا، وبالتالي يتم تمرير التحرش على أنه مضحك وكذلك الأمر في التعامل مع جسد المرأة البدينة، الذي يجري تمرير التنمر على جسدها عبر الضحكة، وهنا تسحق العدالة بالضحكة. ولهذا أسعى إلى خلق ذائقة عامة، بأن يصبح المسرح هو من يضع الجمهور في أزمة من خلال أسئلة العدالة الصعبة.

  • هل يتأزم الجمهور فعلًا؟

قال سعد الله ونوس إنه في كل مرة كان ينتظر من الجمهور أن يخرج من المسرحية إلى مظاهرة، لكن في كل مرة يخرج وهو يصفق. الجمهور لا يكون دائمًا على قدر التوقعات، لكن الجمهور لديه استقلالية، أقصد بالجمهور نحن وما نعيشه، "أنا بالآخر جمهور برضه".

لم يعد الأمر كما في العصور أو القرون السابقة حين كان العرض المسرحي يمتلك الحقائق، وهناك جمهور يتلقى هذه الحقائق، والذي ارتبط بالطبقة.

بات هناك "دمقرطة للفن" تزايدت كثيرًا مع وسائل الإعلام والتلفزيون، بمعنى أن الجمهور أمامه مصادر ومشارب عدة لا ينتظرها من العرض المسرحي. وهذا يؤثر على تفاعله أيضًا، لأنه قبل مجيئه يكون قد شاهد آلاف الريلز (مقاطع فيديو قصيرة) وقد يكون شاهد جنازة وتفاعل معها بالحزن والبكاء. فعندما تقوم بتقديم مشهد مُحزن، قد لا يتفاعل الجمهور بالقدر المتوقع منه أو قد لا يتفاعل حزنًا بتاتًا.

  • ألا يوجد للمسرح خصوصية عن سائر الفنون بقدرتها على "تأزيم الجمهور"؟

هناك ثقافة جماهيرية تترك أثرها، المسرح بينهم لا يزال لديه خصوصية، والقدرة على التغيير، لكنها باتت أصعب. عندما أريد أن أواجه بعمل مسرحي مع مجموعات شبابية، نعتبر قلائل أمام المشارب الأخرى: مثل فيلم العيد، والمسرح التجاري.

اعتمد في العمل المسرحي على ما أسميه "الفخ أو المصيدة"، وأقصد بها أنه يمكن للجمهور أن يضحك قليلًا، لكن في لحظة أقوم بضرب الجمهور الكف الأول، الذي يكون على شكل إثارة قضية أو سؤال ما، حينها أتركه أمام أسئلة وأزمات. وتوقيت هذا "الكف" يدركه جيدًا الكاتب المسرحي الذي يمارس العمل المسرحي من المسرح لا من المكتب. أنا اختبرتها بالأعمال التي قدمتها، قمت بإرسال رسائل بعد أيام من العرض، لمن شاهد العرض، واختبرت إن كان لا يزال يفكر في السؤال الذي أثير في العرض.

وكان ذلك في قضية "الهجرة" والخروج من البلاد، والتي عدلت عن موقفها بعد سؤال أو فكرة كانت بداخل المسرحية، والتي أخذت قرارًا قد يبدو مصيريًا في حياتها، مثل التراجع عن السفر، وهؤلاء الناس هم من نستثمر فيهم.

  • قدمت تجربة في مسرح المضطهدين، ومسرح الحواري، كيف يمكن قراءتهما في السياق الفلسطيني؟

مع واقع البرازيل والقمع والدكتاتورية التي كان يعيشها الناس هناك في نهاية الستينيات، مستفيدة من ثورات وانتفاضات الحركة الطلابية بالستينيات. قام أوغستو بوال بعمل مسرح المضطهدين، متأثرًا بالتعليم الحواري والتحرري الذي قدمه المُعلم البرازيلي باولو فريري.

بدأ اهتمامي بمسرح المضطهدين عندما قدمت محاضرة أدائية. وهو مسرح ينادي، ببساطة، بأن لا يكون هناك صوت معلم وصوت طالب، بل أصوات متعددة من طلبة ومعلمين ومناهج، كلها أصوات في حالة حوار. إذ يقوم التعلم الحواري على فكرة أنه لا أحد يمتلك الجواب، وبالتالي الحوار حول المشكلة أو لحل مشكلة هو الأساس.

من ناحية الأدوات، نقوم بعرض مشكلة من خلال سكيتش مسرحي (وهي نوع من أنواع هذا النمط المسرحي ولكن هذه جزئية أساسية) الجوكر يوقف العرض أو الجمهور يختار أن يوقف العرض عند نقطة أو مشهد معين، ليتدخل الجمهور في العرض، ويدخل بالمعنى الحرفي إلى الخشبة؛ أي ينزل من منطقة المشاهدة إلى منطقة التمثيل. يصبح ما يسميه بوال "المتفرج الممثل"؛ أنت كمتفرج تأخذ محل الشخصية لتحل المشكلة. كأن تكون الشخصية تواجه عنفًا في الأسرة، يقف المتفرج أمام الأب ويرتجل هذا الدور.

قمت بتجربة من خلال محاضرة، قدمت فيها نقدًا على نقل الأدوات الجاهزة، وتساءلت عن أدواتنا، وما هي أدواتنا؟ قمت بتجربة أدواتنا في مسرحيتين مع "مبادرة لوين" للتغيير المجتمعي: ستون دقيقة من الذاكرة، وفي بطن الحوت.

لا يُكتب النص المسرحي في هذا النوع من المسارح على يد مؤلف، وإنما يُكتب على يد مجموعة كبيرة من الناس، من المشاركين ومن أصحاب القضية أيضًا. إذا كان عن الأسرى، فالأسرى يقومون بالمشاركة معنا بكتابة النص، ويُعاد لهم على مسرح مفتوح أمام الناس.

عندما نأتي بهذا المسرح للسياق الفلسطيني، نرى سياقنا الفلسطيني ماذا يريد؟ وماذا يلزم المسرحية؟ وما الذي نريده من الجمهور؟ وماذا يريد منّا؟ ويجري التعبير عن ذلك بالكتابة، لا ينتهي العرض من دون أن يكتب الجمهور مشاعره وأفكاره وما الذي يريدونه من المسرح، وما الذي ينتظرونه في العمل القادم أو التالي، وهنا تصبح المسرحية ليست ملك المجموعة أو المؤلف.

علينا أن نواصل تطوير في مسرحنا وأدواتنا وفق حاجتنا، أحيانًا نأخذ من التهريج، ومن التعليم الحواري، ومن المسرح التغريبي، ومن المسرح التغريبي التعليمي. هناك سؤال متجاوز المسرح، وهو الواقع والحاجة.

  • لكن رغم أن الحالة المسرحية في فلسطين ليست واسعة، أين يكمن الاختلاف عن باقي العمل المسرحي، في الأدوات أم في المضمون أم في الجمهور؟

ما يميز العمل المسرحي الذي نقوم به، من ناحية المكان قررنا أننا لسنا بحاجة إلى فضاء مسرحي بالمعنى الكلاسيكي للعرض؛ لأن ذلك من شأنه أن يُحيل الجمهور إلى موقع المتفرج، ما يولد مسافة بين الجمهور والعرض، ليس هناك مسرح يتميز بتمايز الممثل عن الجمهور.

ونسعى كذلك لأن يكون الممثل والجمهور في المساحة المشتركة نفسها، ولا يكون المتفرج ضيفًا على المسرح، بل مشارك في نقاش القضايا ذاتها، وهو المسرح الذي يُشكَّل ليصبح صالحًا للحوار. وبهذا يصبح المكان؛ أداة، تُحوّل المكان البسيط إلى مساحة للحوار المسرحي، وهذا يعتبر من أهم الأمور بالنسبة لنا. الذي نقصده بالحوار هو أن العمل المسرحي يحكي ما الذي يحدث ويقوم الجمهور بالتعبير عن ما سمعه. وهي فكرة مأخوذة من الواقع اليومي، حين تذهب إلى بيت عزاء وتسمع قصة من أهل الميت وتبدأ بالحديث معهم.

الناحية الثانية، هي النص الذي لا يُكتب من قبل مؤلف، لكن يتولى الكاتب/المؤلف صياغته وتنقيحه. فالأفكار وحتى البنية الدرامية نفسها، لا تأتي من الكاتب/المؤلف وحده، بل من الجمهور والعمل الجماعي في مجموعات. لا نسعى إلى تحويل موضوعات الناس وقضاياهم إلى لوحة فنية، من هذا المبدأ فالناس تُشارك في بناء المسرحية التي تناقش قضاياهم.

في المسرحيتين اللتين قدمناهما ضمن المسرح الحواري ومسرح المضطهدين، كانت فيهما مشاهد طُلبت من أصحاب القضية. في عرض مسرحية "ستون دقيقة" التي تتناول قضية الأسرى، قال أحد الأسرى الذين شاركوا في بناء المسرحية "كتبنا بالقهر على عيونهم وإحنا نحكي لهم بتجربتنا، بس ما توقعت ولا مرة إنه الكف اللي ضربته يرجع لي مضاعف، رجع لي السؤال".

  • شاهدت عرض "في بطن الحوت" وهو تجربة في المسرح، وقدمت المسرحية نقاشًا حول قضايا معقدة، وهي التهرّب إلى الأراضي المحتلة، أحدهم قدم للعمل والآخر قدم لتنفيذ عمل فدائي، حدثنا عن العمل؟ وما هي الأسئلة التي أراد طرحها للناس ليحملوها معهم؟

مسرحية "في بطن الحوت" تنتمي إلى نمط القراءة الممسرحة، وهذا جزء من العمل في مجموعات تبدأ بالقراءة ثم العرض، وهذا جزء من شكل مشاركة الجمهور. الممثل يمسك الورق ويقدم نصًا لا يقرأه، ويعيش مع النص والجمهور، الذي يشعر بأن هذا الشخص (الممثل) يروي حكاية ما ويطرح أسئلة محددة.

شارك في العرض كل من: موسى نزال، تامر طافش وإخلاص صوالحة. وشارك أيضًا في شكل العرض؛ العمال الذين قمنا بمقابلتهم، ووصايا الفدائيين والشهداء التي تركوها لنا، وكذلك الشهيد باسل الأعرج من خلال ما كَتب من وصاياه، إلى جانب مجموعة من الأصدقاء الذين قمنا بدعوتهم لقراءة المشهد المركزي وكتابة بنية مسرحية، من دون أن يشعروا أنهم كُتاب يقومون ببناء مسرحية، بل كان يجري النقاش معهم حول رؤيتهم ومشاعرهم وأفكارهم تجاه هذا المشهد المركزي. وشارك أيضًا مجموعة أخرى من الممثلين والكتاب، فهو عمل جماعي بالمعنى المجتمعي، وجماعي داخل الفرقة.

  • ولماذا المسرحية عالقة في الثنائيات (العامل والفدائي) المباشرة؟ رغم أن الأمور في هذه القضية قد تكون أعقد؟

سأحكي لك موقف وقصة بداية، كنت في رنتيس، أتحدث مع شخص قريب ومقرب مني، يعبر عن معاناته في حياة العمل والسكن في الداخل، لكن عمري ما شفته في هذا الغضب، وسمعت جمل لم أسمعها من قبل مثل "إن شاء الله بنحرقهم. فش حدا فيهم منيح". بعدما سمعت هذا الغضب، ونمت به، صحوت على عملية فدائية، يوسم فيها محافظ سلفيت منفذ العملية بأنه مريض نفسي، عبر لي ابن عم الشهيد عن غضبه تجاه هذا الوسم. طوال الطريق من رنتيس إلى رام الله، وأنا في رأسي غضبان يتناحران: غضب العامل وغضب وضع العمال، وغضب وضع الفدائيين. العامل يريد أن يعيش مع عائلته باكتفاء، والفدائي يريد أن يقاتل الدولة أو يحقق العدالة بالطريقة التي يفهمها، أو يمارس فعلًا صغيرًا في طريقه للعدالة؛ الاثنان كان مطلبهما إنسانيًا. فهي ثنائية بمعنى الواقع، أو السلطة خلقتها، لكن المسرحية تجبرهما على التماه مع بعضهم، ويتداخلا.

السلطة تركت العامل بلا فرص عمل ولم تؤمن له أي فرص أخرى، واتهمت من يذهب إلى العمل السياسي بأنه مريض نفسي. بالتالي السلطة هي من صنعت هذه الثنائية، فهي ثنائية السلطة. ولكن مقولة المسرحية، بأن الاثنين (العامل والفدائي) يبحثان عن خلاصهما، وجهة نظر للحياة والعدالة. لهذا نجد في المسرحية، في لحظة، أن العامل يدافع عن العمل الفدائي أكثر من الفدائي نفسه.

لكننا نريد أن ينتهي كلاهما، وينتهي هذا الشكل من العالم، ينتهي هذا النمط من الحياة، بأن هناك طرف مسيطر على الآخر، وأن هناك كيان مُسيطر على شعب.

عملنا على أداء هو أقرب إلى طريقة عمل الشاعر والكاتب المسرحي برتولت بريشت (1898–1956). القصص تمر من خلال الممثل، ولا نسعى لكسب تعاطف الجمهور مع إحدى الشخصيتين، ولا نريد من الجمهور أن يشعر بالشخصية ويعيش معها. نريد أن نرى أسئلة وأفكارًا وقضايا تمر من جسد وصوت وإحساس الممثل للجمهور. السلطة مزقتهم، لكن هم موجودون في مجتمعنا، والسؤال: الاثنان يعبران عن العدالة.

  • في بداية مسرحية "بطن الحوت" تلا أحد أعضاء المجموعة، بيانًا مسرحيًا؟ حدثنا عن هذا البيان؟

البيان المسرحي كان الهدف منه دعوة الناس للمشاركة في الممارسة والكتابة المسرحية، ضمن سعينا إلى منهجية فلسطينية، وعمل مسرحي بأدوات فلسطينية. ولأن المنهجية عندما يُعبر عنها ببيان، والبيان بمثابة دعوة، وهو ما نراه في أي بيان، سواء من الحركات السياسية أو حتى المانفيستو الشيوعي؛ الذي كان حاضرًا في رأسي طول الوقت.

لم يكن ماركس في البيان الشيوعي يحلل، بل كان يخبر ماهيته. ونحن أيضًا أردنا أن نقول للجميع إن المسرح سياسي. بالتالي لا يحاول البيان الشرح لماذا المسرح سياسي ولا لماذا حواري، البيان فقط بمثابة بيان إعلان للحسم، ثم نوجه دعوة للعمل الجماعي لتطوير المنهجية. لا نسعى إلى مسرحية بحد ذاتها، بل إلى تجربة وممارسة مسرحية.

اتصل بي "مسرح الحرية"، وطلبوا مني العمل على معالجة نص "الشهداء يعودون إلى رام الله". وقاموا بتحذيري بأن هناك محاولات سابقة للتعامل مع النص إلا أنها لم تكتمل، كما لم أفهم ما إذا كان بسبب الخوف من سياسية العمل أو خوفًا على العمل، لكن لم أسأل كثيرًا عن الأمر، وطلبت قراءة النص.

وافقت، وتحدثت مع المخرج محمد عيد، الذي عملت معه من قبل في أربع أعمال سابقة، ونجيد العمل سويةً، وبدأت العمل على النص، طلبت معرفة الممثلين للعمل بشكل جماعي، كما أفعل دائمًا. ولأنني لا أريد التعامل مع هكذا نص لوحدي، لحساسية النص، إلى جانب كونه غير جاهز للاشتغال المسرحي بمعنى جاهزًا للعرض، ولكن في الوقت نفسه لا أريد تغيير أي شيء فيه، لذلك عملنا لقاءات مع الممثلين والمخرج، استمرت لساعات طويلة لنعرف كيف سنبني المسرحية بالشكل الذي كان يريده وليد دقة، وما الذي يريد إيصاله من المسرحية. ولأن المسرحية إذا ما نُفذت بالشكل الذي هي عليه لن توصل مُراد وليد، لأن هناك شروط لخشبة المسرح، يعلمها الشخص الذي يعرف المسرح من الداخل، مثل معرفة أي الجمل التي إن خرجت بهذه الطريقة أو هذا الأداء قد تجعل الناس تصفق، مع أني متأكد بأن وليد دقة لا يريد من الناس التصفيق.

كان دوري، الذي يمكن أن أصفه بالسهل الممتنع، يتمثل في إعادة النظر إلى الجمل والنصوص كما تبدو عندما توضع على أرض الواقع، أي على خشبة المسرح.  لذلك احتجت أحيانًا إلى إضافة جُملة لتوضيح المكان أو السياق، أو إلى تقديم مشهد وتأخير آخر لأن البناء الدرامي كان يتطلب ذلك. بعد أن تماسك النص، والتحمت أجزاؤه بعضها ببعض، وصلت إلى صيغة اقتنعت بها، وبدأ العمل. وعندما شاهدت العرض، شعرت أن هناك أمرًا غير مكتمل، كان العرض جميلًا ومبهرًا، وهذا يحمل في الوقت نفسه جوانب إيجابية وأخرى سلبية. فعندما كتب وليد دقة صهر الوعي، لم يقدم الأسير بوصفه بطلًا مطلقًا، بل على العكس، أوجع وزعزع حتى صورة الأسير نفسه، وأشار إلى الإشكاليات التي تحيط به. لقد كان نصًا مزعجًا، بالمعنى الإيجابي للكلمة، وكانت المسرحية تهدف إلى إزعاج الناس خارج السجن ودفعهم للتحرك وفعل شيء ما، من أجل تحرير الجثامين. ولكنني تفاجأت برؤية شخص التقط صورة مع وزير، قبل العرض بيوم، كان سعيدًا بالمسرحية التي تنتقد ذلك الوزير. عندها أدركت أن في المسرحية جانبًا "تنفيسيًا" لم نكن منتبهين إليه، أو على الأقل أن هذا احتمال يستحق التفكير فيه.

الاحتمال الآخر، أنه جاء للعرض جمهور كبير وهذا أعطى طاقة كبيرة، والطاقة الكبيرة تفرز حماس، والحماس يخلق جوًا مناسبًا للتصفيق. وهذا الجمهور الكبير لم يأتي لمشاهدة عرض مسرحي بقدر رغبته بالاحتفاء بوليد دقة، وكأنه حدث وطني، هذا مزعج للمسرح بالطبع. المسرح ليس وطنيًا بل يساءل الوطن، كما يخلق المسرح ثقل وطني حقيقي.

صفق الجمهور أربع مرات بدلًا من عشرين، هذا ما حوّل العمل إلى تنفيسي بدلًا من أن يتسبب بتأزيمهم وضغطهم، إذ فرغ الجمهور شحنة الغضب بدلًا من شحنها.

  • لقي العرض احتفاءً كبيرًا، برأيك ما الذي جعل الناس متفاعلين مع المسرحية؟

برأيي، اللحظات التي صفق فيها الجمهور، هي لحظات لم تنجح فيها المسرحية. إذا ما قمتُ بعرض مسرحية "كاسك يا وطن" في قاعة مغلقة تتحول إلى عمل تحريضي وتفتح أسئلة صعبة، ولكن حين تُعرض في مسرح وطني قومي، تتحول إلى عمل تنفيسي؛ وهنا لا أقصد شكل المكان بمعنى تصميمه، لكن الجمهور وأعدادهم اللذين قد يحولا العمل الذي من المفروض أن يضغط الناس إلى عمل يجعلهم يصفقون.

  • هل مسألة مكان العرض أساسية في عملك؟

بالطبع، وأفضل أن تنطلق المسرحية من أماكن ضيقة، أي من مكان لا يحتوي على مدرج ومنصة.

  • كتبت نصوص مسرحية مثل "حياة"، "هوية غريب"، "قيد انتظار"، "جريمة في المأوى"، "ستون دقيقة"، هل هناك ثيمة واحدة تعمل بداخلها؟ وما الاختلاف أو التطور الذي حصل على هذه النصوص عبر عشر أعوام من التجربة تقريبًا؟

لا يخلو عمل من الموت، في كل عمل مسرحي هناك موت أو فقدان، وممكن أن يكون هذا لكوني بدأت الكتابة مع فقدان أمي، ولكني غير متأكد تمامًا من ذلك. ويمكن أيضًا لأنني أرى المسرح مثل الأدب، بكونه فعل ولادة، فعل حياة وليس محاكاة للحياة. غير قادر على فهمها بدون نهايتها الحتمية؛ الموت. أما بين الولادة والموت هو ما الذي نسعى لتحقيقه في هذه الرحلة من لحظة الولادة إلى لحظة الموت الحتمية، كأن تعيش وأن تضرب مسمارًا في نعش هذا العالم ليكون أكثر عدالة. وبما أن المسرح محدود بين بداية ونهاية فهو يسعى لترك أثر.

من جانب آخر، المنهجية أو طريقة العمل وأن كل الأعمال التي قمت بكتابتها هي مسيسة، كما اعتقد أنه لا يوجد مسرح غير مسيس، لكن على الأقل المسرح المسيس يعترف بذلك، وأنه جاء ليطرح سؤال العدالة ويضعه على خشبة المسرح.

في كل مرة يُطرح هذا السؤال من موقع مختلف؛ مرة في الحيز السياسي المباشر كما في "جريمة المأوى" و"هويّة غريب" في معنى الحياة والهوية والإنسانية، ومرة في العلاقات الإنسانية والعدالة في العلاقات والحب في "قيد انتظار".

المؤكد أن السؤال سيكون دائمًا: ما الظلم هنا؟ وما العدالة التي نريد تحقيقها من خلال هذه المسرحية؟ إلى جانب مفهوم العمل الجماعي، فدائمًا كان سؤال المجموعة، وسؤال الفريق ككل، هو السؤال الحاضر والأساسي، وهو الذي يحمل العمل بأكمله.

  • خلال الحوار لم تتعامل مع حدث الإبادة، بوصفه كان قطعًا مع شيء وعقد مع شيء آخر، هل حقًا ترى عملك السابق متصل بالأسئلة ذاتها لهذا لم يحصل هذا القطع أم ماذا؟

صحيح هناك شيء أساسي بعد الإبادة وهو أنني لم أعد تهمني الاحترافية، وآخر ما توصلت إليه قبل الإبادة كفرد هي مسرحية "قيد الانتظار"، وحين جاء حدث 7 تشرين الأول/أكتوبر، أول شيء حدثت به نفسي به أنه لا أريد "قيد الانتظار" الذي يمثل بالنسبة لي عملًا فرديًا، وأنني أريد فقط العمل الجماعي. الإبادة لم تغير المسرح لكنها جعلتني أصحو على عمل المسرح.

وسؤال الإبادة هو سؤال العدالة، هذا ما أخبرت به المؤسسات سابقًا التي اجتمعت للتفكير على العمل بعد الإبادة، وكان سؤالي  لهم ما الذي كنتم تقومون به قبل الإبادة في حال توقفت وبدأتم من جديد، هذا يعني أن عملكم لم يكن متصلًا بفلسطين بقدر اتصاله بالتمويل.

ارتبط تفكيري في المسرح، بتفكيري في الهوية؛ الطبقية، الجندرية، وسياسات الهوية، إلا أنني مؤخرًا أنطلق من الوقع الاستعماري، حين أقوم بكتابة عمل يتحدث عن المرأة كانت قراءتي من خلال سياسات الهوية، أما الآن عن المرأة في سياق العدالة والتحرر. "الإبادة صحتني على خطأ".

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

سليمان المعمري

حوار| سليمان المعمري: فلسطين بوصلتنا الوطنية والإنسانية والأخلاقية

يتحدث الأديب العُماني سليمان المعمري في هذا الحوار عن مسيرته الأدبية والإعلامية، وتجاربه في القصة والرواية، ورؤيته للثقافة، ودوره في مكافحة السرقات الأدبية، وتطوير المشهد الثقافي العُماني والعربي

علاء الدين الشلالي

كوثر بن هنية
كوثر بن هنية

حوار | كوثر بن هنية: السينما منحتني أدوات إيصال "صوت هند رجب" إلى العالم

تتحدث المرشحة لجائزة الأوسكار كوثر بن هنية في هذا الحوار عن اختيار الصوت مركزًا للسرد في فيلم "صوت هند رجب"، وحدود التمثيل، ومسؤولية السينما تجاه الحقيقة

منى شديد

نور عسلية.. الفن متكئًا على الهشاشة (ميغازين).

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

علي جازو

أميمة

أميمة خليل الفن: التغيّرات المناخية تهدد الدول العربية بنزاعات داخلية

تنبئ التغيّرات المناخية التي تشهدها دول عربية بتغيّر شكل الحياة ومستقبل الاقتصاد والعادات الثقافية لسكان المنطقة

سفيان البالي

حاتم الصكر

حاتم الصكر: أكتب لأن الكتابة أقرب الأسلحة إلى اليد

يتحدث الكاتب حاتم الصكر في هذا الحوار عن دراساته ومؤلفاته الأدبية، وتقييمه لواقع المؤسسات والصحافة الثقافية في العالمين العربي والغربي، وكيف يقارن بين الماضي والحاضر فيما يخص الشأن الثقافي

علاء الدين الشلالي

المزيد من الكاتب

مؤيد طنينة

صحفي فلسطيني

الهندسة الإسرائيلية للمناهج الفلسطينية.. التعليم أداة استعمارية

لا يمكن المضي قدمًا في أي مشروع سياسي تحرري دون الالتفات للتعليم وإصلاحه وإرساء أسس تعلُم تعمل على التعبئة والثقافة الوطنية

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

الستاند آب كوميدي: النقد السياسي والاجتماعي والثقافي لعالم ما بعد الإبادة

تقرأ هذه المادة عرض "واقع افتراضي" للفنان الكوميدي علاء أبو دياب، بوصفه نقدًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا للحالة الفلسطينية الداخلية وتفاعلها مع حرب الإبادة، مع الإضاءة على الحمولة السياسية لهذا النوع من الفنون