هاتفت الشاعر عبد المنعم رمضان لتحديد موعد ومكان إجراء الحوار معه. اتفقنا على الموعد، لكن كان هناك خلاف بسيط حول المكان. أراد رمضان أن يكون اللقاء في وسط البلد، حيث الملتقى التقليدي للمثقفين والفنانين. ورغم حبي لهذا المكان ومناسبته للجو العام الذي سيجري فيه الحوار، إلا أنني كنت أعلم أننا لن نتمكن من الاسترسال في الحديث، خصوصًا أن رمضان يعد من أبرز أعمدة وسط البلد في القاهرة، وحتما سنجد من يقاطعنا.
بعد مداولة، تم الاتفاق على لقاء في شارع فيصل بالجيزة، حيث مكان إقامة رمضان. وهذا الشارع لا يخلو من الحركة والضجيج ليلًا ونهارًا. لكن بعد بحث غير طويل، وجدنا مقهى شعبيًا، فأجرينا فيه الحوار.
كانت مدة الحوار المسجّل هي أربع ساعات ونصف. كان فيها من المعرفة والأدب والشعر ما ضاقت بها مقررات الدراسة والجامعة. فهو "إسكافي اللغة"، كما يحلو له أن يقول عن نفسه، وهو أيضًا شاهد على أكثر من نصف قرن من الثقافة والأدب، اللذين يتقدمهما الشعر. كان حديثه جاريًا، مثل جريان النيل من المنبع إلى المصب، لا يقطعه سوى توصيات ملحة "هذا ليس للنشر"، غير أن طريقته في الإجابة كانت كأنه يقرأ من كتاب. مما جعلني لا أحتاج إلى إعادة صياغة أو حذف أو تشذيب.
لا تنتظر مني، عزيزي القارئ، في هذه المقدمة التعريف بالشاعر، فمحركات البحث ستقوم لك بذلك أفضل مني، ولا أظن أنني أستطيع تقديمه، بالشكل الذي يليق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- لا يزال يُنظر إلى الشاعر في العالم العربي، للأسف، كأنه شاعر قبيلة ويُراد به أن ينطق بما تريده السلطة. كيف ضبطتَ المسافة بينك وبين المؤسسة الثقافية؟
هناك شاعران في كل الأماكن: شاعر يرغب في أن ترضى عنه الأغلبية الساحقة من أهل المكان الذي يعيش فيه، وشاعر يخشى أن ترضى عنه الأغلبية فيأتي بما يخالفها. وأيضًا، هناك شاعران يقيمان عالميهما المخالفين للعالم المحيط بهما، فأحدهما قد لا يحرص على حيازة جمهور كبير، بل يحرص أكثر على قدرة القصيدة التي يكتبها، والتي قد تبدأ منبوذة، على الوصول إلى قارئها الذي يستطيع أن يتشكّل معها.
وشاعر آخر يأتي كمجرد استجابة لما تريده الأغلبية. ولذلك، فإن السؤال غير مشروع. فالشاعر الذي لا يستجيب للأغلبية دائمًا ما يكون، كما ينص سؤالك، مخالفًا للواقع العام وللجمهور ولكل ما هو حوله لأنه قرر ألا يكون مرآةً لما يحيط به، وحتى ألا يكون مرآةً لنفسه.
الشاعر باحث عما لا يوجد، عن اكتشاف الخفي فيه والخفي في العالم. وبلوغه إلى هذا الخفي يكون مقدمة الشاعر إلى العالم، ويعد أيضًا بمثابة مدخل إلى الشعر. فما معنى أن تكون مرآةً تعكس الموجود؟ لا توجد إضافة، لأن الإضافة هي الكشف عما لا نراه.
أما المؤسسات، فهي تكرس فكرة الشاعر كمرآة. والشاعر، الذي أتصوره، لا يرغب في أن يكون مرآةً في مؤسسة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قارئه. والشاعر، وأي مؤسسة من أي نوع، حتى المؤسسة التي ستلبي ما ينادي به، لا بد أن يحاربها إذا قامت بالبحث عن شكل آخر. الشاعر هو الشريك المخالف دائمًا، فهو منوط، وبسليقته، بإضافة عوالم إلى العالم والكشف عما لا نراه فيه. كما أنه لا يكون أبدًا محض استجابة لما هو مكرس له من قيم ومبادئ.
- حدثنا عن البدايات. كيف أثرت علاقتك بشعراء مجلة "شعر" على كتاباتك وعلى نظرتك للشعر؟ وهل كان هناك تبادل للأفكار والآراء بينكم؟
شعراء مجلة "شعر" (وهم: يوسف الخال، أدونيس، أنسي الحاج، فؤاد رفقة، شوقي أبو شقرا، وعصام محفوظ) كانوا من دعاة القوميات الصغيرة. ونحن في تلك الفترة، أنا وزملائي، كنا بالمصادفة ندعو على استحياء ورعونة إلى القومية المصرية، ونحاول أن نعود إلى تراثنا السابق، أي التراث الفرعوني ومعه التراث العربي. أظن أننا اكتشفنا آنذاك موقفنا السياسي من ثورة تموز/يوليو 1952 وظاهرة عبد الناصر، وكان موقفنا شبه رافض، لكن ليس بعقل كامل. كنا آنذاك صغارًا لا نملك أدوات نقد مناسبة، ونملك فقط مشاعر مضادة لهذه الفترة التي تريد أن تضعنا جميعًا في صورة واحدة، أشبه بقالب تريد أن تصبنا فيه.
القصائد الأولى التي نشرتها كانت نتاج قراءاتي للقصائد المصرية القديمة (الفرعونية)، التي كانت أقرب إلى فطرتي. لم أكن حينها واعيًا تمامًا وبوضوح بصراع القوميات في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.
في سنتي الأولى في الجامعة، أحببت أن أعرض شعري على شاعر معروف، ففكرت في أن أعرضه على أحمد عبد المعطي حجازي، وهو قومي عربي عتيد. كنت أقرأ له وأحفظ بعض قصائده، وكان له مقال أسبوعي في مجلة "روز اليوسف" بعنوان "أدب".
وذات يوم، قررت أن أتغيب عن الجامعة وأذهب إليه في مقر الجريدة، وصادف دون علمي أنه يحضر فقط يوم الإثنين. سألت عنه في الاستعلامات، وأخبرتهم أنني أريد أن أقابل الأستاذ حجازي. أجلسوني لأنتظره، قلت لهم إنني لا أعرف شكله، فقال لي الموظف: "عندما يأتي سأدلك". خلال فترة الانتظار، أخذت أنقل المزيد من القصائد. وأثناء ذلك فوجئت برجل قصير القامة، أصلع، نحيل، لم أتخيل أنه الشاعر الذي جئت من أجله. قال لي: "أيوه يا فندم أنا أحمد عبد المعطي حجازي".
عرّفته بنفسي وأعطيته كراسة الشعر، مهمورة باسمي الكامل "عبد المنعم رمضان أحمد حسن"، وقلت له أتمنى أن أعرف رأيك. قال لي: "حسنًا، اتركه وتعالَ الإثنين القادم". مرّت ثلاث أيام إثنين، وكل مرة يؤجلني إلى الإثنين التالي، حتى مللت ويأست، ولم أذهب إليه ثانيةً.
وذات يوم، وبعد شرائي لعدد جديد من المجلة، فوجئت بمقال بعنوان "نداء إلى شعراء المستقبل"، حكى فيه حجازي ما سبق أن قلته، ونشر مع الحكاية بعضًا من أشعاري، اختتمها: "أظن أن هذا الشاب سوف يضطر إلى اختصار اسمه بعد أن يصبح شاعرًا معروفًا"، متنبئًا لي بالشهرة!
الآن، لا بد هنا من أن أعترف أن أحمد حجازي الذي أحبني آنذاك ما زال يحبني فوق ما أستحق، رغم أنني كثيرًا ما هاجمته في مقالات عدة، لكنه غفر لي هذا وظل يحبني. وعندما احتفلت "الأهرام" ببلوغه التسعين قبل أسابيع، أصر على حضوري لإلقاء كلمة عنه.
- لديك علاقة خاصة بأدونيس وصداقة حميمية ممتدة عبر عقود، حدثنا أكثر عنها؟
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، اتصل بي الصحفي أحمد إسماعيل ليخبرني أن أدونيس في زيارة سرية إلى القاهرة قادمًا من باريس (لم يكن مقيمًا وقتها في بيروت)، فاتصلت به وعرفته بنفسي، وأخبرته أنني أريد أن أراه أنا وأصدقائي أحمد طه، ومحمد عيد إبراهيم، ومحمود الهندي، وعبد المقصود عبد الكريم، ومحمد سليمان؛ فرحّب بنا.
كان ذلك اللقاء الأول معه. لم يكن يعرفنا، ربما سمع عنا من قبل. عمومًا، تعرفنا ثم دعوناه إلى مجلسنا الخاص يوم الخميس عند أحمد طه، وجاء وفي صحبته الدكتور عبد المنعم تليمة، وسيد ياسين وسهير فهمي، وهما صحافيان في "الأهرام"، والشاعر والصحافي أحمد إسماعيل، الوسيط الذي عرفنا عليه.
قرأنا شعرًا يومها، وقرأت قصيدة "مرثية أمي". كانت أمي متوفاة في الفترة نفسها، وأخذ هذه القصيدة، وقصائد أخرى من الحاضرين، عدا محمد عيد إبراهيم، الذي حزن لهذا جدًا، لأنه كان أيامها أكثرنا حبًا وحماسة له. وحين جاء في العام التالي، أخبرته قائلًا: "أتعرف من هو أكثرنا رغبةً بلقائك فينا؟ هو محمد عيد إبراهيم، وأنت لم تنصفه، ولم تأخذ قصيدة منه، ولقد حزن جدًا". رد أدونيس قائلاً: "لا تأتني منه بقصيدة، بل بمجموعة قصائد"، وبالفعل نشرها كلها.
كان أدونيس رئيس تحرير مجلة تصدر في باريس. وخلال زيارته، شارك في معرض الكتاب وألقى شعرًا في أول أمسية أقيمت. كنا على المنصة بالترتيب: أدونيس، سعدي يوسف، وأنا، ومفرح كريم، ووليد منير؛ قراءةً وجلوسًا. كان ذلك بحضور فاروق حسني، وزير الثقافة آنذاك، وحاشيته، وجابر عصفور، أمين المجلس الأعلى للثقافة وقتها.
أدونيس كان أول من ألقى شعره، وكان ذكيًا جدًا، حيث قال شيئًا مر علينا جميعًا ولم نلتفت إليه: "المصريون هم أول من كتبوا قصيدة النثر في اللغة العربية"، مشيرًا إلى أن ذلك حدث عندما كتب القاضي الفاضل في زمن الدولة الفاطمية نصًا جمع بين النثر والشعر، حيث كان الشطر الأول نثرًا، والشطر الثاني موزونًا، ليكون بذلك هو أول من كتب قصيدة النثر بالعربية. ضجت القاعة بالتصفيق. سجّل التلفزيون المصري هذه الأمسية وأذاعها فاروق شوشة في برنامجه آنذاك "أمسية ثقافية". وهذه هي المرة الوحيدة التي سأقرأ فيها شعرًا عبر التلفزيون. قرأت قصيدتين: "مرثية أمي"، و"الإسكندرية".
الشاعر باحث عما لا يوجد، عن اكتشاف الخفي فيه والخفي في العالم. وبلوغه إلى هذا الخفي يكون مقدمة الشاعر إلى العالم، ويعد أيضًا بمثابة مدخل إلى الشعر
وعندما انتهيت من قراءة قصيدَتَي، وكان لا يزال هناك اثنان لم يُلقيا شعرهما بعد، قام أدونيس وقطع الطريق الطويل نحو المنصة ليحييني، فاحتضنني وقبلني. فعل سعدي يوسف الشيء نفسه، وكأنهما كانا يتوّجان شاعرًا. والأفضل من ذلك أن هذه المرة الوحيدة التي حضرت فيها زوجتي سامية لتسمعني.
ومنذ تلك الليلة، بدأت علاقتي الخاصة جدًا بأدونيس، علاقة بعيدة عن جماعتنا "أصوات"، وحميمة جدًا فُتحت لي معها أبواب الغرب. سافرت إلى أوروبا، لكني توقفت فيما بعد عن السفر. أنا أشهد له، لأدونيس، أنه يحبّني فوق ما أستحق من حب.
- حدث في هذه الندوة أنك رفضت دعوتين مهمتين: واحدة من وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني، وأخرى من المخرج يوسف شاهين. لماذا؟
جاءني بعد الندوة الروائي محمد جلال، وكان من رجال فاروق حسني، وقال لي: "سيادة الوزير يريد الجلوس معك"، وأعطاني رقم هاتفه للاتصال وترتيب اللقاء. أخذت الرقم منه وشكرته. ثم جاء شاب آخر قال إنه من فريق المخرج يوسف شاهين، وأضاف: "أنا كلمت أستاذ يوسف عنك وعن قصيدتك (الإسكندرية) ويريد أن يتعرف عليك"، وكانوا يصورون حينها فيلمًا عن الإسكندرية ضمن سلسلة أفلامه عنها. بالإضافة إلى شاب قال لي: "أنا كلمت أستاذ يوسف عنك وعن قصيدتك، ويريد أن يتعرف عليك". وبعد أن انصرفوا عني، تخلصت من ورقة أرقام الهواتف.
رفضت الدعوة الأولى لأنني لا أريد أن أكون رجل مؤسسة، ولا من حاشية "الفاروق حسني"، حيث يتم تدجين المثقف كما ينبغي. والثانية لأنني أحب السينما وأرغب في أن يستمر هذا الحب لهذه الشاشة، التي لو اقتربت من صنّاعها لكنت قد كرهتها حتمًا، خاصةً أن شاهين معروف بكونه مخرجًا "دكتاتورًا" لا يقبل رأيًا غير رأيه. فلو طلب مني مثلًا تغيير كلمة واحدة من قصيدتي، قطعًا سأرفض، لأنني آنذاك سأكون مرغمًا على أن أكون شاعرًا لا يقبل رأيًا غير رأيه.
- كيف تؤثر الرقابة على الإبداع الأدبي؟ وما هي الطرق لمواجهة الرقابة والحفاظ على حرية التعبير؟
تجربتنا كجيل أننا بدأنا النشر بعيدًا عن المؤسسة الثقافية الرسمية، فكنا متحررين كثيرًا. كنا نطبع ما نريد رغم محدوديته، ونوزعه بأيدينا. كانت هناك فترة في حياتنا لم تكن الرقابة فيها تعني لنا شيئًا، ولم نذهب إلى أحد، فلا يوجد شيء اسمه الرقابة، ولم تؤثر علينا أو على إبداعنا.
لكن متى حضرت فترة الرقابة؟ عندما توقفنا عن النشر الذاتي واضطررنا للجوء إلى الصحف والجرائد والمجلات وأجهزة الدولة، التي اصطدم مشروعنا بها. كنا في بعض الأوقات نلجأ إلى أماكن أخرى لنشر نصوصنا، مثل بيروت، لأن بقية الأماكن كانت لا تصلح للنشر في ظل تشابه الأنظمة في مصر والعراق وسوريا. أما الخليج، فكان خارج حساباتنا على الإطلاق. أو، على الأقل، علاقتي في الخليج كانت تقتصر على البحرين فقط، حيث دُعيت إلى المنامة وقرأت شعرًا، ولي علاقة جيدة مع قاسم حداد.
أما طرق المواجهة في رأيي، فهي أن تكتب كما لو أن لا أحد سيرى ما تكتبه، ثم بعد ذلك تقرر مكان النشر، حتى لو أنك ستعلقه على حائط بيتك. لكن لا تفكر في الرقابة أو أي سلطة ستفسد مقصدك. اكتب كما لو أنك إله، وبعد الكتابة، افعل ما تراه مناسبًا.
- "مراهنات الصبا" عنوان كتاب للروائي خيري شلبي يتحدث فيه عن مبدعين كانوا واعدين وموهوبين، لكن سرعان ما أفل نجمهم لأسباب ذاتية وخارجية. من ينطبق عليهم "مراهنات الصبا" في جيلك؟
من الشعراء الذين تركوا أثرًا في نفسي كان الشاعر الداغستاني الأعظم رسول حمزاتوف. كان يحكي عن مجموعة من تلاميذه، عشرة شعراء في نهاية الدراسة، لكن واحدًا فقط منهم أصبح شاعرًا، بينما تحول الآخرون إلى أشياء أخرى.
كل إنسان يمكنه أن يكتب شعرًا في أي لحظة، لكن هذا الأمر لا يعني أنه سيبقى شاعرًا. الشعر ليس فقط فن الإنسان الأول، بل هو أول فن في حياة كل إنسان، ثم تدخل الكتابات الأخرى عليه. فهو أول الفنون، مثل الطفولة تمامًا، الطفولة الطاهرة النقية. يتلوث الشعر ويتلوث مع الطفولة.
هل يمكن أن أذكر أسماء لمن ينطبق عليهم ذلك؟ لا، لن أسمي لأن المعاصرة والمجايلة حجاب يصعب رؤية الحقيقة من خلاله. فالشعراء الذين يسيرون معك لا تراهم أحيانًا بشكل واضح.
- قلت في احتفالية تكريم لإبراهيم عبد المجيد إن الواقع يرفض الموهوبين، هل من الممكن أن توضح ذلك؟
لكي تتحقق موهبة الموهوبين في نصوص وأعمال حية، لا بد أن يتمتعوا بقدر هائل من الحرية التي لا تتحملها أي سلطة. لذلك، الواقع يرفض الموهوبين لأنه لا توجد سلطة قادرة على احتمال حرية شاعر واحد.
- متاهة الإسكافي: على الرغم من شاعريتها وحميميتها، لا تروي ظمأ من يريد الاطلاع على سيرتك. هل تظن أنها مكتملة، أم قد تتبعها بكتاب آخر؟
أنا أتمنى أن أكتب نصًا آخر، لكنني أخشى أن يكون عبئًا على النص الأول فيجني الثاني على الأول.
- لماذا لا تكتب سيرة ذاتية مستقلة عن "متاهة الإسكافي" في جو مختلف للكتابة؟
الطفولة لدي أجمل من الشباب، كما أن الشباب أجمل من الشيخوخة. فإذا كتبت سيرة ذاتية عن زمني الراهن، ستكون في نظري سيئة جدًا. لقد كتبت بعضًا منها في مقالات، لكن ليس لدي الرغبة. الطفولة والصبا مشغولان بالأحلام، أما ما بعدهما فينهمك بواقعك وواقعه وآلامه. أما "متاهة الإسكافي"، التي كانت مليئة بالجمال كما قال الآخرون، أخشى أن ما يأتي بعدها لن يكون فيه الجمال نفسه، لأنه سيكون فترة أسئلة النضج والكبر، وفترة الإجابات. لا أريد أن أقدم إجابات، أفضل دائمًا أن أسأل!
- ضمت السيرة الكثير من الأسرار، ولا أقول الفضائح، الجنسية الخاصة بالعائلة. كيف تم استقبالها؟ وما هي ردة فعل عائلتك تجاهها؟
من حسن حظي أنه لم يقرأها أحد، وأنني لم أُتِحها لأحد. لم يخبرهم أحد عنها، وهم في الأصل غير مهتمين بالموضوع وغير معنيين بما أكتب. طوال الوقت كنت شاعرًا أكتب في الصحف وهم لا يقرؤون لي. ربما لو قرؤوها لكانوا أخذوا موقفًا مني. هم فقط يحبونني حبًا مقدسًا، حتى أن أخي كان يغار أحيانًا من هذا الحب.
- لماذا سميتها "متاهة الإسكافي"؟
الإسكافي مهنة إصلاح الأحذية، وعلاقتي باللغة مثل علاقة الإسكافي بأحذيته. وأنا أشبّه نفسي بالإسكافي في اللغة. هناك إسكافي آخر هو يحيى الطاهر عبد الله في قصته "إسكافي المودة". كنت أتصور نفسي كذلك. أما المتاهة، فكانت في ذلك الوقت لأنني كنت أدور بحثًا عن إجابات، كنت أدور في متاهة.
- هل هناك شاعر معين كان له تأثير عليك وعلى أسلوبك الشعري؟ ومن هو أكثر الشعراء موهبة لديك؟
شعراء وليس شاعرًا واحدًا، بما في ذلك الذين أكرههم، وهؤلاء تعلمت منهم أن أتحاشى ما فعلوه، فهم أيضًا أساتذتي. كل الشعراء أساتذتي. فهنا أمل دنقل مثل صلاح عبد الصبور، مثل حجازي، ومثل أدونيس أيضًا. كلهم تعلمت منهم. تعلمت من دنقل على الأقل أن أتحاشى فعل بعض ما فعله شعريًا.
قد تستغربين. أكبر شاعر مصري على الإطلاق، من وجهة نظري، رغم عدم حبي له، هو عبد الرحمن الأبنودي الذي يملك موهبة عظيمة. ومع ذلك أنا لا أحبه ولا أحترمه.
سافرت معه ذات مرة إلى المغرب فزاد عدم حبي له. سافرنا سويًا كشاعرين، دُعينا إلى مهرجان شعري أظنه كان في الرباط. ولأننا مصراين كان علينا حتمًا أن نتصاحب ونمشي معًا. وأراد حينها أن يصحح لي بعض ما استقر في أذهان بعض المثقفين حول أن قاتل صلاح عبد الصبور هو الرسام بهجت عثمان، عندما قال له "أنت بعت القضية يا صلاح".
قال لي عبد الرحمن الأبنودي: "هذا ليس صحيحًا"، فقلت له: "ما الصحيح؟"، فحكى لي التالي: "في فترة ما غضب مني الشباب المصري الذي يحبني، وبدأوا يشتمونني في كل مكان. وفي يوم دُعيت إلى مهرجان شعري في جامعة حلوان، وشعرت أنني سأتعرض للهجوم والشتم. ذهبت وقرأت قصيدتي (الأحزان العادية). وما إن انتهيت منها، حتى حملوني على الأكتاف وأخذوا يهتفون، وقاموا كذلك بتسجيلها على أشرطة كاسيت. قمت بنسخ الشريط وأعطيت النسخة لأمل دنقل. وفي ليلة الاحتفال بعيد ميلاد الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في بيته بمنطقة روكسي بمصر الجديدة، أخذ أمل الشريط معه".
قال عبد الأبنودي إن أمل تعمّد أن يسمع عبد الصبور القصيدة عندما علم بأنه سيكون مدعوًا، وكانت القصيدة تتضمن كلمات قاسية كأنها كتبت لعبد الصبور نفسه. وحين لعبت الخمر برؤوس المحتفلين، أخرج أمل دنقل الشريط وطلب جهاز الكاسيت وأغرى الجميع بسماع ما يتضمنه، وكانت القصيدة تتضمن كلمات قاسية كأنها كتبت لعبد الصبور، ما دفع الفنان بهجت عثمان إلى القول مخاطبًا صديقه صلاح عبد الصبور "أِنتَ بِعت يا صلاح!".
ما أراد الأبنودي أن يقنعني به هو أن أمل دنقل تعمّد أن يسمع صلاح هذه القصيدة، وأن قصيدته هي من قتلت صلاح بلسان بهجت عثمان، أي أن القاتل القصيدة، وحامل البندقية أمل، ومن أطلق الرصاصة كان بهجت عثمان. وأؤكد، أنا عبد المنعم، أن بهجت لم يكن يقصد الإساءة لصلاح، لكن الخمر والقصيدة هما السبب إذا صحت حكاية الأبنودي. وأكرر أن هذا رأي الأبنودي في نية دنقل وفي الواقعة ككل.
- تحدثت في حوار لك منذ فترة عن مسألة انحسار ونخبوية الشعر، هل ابتعد الناس عن الشعر؟
نعم، ابتعد الناس عن الشعر، وما يجب أن ننتبه إليه هو أن موسيقى الشعر والعروض والوزن كانت تحفظ لنا الشعر في العصور التي سبقت الكتابة، لأن الشعر الموزون كان قابلًا للحفظ. حفظ لنا الشعر الجاهلي وما بعده من الضياع.
الآن، عندما يتخلى الشعر عن الوزن لتحقيق حداثته، نجد أن التمرد على الوزن يساوي عدم القدرة على استظهار القصيدة. أصبح الشعر الآن مرتبطًا بالكتابة على الورقة والتسجيل في الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة، وإذا كنت في لحظة ما بمفردك تشعر بالوحشة أو الحزن أو الحب، فأنت لم تعد قادرًا على استعادة النصوص الحديثة غير الموزونة من الذاكرة. هذا هو ما تواجهه قصيدة النثر، فهي لا تؤنسك إلا إذا كانت بين يديك.
الشعر ليس فقط فن الإنسان الأول، بل هو أول فن في حياة كل إنسان، ثم تدخل الكتابات الأخرى عليه
الناس يريدون الشعر لمساعدتهم في هزائمهم وأحزانهم، ولم يعد لديهم القدرة على تذكره. أنا مثلًا لا أحفظ قصيدة للماغوط ولا أستطيع. وعندما أريد أن أقرأ إحدى قصائده، أفتح ديوانه وأقرأ. إذن، يجب أن نعترف، وبشجاعة، أن قصيدة النثر التي تعد من علامات الحداثة الآن غيرت طريقة التلقي، وهذا ليس طعنًا مني في قصيدة النثر بل إنني أكثر المتحمسين للحداثة، وإنما في الشروط. وربما يظهر في المستقبل من يستطيعون حفظ هذه القصائد وصيانتها في ذاكراتهم.
- ثمة مقامرة أو مغامرة في ترككَ عملك في الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة للتفرغ للإبداع. هل من الضروري أن يخصص المبدع وقته بالكامل لمشروعه الفني ويبتعد عن روتين العمل اليومي؟
لو أنني تزوجت امرأة غير زوجتي، لما كان هذا الأمر ليحدث. كانت سامية التي تعرفت عليها أثناء عملنا معًا في الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، مؤمنة جدًا بما أفعله. انتقلت هي بعد ذلك إلى عمل آخر بدخل كبير جدًا مقارنةً بدخلي في الجهاز. في تلك الأثناء، رُزقنا بطفلنا الوحيد، أحمد. وفي لحظة فارقة، أصبح من الضروري أن يتفرغ أحدنا لرعاية الطفل، وكانت اختياراتنا واضحة. لم أكن أواجه أي مشاكل تتعلق بالذكورة أو الأنوثة، وكان العقل يقتضي أن أترك عملي لأتفرغ لرعاية الطفل، خاصةً أن دخلي كان أقل بكثير من دخلها، فاستقلت في النهاية.
استقالتي من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة جاءت بعد 12 عامًا من العمل. أعتبر أن من أهم إنجازات تلك السنوات هي أنني، بعد العديد من التخبطات التي كنت أظنها تجليات، وصلت إلى المرأة التي منحتني الأمان والفرح، وساعدتني في اكتشاف حقيقة أن طريق الشاعر صعب لكنه مبهج. كان الشعر، كما أدركت، أيضًا امرأة. لكنه امرأة لا تقبل الخيانة. هكذا أصبحت بين امرأتين: حبيبتي التي فقدتها بعد نحو أربعين عامًا، والشعر الذي أصبح يراوغني ويغيب عني.
أعترف أنني أرى الشعر في أفضل أحواله أنثى. لكن الأهم أنني أعتقد بأن أكثر أفعالي صحة في السبعين عامًا التي عشتها هو تركي للعمل في الجهاز والتركيز ليس على الكتابة، بل على القراءة. القراءة التي أصبحت بمثابة دوران دائم حول نفسي لأعرفها أكثر. المخيب لأحلامي الآن أن ضعف ذاكرتي يضعف استمتاعي بالقراءة.
- ما هي العوامل التاريخية والاجتماعية التي ساهمت في تشكيل رؤياك ورؤية جيل السبعينيات للشعر؟
بدايةً، كان تكوّن هذا الجيل في أحضان الناصرية، وبعد ذلك اكتشف بعضنا أننا كنا في قفص صغير اسمه الناصرية. وعندما أتى السادات، رغب في أن يخرج عن هذا القفص لكن ليس إلى الخلاء وإنما إلى قفص آخر يبدو أكثر رحابة، فبدا أكثر ضيقًا من القفص السابق عليه، لأننا أصبحنا أكثر نضجًا ووعيًا.
لذلك جيل السبعينيات هو بشر الأقفاص، واستطاع بعضنا أن يسرب الوحدة إلينا. الوحدة بالنسبة لي بدأت في المدرسة الابتدائية. ولسوء حظي شخصيًا، كانت مدرستي الإعدادية في كوبري القبة على من مقربة القصر الرئاسي، قصر القبة، وكانت كل مواكب عبد الناصر تمر من أمامنا، ويلزموننا ونحن صبية على رفع الأعلام لتحية موكب الزعيم. أما السادات، فلم يتحرر من عبد الناصر، بل نقل ولاءه لجهات أخرى، لكن النظام بقي نفسه، بنفس القواعد ونفس السجون.
- باعتبارك أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات، ما هي أهم الملامح الفنية التي تميزت بها قصائد جيل السبعينيات من وجهة نظرك؟
أهم شيء اكتشفه جيل السبعينيات هو تلك الحقيقة البديهية بأن الإنسان روح وجسد، وأن الجسد مهمل ومهان معظم الوقت، فأعاد اكتشاف الجسد. هذا هو أهم ما فعله شعر السبعينيات بعيدًا عن الوزن واللغة، لأن اللغة نفسها تسعى إلى تمثيل الجسد لحضوره. فالقصيدة بدأت تنشغل بحضور الجسد بعد أن كان غائبًا تقريبًا، ذلك أن الشعر في معظمه كان مشغولًا بالعقل.
- هل يمكن اعتبار جيل السبعينيات امتدادًا لحركات التجديد الشعرية السابقة، أم أنه يمثل انطلاقة جديدة؟
الكتابة عند درجة الصفر حلم يدعيه كثيرون. وبغض النظر عن تحققه أو عدمه، فإنه يظل دافعًا لكتابة جديدة.
ما هي العلاقة بين الشكل والمضمون في شعر جيل السبعينيات؟ هل كانت الأولوية للمضمون أم للشكل؟
في تلك الفترة كنا نقرأ كلامًا نظريًا قائمًا على عدم الفصل بين الشكل والمضمون، وأنهما ملتبسان متداخلان إلى حد لا يمكن عنده الفصل بينهما. لكن قبل ذلك، كنا نظن أن الشكل قبلنا كان شديد الوضوح، حيث الشعر العمودي. إلا أنني أعتقد الآن أن القصيدة جسدًا واحدًا، بينما شكل آلاته العاملة هو ذلك المزيج من شكله ومضمونه، أي أننا لسنا نحن أمام جسدين.
أظن أن هذا جزءًا أساسيًا من فعل السبعينيات، لم يتمايز ولم يتوقف كثيرًا أمام ترجيح الشكل على المضمون والعكس. والمتطرفون منا، والقدامى من جيلنا، أغلبهم قدّم المضمون على الشكل. أتصور الآن وقبل الآن عدم إمكانية الفصل بينهما. المضمون يختار شكله، والشكل يختار مضمونه، وهكذا. لكن الشعر العمودي تم استخدامه أحيانًا لحفظ القواعد مثل ألفية ابن مالك، لكي يؤدي وظيفة حفظ النحو.
- ما رأيك في مسألة ترجمة الشعر؟
رأيي أن الشعر ابن لغته، وابن لغته فقط، وترجمته هي محض مقاربة لمعرفة ما لا نعرف، لكنها ستظل دائمًا معرفة ناقصة، ويجب ألا ننسى أن الشعر صوت أولًا.
- لديك أنفاس صوفية والجمل الدينية حاضرة في تراكيب ما تكتب، ما هي القراءات التي أثرت فيك في هذا السياق؟
التأثير الأكبر كان من أبي. فعلى مدى سنوات تكويني الأولى، كان يجلس في عصر كل يوم من أيام رمضان مع مصحفه ويقرأ بصوت مسموع جميل جزءًا من أجزاء القرآن الذي كان يكتمل مع نهاية الشهر. أبي كان مشروع وليّ كما زعمت أمه دائمًا، وكما زعمت أمي أحيانًا، لكنه خسر الولاية لعدم استطاعته كتمانها وفضحه لأسرارها. لشدة فرحه، كان يروي مشاهد ما يمر به وما يراه، فبدد ولايته ولم يعد وليًا. لكن أبي ظل هذا الصوفي، الصوفي البائر، وظل في داخلي حلمًا لا ينتهي.
- أليس من المؤسف أنه لا يزال في عالمنا العربي إلى الآن من ينكر على قصيدة النثر كونها شعرًا، وما زال هناك نقاد عالقون منذ 60 عامًا في الدائرة نفسها؟
ليس مؤسفًا على الإطلاق. شخصيًا لا أؤمن بالإعدام أو الإنكار حتى لو هم أنكروا. أنا مع كل الأشكال التي يُكتَبُ بها الشعر. كلها متجاورة ولا ينفي أحدها الآخر. ليتنا نستطيع أن نؤمن بهذه الفكرة، أننا نتجاور ويبقى ما يستحق البقاء من الشعر أو أي إبداع. ولست مع إعدام كل قديم لمجرد أن ظهر جديد يحاول أن يتجاوزه، مع انحيازي لشكل معين وحربي من أجل الدفاع عن هذا الشكل الذي أتبناه في مواجهة الأشكال الأخرى التي تحاول نفيه. أنا مع الوجود، وأنا مع الحرب.
- هل يمكن اعتبار هذه المرحلة أوج التجريب في الشعر العربي الحديث؟
كل مرحلة نقول عنها ذلك. حتى في السياسة كنا نقول إن عبد الناصر أوج الفعل السياسي. نحن فقط نجمل زمننا، ننحاز له ونقول إنه أفضل الزمن، أو نفعل العكس إذا كنا متشائمين. نوسخه ونوبخه ونزعم أننا في الزمن الأسوأ. فعلان متضادان. أنا مؤمن بديناميكية التغيير، ولا يوجد لحظة أخيرة للتغيير. ولو أن هناك لحظة أخيرة، لابد أن القيامة ستقوم، وسيأتي بعدها جديد ويدور العالم دورته.
- ما هي أسباب الشعور بالرفض والاغتراب لدى الشعراء السبعينيين؟
السبعينيون ليسوا محظوظين لأنهم يتامى. آباؤهم تعددوا وماتوا. الماركسية كانت أبًا لهم ذات يوم وماتت، والقومية أيضًا وسقطت. ظنوا أنفسهم الثوار، وقلبوا شكل القصيدة من العمودية إلى التفعيلة، ومن التفعيلة إلى النثر. الآن أصبحت الثورة أكبر وتجاوزتهم. المتشددون منهم يرفضون من أتوا بعدهم، يظنون أنفسهم سقف التجريب. لكن ما يجب أن نقر به هو أن التجريب بلا سقف.
في حوار لك في جريدة "الكرامة" بتاريخ 9 أيار/مايو 2006، قلت عن الراحل جابر عصفور إنه حوّل أصدقاءه إلى معاونين له، ولن يتقاطع الطريق بيننا، لكنه تقاطع فيما بعد. كيف حدث ذلك؟
في أعقاب ثورة 25 كانون الثاني/يناير أصبح جابر عصفور أرملَ بحق، يتيمًا. في آخر أيام مبارك كانت أحلام جابر عصفور مشتعلة على آخرها، وبعد أن ذهب النظام وتوالي النظم عليه أصبح يتيمًا. فهو كان صديقي قبل ذلك وكنت أهاجمه، وخصوصًا بعد هرولته أمام مبارك وهو يعيّنه وزيرًا للثقافة واستقال بعد عشرة أيام من توليه المنصب في 9 شباط/فبراير 2011 أثناء الثورة المصرية. ماتت زوجته، ومات رعاته في السلطة، وماتت ابنته محبوبته. فأشفقت عليه، وعادت صورة الصديق القديم ثانية إلى أن توفي.
- من المعروف عنك حبك الكبير لبيروت. حدثنا أكثر عن هذا؟
بيروت بالنسبة لي كانت النافذة التي أطللت منها، واكتشفت إلى أي حد أنا في حاجة إلى تغيير كبير لما أملك. وبيروت كانت نافذتي الأولى على ممتلكاتي التي كنت أظنها أبدية ومصونة، واكتشفت أنها في حاجة إلى إعادة نظر.
- أنت الأخ المصري لأنسي الحاج. حدثني عن هذا اللقب وعن علاقتك بأنسي؟
تعرفت على الشاعر الكبير أنسي الحاج في بيروت عام 2005. في ذلك اليوم، أقامت الفنانة التشكيلية نجاح طاهر مأدبة عشاء على شرفي، وسألتني إن كان يمكنها دعوته، رغم أنها كانت تعرف جيدًا أنه لا يقبل مثل تلك الدعوات أبدًا. أجبتها بحماسة أنني معجب به كثيرًا، فلم لا؟ وعندما دعته، رد عليها ببساطة قائلًا: "سآتي".
التقينا في مرسمها، وأذكر أنه كان هناك عدد من الكتاب والمثقفين البارزين، مثل الناقد محمد دكروب، والروائية علوية صبح. فاجأني أنسي الحاج بجمال شخصيته الإنسانية العميقة، وشِعره الأعمق، إلا أن شخصيته التي عرفتها فيما بعد كانت خالية من أي قسوة أو وحشية.
في تلك الأمسية شاركني أنسي اعتمادًا على ذاكرته بقراءة بعضًا من قصيدتي "أنت الوشم الباقي"، وأعتقد أنه قرأ ما قرأ لي تحية مميزة. بعد ذلك، بدأ الحضور يراقبوننا ولاحظوا أننا نكمل جمل بعضنا البعض، وكأن كل واحدًا منا يفهم الآخر دون الحاجة إلى العبارات الكاملة، وهذا ما أخبروني به لاحقًا.
وقفنا على باب المرسم، وقال لي كلمات لا زلت أتذكرها جيدًا: "أتمنى أن تكون صورتي التي رأيتني بها كما تخيلتها".
كان أنسي الحاج آنذاك رئيس تحرير جريدة "النهار"، كبرى جرائد بيروت، وفي خطوة صحافية لافتة قدم استقالته منها. في ذلك الوقت، كانت جريدة "الأخبار" اللبنانية على وشك الانطلاق، برئاسة جوزف سماحة، وكان أنسي وهو يحكي يسألنا عن رأينا في أنهم طلبوا منه كتابة عمود أسبوعي، ولقد استمر في كتابة هذا العمود بانتظام إلى ما قبل وفاته بشهر.
أود أن أشير إلى مقاله الجميل الذي كتبه في 25 كانون الثاني/يناير عن الربيع العربي. أهداني المقال قائلًا: "إلى عبد المنعم رمضان بالطبع". وقبل أن يرحل بوقت قصير، كتب سلسلة مقالات تحت عنوان "حميمية"، يودع فيها أصدقاءه، ذاكرًا إياهم بالاسم، وخصني بلقب أحببته "الشقيق المصري"، ويا للأسف ضاع مني هذا العدد ولم أجده.. ليتني أعثر عليه.
في فترة معينة، كان أحمد مجاهد يشرف على سلاسل النشر في هيئة قصور الثقافة، وقد اتفقنا، أحمد مجاهد وأنا، على نشر أعمال أنسي الحاج الكاملة، لكنه رفض خشية أن يتم تحريفها أو حذف مقاطع أو ارتكاب أخطاء لغوية وإملائية.
ولكي أطمئنه، اقترحت أن نأخذ نسخته اللبنانية الأصلية ونصورها دون تعديل، فوافق وعرض أن يتنازل عن حقوقه المادية كما فعل أدونيس وسعدي يوسف، اللذين كنت وسيطًا بينهما وبين الهيئة.
لكن للأسف، لم تُطبع أعمال سعدي. أما بالنسبة لأنسي، فقد أرسل خطاب الموافقة على التنازل عن حقوقه المالية، وتم نشر أعماله في ثلاثة أجزاء على ما أعتقد، ثم تم حجبها بعد أن قام أحد العاملين في المخازن بالإبلاغ عن وجود عبارات "مسيئة للذات الإلهية وللأديان"، مما أدى إلى مصادرتها.
هذه العلاقة التي جمعتني بأنسي الحاج لا يمكن أن تُنسى، فقد كان دون شك الشاعر الأكثر تميزًا بين الشعراء العرب. لم يسعَ يومًا للجوائز أو السفر أو الشهرة، و كان أحد تلك الأنوار التي مازالت تحرضني على عدم السعي وراء تلك الأمور.