في خطوة مفاجئة، أعلن العاهل المغربي محمد السادس، أواخر شباط/ فبراير الماضي، إلغاء طقس ذبح الأغنام في عيد الأضحى في المغرب هذه السنة، "بسبب التراجع الكبير في أعداد الماشية، والتحدّيات المناخية والاقتصادية التي تشهدها البلاد"، ولم تسلم الجزائر من هذه الظروف، والتي دفعتها، ولأول مرّة منذ ما يزيد عن ثلاث عقود، إلى إطلاق عملية استيراد ضخمة لأزيد من مليون رأس من الأغنام. وفي تونس، دقّ المرصد المحلي للمياه، خريف العام الماضي، ناقوس الخطر من تفاقم أزمة شحّ المياه الصالحة للشرب في البلاد للعام الثالث على التوالي.
كل هذه المعطيات، حسب خبراء، لا تُعَدُّ سوى الشجرة التي تدرأ غابة من كوابيس مستقبلية، ناجمة عن آثار التغيرات المناخية المتسارعة التي تشهدها المنطقة المغاربية، والعالم العربي عمومًا، بشكلٍ يُنبئ بتغيّر شكل الحياة ومستقبل الاقتصاد والعادات الثقافية لسكان المنطقة، ناهيك عن تهديدها بالتسبّب في كوارث طبيعية مدمّرة واضطرابات اجتماعية بدأنا نلحظ نشوب شراراتها الأولى.
يضع هذا الواقع "المخيف" دولًا عربية أمام مهمّة التحرّك سريعًا نحو سياسيات استعجالية لوقف هذا التدهور الإيكولوجي، وفي هذه النقطة بالذات، تُطرح تساؤلات كثيرة حول مدى وعي هذه الحكومات بهذا الواقع المناخي الجديد؟ وعلى أيّ أسس يجب أن تُبنى هذه السياسات التنموية المرجوة؟ ومن خلاله، ما الشكل الذي سيصبح عليه عالمنا العربي في السنوات القليلة القادمة؟ هذا ما تجيبنا عنه، الدكتورة أميمة خليل الفن، الباحثة المتخصصة في الهندسة المائية والبيئية والتغيرات المناخية، في حوارها الذي خصّت به "ميغازين".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- أولًا، هل يمكن أن تعطينا نظرة عامة عن تأثير التغيرات المناخية على المنطقة المغاربية بشكلٍ خاصٍ، والعالم العربي عموما؟ وهل يمكننا الحديث عن وضع مناخي جديد تعيشه هذه المناطق؟
يمكننا الجزم اليوم على أنّ العالم العربي، والمنطقة بشكلٍ خاصٍّ، تعيش وضعًا مناخيًا جديدًا وغير مسبوق، والذي يتسم بالعديد من الاختلالات الحادة والواضحة في النظم المناخية، على سبيل المثال: معدّلات الحرارة التي ارتفعت بوتيرة متسارعة جدًا تفوق المعدل العالمي؛ فحسب تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغيّر المناخي، يعرف المغرب الكبير ارتفاعًا في درجات الحرارة بمعدل 0.4 سيلسيوس لكلّ عقد، وهو ما يفوق المعدل العالمي بشكلٍ كبير.
بالعودة إلى سنة 2023، التي كانت من بين ثلاث سنوات الأكثر حرارة في أفريقيا، إذ بلغ الارتفاع الحراري في المنطقة ما يفوق 0.6 درجة مئوية مقارنة بالمتوسط الذي سُجّل ما بين 1991 و2020. ففي تونس وصلت درجة الحرارة إلى حدود 49 سيلسيوس، وفي المغرب فاقت الـ 50، وهذه أرقامٌ قياسيةٌ مقارنة مع المعدل العالمي، يُضاف كل هذا، إلى الفيضانات التي عرفتها ليبيا، والعديد من الكوارث المناخية الأخرى التي عاشتها دول المنطقة.
كل هذا يجعلنا نُصنّف منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من بين أكثر المناطق عرضةً للتأثّر بالتغيّرات المناخية، من بينها موجات الجفاف التي تكون طويلة، والمغرب أبرز مثال لهذا، حيث عرف ستّ سنوات متتالية من الجفاف. هذا علاوة عن اتّساع ظاهرة التصحّر والتراجع الكبير في الموارد المائية، كما تتزايد الظواهر المناخية الشاذة كالفيضانات والعواصف وموجات الحرارة. ما يجعل المنطقة تعرف هشاشة مناخية، ويجعلها -للأسف- عرضةً لتبعات التغير المناخي الذي يشهده العالم بأسره.
وللأسف أيضًا، فضعف الإمكانيات والتطور التكنولوجي، كما غياب البنيات التحتية المؤهّلة والقابلة لمواجهة هذا الوضع، تجعل من عواقب هذه التغيرات المناخية جد كبيرة، وخسائرها على المستوى البشري والاقتصادي والاجتماعي والبنية التحتية فادحة جدًا. وكما نعلم، فإن دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط دول في طور النمو، ومعدّلات التنمية فيها جد ضعيفة، وبالتالي فإن هذه التغيرات المناخية تؤثر أكثر على سيرورة العجلة التنموية في هذه البلدان.
- كيف سيؤثّر هذا على أنماط عيش سكان في المنطقة العربية؟
طبعًا هذه التحوّلات المناخية الشاذة والعنيفة، تؤثّر بشكل مباشر وغير مباشر على أنماط العيش في هذه المناطق، فعندما نتكلّم عن الخسائر والأضرار التي تسببها، نذكر على رأسها نوعًا جديدًا من الهجرة الذي بدأ في النشوء وهو الهجرة المناخية. إذ كنا في السابق نتكلّم عن الهجرة من القرى للمدن والسبب كان الجفاف، لكن اليوم تعرف هذه الهجرة المناخية العديد من التمثّلات، ولم تبق في سياق الهجرة الداخلية، بل أصبح الناس يهاجرون خارج بلدانهم نظرًا لقلة الموارد الطبيعية، ما يؤدّي إلى تفاقم معدلات الفقر وتهديد الأمن الغذائي والمائي، بسبب التغيرات المناخية.
فهذه الهجرات تزيد الضغط على المدن، وبالتالي على البنى التحتية الحضرية والموارد المتوفّرة هناك، ما يدفع لنشوء أنماط عيش جديدة تجمع ما بين ما هو قروي وحضري، وتتسم بتمثلات أخرى للفقر والهشاشة.
وفي ذات السياق، لهذه التحولات المناخية تأثيرٌ على الأنماط الفلاحية؛ فالتوزيع غير المتكافئ للأمطار، وتوالي سنوات الجفاف، وتذبذب في توقيت الزرع والحصاد، يهدّد بشكلٍ مباشرٍ سبل العيش المعتمدة على الزراعات البورية. وهنا، بطبيعة الحال، يتم التحول لأنماط إنتاجية فلاحية أخرى، أبرزها الزراعة المسقية.
فعلى سبيل المثال، المغرب الذي في السابق، يعني في السبعينات والستينات، كنا نتحدّث عن الزراعة والفلاحة البورية، اليوم نتكلم على الزراعات المسقية، وهو ما يزيد الضغط على الموارد المائية الأخرى التي تبقى قليلة، خاصّة الموارد المائية الباطنية التي تعد احتياطيًا استراتيجيًا للبلد.
وهناك تأثير التغيرات المناخية على الجانب الصحّي، وعلى الصحة النفسية بشكلٍ خاص. وتأثيرها أيضًا يبرز على التركيبة المجتمعية للساكنة والتركيبة الثقافية، لأن العديد من أنماط الاستهلاك التي تدخل في الخصوصيات الثقافية المحلية للبلدان تتأثّر بالفعل هذه التحولات، مقابل ظهور أنماط عيش أخرى جديدة.
هذا ما يعني أن تقلّب أحوال المناخ يغيّرُ البنية المجتمعية كلّها، وبشكلٍ مباشرٍ يتأثّر السلوك الاستهلاكي عند المواطنين ومستوى عيشهم. وهذا لا يقتصرُ على ضرورة التأقلم مع هذه الأنماط الجديد للعيش، بل إن هذه الأنماط الجديدة تؤثّر سلبًا على المنظومة البيئية والإيكولوجية بصفة عامة.
ملاحظة أخرى، ورجوعًا إلى نقطة الهجرة الداخلية، يتوقّع تقرير البنك الدولي، أنه بحلول 2050 سيفوق عدد المهاجرين الداخلين في شمال أفريقيا 19 مليون نسمة، أي ما يعادل 9 % من السكّان في هذه المنطقة. وهذا رقمٌ سعب وستكون له آثار سلبية على البنى التحتية وعلى كل الانماط الحياتية في هذه البلدان.
- أيضًا ما تأثير هذه التغيرات على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في هذه البلدان، اليوم ومستقبلًا؟
تغير المناخ يؤدّي بشكل واضح إلى تعميق الفوارق الاجتماعية، فيما تكون الفئات الأكثر تضررًا هي الفئات الهشة، كالفلّاحين الصّغار وسكان المناطق التي تفتقر للبنية التحتية المؤهلة، إضافة إلى النساء القرويات والأطفال بشكلٍ خاصّ. كلّ هذه الفئات تتسم بقابلية عالية للتأقلمِ ولكن قابليتها لمواجهة هذه التغيّرات تكون ضعيفة، لأنهم يفتقرُون للإمكانات اللازمة لذلك.
كما سيُنتج عن هذه التأثيرات المناخية ارتفاع نسب البطالة، فمثلًا في المغرب خلال سنوات الجفاف المتعاقبة مؤخرًا، فقدنا ما يعادل 160 ألف منصب شغلٍ في القطاع الفلاحي. وهو ما يُهدّد الأمن الغذائي للبلاد، ويرفع من نسب الهشاشة ويوسّع رقعتها.
أما على المستوى الاقتصادي، فكما نعلم أن القطاع الفلاحي يُعتبر ركيزةً اقتصاديةً كبيرةً في العديد من الدول العربية ودول شمال أفريقيا، كالمغرب وتونس، فاقتصاد هذه الدول مبنيٌّ على مداخيل الفلاحة، وهو ما يهدّد الأمن والسيادة الغذائية لهذه البلدان، ويجعلها تحتَ رحمة التبعية للخارج من أجل تلبية حاجاتها الغذائية. حتى أن تكاليف التكيّف مع التغيرات المُناخية، سواءً بهيئة البنى التحتية المناسبة للمقاومة أو تطوير مصادر الطاقة النظيفة، تصبح تحديًا كبيرًا لميزانيات الدول. وهو ما يضعها في مواجهة صعوبة ضمانِ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويجعلها عرضةً لتفاقم النزاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية، وارتفاع عددِ النازحين، وتراجع النمو الاقتصادي. فمثلًا في المغرب اليوم، نحن نتكلّم عن تراجع النمو الاقتصادي بالنسبة 1.3% مقارنة مع عام 2021 الذي شهد نموًا اقتصاديًا بـ 8% (يعني وضع اقتصادي أسوأ مما خلّفته جائحة كوفيد-19).
تُراكم سنوات الجفاف المتعاقبة، متاعب الاقتصاد في هذه الدول، وهو أمرٌ جعل نسب ملء السدود في أدنى مستوياتها، حيث لم تتعدّ نسبة امتلائها في المغرب 25% عام 2023، مع تراجع بـ 23% في الإنتاج الوطني للحبوب. كلّ هذه المعطيات تُحيل على وقوع أضرار على مستوى العامل البشري والاجتماعي، كما حدوث خلل على المستوى الاقتصادي. وحسب البنك الدولي، فإن تغييرات المناخ ستؤدي إلى خسارة ما بين 6 إلى 14% في الناتج الداخلي الخام لدول شمال إفريقيا بحلول عام 2050، وهذا رقم كبير جدًا، خصوصًا بالنسبة للدول بعد نموها الاقتصادي جد ضعيف مقارنة مع المعدل العالمي.
- كيف يمكن صياغة نماذج تنموية تتناسب وهذا الوضع المناخي الجديد؟ وما هي أهم ركائز هذه النماذج التنموية؟
أمام المتغيرات الجارية، لم يبق لنا كدول عربية من سبيل سوى تبني نماذج تنموية تتلاءم مع الوضع المناخي الجديد؛ أي نماذج تنموية مستدامة، تُبنى على أسس العدالة البيئية والمجالية، لكي ننجح في تقليص الفوارق بين المناطق المتضرّرة والمناطق غير متضررة أو المتضررة بنسب قليلة.
يدفعنا ذلك أيضًا، إلى التفكير في بناء اقتصاد يقوم على قطاعات تكون قادرة على التّأقلم مع هذا التغير المناخي الجديد تمنح للدول العربية استقلالية، خصوصًا على مستوى الموارد الطاقية والموارد الطبيعية والموارد المائية منخفضة الكربون، ما يمنحنا القدرة على الاستثمار في الطاقات المتجدّدة وتحفيز الابتكار في التقنيّات النظيفة، وتعزيز قدرات المجتمعات المحليّة على الانخراط في مشاريع التكيّفِ مع التغيّرات المناخية، والتخفيف من حدّتها. هنا، علينا التركيز على دور المجتمع المدني، الذي يجب تعزيز قدراته، ليس فقط كقوّة اقتراحية، بل انخراطه في هذه المشاريع، والمشاركة في تنزيلها بطريقة كفؤة.
إضافة إلى اليوم يجب الدفع بالمنتظم الدولي، وخصوصًا الدول المتقدّمة، على أن تتحمّل المسؤولية التاريخية والأخلاقية، لكي يدفعوا ثمن الخسائر تسببوا فيها بتلويث البيئة و مفاقمة التغيرات المناخية (بفعل انبعاثات الأنشطة الصناعية). وأن يكون هذا على شكل منحٍ مناخية، وليس قروضًا، تؤهّل الدول النامية إلى أن تقود مسيرةَ التكيّف مع الوضع المناخي الجديد. وألّا تقتصر هذه المنح على الجانب المالي فقط، بل توريد التكنولوجيا وتقنيات البحث العلمي، كي لا تظلّ بلداننا خلال مسارها نحو التكيّف تابعة للدول المتقدمة.
أيضًا، علينا السعي لتكون الاتفاقيات الدولية بخصوص المناخ إلزامية. مع الأسف هذه الاتفاقيات لحدّ الآن غير إلزامية، ما يُسهّل على العديد من الدول التملّص منها ومن مسؤوليتها في التسبّب بالتغيّرات المناخية، أو يكون التزامها مشروطًا بمصالحها الخاصة التي تطغى بشكلٍ كبير في هذا المجال. اليوم يجب علينا التشديد على هذا الأمر، لأن المسؤولية مشتركة نعم، ولكن المسؤولية الكبيرة تقع على هذه الدول الصناعية الكبيرة، وبدون إمدادات تكنولوجية ومالية وتقنية وعلمية، لا يمكن لبلداننا العربية التأقلم مع الوضع المناخي الحالي.
- هل الحكومات العربية واعية بكل هذه المخاطر وضرورة الاستجابة لها؟ وما مدى هذا الوعي؟
الخطر المناخيُّ قائمٌ وأصبح حقيقةً اليوم، ومعظم الحكومات العربية اليوم واعيةٌ به، وعبّرت عن ذلك من خلال انخراطها في العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية بهذا الخصوص، آخرها اتفاق باريس. كما أن هذا الوعي يتمثّل أيضًا في وضع استراتيجيات وبرامج وطنية من أجل تفعيل مقتضيات هذه الاتفاقيات، على سبيل المثال: في المغرب، هناك البرنامج الوطني للطاقة، البرنامج الوطني للماء، الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة..
يعني هناك العديد من استراتيجيات والبرامج الوطنية التي تعبر عن انخراط ووعي الحكومات بالوضع المناخي وهذه الطفرة المناخية التي يشهدها العالم، لكن الاستجابة لها وتنزيلها على أرض الواقع لا تزال دون المستوى المطلوب. وكما ذكرت من قبل، هناك ضعفٌ كبيرٌ في التمويل المناخي، فالمشكل اليوم عند الدول المغاربية، هو غياب هذا التمويل لكي تُصبح قادرةً على تفعيل المشاريع، ومساعدة المجتمعات المحليّة على التأقلم والتكيّف مع الوضع المناخي الحالي. ويمكن القول أيضًا، إن هناك غيابًا لسياسات مندمجة من شأنها أن تمس بشكل مباشر المجتمعات المحلية
بالتالي، لازلنا نرى اليوم أن البُعد المناخي لم يدمج بعد بطريقة مستدامة في السياسات العامة، سواءً كانت السياسة الفلاحية أو الصناعية أو المالية. كما هناك إشكالية بطء تنزيل هذه الإصلاحات، والتعثرات التي تواجهها بشكلٍ دائمٍ، ما يجعل منها غير قابلة لمواكبة تسارع التغيرات المناخية. وأيضًا غياب آليات المراقبة وتقييم هذه السياسات المناخية، الشيء الذي يجعل العديد من البرامج بعيدة كل البعد عن تحقيق النتائج المرجوة منها.
لكن أعود وأؤكّد على إشكالية التمويل. اليوم حاجيات معظم الدول العربية للتمويل كبيرة جدًا. صحيح يوجد التزام ويوجد وعيٌّ عند هذه الحكومات، ورأينا كيف كانت من أوّل الموقعين على الاتفاقات الدولية، وسبّاقةً في وضع خارطة طريق طموحة للمساهمات الوطنية في الحد من هذه التغيرات المناخية، لكنها دائمًا ما تصطدم بإشكالية التمويل. فمثلًا المغرب اليوم بحاجة إلى 16 مليار دولار من أجل تمويل خطّة العمل المناخي بحلول 2030، وتونس بحاجة لـخمسة ملايير دولار، وهو ما يعني أنّها، مع كل طموحات هذه الحكومات، لا تزال تفتقر لتمويل مناخيٍّ يُغطّي تكاليف خُططها للتكيف مع الوضع الحالي.
- سؤال أخير، ما الإصلاحات التي يجب تنفيذها من أجل الاستجابة لهذه المتغيرات المناخية الجديدة؟
فيما يخصّ الإصلاحات وكيفية تفعيلها، كي نستطيع مواجهة التغيرات المناخية الجديدة، هناك عدّة نقاط رئيسية: أوّلها، تحديث الترسانة القانونية البيئية المناخية، كي نحين التشريعات البيئية وربطها بالواقع الحالي، فمثلاً على مستوى الدول المغاربية والعربية. هناك النصوص والبنود القانونية التي ترجع لسنواتٍ بعيدة، بالمقابل فتأثيرات التغير المناخي تظهرُ بوتيرةٍ متسارعةٍ جدًا، لم نعد نتكلّم عن ظهور هذه التأثيرات في مدّة خمسين أو مائة سنة الماضية، بل تطوّرات تحصل خلال سنوات قليلة، ولم تعد مجرّد تغييرات طفيفة وإنما قفزات كبيرة، وهذا ينعكس على واقعنا المناخي المعاش اليوم.
وأيضًا تفعيل التمويل الأخضر، لكي نستطيع تعبئة الموارد المالية المخصّصة لدعم مشاريع التكييف مع هذا الوضع المناخي. والاستثمار في البحث العلمي، فبدون هذا الاستثمار لا يمكننا أن نستفيد من التكنولوجيا المستوردة للتعامل مع الوضع المناخي؛ فالوضع المناخي المغاربي هو وضع استثنائي، ويخصّ هذه المناطق، لذلك علينا تدريبُ وتأهيل البحث العلمي والكفاءات المحليّة في هذا الإطار، حتى لا يكون هناك تبعية للآخر (الغربي) وهذا أيضًا من شأنه أن يقلّل تكلفة التكيف في المستقبل، وبدونه لا نقدّر أن نتجاوز هذه المحنة.
ثالثًا، علينا دمج معضلة التغييرات المناخية في كلّ السياسات العمومية، وخاصة التعليم، بشكلٍ ملموس ويناسب كل المستويات التعليمية، حتى يفهم كلّ الفئات الناشئة في المجتمع الخطر البيئي الذي نواجهه، ذلك لإنتاج جيل يملك وعيًا بيئيًا سليمًا، وهو الذي سيقود مهمّة تنزيل الاستراتيجية والترافع في هذا الصدد. وكذلك يجب إدماج هذا في كل السياسات العمومية، وفي كل القطاعات من الفلاحة إلى الاقتصاد.
رابعًا، يجب أن يكون هناك تخطيط لا مركزي لمواجهة هذه المخاطر المناخية، بمعنى آخر؛ أن يُشرك الجميع في هذا العمل، بما في ذلك المجتمعات المحليّة، لكي يتم تدبير المرحلة وتفعيل البرامج بشكل ناجع.
وأخيرًا، ما ينقصنا فعلًا هو تلك الشراكة والتعاون ما بين الدول العربية والمغاربية لمواجهة هذه التحديات الراهنة. وهذا ينطبق حتى على المستوى المحلّي، إذ يجب أن يكون هناك تعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص، بين المجتمع المدني والفاعل العمومي. لكن أيضًا على المستوى الدولي، يعني التعاون بين الدول كي ننجح في مواجهة والتكيف مع هذا الواقع، ذلك لأننا نتشارك في العديد من المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي سيكون هذا التعاون الحافز للسير في هذا المسار ويساعدنا على التكيف بسهولة أكبر.












