ما الذي نتوقعه من رواية تتحدّث عن الصحراء في العادة؟ غوصًا استشراقيًا في سحرية المكان وطبائع أهله وغرابة عاداتهم وحروبهم المليئة بالصراخ والغبار، حديثًا طويلًا ذا شجون عن النبوءات والمعجزات، أم قصة مليئة بالأسى عن معاناة الإنسان في بيئة مسكونة بالقسوة والندرة؟ غير أن ما صنعه جان لوكليزيو كان أكبر من هذا كلّه.
صدرت سنة 2024 ترجمة عربية لرواية "صحراء" لجان ماري غوستاف لوكليزيو، عن دار ممدوح عدوان ومنشورات سرد، ثم سرعان ما حازت مترجمتها لينا بدر على واحدة من جوائز الشيخ حمد للترجمة، ولا شكّ أن الاحتفاء والتقدير قد كانا في صف هذه الرواية منذ صدورها بالفرنسية سنة 1980.
كان الروائي الفرنسي قد أتمّ الأربعين من عمره عندها، وصنع لنفسه اسمًا وسط الأدباء الفرنسيين منذ روايته الأولى "المحضر" التي كتبها سنة 1963، في سن يافعة جدًا وبمخزون كبير من النبرة الثورية والتجريب والاشتغال على اللغة الذي ميز تيار "الرواية الجديدة"، قبل أن تقوده الحياة والكتابة معًا لخط طريقه الإبداعي الذي يخصه. تلك المغامرة الشغوفة التي تكللت بحصوله على جائزة نوبل سنة 2008، وحانت عندها اللحظة التي اكتشف فيها القراء في كل مكان عَالَمَ هذا الرحالة الأبدي الذي كان "ابنًا لكل القارات" كما قال عنه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي.
جاء في بيان الأكاديمية السويدية عند الإعلان عن تتويجه بالجائزة أنه: "كاتب القطيعة والمغامرة العاطفية والنشوة الروحية، وكذا مستكشف البشرية ما وراء الحضارات السائدة"، كما تمّ تخصيص روايته "صحراء" بالثناء باعتبارها تُقَدِّمُ "صورا رائعة لثقافة ضائعة في صحراء شمال أفريقيا"، تلك الثقافة التي تأثر بها منذ زيارته الأولى للمغرب مع والده الطبيب وهو بعد طفل في الثالثة عشر، إلا أنه كان طفلًا يقرأ وينتبه لتفاصيل كل شيء: سطح السفن الذي يتنزه عليه الأوربيون ليستمتعوا بنسيم البحر مثلًا، والعمال العبيد الذين ينزون عرقًا وتعبًا في الطابق السفلي، وكان هذا بالنهاية ما ميز صوته، إنه الكاتب الذي كان يميل دائمًا للكتابة عن المهمشين.
على خُطى الرواية التربوية
تبدأ الرواية بمشي طويل في الصحراء. يمشي رجال ونساء وأطفال قبيلة من الطوارق قاطعين مسافات طويلة في الشمس والغبار والعطش، ولكن ذلك يتم بأسلوب لا يوحي لنا بالشفقة، لأننا نلمس منذ الوهلة الأولى أنهم قد صاروا والصحراء كائنًا واحدًا. شيئًا من وحدة الوجود التي اعتنقها لوكليزيو الذي شغفه التصوف والمتصوفون.
غير أن ما سننتبه له أيضًا هو ذلك الحضور الطاغي للصمت، وتحوّله إلى شيء يكتسح أرواح الناس لا ألسنتهم فقط، إذ أن المرتحلين " لا كلام في ما بينهم، ولا رغبات في دواخلهم". إنهم متماهون تمامًا مع محيطهم، ولذلك ربما ستخلو الأجزاء المتعلقة بالصحراء من الحوارات تقريبًا. أحيانًا قد يتم الإشارة إلى كلمات محددة ولكن دون ذكرها، وفي كل مرة سيثقل علينا فيها هذا الغياب الصارخ للتخاطب اللغوي سيذكرنا الراوي بأن " التعب والجفاف قد أحرقا الكلمات في حلوقهم".
بنى الكاتب روايته على مجموعة من الثنائيات التي يقابل بعضها بعضًا، إذ أنها في الحقيقة حكايتان متوازيتان من زمانين ومكانين مختلفين: تحكي القصة الأولى مسيرة عائلة الطفل "نور" مع الطوارق المرتحلين في الصحراء ما بين سنتي 1909 و1912، أما القصة الثانية فتجري أحداثها بعد سنوات كثيرة من ذلك، وتحكي عن "لالا" الطفلة ذات الأصول الصحراوية التي تعيش في مكان ما على ساحل طنجة، ثم سرعان ما تُهاجر إلى مدينة مارسيليا في الجنوب الفرنسي. أما ما يجمع بينهما فهو روح الرجال الزرق، ذلك النداء الخفي للرحيل والاستكشاف والامتزاج بروح الطبيعة مع استخفاف كامل
بالمال والممتلكات المادية. إنها رحلة ثنائية الأصوات لِمُرَاهِقَيْنِ يريدان أن يسبرا غور العالم وأن يكتشفا كيف يمكنهما العيش فيه، وهذا يذكرنا مباشرة بالإرث الأدبي الطويل من "الرواية التربوية".
تعود بدايات استخدام مصطلح "الروايات التعليمية أو التربوية" أو "روايات النمو" إلى القرن الثامن عشر، وذلك لوصف نوع من الروايات حيث ينطلق البطل الشاب الصغير في طريقه لاكتشاف العالم، مزودا بتمثلاته ومثالياته عن الحقائق التي تتغير دائمًا في منحى ما نتيجة التوتر الذي سيقوم بينه وبين الحياة الواقعية. إنها عمل حيث نشهد مسار الشخصية الرئيسية التي تلقى الحب والعداء والتجارب الغنية والأسى مما يؤهلها بالنهاية للعثور على طريقها وصوتها الخاص، وهي نوعية القصص التي يقول لوكليزيو دائما أنه يفضلها إذ يعتبر أن " الرواية فنٌّ مراهق، فيما الشعر فن راشد".
يكون مسير الطفل نور من الجنوب مع قومه من رجال الطوارق الزرق في البداية للقاء الشيخ سيدي المصطفى بن الشيخ محمد فاضل القلقمي الملقب بماء العينين. إنهم رجال يذهبون للحرب والجهاد ضد "المسيحيين" كما تسميهم الرواية، وهم جنود الاستعمارَيْن الإسباني والفرنسي اللذين عاثا خرابًا بمناطق كثيرة من الشمال الأفريقي خلال بدايات القرن العشرين.
خلال هذا المسار تطفو على السطح سريعًا تلك الصور الاعتيادية المستخدمة لوصف الحياة الصحراوية: كثبان الرمال التي تُغير أمكنتها على نحو مخادع وقطعان الماعز الهزيلة التي يربيها الرُّحَّلُ، وصلابة الإبل ونظرتها الفارغة التي إلى لا مكان، ثم العطش والتعب والنور الساطع الذي يُدوّخ الأبصار. إنها رواية مشمسة تمامًا حيث لا يشكو أحد من حروق الشمس التي تُسَود البشرة ولا يجد أي شخص وقتًا ليتأفف من الجوع أو الحرّ، وهذه من نقاط تفوق الكاتب على كثيرين من الكتاب الغربيين غيره ممن كتبوا عن الصحراء: لقد تقمّص لوهلة روح الصحراويين، ولم يبد هذا العيش مع الندرة صادمًا أو منفرًا له، بل عَبَرَ كل هذه الأمور كغلالة خفيفة تحجب روح الأشياء، إذ أن هذه الرواية أيضًا هي مديح حزين لسرب من المتصوفين البسطاء الحقيقيين الذين طحنتهم الآلة الاستعمارية في مجازر بشعة.
يصل المسافرون إلى وادي الساقية الحمراء فيرافق مُرشد القافلة ابنه نورًا للصلاة في حرم ضريح أبيض بين الهضاب الصخرية، ويُسحر الطفل وهو يسمع نداءات والده الذي يجثو على التراب ويتمرّغ به مرددا عبارة واحدة: "لقد أتيت"، ونفهم أن الرجل قد عبر الصحراء وجاء يلتمس بركة أجداده قبل الذهاب إلى الموت. إلا أن هذا الاكتشاف الحزين سرعان ما يذوب في صمت الصحراء مرة أخرى، وهذه المرة هو صمت التسليم والسكينة الداخلية التي تبعثها ظلمة الضريح في الروح، فيذهب "الألم ومعه الرغبة وحب الثأر"، ويحل محله شعور بالاكتمال والصفاء في مواجهة ما سيأتي. ولا شك بأن هذه الحالة الروحانية أو بعضها على الأقل ستُرافق الصبي وهو يشهد بعنينيه الفتيتين بقية أطوار هذه الرحلة حتى نهايتها الحزينة، وستتعزز أيضًا مع لقائه بالشيخ ماء العينين في مدينة السمارة، الرجل الذي لم يكن محاربًا صلبًا التف حوله الرجال لمقاومة الاستعمار في المغرب فقط، ولكنه كان فقيهًا أيضًا، وعالما ذا مكانة روحية جعلت الناس يقصدونه للتبرك به والتداوي في مرات كثيرة.
تشرع الصحراء في حصد أرواحهم منذ حلولهم في مدينة "السمارة" الصغيرة التي يثقلها هذا الكم الهائل من البشر القادمين إليها من كل صوب هربًا من المضايقات الإسبانية، ويكبر شبح هذا "الجوع" الذي سيتخذ أبعادا كثيرة ويرافقنا حتى في حكاية لالا التي تجري في زمن آخر. غير أنهم يواصلون التقدم إلى الأمام، إلى "الشمال" الذي يبدو لهم مثل وعد بالراحة والرخاء ويُطلق فيهم حمى فرح جماعي.
يتصاعد ويشتد نفس الرواية الصوفية في مجلس ذكر يحضره الجميع ويرأسهم شيخهم الذي يجلونه وأبناؤه الذين يحيطون به من كل جانب. وحين ترتفع صرخات "الهُوْااا حَيييي" يأتي الرقص الجماعي أيضًا ويبدو أن الحاضرين يدخلون في حالة من الجذبة الصوفية التي تنسيهم مآلات رحلتهم والموت الذي يقبع لهم في الخطوة التالية.
إن هذا هو ما سيعيبه عليهم الجنرال موانيي الذي سينطلق لِحَصْدِ روح ماء العينين وأرواح رجاله بالنهاية، إذ تحمل لنا الرواية في فصولها الأخيرة نوعًا من المونولوغ الداخلي لرجل الحرب؛ كلمات يُقَرع فيها بشدة سلوك هذا "الثعلب الصحراوي المسن" الذي يصفه بأنه " وحشٌ متعصّب، يقول لرجاله قبل المعركة إنه سيجعلهم خالدين لأنهم لا يُقهرون. يرسلهم لمهاجمة البنادق والمدفعيات، ولا سلاح معهم سوى الرماح والسيوف". غير أن نبرته لن تخلو من بعض الإعجاب الخفي بهؤلاء المحاربين الذين تخلى عنهم ووشى بهم الجميع حتى من أبناء جلدتهم، كما لن تخلو من الأسى على هذا الشيخ الذي لم يكن يعلم بأن ما سيهزمه هو المال لا الأسلحة، إنها الأموال الأجنبية للصيارفة والشركات الرأسمالية الكبرى التي تراهن على الحروب في بلدان الآخرين وتتغذّى عليها.
حكاية لالا، حياة اللامرئيين
تكتمل رقصة الرواية السردية الثنائية بحكاية "لالا"، الطفلة الحالمة التي تعيش في تجمع لدور الصفيح تُسميه "المدينة" قريبًا من ساحل مغربي نعرف في نهاية الرواية أنه شاطئ من شطآن مدينة طنجة. غير أن هذا لا يجعلنا نُغفل الإشارة الذكية إلى المدينة الأخرى أو المدينة الحقيقية، تلك التي تبعد كثيرًا عن أكواخهم ويعيش فيها بشر آخرون. إنها ثنائية أخرى سيعزف عليها لوكليزيو طويلًا في هذه الرواية، وخاصّة في الفصول التي تتعلّق بلالا، حيث سيصف دائما ذلك التقابل بين الذين يملكون والذين لا يملكون، أولئك المهمشين الذي يأكلون بالكاد. غير أن صوت الطفلة لن يكون متذمرًا أبدًا، إذ أنها واحدة من أبطال الروائي النموذجيين؛ مراهقة طوباوية نقية كشعاع شمس من ناحية وصلبة شجاعة من ناحية أخرى.
تَحْمِلُ الفترة التي تقضيها الفتاة على شواطئ طنجة اسم "السعادة" في مقابل اسم "العبودية" الذي ستحمله الأجزاء التي تخص هجرتها إلى مدينة مارسيليا في الجنوب الفرنسي، وهذا يُذَكرنا بالكاتب الثوري المتمرد الذي كانه لوكليزيو منذ البداية، بالرغم من أن أسلوبه منذ رواية "صحراء" قد بدأ ينحو أكثر نحو البساطة والشاعرية الغامرة. تعيش لالا مع عمتها وأبنائها في أحد الأكواخ الفقيرة المبنية من القصدير والورق المقوى وتعرف الجوع الحارق لأيام كثيرة.
إنها فتاة يتيمة نعرف أنها قد جاءت مع عمّتها من الصحراء، وأن لها صلة بنسل "نور" وبالرجال الزرق من الطوارق. إلا أننا نعرف أيضًا أنها قد ورثت أسرارهم الروحانية أيضًا، إذ يبدو أنها تقابل عند الهضاب الرملية في اتجاه الشاطئ رجلًا تدعوه بـ "السر"، وتحدس رغم حداثة سنها أنها يجب أن تخفيه عن الآخرين. إنه رؤية من الرؤى، وصوت خفي ونظرة ثاقبة تعلو لثامًا أزرقًا لرجل صحراوي.
يبدو تماهي لالا مع الطبيعة كاملًا، إذ تسير على الأرض حافية منذ استيقاظها باتجاه الشاطئ، متمرغة بالرمال والتراب ومكتسبة بشرة نحاسية من التعرض المستمر للشمس، وغير منزعجة من الخدوش التي تُحدثها بجلدها الصخور ولا من عضات الدبابير المتتالية. وهو ما يدعم الآراء التي تجعلُ لوكليزيو يُصنف غالبا ضمن كُتاب "أدب البيئة" الذي يعزز العلاقة بين الكتابة والأدب لأدب، والذي تشعبت منه أفرع أخرى كالنقد البيئي والنقد الجغرافي والجغرافيا الشعرية. كما أنه يخلق لنا شخصية أخرى متماهية تمامًا مع الطبيعة هي "حاراطاني"، فتىً صحراوي نحيل وصلب يرعى ماعز الأسرة التي تكفلت به بعد أن تخلت عنه أمه، ويُبْقِي عينيه دائمًا على الصحراء التي سيعود إليها بالنهاية لأن "ذلك ما كان يتوجب عليه فعله".
يصنع المراهقان عالمهما الخاص بمرور السنوات ويعقدان صلة قوية قوامها كلمات الفتاة وإيماءات الفتى الذي يرفض الكلام كما تقول لالا. إنه يذكرنا بإنسان الغاب أو صورة حي بن يقظان. أما الشخصية الأخرى التي ستصنع تمثلات المراهقة الحالمة عن العالم فهي الصياد نعمان، الشيخ المغربي اليهودي الذي هاجر في شبابه إلى الضفّة الأخرى، ورأى وسمع كل شيء بما في ذلك "المشاجرات في الشوارع.. حين يُهاجم الرجال العرب واليهود في الشوارع المظلمة، فيضطرون، من أجل الدفاع عن أنفسهم، إلى الطعن بالسكاكين، أو إلى رمي الحجارة"، وظلّ يقول للفتاة دائمًا في ختام حكاياته أنها هي ستذهب ذات يوم إلى أوروبا، ولكنها سرعان ما ستعود أدراجها، وهي النبوءة التي ستتحقق بالنهاية.
تهرب لالا ما أن يحاولوا إجبارها على الزواج من رجلٍ ثرٍّي يكبرها بسنوات بسلطة المال وحده، وعندها تنبت أجنحتها كاملة ويعاودها نداء الرحيل، غير أنها تكون قد أصبحت أمًا أيضًا، إذ يقبع في بطنها طفل "الحاراطاني" وهو الأمر الذي تكتشفه دون انزعاج كبير، لأننا سنغرق منذ لحظة وصولها في ما يشبه أغنية طويلة عن من يمكن أن نسميهم باللامرئيين، أولئك الفقراء والمهاجرون الذي يتسللون على أطراف أصابعهم ويتعلمون أن لا يظهروا أنفسهم أبًدا، رجال ونساء من كل الأعمار والجنسيات يعيشون في أبنية كالسجن وسط القذارات والعنف والعنصرية التي قد تطلع لك من كل زاوية. إنه السجن الذي خلقته الحداثة الغربية التي طالما تم التغنّي بها.
تمشي لالا في الشوارع كما قد مشت على شواطئ موطنها سابقًا، وتنتبه للمشردين من العجائز والأطفال الذين يتوسدون الأرصفة، والسكارى والنشالين والغجر الذين تجمعها صداقة مع واحد منهم هو الفتى "ديكستر". لقد قال لوكليزيو في واحد من حواراته من قبل أنه لا يمكن أن تعرف مدينة إلا من خلال المشي فيها.
أحيانًا تقترب الفتاة من أبنية وقصور الأغنياء أيضا، عَوْدَةً إلى التفاوت الطبقي الذي تحرص الرواية على إبرازه دائمًا، ولكنهم لا يرونها طبعًا، حتى عندما تسقط من الدوار وسط الشارع ويكاد أن يدهسها الآخرون، فتفهمُ أن الصخب والزحام يجعلانها غير مرئية أيضا من السماء حيث أرواح أجدادها. في لحظة ما نفهم أن الفقراء لا يرون بعضهم البعض أيضا، فلقد طحنهم البؤس إلى حد أنه لا أحد كان ينتبه للشابة في الفندق الفقير حيث تعمل من النزلاء البؤساء: عرب ومهاجرون من كل مكان يتدبّرون ما يأكلونه بالكاد، وذلك الجوع الذي تحدثنا عنه مع قافلة الطوارق يكبر هنا متخذًا أبعادًا أخرى، فلقد صار "جوعًا للرقة، للنور، للأغاني، جوعا لكل شيء". كما أن الصمت الذي غلفنا في سكون الصحراء سيعاود الظهور أيضًا، ولكنه هذه المرة صمت من التعاسة والتعب. إن المدن الغربية الكبيرة صحراء من البؤس والصخب إذن.
أولئك الذين تدهسهم الحضارة الغربية
يجب أن نتذكّر أن لالا هي روح حرة دائمة، ولذلك فسرعان ما ستهرب من ريح الموت في الحي الخلفي حيث تعمل، رافضة أن تكون مثل "أمثالها الذين يعيشون، يأكلون، يشربون... وفي تلك الأثناء ينغلق عليهم الفخ. لقد خسروا كل شيء". وعندها يتلقفها مُصَور موهوب يلمح النور الذي ينبعث من وجهها وحضورها ويُحوّلها في غضون أشهر إلى فتاة تظهررعلى أغلفة المجلات، وتحصد مالا كثيرًا لا تهتم به، إذ أنها تنتبه إلى أن المعجبين الذين يطاردونها للحصول على توقيع لا يرونها أيضًا؛ إنهم يرون صورتها فقط، ذلك الشيء الذي تعتبره لالا منفصلًا عنها تمامًا، وتعرف في عمقها أنها سترحل ذات يوم عائدة إلى موطنها، غير أن حادثة مريعة ستُعجل من رحيلها.
يصنع الكاتب في الفصلين الخامس والسادس من الرواية تجاورًا ذا مغزى بين حادثتين رهيبتين: المجزرة الطاحنة التي ارتكبها الجنود الفرنسيون في رجال الشيخ ماء العينين وعائلاتهم أولًا، ثم موت الولد الغجري" ديكستر" تحت عجلات حافلة وهو يهرب من رجال الشرطة والناس الذين "رأوه" أخيرًا بينما كان يسرق. إنه ما تفعله الحضارة الغربية بـ"الآخرين"، غير أن روايةً تنتهي بالولادة لا يمكن أن تكون إلا قصة عن الأمل.
تكون لالا شاهدة على حادثة الموت المريع لصديقها الصغير ذات صباح وسرعان ما تستقل سفينة إلى المغرب، وتعود إلى شواطئ صباها حيث تفاجئها آلام الولادة، وفي عمق الليل والوحدة تلجأ إلى شد جسدها إلى شجرة تين كي تلد وقوفًا مثل جداتها من النساء اللاتي توحّدن مع الطبيعة، وحينها تتفاعل مع ألمها الأغصان والأوراق تفاعلا حسيا يذكرنا بالمخاض الذي خاضته مريم العذراء في الكتب المقدسة، ومثل هذه الولادة لا يمكن إلا أن تجلب النور والسلام والوعود بآفاق أخرى، كما أننا نعود في ختام الرواية لنشهد عودة الناجين من الرجال الزرق وعائلاتهم إلى الجنوب ومعهم الفتى نور، مثخنين بالجراح والفقد ولكنهم يستمرّون بالتقدم نحو الصحراء، موطنهم الذي لا يمكن أن يكون إلا لهم. إنها نهايات لوكليزيو التي يحب أن تُشبه نهايات حكايات الأطفال حيث ينتصر الخير بصورة ما دائمًا.