قبل قراءة "الحرافيش"، حدّثني رفيقي بأنّني أمام عملٍ مختلفٍ من أعمال الأديب المصري نجيب محفوظ (1911-2006)، إذ كان يقول إن تجربةَ محفوظ تنقسم إلى مرحلتين: مرحلةٌ كُتب خلالها جلّ روائعه الأدبية الكبرى، مثل ثلاثية "القاهرة" و"القاهرة الجديدة" وغيرها، ومرحلة أخرى مختلفة هي مرحلة " الروقان الخالص" وفيها كتب "الحرافيش" دون سواها.
لا يخلُ هذا القول من مبالغةِ محبّ، ولكنه لا يخلُ أيضًا من حقيقة مفادها تفرّد "الحرافيش" في تجربةِ محفوظ عمّا سواها، وهي قناعة ترسّخت عندي يوم قرأتها، إذ لم أجد واقعية محفوظ الاجتماعية المعتادة - والقاسية في أعمال كثيرة - ولا حتّى ملامح أسلوبه المعهود. ففي هذا العمل، يزيّن صدر تجربته الأدبية بنيشان جديد، ويمنح للمصريين قاطبةً، وخاصةً الفقراء من ساكني المقارب والخرابات المعروفين باسم "الحرافيش" ملحمتهم الخاصة، وفيما بعد سيطلق هو والمقربون من أصحابه على جلستهم اليومية "شلّة الحرافيش".
ملحمة مصرية خالصة
تُعرّف الملحمة ببساطةٍ بكونها مطوّلةٌ شعريةٌ حربية، تروي بطولة نضال لشعبٍ أو ثقافةٍ ما، وهو تعريف يبدو أنه قد تم تجاوزه في الفترة المعاصرة - جماهيريًا وبدرجة أقل نقديًا- فنّيًا من خلال التخلي على شرط الشكّل العشري، ومضمونيًا عبر التركيز على التعبير الثقافي الجامع للنص، لتصبح بذلك الملحمة المعاصرة وفقا لـ"تيكلا بود"، عملًا فنيًّا مطولًا يمثّل من خلال أبطاله نقطة ارتكاز وتأسيس لثقافة أو طبقة ما، ومعبرة بشكلٍ أو بآخر عن همّ وأمل إنساني في الآن نفسه.
وما نرومه هنا، ليس التركيز على تاريخ الملحمة كمفهوم أدبي، أو عن مدى انطباقه على حرافيش محفوظ، بقدر ما يهمّنا توظيف المصطلح جماهيريًا لوصف العمل، وهو اهتمام على العموم مشروع، ذلك أننا متى ما تتبّعنا طبعات الرواية المختلفة منذ صدورها عام 1977، سنلاحظ اختلافًا في العنونة، إذ تأتي أحيانًا "ملحمة الحرافيش"، مثل طبعة "مكتبة مصر القديمة"، وطبعة "ديوان" لسنة 2022، وفي أحايين أخرى تأتي بعنوان "الحرافيش" فقط دون إضافة عبارة الملحمة، كما هو الحال بالنسبة لطبعتي "الشروق" و"هنداوي"، وكأن لفظ الملحمة، لفظٌ مضاف للعنوان الأصلي في مرحلة لاحقة، من طرف محفوظ أو غيره.
والإحساس بملحمية العمل، ينبثّ من أوّل فقرات الحرافيش: "ظلمة، فجر، وممرّ عابر بين الحياة والموت وأناشيد غامضة، في هذا الجوّ يبلج عاشور الناجي ومعه المعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا".
في السطر الثاني، يحدد عن قصد فضاء الملحمة وبدقة "حارتنا"، وهي ليست قرية، أو ريفًا، أو مدينةً أو نجعًا من نجوع قبائل الصحراء بل حارة ولا غير. الحارة بكلّ ما للكلمة من حمولة مصرية حضارية خالصة، مردّها قرون من العمران البشري المخصوص، من أيام الفاطميين ومن بعدهم، من أيوبيين ومماليك بحرية فـ "عصمنلية"، فرضتها طبيعة القاهرة القديمة المحكومة بسخاء النيل وجبروت الصحراء.
بذلك تختلف حارة الحرافيش مجهولة الاسم عن غيرها من مظاهر مشابهة: "أرباض المغرب الكبير أو حتى حواري الشام. حارة الحرافيش، مصرية حد النخاع، بتعطل الزمن فيها، بأسماء قاطنيها وجبّاناتها وقرافاتها وتكايا متصوّفة مجهولين، وبالخلاء الرابض شرقيّها، حيث المقطم وساكنته من الأرواح والأطياف". هي أيضًا مصرية، بتنظيمها الاجتماعي الخاص، حيث لا سلطة للدولة أو للسلطة الدينية الرسمية، والتي أشاحت باهتمامها عن الحواري المنسية منذ زمن.
وحدها "الفتوة" آخر مؤسّسة صامدة وقادرة على تنظيم الحارة وضبطها - بكل ما توحي به الكلمة من معاني سلبية - وعلى خلاف غيرها من أشكال تنظيم التمدن في الفترة الحديثة، كانت الفتوة نتاجًا لسيرورة انحطاطٍ شاملٍ، حلّ بمصر العثمانية؛ إذ مع ضعف الحكام، صارت الحارات مجالًا لهيمنة ذي العزائم وأصحاب القوة من أبنائها، صالحين أو طالحين، لا يهمّ، ما يهم هو قدرتهم على ابتزاز الإتاوات والحفاظ على هيبة وسمعة الفحولة بين الأتباع والأغراب على حد السوّاء، ذلك أن كل ذكر يكفيه أن يحوز من الهمة والشجاعة ما يكفي، حتى يمسي بذلك فتوة محتملًا. وحده عاشور الناجي، من دون الجميع، من كسٍّر النمط.
عاشور .. الناجي المرتجى
حلّ عاشور بالحارة ليقطع مع عاداتها وقوانينها ويصنع لها مستقبلًا - سيمسي مع الأيام ماضيًا - مختلفًا. واختيار اسم عاشور لم يكن عبثًا، على الأقل خلال هذه المرحلة من عمر تجربة محفوظ الأدبية والتي كان فيها ميّالًا لتحميل تلك الأسماء مصائر أصحابها.
عاشور هو ببساطة عاشر الأعداد والعاشر من الأيام، وتخفيفٌ لكلمة عاشوراء كالعاشر من محرم مثلًا، يوم قضى الحسين بطل المظلومين والطبقات الدنيا نحبه، ويوّم نجى الإله المستضعفين من فرعون. وبذلك، يحلّ عاشور وقد حمل معه كل مشاعر الغضب والتمرّد ونصرة الضعفاء وتحدي الظلاّم، ولا أدل على ذلك من الموضع الذي رُمي فيه الرضيع عاشور - من القدر أو محفوظ لا يهم- ألا وهو طريق مقام رأس الحسين.
وحواري القاهرة القديمة، وريثة مصر الفاطمية، مسكونة بتلك المشاعر، تنقلها جيلًا تلو الآخر: تضحية الحسين ولا ريب أن يختاره محفوظ بوصفه وليًا حافظًا وسلطانًا روحيًا لحارته. وانتظار المخلص القادم يومًا ما عندما يشتد الظلم والقسوة ويبلغا حدًا لا يطاق.
وهو ما حقّقه نجيب لأهل حرافته وحرافيشها. يمنحهم المنتظر ويجلله بكل ملمح أسطوري وخارق. إذ يرمي به كلمة صمّاء، فلا أصل بشري معلوم له ولا ماض عائلي يرتبط به. تتلقفه يد عمياء - عمياء عن الدنيا ومفاتنها - وتنشئه نشأة هي للتجرد أقرب. وعلى خلاف أقرانه، يُمنح عاشور بسطة من الجسم والعملقة، لو منحت لمن هم أقل منه لطغوا وتجبّروا في مجال لا يعترف بغير قوة الجسم ودهاء النفس. ولكنّه يشيح بعينيه عنها، نحو ذلك الفضاء المبهم والمقدس، أين تعلق قلبه وقلوب من جاء من نسله، وتحددت مصائرهم وتلك قصة أخرى.
عاشور بطل ملحمي بامتياز، صحيح أن محفوظ كتب الرواية قبل أن يضع عالم الأساطير جوزيف كامبل كتابه حول رحلة البطل عام 1990، إلا أن التوافق بين تصور البطولة لافت - وهو متوقع بالنسبة لأديب غرف من ملاحم وأساطير ثقافته المصرية العتيقة - إذ عبر عاشور مراحلها واحدة تلو الأخرى.
من محاولة " العيش" مثل بقية ناس الحارة، فصدود الحجب عنه وانغلاقها. حينها يحيد ويتغير، يجمع في عباءته وداخل "بدرومه" فلة رمز الغواية والحرام، وبها يسمو - وهو المتصوف من بعيد - فوق الظاهر إلى ما هو أبعد، استعدادًا لخوض الفصل الرئيس في رحلة كل بطل: مغادرة دنيا الناس إلى عالم الآخرين.
وفي عالم الحرافيش، ذلك العالم مصري بامتياز: قفر قاحل، جبل وصحراء لا غير، لا تعمّره إلا القرافات المهجورة وأطياف خرساء، في تذكير صريح بعالم الأموات، غربيّ النيل. يمضي في قفره، ما شاء الله أن يمضي، لا أنيس له غير حمار - كغيره من الصالحين في أخبار الأولين- والمجتبون من أهله: فلّة وشمس الدين. وعندما يهتف القدر يعود، وككل بطل لا يعود لدنيا الناس كما ذهب، يعود عاشور متوّجا بلقب " الناجي" ذلك الذي صدق ونجى من "الشوطة" عندما كذّبه الناس. وبعودته يحقق للحرافيش ما لاكته الألسن من قرون عن ذلك المرتجى الذي " يملأ الأرض عدلا كما ملئت قبله جورًا".
آل عاشور وشيعة الحرافيش
لا تمثل حكاية عاشور سوى فصلٍ من فصول الملحمة، صحيح هو الفصل المؤسس والشخص الذي وضع الشرعة والميثاق الذي ستمضي عليه سلالته، إلا أن الملحمة تتجاوزه نحو تسع فصول أخرى، هي فصول تجارب ذريته بداية من شمس الدين، الوحيد الذي عبر مع والده إلى دنيا الآخرين رضيعا وعاد معه، والمؤسس الفعلي لميراث والده، وصولا لآخر الحكايات مع عاشور الآخر، آخر من بقي من ذرية عاشور الأول الذكور، والفتى الذي سيحيي ما ظّن الناس أنه اندرس. وبينهما أجيال وأسماء وصعود وهبوط، وعزوف عن طلب المجد وعجز في أحيان أخرى. حقد على ثقل الحمل وفخر به. وكجّل روايات الأجيال، يربط محفوظ مصائر شخصياته بتلك التركة، بالمنّة واللعنة المقترنة باسم الناجي.
وآل الناجي نموذج أصيل وحاضر في الثقافة الشعبية المصرية وروافدها الإسلامية الخاصة، هم كآل بيت علي بن أبي طالب وتقلبّات ما حل بهم في سياقات ما قبل الدولة الحديثة، من اجتماع للسلطة الروحانية والدنيوية، ففقدان للثانية جيلا بعد جيل. ومن شرف "الفتونة" - وعلي هو أولى فتوة في المرويات العربية- لا يبقى غير شرف الإسم. ومن سطوة السلطة مع شمس الدين وسليمان، لا يبقى للأواخر كإبراهيم غير سطوة المال - بتشجيع ممن يهاب دعوة الناجي الأخلاقية الأولى- وتوجس الخصوم.
وهكذا في دورة حتمية خلدونية كاملةٍ، يصور محفوظ انحطاط المُثل السامية وحامليها، من زمن الشدّة وما يبثّه في الرجال من عزيمة ورغبة في التغيير، تثمر أيامًا رخية. رخاءٌ يبث في آل الناجي الطمأنينة بأن لا شيء من الممكن أن يعكّر صفوهم أو يحيد بهم عن مشروعهم في جعل الحارة واحة للإخاء والمساواة، كما توهم سليمان - آخر العظام من قدماء آل الناجي- يوم حُذّر بأن خصوم الماضي وأعداء اليوتوبيا العاشورية - من فتوّات وأعيان وتجار وشياطين النفس حتى- بصدد الكيد له، ليقول: "ما تغيّرت ولن أتغير". وهنا بالذات ينفرط العقد، ومعه سليمان وذريته.
لا يبقى من ذرية الناجي إلا أفرادٌ، تدجّنهم في البداية السلطة وتُغرقهم بالأموال والملذات، ولحظة انطفاء هممهم، توجّه لهم الضربة القاضية، ومن الشرف ينحدرون عوامًا، حيث تتنكر السلطة لهم ولإرثهم، وما كان يومًا ما اسمًا مخيفًا ومشحونًا بدعاية سياسية - أخلاقية، يُنسى، ولا يستحضره إلا الحرافيش والمعدمون والطبقات الدنيا ممن سكن ولاذ بقبور وقباب السابقين منهم، إذ يستحضرونهم كما تستحضر طبقات مصر الدنيا، ذكرياتٍ وأساطير آل البيت والصالحين، ممن حاربوا الظلم وأقاموا العدل - صدقًا أو خرافة- ذات يوم. وهمسًا يطلبون في صلواتهم عودتهم.
هنا بالذات، عند القاع، يقطع محفوظ مع ذلك المنحى الذي كاد أن يُحوّل الرواية لعمل من أعماله الواقعية، إذ يتدخل ليقطع مع تلك الحتمية التاريخية السابقة، وعلى خلاف ما هو متوقع، يعيد للعمل ملحميته الأولى، ويحرّك من عَجَزَ التاريخ وخيباته عن تحريكهم لقرون، الحرافيش ومن معهم من مظلومين ومسحوقين.
بعد مئات الصفحات، وقرون من تكريس صورتهم ككتلة ضخمة صمّاء، مفعول بها، يحتقرها الفتوّات ويبتزّها الأعيان والأثرياء، وبعد المجاعة والمهانة وانتهاك أقدس ما بقي لهم من آمال، وذكرى الناجي وحرمة الطاهرين من آل بيته، وعاشور الصغير، في تلك اللحظة بالذات، يكتب محفوظ: "رسبت الهمسات في أعماق الحرافيش فتحوّلت إلى قوة مدمّرة. اجتاح الحارة طوفان لم تعرفه من قبل". ثار المسحوقون، لأول مرة، وفي ثورتهم سحقوا كل شيء، وبثورتهم حقّق نجيب، حلمًا داعب نظرائهم في دنيا الناس دون أن يتحقق، أو لعله رغبّهم بأنه ممكن، متى ما أرادوا وأدركوا قوتهم.
ملحمة الأناشيد الخرساء
ثلاث قرون من عمر الحارة وما عاشته من أوبئة ومجاعات ومعارك وثورات وزيجات وبطولات وحكايات لا تنتهي ولا تستقر. وحده عنصر واحد ثابت، افتتح به محفوظ الحكاية واختتمها، هي الأناشيد الأعجمية لمتصوفي التكية ودراويشها. في ظلمة الليل هللّت لقدوم عاشور الجد وعقب منتصف ليلة استعادة حفيده الأخير لميراثه، تكشفّت له معانيها، أو كما كتب محفوظ في آخر فقرات الرواية: "كأن الأناشيد الغامضة تفصح عن أسرارها بألف لسان".
والأناشيد التي ضمّنها محفوظ ملحمته، لم تكن سوى قصائد للمتصوّف الفارسي الأشهر حافظ الشيرازي، والتي يبدو أنه اطلع على أولى ترجماتها الحديثة مثل ترجمة "الشواربي" التي توفّرت في مصر منذ أواسط القرن الماضي، ومع ذلك فإنه لم يختر تضمينها معربة، بل أصرّ أن تُكتب بالفارسية دون ترجمة أو هوامش، إذ كان قصده أن يحسّ القارئ ككلّ فرد من آل الناجي، بنفس الحيرة والغموض والتيه، بل واليأس قبل الفرج.
لم يُرد محفوظ - ولا دراويشه - لأبطاله نيل سكينة العجز، ولكن سكينة النصر. امتحانٌ فرضه عليهم من أيام عاشور الأول، يوم انهزم وطلب بوابة التكية لائذًا بها وبأهلها، ظانًا أن "البوابة تناديه. تهمس في قلبه أن اطرق، استأذن ادخل، فز بالنعيم والهدوء والطرب". ينادي "يا أهل الله" ويكرر النداء دون جدوى، وينقل محفوظ عن حافظ " جز آستان توام در جهان پناهی نیست"، أو "ليس من ملجأ في العالم وغير بابك لا معتصم لرأسي"، وعندها يدرك أن فتح الباب - وذلك بالمناسبة اسم اختاره محفوظ لأحد أحفاد عاشور البعيدين- والوصل رهين بمعركة الحياة الدنيا، وبالكيفية التي يخوضها بها.
وجلال، الشخصية التراجيدية الوحيدة من ذريته في معاندته للقدر والموت، من يُحاول التمرد على الأناشيد وحكمتها، ولكنه على خلاف عاشور لا يتمرّد من ضعف أو خصاصة، بل من جبروت وقوة، إذ يظن أنه "لن تخونه الروح، لن يحمله نعش، لن يضمه قبر.. لن يذوق حسرة الوداع"، إذ يطغى ويبني برجه ويتحدى السماء، ولحين يتوهم الخلود لولا أن الأناشيد بشرته بمصيره، دون أن يفقهها: " نار كم كن كه در اين باغ بسى"، أو "ما أكثر ما تفتح مثلك في هذا البستان"، وتلك رسالة محفوظ لجلال، فرعون آل الناجي، ولغيره من الفراعنة السابقين واللاحقين: "ما أكثركم وما أشد تشابهكم في الجبروت ووحدة المصير، وفي ميراث لا يبقى منه غير أبراج خاوية، مراتع للغربان والشياطين".
في الحرافيش، يمنح محفوظ الروحانية والتصوّف نفسًا مختلفًا، على خلاف "اللص والكلاب" وغيرها من أعماله والتي من الممكن أن يؤول ذلك الحضور على أنه تخدير للجماهير وطبقات المجتمع الدنيا واصطفاف إلى يمين السلطة. على النقيض من ذلك، يستعين بها ليُبارك لهم النصر الذي طال انتظاره. ويحقق لهم اليوتوبيا المأمولة عندهما على حدٍّ سواء: عند الحرافيش والدراويش، ولكل المصريين، ممن هدّتهم الهزائم والانكسارات، يبعث برسالة ختامها: "قد ينفتح الباب ذات يوم لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة".
"دوش وقت سحر از غصه نجاتم دادند
وندر آن ظلمت شب آب حياتم دادند".







