ultracheck

عزمي بشارة في "الطوفان: الحرب على فلسطين في غزة".. مراجعة شاملة (2)

4 ديسمبر 2024
الطوفان الحرب على فلسطين في غزة

قدّمنا في مقالة سابقة مراجعة مفصلة للفصل الأول من كتاب المفكر العربي عزمي بشارة "الطوفان: الحرب على فلسطين في غزة"، الصادر مؤخرًا عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات". وهذا المقال مراجعة لبقية فصول الكتاب.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الأهم من الإيمان بالقيم الكونية الإنسانية هو الالتزام بها. ولذلك، يدفع نفاق الدول الغربية الداعمة لإسرائيل، في هذا الإطار، إلى التشكيك في حقوق الإنسان والقيم الكونية. لكن الخلل هنا، كما يوضح بشارة، لا يكمن في المعايير الأخلاقية الكونية المتمثلة في الصياغات العالمية لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية، وإنما في التنكر لها وعدم الالتزام بها وبالقانون الدولي وتفريغه من معناه ضمن منظومة دولية تُهيمن فيها المصالح وعلاقات القوة على تفسير هذه القوانين والقيم، التي يؤكد بشارة أنها ليست غربية بل إنسانية لا يلغي نفاق الغرب بشأنها وجودها، ولا يؤدي إنكارها والادعاء بأنها كذبة كبرى (كما هو الحال في النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي) إلا إلى انحدار أخلاقي يغذي التطرف العدمي الذي عانت منه المجتمعات العربية، ودفعت ثمنه باهظًا في حالة تنظيم "داعش" تحديدًا. 

نفاق الغرب بشأن القيم الكونية الأخلاقية لا يلغي وجودها، خاصةً أن من يناضل ضد الظلم في الدول الغربية يصوغ خطابه السياسي ومطالبه بموجبها، وأن ما يحرك بعض المحتجين على الحرب في أميركا وأوروبا هو أيضًا هذه القيم الناجمة، وفق بشارة، عن شعور بالانتماء المشترك إلى هوية إنسانية واحدة تتجاوز القومية والدين، وتجعلهم قادرين على تخيل أنفسهم مكان الضحايا، الأمر الذي يمثّل أرقى أنواع الانتماء المشترك والتضامن الإنساني. 

وفي محاولة منها لاختزال القضايا الأخلاقية المترتبة على الحرب على غزة وتحييدها أيضًا، اعتبرت الدول الغربية هذه الحرب دفاعًا عن النفس لكونها ردًا على هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي أنها ضرورية ومشروعة. لكن هذا الحق في الواقع لا يشمل الدول المحتلة التي لا تدافع هنا، كما يلفت المفكر العربي، عن نفسها وإنما عن احتلالها الذي تُعد مقاومته من قِبل الشعب الرازح تحته مبررة وفق المواثيق الدولية. 

ويشرح بشارة بأن الدفاع عن النفس ليس قيمة أخلاقية، وإنما ضرورة طبيعية يُسبِغُ عليها لفظ "حق" طابعًا معياريًا قانونيًا وأخلاقيًا مفاده الاعتراف بحق أي شعب في مقاومة الاحتلال. وطالما أن الحديث هنا عن مجتمع يدافع عن وجوده وثقافته وهويته ضد محتل يمارس ضده العنف التعسفي والإذلال، فإن المقاومة تتجاوز في نظر حركات التحرر الوطني مجرد حق الدفاع عن النفس إلى الواجب الأخلاقي. 

يؤكد المفكر العربي أن الدفاع عن النفس لا يمكن ألا يكون مقيّدًا بشروط أخلاقية أو قانونية سواء تعلق الأمر بالنسبة والتناسب بين الفعل ورد الفعل، أو الوسائل التي ليست مشروعة كلها. ويرى أن دعم الدول الغربية لإسرائيل لم يكن مشروطًا باحترام القانون الدولي، وأن تكرارها جملة "حق الدفاع عن النفس"، على الرغم من كل ما حدث في غزة، يتجاوز النفاق إلى الانحطاط الأخلاقي. 

اللافت أن إسرائيل، وبخلاف الدول الغربية، قلما استخدمت هذه الذريعة لتبرير عدوانها على غزة، واختارت بدلًا من ذلك ذريعة القضاء على الإرهاب، أي "حماس"، الذي ما إن صار هدفًا متفقًا عليه مع الدول الغربية حتى أصبح كل شيء مباحًا تقريبًا لإسرائيل وفق بشارة، الذي أوضح هنا أنه في هذا النوع من الحروب تُنسى الوسائل القذرة والجرائم المرتكبة التي لن يُحاسب عليها أحد في حالة النجاح في تأدية المهمة، وتبدأ المحاسبة في حالة الفشل، أو إذا تلقت الدول التي ترتكبها ثمنًا باهظًا نسبيًا خلال الحرب نفسها. 

المفكر العربي عزمي بشارة
المفكر العربي عزمي بشارة (فيسبوك/ ميغازين)

لذلك لم يأتِ تشبيه نتنياهو لـ"حماس" بأنها "داعش غزة" من فراغ، بل كان تمهيدًا لاستباحة القطاع بحجة ما أصر على أنه "داعش غزة"، وتكرار ما حدث في الموصل والرقة لناحية عدم اكتراث سوى قلة قليلة من الناس بالجرائم، التي ارتكبها التحالف الدولي أثناء قصفه لهاتين المدينتين خلال قتاله "داعش"، طالما أنه يُقاتل "داعش"!

لكن "حماس" ليست "داعش"، وهذا ما يدحضه بشارة بقوله إنها حركة فلسطينية تقاوم الاحتلال على أرض فلسطينية محتلة، وليست تنظيمًا متعدد الجنسيات يحارب على أراضي الآخرين. كما أنها لم تقم بأي عمليات عسكرية خارج حدود وطنها، أو تسببت بالأذى للمدنيين في دول أخرى. ولم تمارس أيضًا عنفًا سياسيًا عبثيًا عدميًا، بل تمارسه في سياق مقاومة الاحتلال.

وصفُ "حماس" بأنها "داعش" كان، وفقًا لما أوضحه بشارة، جزءًا من عملية شيطنة الحركة وقطع الطريق على أي نقاش لخلفيات هجوم 7 أكتوبر، بوصفها تبريرًا للعملية من خلال الادعاء بأن سببها الوحيد هو أن من نفّذها، "كتائب القسام"، شرٌ مطلق. وهذا الادعاء لم يكن فلسفيًا بل جزءًا من حملة دعاية وفق قراءة بشارة، الذي أوضح أن الشر المطلق مُتخيّل لا يشكّل دافعًا للبشر لارتكاب أعمال السوء، ونادرًا ما يُستخدم في  فلسفة الأخلاق أيضًا، لكنه يُستدعى لأغراض الدعاية السياسية. 

تجسّد ما سبق في نعت أبواق الدعاية الإسرائيلية "حماس" بأنها "شر مطلق" لشيطنتها بالدرجة الأولى، وهذا يعني: "شرًا أنطولوجيًا قائمًا بذاته، لا أول له ولا آخر، لا بداية ولا نهاية، والأهم من ذلك أن ليس لأعمالها أسباب، ولا يمكن شرحها إلا بكون الفاعل نفسه يجسد الشر، ولا علاج له سوى محاربته والقضاء عليه" (ص 101). 

إذن، تشكل مقولة الشر المطلق عائقًا أمام تفسير أسباب لجوء الناس العاديين إلى استخدام العنف سواء لغايات أخلاقية أم غير أخلاقية. كما تمنع فهم السلوك الهمجي للجنود الإسرائيليين الذي يتجسد في ارتكاب أعمال العنف الجماعي والتنكيل بالمدنيين الفلسطينيين وإذلالهم وعلاقة ذلك بالتنشئة العنصرية في ظل ثقافة الاحتلال والعنصرية. ولذلك، فإن إطلاقها على ظواهر اجتماعية وسياسية أمر مناقض للعقلانية. 

ما تريده إسرائيل من هذا الوصف وما يترتب عليه من ردود فعل، إغلاق أي مجال لمناقشة أو شرح أسباب العملية أو خلفياتها باعتبارها تبريرًا لها، بل وعدّ من يُقدم على ذلك متواطئًا مع الإرهاب من جهة، ومعادٍ للسامية من جهة أخرى، لأن الإرهاب، وفق ادعاءاتهم، موجه ضد يهود في هذه الحالة، وكأنه موجه إليهم لكونهم يهودًا فقط. 

والادعاء بأن العنف الفلسطيني هو نتاج العداء لليهود، من الافتراضات/المغالطات الرئيسية التي تقوم عليها منظومة الدعاية الإسرائيلية السياسية، وهو افتراض باطل لا يقوم على أي دليل، حيث يؤكد بشارة أن اليهود لا يُستهدفون (في حال استهدافهم) لأنهم يهود، بل في خضم الصراع مع دولة محتلة. كما أن دولة الاحتلال نفسها لا تُقاوَم لأنها دولة يهودية، بل لأنها دولة احتلال. 

سياسة ممنهجة وليست أخطاء عابرة

بخلاف الشائع عند وقوع ضحايا مدنيين في العمليات الحربية، حيث يُبرر ما حدث استنادًا إلى مقولات مثل "خطأ" أو "وقوع أضرار جانبية"، تتجاهل إسرائيل الأمر تمامًا لأنها ببساطة تتعمد استهداف المدنيين لأغراض يرى صاحب كتاب "قضية فلسطين: أسئلة الحقيقة والعدالة"، أنها تتعلق بالحلول في مكانهم، إضافةً إلى الانتقام والثأر من العمليات ضدها. 

ويُكذّب تعمدها استهداف المدنيين مزاعمها بأن المقاومة الفلسطينية تستخدم المدنيين دروعًا بشرية. وهذا، حتى لو كان صحيحًا، وهو عكس ذلك تمامًا، لا يُبرّر عمليات القصف الوحشية التي تسعى إسرائيل من خلالها، وفق قراءة بشارة، إلى تلقين المدنيين درسًا تضمن من خلاله عدم تكرار مثل هذه العمليات، وخلق معاناة متواصلة تفوق قدرتهم على الاحتمال وتدفعهم إما إلى توجيه نقمتهم نحو المقاومة، بل وحتى التخلي عن هذه الفكرة على اعتبار أن تكاليفها تفوق ما يمكن تحمّله، أو تدفعهم للهجرة. لكن هناك أيضًا أسباب أخرى تتعلق بالعنصرية والكراهية للعرب، سواء في المجتمع الإسرائيلي، أو حتى داخل الجيش حيث يُلقّن الجنود كراهية العرب.

استخدام المقاومة للمدنيين كدروع بشرية وهو ادعاء مغلوط لا يُبرر عمليات القصف الوحشية إذن. واستخدامها كذلك للمستشفيات، أو وجود أنفاق تحتها كما تدعي إسرائيل، وهو ادعاء باطل أيضًا، لا يُبرر قصف المستشفيات الذي صار جزءًا من روتين الحرب، طالما أنه لا يلقى أي إدانة من قِبل حلفاء إسرائيل، الذين استبدلوا "الإدانة" بـ"تقديم النصائح"، والعقاب بـ"المكافأة". ويرى بشارة أنه يفترض أن يكون قصف المستشفيات، والمدارس، شرًا من أي زاوية نظر، سواء شر مطلق أم لا. ولذلك، فإنه من الغريب والمحرج، كما يقول، أن يُناقش قصف المستشفيات الذي هو في الأصل جريمة حرب واضحة. 

 

أخلاقيات الحرب والمقاومة

وفي سياق الحديث عن المقاومة، يؤكد المفكر العربي أن ما يجعل مقاومة الاحتلال أخلاقية ليس اعتراف الأمم المتحدة بهذا الحق، وفق مبادئها وميثاقها، وإنما الحق في مقاومة الظلم والسعي إلى التحرر من قيود غير شرعية. وطالما أن الظلم في حالة الاحتلال يُمارس على شعب بأسره، فإن مقاومته حق جماعي. كما أن ممارسة العنف ضد المدنيين بسبب فشله في إخضاعهم، هو أيضًا من حق الشعب الواقع تحت الاحتلال الذي تكون ممارسته للعنف في هذه الحالة دفاعًا عن النفس وسعيٌ نحو ممارسة حق تقرير المصير. وغالبًا ما ينطلق بشكل عفوي، ثم يُنظّم لاحقًا. ولهذا السبب، يرى بشارة أنه يجب الفصل بين تفجّر العنف في مقاومة الاحتلال والتخطيط العقلاني لممارسة العنف المسلح.

مع ذلك، ورغم التسليم بحق الشعب في مقاومة الاحتلال، يرى المؤلف أن الحكم على أخلاقية أفعال المقاومة جائز وربما ضروري، حيث يوضح بأن مقاومة الاحتلال لا تعني فقدان القدرة على التمييز بين الخير والشر في أفعال المقاومة ذاتها، إذ إن استهداف المدنيين بالقتل أو التنكيل عمل غير أخلاقي لا يبرّره حق المقاومة. لكن إدانة هذا النوع من الأعمال، في إطار خطاب سياسي لا يعترف بالحق في مقاومة الاحتلال، ليس لها معنى لأنها تعارض استهداف قوات الاحتلال أيضًا. لذلك، تستحق عمليات المقاومة "الإشادة من منظور نضالي، في حين أن أعمال استهداف المدنيين والتنكيل بهم أعمال غير أخلاقية، إضافةً إلى أنها تُلحق الضرر بالمقاومة" (ص 109). 

 

تبريرات أكاديمية لحرب الإبادة الجماعية

في نقاشه مع يورغن هابرماس، بشأن البيان الذي أصدره مع آخرين عن الحرب الإسرائيلية على غزة، أوضح بشارة أن البيان يتمحور حول مسألتين، هما: التسمية/المصطلح، حيث رفض تسمية ما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة "إبادة جماعية". وردود الفعل اللاسامية المحتملة ردًا على إسرائيل، مع تبرير حرية انتقاد الأخيرة في ألمانيا. ويلفت المفكر العربي إلى أن هابرماس تجاهل معاناة الفلسطينيين وتجنّب انتقاد الحرب عليهم. بل ولجأ، لكي يبدو دعمه لها مشروطًا، إلى الحديث عن حرب افتراضية تجري بمبادئ توجيهية كما سماها (تجنّب قتل المدنيين وإحلال السلام في المستقبل). لكن الواقع، وفق شرح بشارة، أن دعمه للحرب غير مشروط لأنه لا يستطيع فرض شروطه على الدولة التي لا تستشيره في كيفية دعم الحرب. يختبئ هابرماس خلف النقاشات الأكاديمية بشأن المصطلحات لأنه لا يرفض فقط تسمية ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة "إبادة جماعية"، بل يمتنع حتى عن تحديد ما يتعرضون له وإدانته. فالافتراض هنا أن استهداف المدارس والمستشفيات يجب أن يكون مُدانًا أخلاقيًا بغض النظر عن التسمية. 

وفي الوقت الذي تحدث فيه يورغن هابرماس عن ردود فعل لاسامية في ألمانيا في بيانه، لم يذكر أي مثال عن أي خطر يتعرض له اليهود واليهوديات هناك في سياق الاحتجاج على الحرب على غزة. ولا يبدو فعل ذلك مهمًا لأن غاية هابرماس من استخدام المصطلح، وفق بشارة، هو صرف النظر عما ترتكبه إسرائيل في غزة من خلال إثارة النقاش عن الصراع مع اللاسامية، الأمر الذي يرى بشارة أنه محاولة لفتح معركة أخرى لتمويه المجازر في غزة، وتقييد حدود حرية التعبير التي تنتهي دائمًا حيث يبدأ نقد إسرائيل. 

في مقابل هابرماس، هناك أيضًا شيلا بن حبيب التي تعتبر غزة معسكر اعتقال كبيرًا، لكنها لا تحمّل إسرائيل مسؤولية حصاره بل حركة "حماس"، التي ترى أنها تحولُ دون صعود قيادات فلسطينية معتدلة. ولذلك، يجب ألا تخرج "حماس" منتصرة من هذه الحرب وفق قولها، متجاهلةً تمامًا دور إسرائيل. وأكثر من ذلك، لا تعتبر بن حبيب إسرائيل دولة استعمارية لأن ما يحدث في فلسطين، بحسب تصورها، صراع بين حركتين قوميتين على الأرض. ولم تقدّم شيلا بن حبيب، شأنها شأن يورغن هابرماس، موقفًا أخلاقيًا من الحرب. والخلاصة أن هؤلاء المفكرين سقطوا "في الامتحان الأخلاقي حين برروا حربًا شاملة تشنها دولة محتلة على الشعب الخاضع لسلطتها، ولم يضعوا حدودًا واضحة لما يمكن أن تقوم به دولة الاحتلال ضد المدنيين العُزّل، حتى لو افترضوا أن الشعب رهينة حركة إرهابية، وليس رهينة الحصار والاحتلال" (ص 119). 

جانب من الدمار في قطاع غزة جراء القصف الإسرائيلي
جانب من الدمار في قطاع غزة جراء القصف الإسرائيلي (رويترز/ ميغازين)

الهولوكوست والإبادة الجماعية

ناقش عزمي بشارة مع هابرماس مسألة أخرى هي الهولوكوست، حيث تساءل عن علاقة قضية فلسطين والفلسطينيين، والعرب والمسلمين عمومًا، بهذه الجريمة التي ارتُكبت في أوروبا، والتي تضرر منها الشعب الفلسطيني لكونها أسهمت في زيادة معدلات الهجرة إلى فلسطين، وتعاطف الدول الأوروبية مع المشروع الصهيوني. 

تستخدم إسرائيل هذه المسألة سياسيًا لدعم موقفها بوصفها دولة استعمار استيطاني في منطقة لم يتعرض اليهود فيها للاضطهاد. وهذا التعامل الأداتي، وفق قراءة صاحب كتاب "الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار"، إساءة إلى ضحايا النازيين وتقليل من شأن المحرقة ذاتها، عدا عن أن الضحايا أنفسهم لم يكونوا صهيونيين، ولم تتجاوز الصهيونية نفسها أقلية صغيرة بينهم حتى ذلك الوقت. ولذلك، لا يحق لإسرائيل "استخدامهم في تبرير اضطهاد شعب آخر وتقمص دور الضحية في هذا السياق" (ص 121). 

أوضح بشارة أن مصطلح "الإبادة الجماعية" لم يُشتق من كارثة الهولوكوست وحدها، وإنما جاء نتيجة تصرفات قوات الاحتلال الألمانية في أوروبا بشكل عام، بما في ذلك جرائم لم تصل إلى مستوى المحرقة النازية نفسها. وكان المحامي البولندي رفائيل ليمكين أول من صاغ تعبير "الإبادة الجماعية"، في كتابه "حكم المحور في أوروبا المحتلة"، حيث كتب: "بشكل عام، جريمة الإبادة الجماعية لا تعني بالضرورة التدمير الفوري والمباشر لأمة (...) وإنما القصد من هذا المصطلح الدلالة على خطة منسّقة من أفعال مختلفة تهدف إلى تدمير الأسس الجوهرية لحياة الجماعات القومية، بهدف إبادة الجماعات نفسها" (ص 140). 

ويرى بشارة أن المصطلح ينطبق تمامًا على نكبة الشعب الفلسطيني كما لو أنه صُمّم خصيصًا للدلالة عليها. فالمهم ليس عدد القتلى، بل القصد والغاية من ذلك. وغاية إسرائيل مما ترتكبه في غزة واضحة، وهي تهجير سكان القطاع، ذلك أن ما نتج عن سياسات العقوبات الجماعية ضده هو تحويله إلى مكان غير صالح للعيش، الأمر الذي يؤدي حتمًا إلى هجرة قسرية. 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

رواية "خيانات لم يرتكبها أحد".. تيه الواقع السوري عبر ثلاثة أجيال

عن رواية خيانات لم يرتكبها أحد لمحمد ديبو الصادرة عام 2025

2

"حادثة عيش السرايا" لحمور زيادة.. مساخر مدينة مجهولة في بلاد منسية

حمور زيادة الروائي السوداني البارز في روايته الرابعة "حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مُسلية"، موقعها في مسيرته الأدبية، وحمولاتها السياسية والاجتماعية إزاء الواقع السوداني

3

"أعلّق الشوارع على حبل منتصف الليل".. مرآةُ ذاتٍ قلقة في مواجهة العالم

قراءة في المجموعة الشعرية أعلّق الشوارع على حبل منتصف الليل، للشاعر السوري حسين الضاهر

4

كتاب "مرويّات الحرب.. فوكوياما يسقط في غزة": تاريخ يولد من بين الأنقاض

تكتب بيسان عدوان روايتها عن الحرب كما تُعاش لا كما تُحلّل. ففي مرويات الحرب: فوكوياما يسقط في غزة، تقول إن التاريخ لا ينتهي، بل يولد من جديد كل يوم من بين الأنقاض

5

"ملحمة الحرافيش".. تأملات في الخلاص المؤجّل

حارة الحرافيش مصرية حدّ النخاع، بتعطل الزمن فيها، بأسماء قاطنيها وجبّاناتها وقرافاتها وتكايا متصوفة مجهولين

اقرأ/ي أيضًا

عبد الوهاب

عبدالوهاب كما لم نعرفه: أسرار "مجرم الحرب" في الموسيقى العربية

تكشف المذكرات النادرة جانبًا خفيًا لعبدالوهاب، من آرائه الجريئة وتمرده الموسيقي إلى غضبه المكتوم وصراعاته الداخلية الدائمة.

معاذ محمد

خيانات لم يرتكبها أحد لمحمد ديبو (ميغازين).

رواية "خيانات لم يرتكبها أحد".. تيه الواقع السوري عبر ثلاثة أجيال

عن رواية خيانات لم يرتكبها أحد لمحمد ديبو الصادرة عام 2025

علي جازو

حادثة عيش السرايا للروائي حمور زيادة (ميغازين).

"حادثة عيش السرايا" لحمور زيادة.. مساخر مدينة مجهولة في بلاد منسية

حمور زيادة الروائي السوداني البارز في روايته الرابعة "حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مُسلية"، موقعها في مسيرته الأدبية، وحمولاتها السياسية والاجتماعية إزاء الواقع السوداني

حسام هلالي

المزيد من الكاتب

مصطفى ديب

كاتب وصحافي سوري

الطاعة والعصيان في روايتين عراقيتين.. دون ذات وتاريخ

لا تقدّم "القربان" و"المسرات والأوجاع" صورة شاملة وصريحة ومباشرة للواقع السياسي في العراق خلال القرن الفائت، لكنهما تشتملان على بعض ملامحه الأساسية

عزمي بشارة في "الطوفان: الحرب على فلسطين في غزة".. مراجعة شاملة (1)

يقدّم المفكر العربي عزمي بشارة في الفصل الأول من كتابه "الطوفان: الحرب على فلسطين في غزة" مراجعة شاملة لعملية طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي الوحشي عليها