رواية محمد ديبو "خيانات لم يرتكبها أحد" الصادرة حديثًا (دار رياض الريس، ٢٠٢٥) وهي الأولى له، تحمل عنوانًا لافتًا ، خاصة أنها من تأليف شاعر وصحافي سوري، على ما مرت به سوريا ولم تزل من ويلات ومآسٍ. عنوان يحيل الى وصمة مرعبة لطالما أخافت السوريين و طاردتهم مُحوّلة معاشهم الى خشية مزمنة وإرهاب بلا نهاية. عنوان لافت، سياسي الطابع، وبوليسي إذا شئنا المُضي أبعد فيه. سنجد من خلال القراءة أننا في بيئة معقدة ومخيفة، محيرة ومتناقضة. وأمام بحث وتقصٍّ ليسا بعيدين عن سرد حَدَثِي وتاريخي متشعب ومتراكب بعضُه فوق بعض. نحن أمام سؤال يتأرجح بين الوصمة والتقديس، والعار والإجلال. هناك الشهيد وهناك بالمقابل الخائن، نعتان للشخص نفسه، للجثة التي ترقد في تابوت. يصلح التابوت هنا استعارة وتشبيهًا لسوريا كلها التي وُصفت فيما وصفت بأنها مسلخ بشري.
خائن أم شهيد؟
الصفتان المتصارعتان ما بين الخيانة المذمومة والشهادة المحمودة تتناهبان السرد، الذي حالما نخوض فيه أكثر نتبين مدى صعوبته وتعقيده. إنها رواية عن طائفة النظام السوري السابق، عن القائد المفدى الذي يبلغ مراتب فوق التقديس. نحن في داخل البيئة العلوية التي لطالما وُصمت بكونها الداعمة والحاضنة لنظام الأسد وعائلته. سيرة طويلة ذات تفاصيل كثيرة ومثيرة تمتدّ عبر ثلاثة أجيال متعاقبة لتتشابك مساراتها وتحولاتها مع تاريخ سوريا المشتت والمجهول في كثير من محطاته. تاريخ يشوبه دائمًا النقص وقلة المعرفة والذاكرة الشفاهية التي يضيع الكثير منها مع تقادم الأجيال. نحن هنا في وجه تاريخ عائلي سِيَريّ على مدار ثلاثة أجيال، هو بمثابة تصغير واختزال لتاريخ البلد وأهله في تحولاتهم شبه القسرية والمتناقضة المليئة بالعنف الفظيع والغضب والفقد والحرمان والظلم. هناك المجازر التي طاولت العلويين أيام الحكم العثماني والتهجير من مدينة لأخرى ومن مقام اجتماعي سياسي إلى آخر، وصولاً إلى حكم الأسد الأب وابنه حتى اشتعال الثورة والحرب بالجميع عام ٢٠١١.
على ما تحوّلت سوريا إليه من بيئة تعفن فيها العنف إلى مدى مهول لا طاقة لوصفه وفهمه، ربما يجدر البدء باللامعقول والخارق والزلزلي حتى يسهل فهم القليل السوري وكثيره. لكن الرواية تتبع نهجًا آخر أقرب إلى تعريف الوقائع بأسمائها المعهودة والعودة بالتاريخ لفهم الحاضر واللجوء إلى الوثيقة ومنطق البحث ومرويات السير المتوافرة. بأسلوب واقعي تسجيلي، بتفاصيل كثيرة متتالية، تتناول الرواية أحد أكثر المواضيع مجهولية وحساسية وصعوبة في التاريخ السياسي لسوريا. نحن أمام خوف قديم متجذر، أمام صور متوارثة ونمطية معدية، لكنها هنا مع هذه الرواية تتعدى الوصف الخارجي والخطاب الدارج. هكذا يتحول التنميط والخوف المتوارث إلى خواء داخلي يُفضي إلى فقدان ملكة الحكم، وإلى عالم انفعالات ومشاعر تعطي شرعية دائمة لاستبداد شامل مناحي الحياة كافة. لكننا أيضًا أمام تفاصيل حياة يومية، أمام ذكريات وأحلام وخيبات قاتمة. مريم الطبيبة بطلة الرواية، تبدأ كطبيبة مؤيدة لنظام الديكتاتور، ثم تتحول إلى شخصية تبحث عن الحقيقة والدفاع عن العدالة. تبدأ رحلتها عندما تُخبَر أن أخاها حمزة، الذي كان يُعتقد انه استشهد دفاعًا عن الوطن ليس شهيدًا، بل هو خائن لا تجب صلاة عليه قبيل دفنه.
الجد والابن والحفيد
جد حمزة ومريم كان رجل دين معروفًا في مجتمعه، قاتَل ضد الانتداب الفرنسي على سوريا واستعمارها (1920ـ1946). الجد هو خلفية العائلة ومثالها الماضي، هو التقليد والطاعة وحب الوطن من دون أي انتماء آخر ضيق. لا داعي للجد أن يشك في معنى الانتماء وأسبابه. فيصح القول إنه انتماء فطري طبيعي، إذ الدين والتدين به شيء من بساطة العقيدة التي تفرض واجبات واضحة. أما الأب، الذي هو الحلقة الثانية من السلسلة العائلية فقد كان عضوًا عاملًا مناضلًا حسب الوصف الحزبي البعثي الدارج والمستهلك. وكان مسؤولًا حزبيًّا بمدينة حماة في السبعينيات والثمانينيات القرن الماضي. هنا يبدأ تحول جديد. خروج من حلقة التدين إلى مجال التحزب والسياسة بما يشتمل عليه من مناصرة فئة على فئة وضدها. مع النموذج البعثي يغدو التحزب فرضًا وهو قمع الآخر المختلف وحربه ورفضه بل سجنه وقتله إذا دعت الحاجة. رجل دين ثم ابن بعثي ثم حفيد مقاتل دفاعًا عن نظام الحكم. ثم حيرة التصنيف بين الشهيد والخائن. الحفيد هو الحلقة الأصعب سيرة وفهمًا، هو النهاية المفجعة والمحيرة.
هكذا هي سيرة عائلية تبين أدوارًأ اجتماعية وسياسية سابقة مع ما يعقب الجيل الثالث من قبول وحيرة وتمرد معًا! دولة مصغّرة توفّر لنا خريطة عائلية وسياسية سورية معقدة: من الجد المتدين المقاوم، إلى الأب البعثي المناضل، إلى العمّ المعارض، إلى العمّ رجل الأمن، وصولًا إلى مريم التي تنكفئ لتواجه أسئلة الهوية والخيانة والولاء. هذه الشبكة العائلية لا تغطي مساحة الرواية فحسب، بل تمثل حقل اشتباك يعكس عبثية الانتماءات وقسوة التاريخ السوري الحديث. لسنا بصدد تفاصيل عائلية فحسب. بل إنّ الرواية، ذات البعد التوثيقي والمعتمدة على شهادات وكتب ومصادر بحثية، تحاول كشف آليات التفكير وبنية الاستبداد نفسها.
الواقع والتيه
لكن الواقع السوري معقد ومتداخل لدرجة الإيلام والعسر والتيه. هذا التيه الذي تصطدم به الرواية لا تتجاوزه ولا تقفز فوقه . تبقى في كثير أو قليل أمام إثباتات ووقع وشروح وتعليقات. وهي في هذا تقدم معرفة بالتاريخ ، وتميط اللثام عن جهل العلويين بأنفسهم وعن جهل الآخرين السوريين بهم كذلك. هنا أهميتها ورهانها ومسعاها، وهو ليس بالأمر السهل إذا ما اكتفى المرء بالواقع والوثيقة والدليل.
لا يمكننا القول إنها ليست جريئة وليست شاعرية. في مواضع منها نحن أمام قصائد تمامًا، مقاطع عن الشهوة، عن الحب المثلي، الذي لا يُذكر الكثير عنه في سوريا. لكنّ طولَ الرواية وبطء السرد في مواضع أخرى يحتاجان إلى قارئ صبور ومتمهل. ربما كان يمكنها اللجوء للاختصار أكثر والكتابة بالتلميح لا التسجيل والقفز فوق الزمن والواقع وضمنه بنوع من الخفة والخداع السردي. هذا ما لم يفضله الكاتب الذي نجد فيه روح الباحث والراغب في مزيد من التوثيق والتحليل.
يحكي محمد ديبو كيف بدأ بتأليف الرواية: "بدأت التفكير بكتابة الرواية فعليًا كرواية في عام ٢٠١٣. ولكن أفكار الرواية ومشاغلها ومواضيعها كانت قد بدأت في رأسي منذ نيسان عام ٢٠١١ بعد ما تعرّضت له في القرية من اتهام بالخيانة بعد خروجي من المعتقل، وبسبب مساندتي ومشاركتي في الثورة السورية. من هنا بدأت أفكّر بفكرة الخيانة ومعانيها ودلالاتها وآليات استخدامها من قبل السلطة والمعارضة أيضا. حينها لم أكن أفكّر بكتابة رواية أبدًا، بقدر ما كنت مأخوذا بالحدث السوري وتفاعلاته ومحاولة الفهم والانخراط في الثورة، فعلًا وكتابةً، أي كنت مهمومًا بفضح آليات الاستبداد والتفكير بكيفية إنجاح الثورة. ولكن مع الزمن وتطوّر الأحداث في السياق السوري وتكاثف المعلومات، وانحراف الثورة في محطات كثيرة، بدأت أفكار جديدة تشغلني ومنها مسألة الطائفة العلوية. استوقفني آنذاك - وما زال للأسف - كم الجهل والمعارف المغلوطة الذي كان يتم التعامل معه كحقائق في هذا المجال، ليس من قبل الجماهير فحسب، بل النخب أيضًا، إذ كان يتم التعامل مع الطائفة العلوية ككتلة واحدة صماء، تشكلت في الأزل وستبقى إلى الأبد هكذا. وهذا أمر ليس منافيًا للعقل فقط، بل منافٍ لأبسط أسس التفكير السليم. فإذا كان الفرد الواحد متنوّعًا ومختلفًا ومتعدّدا في جوّانياته كما يقول لنا علم النفس، فما بالك بالجماعات؟ وهنا وجدت أنّ من واجبي تفكيك هذه الأوهام أو "الجهل المقدّس" كما يقول أوليفيه رووا (وهي كثيرة وتطال مجالات متعددة في عالمنا للأسف)، ليس لإنصاف أحد، فهذا أخر ما يهمني، بل بحثًا عن الحقيقة التي هي في جوهرها تنصف الجميع، حتى من قد يتأذّون منها في لحظة ما.
وهكذا تراكمت المعارف حتى بدأت أفكّر بكتابة الأمر كرواية، وهو الأمر الذي لم يتحقّق إلا عندما بدأت أزمة كورونا وبدأت معها العزلة التي سمحت بتوافر الوقت المُتاح لكتابة الرواية. وحتى حين بدأت الكتابة، اكتشفت بعد فترة من بدء الكتابة أني أحتاج للمزيد من البحث، وهكذا قضيت الوقت بين الكتابة والبحث الذي طال تاريخ سورية الحديث على امتداد مئة عام تقريبًا، في السياسة والتاريخ والاقتصاد والجغرافيا أحيانا، ناهيك عن تاريخ الطائفة العلوية ومساراتها المتشعبة من الماضي حتى الحاضر".
رواية طويلة
ربما لذلك طالت الرواية، وكانت الحاجة إلى مساحات أوسع لتناول الحكاية الطويلة عن مصائر ثلاثة أجيال توازي تاريخ البلد وتكثفه باحثةً عن خلاص ما، عن ملاذ ربما هو الحب، الحب المشتهى والمرجو. حب يمحو الخزي والخواء وعبء الانتماء النمطي المغلق، ويفتح الباب أمام مستقبل حر عادي وآمن إذا كان لدى السوريين مستقبل بعد. أما عن المثال الذي كان في بال الكاتب حينما شرع في الكتابة، أو الروائيين الذين تأثر بهم، فيقول في هذا الصدد:
" في الحقيقة، لا أعرف إن كنت قد تأثّرت بشكل مباشر بأحد أو لا أثناء كتابة هذه الرواية بالتحديد. وفي الوقت نفسه متأكد أنّ ثمة من تأثّرت بهم وأن صداهم موجود في هذه الرواية بشكل أو بآخر. سأشرح فكرتي حول هذا الأمر. أنا في القراءة، وعلى المستوى التقني أحب الروايات المتشابكة ذات الحبكات المفاجئة والمشغولة بعناية من يعرف متى عليه أن يقول هذه الكلمة هنا ومتى عليه أن لا يقولها.. ثمة كلمات صغيرة هي من تصنع الحبكة، كلمات قد يكون لها أكثر من معنى، فتضلّل القارئ ليتوهم شيئًا ثم يفاجأ بشيء أخر في الرواية.. هذا ما أحبّه تكنيكيًّا. وفي التكنيك ثمة أشياء كثيرة يمكن الحديث عنها، ولكن أهمها أن الرواية هي من يخلق تكنيكها. صحيح أنّ الكاتب قد يفكّر بتكنيك معين ثم يبدأ العمل عليه، لكنه قد يتغيّر وسط عملية الكتابة، وهذا ما حصل معي مرارًا خلال الكتابة، بما يعنيه ذلك من إعادة الكتابة مرة أخرى.
وعلى مستوى آخر، أحبّ الأحداث والتحوّلات في الرواية، فاللغة من دون أحداث وحكايات تسردها لا معنى لها، أن تخرج من حكاية لتدخل في أخرى لكن من دون البقاء في الحكاية، فالحكايات وحدها لا تصنع الرواية أيضًا، بل ما يصنعها هو السردية الكبرى التي تتأطّر في جوفها الحكايات لتطل على التاريخ والجغرافيا والإنسان من موقع أخر غير الذي نعرفه عادة، أي زاوية النظر أو الرؤية المختلفة في قراءة الحدث أو الموضوع. وهذه الرؤية أو السردية لا معنى لها أيضًا إن لم تولّد المتعة والتشويق. ما يميّز الرواية عن البحث مثلًا هو عنصر المتعة، فإن فقدته تتحوّل بحثًا جافًّا ومملًّا.
ضمن سياق ما سبق، أنا أحبّ روايات إيزابيل الليندي، بل أعتبرها أمي الروائية. أحبّ أيضًا إليف شفق ونجيب محفوظ وحنا مينة وتشيمامندا، وهنا أعتقد أن تأثيرهم موجود فيما أكتب. أما أين وكيف حدث ذلك؟ فهذا ليس مهمتي. آمل أن يأتي "تفكيكيٌّ" ما (نسبة إلى تفكيكية دريدا) ليفكّك نصي ذات يوم ويعثر على آثارهم وسأكون سعيدًا، لأن هذا يشبه أن تقول لطفل ما "كم تشبه أمك" من دون أن يكون الطفل هو أمّه أيضًا".