ultracheck

رواية "الحيوان المحتضر".. الغريزة في مواجهة الموت

8 فبراير 2025
alhywan-almhtdr

يُقدّم الكاتب الأميركي فيليب روث (1933-2018) في رواية "الحيوان المحتضر" (دار المدى، 2023) قِطعة نصيّة فريدة، يُفلسف فيها الغريزة الجنسية عند البشر، ويَكشف من خلالها أسرار تمسّك الإنسان بها، والاندفاع نحوها في المحاولة اليائسة والعبثية للهروب من التقدّم في السنّ والموت.

يُعتبر فيليب روث من أبرز الأدباء الأميركيين، إلى جانب وليام فوكنر (1897 - 1962)، وجون ستاينبيك (1902 - 1968)، وجون أبدايك (1932 - 2009)، ويتميّز بأسلوبه الأدبي الفلسفي الذي يَمزج فيه بين الجمال اللغوي والعمق التعبيري. ويَعمل في روايته هذه على تسليط الضوء على كوامن الإنسان الذي يميل إلى التحايل على حقيقة تقدّمه في السّن واقترابه من الموت، من خلال إحياء غرائزه الجنسية البدائية، والاندفاع نحوها.

يبني روث نصّه الروائي في شكل سَرد حكائي، حيثُ يَظهَر بطَل الرواية بصفته حكّاءً يَسرد حكايته على جمهور قرائه/مستمعيه، ويُحاوِل من خلال سرده أن يُبرّر ويُعقلِن خياراته الحياتية أمامهم، ويُقنعهم بوجاهتها ورجاحتها، فالرواية تأتي كأنّها عريضة إقناع موجّهة من بطل الرواية لجمهور القراء/المستمعين، من أجل قيادتهم إلى الانحياز لخياره في السير وراء غريزته، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير حياته.

بَطَل الرواية شاهدًا على ثورة الستينات

بطل رواية روث هو ديفيد كيبيش، وهو نفسه بطَل روايتين سابقتين لروث هما: "الثدي"، "وأستاذ الشهوة"، فهذه الروايات الثلاث، تنتظم في تسلسل لتشكّل ثلاثية متعلّقة بالنفس البشرية وخفاياها.

تدور أحداث الرواية حول شخصية ديفيد، وهو ناقد أدبي وأستاذ جامعي، في العقد السابع من العمر، وله صفّ دراسي واحد أغلب مرتاديه من الإناث اللواتي يسجّلنَ فيه نتيجة انجذابهنّ إلى لقائه الأسبوعي الذي يظهر فيه متحدّثًا على شاشة التلفاز.

نشأ ديفيد في أسرة أميركية محافظة، كانت تسير كغيرها من العائلات على القواعد الاجتماعية المعروفة لشكل العلاقة بين الرجل والمرأة، وقد كان شاهدًا على بروز حركة الحقوق الأميركية في الستينات، وهي الحركة التي جاءت مرافقة مع ثورة جنسية قادها شباب في أميركا وغيرها من دول أوروبا، هدَفوا إلى إحداث تغيير ثقافي في نمط الحياة التي تربّى عليها من سبقوهم، ولجؤوا إلى النمط الرومانسي الغاضب، وأعلَنوا ثورتهم على كلّ القيود والحدود التي تحكمهم، وفي مقدمتها الحدود التي تَحكم حياتهم الجنسية وتُقيّدها.

تأثّر ديفيد بهذه الثورة الجنسية التي برزت مظاهرها في جامعات أميركا في الستينات، وقرّر أن يتبّعها ويسير على إثرها، فبدأ يتحايل على القوانين الجامعية التي وُضعت لتقيّد علاقته مع طالباته وتمنعه من إقامة علاقات جنسية معهنّ، ففي نهاية كلّ فصل دراسي، كان يُقيم حفلة جماعية لطلاب وطالبات حلقته الدراسية، ثمّ يختار واحدة من طالباته لتكون عشيقته، فهو كان ينتظر نهاية الفصل الدراسي ليقترب من الطالبة المختارة دون خوف من أية عواقب. 

البطَل يُفلسف غريزته

يسرد ديفيد على طول صفحات الرواية، حكاياته مع عشيقاته من التلميذات وغيرهنّ من النساء التي بدأت في حقبة الستينات، والتي على إثرها غادر منزله وترَك زوجته، وتطلّق منها، وكان ابنه يبلغ من العمر ثماني سنوات، وأبرز تلك الحكايات، حكايته مع طالبته الكوبية كونسويلا كاستيلو، التي دخل علاقته معها وهو في الثانية والستين من العمر، بينما كانت هي في الرابعة والعشرين.

خلال سرده لحكايته مع كونسويلا يُحاوِل ديفيد أن يُعقلن علاقته معها ويعطيها طابع الطبيعية من خلال فلسفتها، فهو يبدأ بسرد حيثيات انخراطه في ثورة الستينات، ويأتي كأنّه ينتقدها، عندما يصفها بأنّها "أنشودة رعوية كبيرة، خلَع الناس ملابسهم الداخلية وأخذوا يتجولون وهم يضحكون. وفي الغالب لم تكن أكثر من مهزلة، مهزلة صبيانية".

لكنّه رغمَ ذلك، يؤكّد على أنّ أثرها كان جذريًّا، فقد تغيّرت معها التقاليد الاجتماعية إلى الأبد، ويتساءل عن مشروعية تفاعل الإنسان -مهما كان عمره- مع جذرية هذه الثورة والتغييرات التي جاءت بها، ويَروي أنّ تفاعله معها وانخراطه فيها كان انخراطًا واعيًا، فقد عمِل ضمنها على إيجاد ثورته الخاصة على مؤسسة الزواج المملة، التي كان محاصرًا بها وبقيودها.

يصف ديفيد فتيات جامعته اللواتي انخرطن في الثورة وشاركنَ فيها بأنّهنّ لم يكنّ مثقفات أيديولوجيًا، وإنّما كنّ مثقفات في نظام غريزي عبثي، فهنّ لم يكنّ مهتمات باستبدال منظومة النواهي القديمة بأنظمة جديدة من السيطرة أو مجموعة جديدة من المعتقدات، فكلّ ما يهمهنّ كان الحصول على المتعة الجنسية، فوصفه لهنّ جاء كانتقاد مبطّن لنظام الشهوة الغريزية التي سرنَ وراءها دون تمييز.

ورغمَ أنّ ديفيد كان يُشابه أولئك الفتيات، إلا أنّه كان يختلف عنهنّ في نظرته إلى الأجساد الأنثوية التي كان يقيم العلاقات معها، فقد كان يَعتبر علاقته مع تلكَ الأجساد بمثابة استجابة طبيعية لجمالها حيثُ يقول: إنها عمل فني، المرأة النادرة المحظوظة هي عمل فني، الفن الكلاسيكي، الجمال بصيغته الكلاسيكية، لكنّه حي، والاستجابة الجمالية للجمال الحي هي ماذا؟ أناقة؟".

اختار ديفيد أن يكون هذا الأمر، جزءًا من حريته الفردية، وليس ذلك فحسب؛ فهو كان مستعدًّا لدفع ثمن حريته الفردية وتحمّلها حتى لو كانت سببًا في جلب البؤس والمصائب له، حيثُ يقول: "إنّ العيش في بلدٍ كبلدنا يَعتبِر أنّ قضاياه الأساسية تدور حول التحرير، وكلّها موجّهة نحو ضمان حرية الفرد، والعيش في ظلّ نظام حرّ لا يأبه في الأساس بسلوكك ما دام أنّ ذلك السلوك ضمن القانون، فإنّ بؤسك الذي قد يعترض طريقك هو من صنع يديك".

قام ديفيد بخلق ثورته الخاصّة، فهوَ لم يتناول العقاقير ذات المفعول المتفجّر التي تدفع الناس إلى القفز من النوافذ، ولم يُصبح بصورةٍ معجزةٍ وجوديًّا أو بوهيميًا أو هيبيًا، ولم يتبَع أيًّا من المذاهب الفكرية التي سادت في فترة الستينات، فقد استطاع أن يتجاوز ابتزاز الشعارات والقواعد العشوائية، وأن يضع طريقة معينة يفلسف عبرها اتبّاعه لغريزته، ويجعل منها تجربة جمالية الهدف منها إظهار التقدير للأجساد الأنثوية والاندماج معها.

الغريزة في مواجهة الموت

اتّخذ ديفيد من غريزته الجنسية وسيلة لمواجهة تقدّمه في السنّ، هذا التقدّم الذي ظلّ يظهر أمامه كجرح مع كلّ علاقة جديدة يخوضها، ويجعله يشعر بحدة الفرق بين المستقبل المحدود لمن هم في مثل عمره، مقابل المستقبل اللامحدود لعشيقاته اللواتي كنّ ما زلنَ في مقتبل العمر.

كان ديفيد يدرِك في داخله أنّ هناك فرقًا بين الموت والاحتضار، فالإنسان حينَ يُصبِح كَهلًا، يعيشُ احتضارًا متواصلًا، حين لا يُمارس الحياة ولا ينغمس في ملذاتها، لكنّه حين ينغمس في الحياة وملذاتها فإنّ احتضاره في سنّ الكهولة يُصبح غير ظاهر، وكان يرى أنّ الشيخوخة تعني بالنسبة لأي إنسان أنّه كان موجودًا في الماضي، لأنّ وجوده مقرون بمدى حيويته، فالشيخوخة هي عمر انعدام الوجود لأنّه عمر انعدام الحيوية الإنسانية وتجلّياتها.

عندما بلغ ديفيد الستين من عمره، ظلّ شبح احتضاره يُطارده، وظلّت شيخوخته تركض وراءه كوحش يرُيد أن ينهش في لحمه، حتى توصّل إلى طريقة للتحايل عليهما باتبّاع غريزته، ورفع شعارات حيويته الدائمة: "ما زال لدي الحق في المطالبة بشيء مثالي كالجنس، وما زلتُ أملك الحيوية اللازمة لأخذ ما يُمكنني منه".

كان ديفيد يشعر بالحيوية وهو يتبّع غريزته، وكان يرى بأنّ الحيوية التي يحصل عليها من هذه الغريزة هي حيوية متأصّلة في وجوده الجسدي، في لحمه الذي ولِد ولحمه الذي يموت، وهي حيوية ينتقم فيها من كلّ ما يكرهه وكلّ ما يهزمه في هذه الحياة، انتقامًا صرفًا وآنيا.

كانت هذه الحيوية تُعطّل إحساسه الحقيقي بالزمن، وتجعله يشعر بأنّه ما زال يتمتّع باللياقة الكافية ليعيش أكبر عدد من السنوات القادمة، كما أنّها تهوّن عليه فكرة موته القادم، لأنّها تَجعله يعتقد بأنّه عاش حياة مديدة كما ينبغي للحياة أن تكون.

كانت الحيوية التي يشعر بها وهو يتبّع غريزته بعد أن دخلَ عقده السابع من العمر، تُعطيه إحساسًا وهميًا وزائفًا ببعده عن ساعة موته ونهايته، حيثُ يقول: "ماذا عن النهاية؟ من المثير للاهتمام أنّها المرة الأولى في الحياة التي تقف خلالها بالكامل خارجها وأنتَ داخلها. عندما يراقب المرء انحطاطه طوال الوقت (إن كان محظوظًا مثلي)، فإنّه يصبح بفضل حيويته المتواصلة، على مسافة كبيرة من انحطاطه- بل يشعر بسرور بأنه منفصل عنها".

في كتابه "لغز مايو 68: لنا الحقّ في التمرّد"، يصف الفيلسوف الفرنسي آلان باديو أحداث 68 مايو في فرنسا، التي كانت أبرز مظاهر ثورة الشباب في الستينات، بأنّها مهرجان شبه تمرُّدي لأخلاقيات جديدة ضدّ العالم القديم، ومُقدِمة للنزعة النسوية، وآخر اليوتوبيات، وتاريخ للتحرّر الجنسي، وللرقص على أنغام موسيقى الروك، ولتبنّي الأناركية الملونة بالأحمر، ولمشاهدة السينما وهي تُعرَض في الشارع، والسير في طريق التمرّد المناهض للسلطة.

يأتي حديث باديو ليؤكّد على أنّ ثورة الشباب في الستينات في فرنسا وأميركا وغيرها من دول أوروبا، هي مرحلة تحوّل نوعي في ثقافة المجتمعات الغربيّة، وانعطافة مهمة في السياسة والاجتماع والثقافة الشعبيّة والفنون على مستوى العالم كلّه، فهي ثورة حملت في طياتها وعودًا بتغييرات جذرية تطال عالَم الآباء التقليدي، وتَجعله مكانًا أكثر حرية وعدلًا لجميع البشر.

فكأنّ رواية "الحيوان المحتضر" تحكي اليوم بلسان شخص واحد حكاية ثورةٍ جمعية قامت من أجل أن تستعيد الأجيال الشابة الغربية حيوية وجودها في عالَم قديم، طالما كان مخصّصًا لوجود آباء يُحتضرون، وكأنّها تجيء لتقدّم نقدًا وتقييمًا لمظاهر تلكَ الحقبة وما فيها.  

 

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

رواية "خيانات لم يرتكبها أحد".. تيه الواقع السوري عبر ثلاثة أجيال

عن رواية خيانات لم يرتكبها أحد لمحمد ديبو الصادرة عام 2025

2

"حادثة عيش السرايا" لحمور زيادة.. مساخر مدينة مجهولة في بلاد منسية

حمور زيادة الروائي السوداني البارز في روايته الرابعة "حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مُسلية"، موقعها في مسيرته الأدبية، وحمولاتها السياسية والاجتماعية إزاء الواقع السوداني

3

"أعلّق الشوارع على حبل منتصف الليل".. مرآةُ ذاتٍ قلقة في مواجهة العالم

قراءة في المجموعة الشعرية أعلّق الشوارع على حبل منتصف الليل، للشاعر السوري حسين الضاهر

4

كتاب "مرويّات الحرب.. فوكوياما يسقط في غزة": تاريخ يولد من بين الأنقاض

تكتب بيسان عدوان روايتها عن الحرب كما تُعاش لا كما تُحلّل. ففي مرويات الحرب: فوكوياما يسقط في غزة، تقول إن التاريخ لا ينتهي، بل يولد من جديد كل يوم من بين الأنقاض

5

"ملحمة الحرافيش".. تأملات في الخلاص المؤجّل

حارة الحرافيش مصرية حدّ النخاع، بتعطل الزمن فيها، بأسماء قاطنيها وجبّاناتها وقرافاتها وتكايا متصوفة مجهولين

اقرأ/ي أيضًا

خيانات لم يرتكبها أحد لمحمد ديبو (ميغازين).

رواية "خيانات لم يرتكبها أحد".. تيه الواقع السوري عبر ثلاثة أجيال

عن رواية خيانات لم يرتكبها أحد لمحمد ديبو الصادرة عام 2025

علي جازو

حادثة عيش السرايا للروائي حمور زيادة (ميغازين).

"حادثة عيش السرايا" لحمور زيادة.. مساخر مدينة مجهولة في بلاد منسية

حمور زيادة الروائي السوداني البارز في روايته الرابعة "حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مُسلية"، موقعها في مسيرته الأدبية، وحمولاتها السياسية والاجتماعية إزاء الواقع السوداني

حسام هلالي

أعلق الشوارع على حبل منتصف الليل لحسين الضاهر

"أعلّق الشوارع على حبل منتصف الليل".. مرآةُ ذاتٍ قلقة في مواجهة العالم

قراءة في المجموعة الشعرية أعلّق الشوارع على حبل منتصف الليل، للشاعر السوري حسين الضاهر

دلال إسحق

المزيد من الكاتب

إسراء عرفات

كاتبة وباحثة فلسطينية

ما بين الكواكبي والرحالة العربي.. طبائع الاستبداد الراسخة

بعد قرن من كتاب الكواكبي، يتناول الرحالة العربي الاستبداد بأسلوب مشابه، مبرزًا الفروقات بين الاستبداد التقليدي الذي يعتمد على السلطة المطلقة، والحديث الذي يستغل الخطاب الأيديولوجي لاستمالة الجماهير

كتاب "لم يَعُد معنا".. مازن الحمّادة راويًا وجع المعتقلين السوريين

الكتاب مبنيٌ على مقابلات أجرتها غارانس لوكان مع مازن الحمّادة قبل عودته إلى سوريا، حيث اختفى في سجون نظام الأسد قبل أن يُعثر عليه ميتًا قبل أيام

في مواجهة المحو.. إلياس خوري وسردية النكبة المستمرة

من "باب الشمس" إلى "أولاد الغيتو"، ومن الرواية إلى الكتابة الفكرية، لم يتعامل إلياس خوري مع النكبة كذكرى، بل كحقيقة متواصلة