في روايتها "أبنائي" (دار المدى، 2021/ ترجمة تحسين رزاق عزيز)، تتناول غوزيل ياخينا الأحداث العالمية التي شهدتها روسيا مطلع القرن العشرين، وتحديدًا خلال الفترة ما بين 1918 – 1941، والتي تتمحور حول تغيّر أنظمة الحكم، والحروب، والمستعمرات، والأحزاب العمالية، والمجاعة، والموت. لكن كل هذه الأحداث تجري في الخلفية، دون أن يلاحظها أحد تقريبًا، على خلفية مصير شخص واحد فقط.
الشخصية الرئيسية في الرواية هي مدرس الأدب الألماني ياكوب باخ، الذي يعيش في قرية جنادنتال الألمانية على ضفاف نهر الفولغا. يعيش باخ حياة مملة منذ سنوات: الذهاب إلى المدرسة، تناول وجبة غداء باردة، والتجول في موطنه الأصلي.. هكذا تمضي حياته يومًا بعد آخر. لكن كل شيء يتغير عندما عبر نهر الفولغا ذات يوم ووجد نفسه في مزرعة أودو جريم وبدأ في تعليم ابنته.
في هذه المزرعة البعيدة النائية، يقابل باخ عدة شخصيات غريبة، وهي: الشابة كلارا الساذجة التي لا تعرف ما هو العالم الخارجي، الأب القاسي، ومربية عجوز. تتوالى الأحداث ليجد باخ نفسه مسؤولًا عن هذه المزرعة وعن كلارا وطفلتها الصغيرة، ويختار بنفسه الانسحاب من حياة المجتمع العامة ليخلق لنفسه روتينًا بدائيًا قاسيًا حتى يتوقف عن الكلام نهائيًا لسنين.
وفي الوقت الذي انسحب فيه باخ وقرر الاختباء في المزرعة، تحدث عدة تغيرات في المستعمرة الألمانية الصغيرة، وتبدأ الحرب على خلفية هذه التغيّرات. وعندما يضطر أخيرًا إلى العودة، يجد أن الحرب لم تغير المستعمرة وحدها، بل البشر أيضًا، ذلك أن أولئك الذين عرفهم لم يكونوا كما تركهم بفعل تأثير المجاعات والصراعات. وخلال هذه الأعوام الطويلة، تتخلل الرواية مشاهد خيالية تُنتج أحداثًا عابرة تدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان ما يراه باخ حقيقيًا أم مزيفًا.
أبنائي: من هم!
يمكن تأويل العنوان بطريقتين؛ الأول والأسهل بالطبع هي قصة الطفلين اللذين سوف يتبناهما البطل باخ ويربيهما وحده في ظروف قاسية. هذا الجزء من القصة، رغم أنه لا يظهر إلا في نهاية الرواية، لكنه يعطينا مثالًا لشخص باخ الذي يبدوا بارد الأعصاب، غير مهتم، لكنه يفعل كل شيء من أجل تربية الطفلين الوحيدين.
أما التأويل الثاني، فله علاقة بمشروع ياخينا عن الأقليات. فعلى سبيل المثال، حققت روايتها الأولى "زليخة تفتح عيناها" نجاحًا كبيرًا لا لأنها تتحدث عن التهجير كموضوع عام، وإنما لأنه حصل للأقلية التترية التي لا يهتم الروس بالعودة إلى تاريخها من الأصل. وفي "أبنائي"، تكتب عن حياة أقلية أخرى تتمثل في سكان "المستعمرات الألمانية" التي كانت متواجدة بكثرة في روسيا. هذه المستعمرات قرأنا عنها كثيرًا في الأدب الروسي، لكن ما هي قصتها الحقيقية التي حاولت غوزيل أن ترويها؟

ظهرت المستعمرات الألمانية في روسيا في أواخر القرن الثامن عشر، بعد أن دعت الإمبراطورة كاترين الثانية، ذات الأصول الألمانية، مستوطنين ألمان إلى روسيا لتعزيز التنمية الزراعية والاقتصادية في البلد. استقر الألمان في مناطق مختلفة، لا سيما على طول نهر الفولغا وفي جنوب البلاد، حيث أسسوا مجتمعات زراعية ذاتية الاكتفاء. والجدير بالذكر أن عنوان الرواية "أبنائي" مستوحى من كلمات كاترين الثانية عند استقبالها لوفود المهاجرين الألمان لأول مرة، حيث رحبت بهم باعتبارهم "أبنائها" لا رعاياها.
تمتع المستعمرون في البداية بامتيازات خاصة، مثل الإعفاء من الضرائب والخدمة العسكرية وغير ذلك، مما شجع المزيد منهم على الهجرة. لكن مع صعود البلاشفة وقيام الاتحاد السوفيتي، بدأت هذه الامتيازات تتلاشى، وواجه الألمان ضغوطًا متزايدة. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، تعرضوا لحملة قمع شديدة بلغت ذروتها مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث اعتبرهم النظام السوفيتي مصدر تهديد أمني له.
وفي عام 1941، أُلغيت جمهورية فولغا الألمانية ورُحِّل مئات الآلاف من الألمان إلى سيبيريا وكازاخستان في ظروف قاسية، حيث فقد الكثيرون حياتهم. وعلى الرغم من محاولات استعادة حقوقهم بعد الحرب، إلا أنهم لم يتمكنوا من العودة إلى أراضيهم الأصلية، وظلوا موزعين في مناطق التهجير. وعند رصد مراحل تطور رواية ياخينا، يمكننا بالفعل الوقوف على مراحل تطور مسألة الألمان. فالرواية تبدأ في العشرينيات، حيث المستعمرة قوية وتمتلك أراضيها الخاصة ومدارسها، ويتحدث سكانها الألمانية، ويتعلمونها دون قيود. لكن النظام السوفيتي يتدخل في شؤونهم تدريجيًا، ويطالبهم بتسليم ممتلكاتهم إلى الحكومة والعمل في مزرعة جماعية وهكذا إلى أن انتهى مصيرهم إلى الترحيل.
في حديث معها في مجلة "الأدب" عقب صدور الرواية، قالت ياخينا: "يمكن القول إن رواية (أبنائي) تدور حول أبوين. من ناحية، الشخصية الرئيسية جاكوب إيفانوفيتش باخ وأبناؤه، هم أطفال متبنون. ومن ناحية أخرى، الدولة الروسية، ممثلة أولاً بكاترين، وبعد ذلك بجوزيف ستالين، اللذين يرتبطان أيضًا بالشعوب التي تسكن البلاد. وكلمة (أبنائي) التي صرخت بها كاترين للمستوطنين الألمان الأوائل هي بشكل عام كلمات الدولة الموجهة إلى الأشخاص القادمين الذين وصلوا للتو، ويريدون أن يصبحوا جزءًا من روسيا. يمكننا أن نقول إن الألمان الروس هم شعب يتيم، لأنهم جاءوا إلى روسيا بحثًا عن وطن جديد، وسعادة جديدة، ودولة أب جديدة، لكنهم في النهاية لم يجدوها أبدًا".
الطابع الخيالي الذي يشمل الرواية
ربما لا توجد أحداث خيالية غرائبية واضحة في جزء كبير من الرواية، لكن قالبها منذ البداية هو قالب الحكايات الشعبية الخيالية، الكلمات مزخرفة والجمل التي لها وقع رنان، وكأن الرواية بمثابة نبوءة عن عالم غريب، والواقع أن اللغة نفسها هي التي تبني غرائبية هذا العالم.
في مقابلة أجرتها معها صحيفة "موسكوفسكي كومسوموليتس" عام 2018، سُئلت غوزيل ياخينا عن ظهور الحكايات الخرافية في هذه الرواية، وعن تداخلها مع القصة التاريخية، فأجابت قائلةً: "أفضل أن أقول قصصًا أسطورية، لأن العديد من الأحداث في الرواية مستوحاة من القصص الخيالية والأساطير الألمانية. وبالنسبة لي، فإن الحكاية الخيالية الألمانية هي وسيلة للحديث عن حكاية خرافية سوفيتية، والتي كما بدا لكثيرين في منتصف العشرينيات من القرن الماضي، أصبحت حقيقة، ثم اتضح أنها لم تتحقق أو كانت تتحقق في طريقة منحرفة وقاسية للغاية. لذلك، في الجزء الثاني من الكتاب، تتحقق الحكايات الخرافية بطرق قاسية ورهيبة ودموية. وتصبح الحكاية الخيالية الألمانية هي الاستعارة الرئيسية للنص".
تضيف: "تحدث الحكايات الخرافية في حياة الشخصية الرئيسية، وتنشأ الأساطير حوله. ياكوب باخ مدرس الأدب الألماني يحب الشعر الوطني والفولكلور. تقوده القصص والحكايات إلى درجة أنه يبدأ في بيع الحكايات الخرافية، الأحرى شراء الحليب لابنته المولودة حديثًا برواية القصص. وهكذا يتم استبدال الحكايات الخرافية بالحليب للطفل وتعطي الحياة للفتاة بفضل خيال باخ الغني، فهو يتعرف على حبكات وحلقات وتفاصيل الحكايات الخيالية الألمانية في واقع السنوات السوفيتية المبكرة. على سبيل المثال، يبدو له أن سيقان القمح غنية جدًا ورائعة وممتلئة، لأنه تحت حقول المزرعة الجماعية هناك تماثيل تطليهم بالذهب. حتى أنه أراد التحقق من ذلك. في جزء أخر يتخيل البطل أن الفاصوليا في حقول المزرعة الجماعية تنمو تقريبًا حتى السماء، كما كان الحال في إحدى الحكايات الألمانية. ثم يتخيل أن القائد الرائد، الذي يأخذ الأطفال معه عبر السهوب، هو حامل المزمار الشهير، الذي يقود الأطفال إلى الموت. وهناك الكثير من هذه المراجع في الرواية. هاتان الحياتان عالمان متوازيان: العالم القاسي المظلم للسنوات السوفيتية المبكرة، والعالم القاسي المظلم للحكاية الخيالية الألمانية يندمجان معًا، ويمكن للقارئ أن يقرر أي الحكاية الخيالية أكثر رعبًا".
ختامًا، تقدم غوزيل ياخينا في روايتها "أبنائي" رؤية أدبية فريدة – كما هو الحال في كل مشروعها الأدبي –تركز على شواهد التاريخ مع لمسات الخيال، لتروي حكايات أناس عاشوا على هامش المشهد السياسي والثقافي السائد. استطاعت ياخينا عبر مزجها بين الوقائع التاريخية والخيال أن تفتح نافذة واسعة على أحوال المجتمعات المضطهدة، مستعرضةً قضايا الهوية والانتماء ومعاناة الأقليات في ظل أنظمة قمعية حرمتهم أبسط حقوقهم.
تُعد "أبنائي" أكثر من مجرد سرد تاريخي، ذلك أنها عمل يجسّد تداخل مصائر الأفراد مع ما يمكن تسميته "التحولات الكبرى"، ويعيد إلى الأذهان القصص المنسية لتبقى حيةً في ذاكرة القراء، شاهدةً على معاناة مضت، وعلى ضرورة مواجهة التهميش والإقصاء والنسيان. هذا الشكل السائد في روايتها هو ما جعلها واحدة من أهم الكتّاب الروس المعاصرين الذين لا يكتبون عن التاريخ فقط، بل يكتبون عن تاريخ لا نعرفه.

الأقليات في الأدب الروسي المعاصر
الجدير بالذكر أن أعمال ياخينا ليست الوحيدة التي تناولت موضوع الأقليات، إذ يبدو أن هذا الاتجاه في الأدب الروسي المعاصر يلقى رواجًا كبيرًا، فهناك الكاتبة الداغستانية ألينا جانيفا التي تحدثت عن التقاليد الداغستانية والإسلامية، ومشكلة الاندماج في المجتمع الروسي المعاصر.
أما الكاتبة نارينيه أبغاريان، وهي من أصول أرمنية، فتدور عوالم أغلب رواياتها في مجتمعات أرمنية صغيرة، حيث الأجداد يحكون قصصهم القديمة للأحفاد. ويمكننا ببساطة أن نفسر نجاح تلك الكتابات بشعور الروسي بالذنب، وبأعوام طويلة من تهميش ثقافات وحيوات لم يخلّدها الكتّاب قديمًا، فعاد أحفادهم وحاولوا رسم صورة المجتمعات القديمة من جديد، وتلك الصورة لن تكون وردية بالطبع، فحتى إن كانت روسيا في بعض أوقاتها تعاني من حرب عالمية، إلا أن هناك فئات كانت تواجه طوال الوقت حروبًا أخرى داخلية لم نعرف عنها شيئًا.
عن الكاتبة
ولدت الكاتبة والروائية غوزيل ياخينا في 1 حزيران/يونيو عام 1977 في مدينة قازان بجمهورية تتارستان بروسيا. تنتمي إلى مجتمع تتارستان الذي يملك تقاليد وثقافة متميزة، لكنه مثل مجتمعات عدة في روسيا، هُمّش منذ زمن. درست ياخينا الأدب والسينما في جامعة قازان الحكومية، ثم أكملت دراستها في موسكو، حيث حصلت على شهادة في كتابة السيناريو.
تعتبر واحدة من أبرز الأصوات في الأدب الروسي المعاصر، وحققت شهرة واسعة بفضل أسلوبها الأدبي الفريد الذي يمزج بين التاريخ والخيال، ويعالج قضايا الهوية والذاكرة والإنسانية في سياقات اجتماعية وسياسية معقدة. تنقل ياخينا في أعمالها حكايات شخصيات تعيش في ظروف قاسية، وتعبّر عن تأثير الأحداث الكبرى على حياة الأفراد العاديين.
في 2015، قدمت ياخينا أولى أعمالها الأدبية، وهي رواية "زليخة تفتح عينيها"، التي بدأت أساسًا كفكرة سيناريو قبل أن تتحول إلى رواية حققت نجاحًا باهرًا. أصبحت الرواية من بين الكتب الأكثر مبيعًا، وترجمت إلى 30 لغة حول العالم، وتحولت إلى عمل تلفزيوني، وباتت ياخينا تُعرف منذ ذلك الوقت بأنها "أبرز كاتبة مبتدئة" في تاريخ الأدب الروسي المعاصر.
تحكي الرواية قصة زليخة، وهي امرأة تتارية تعيش في ثلاثينيات القرن العشرين، وتُرحّل قسرًا إلى سيبيريا خلال فترة حكم ستالين. ومن خلالها، تسلط الرواية الضوء على معاناة الأقليات في ظل النظام السوفيتي، خاصةً فيما يتعلق باضطهاد التتار المسلمين، وترصد التحولات النفسية والاجتماعية التي تمر بها البطلة في بيئة منفية وقاسية. وقد تميزت الرواية بأسلوبها الإنساني العميق، حيث تدمج بين السرد الواقعي والشاعرية، وتُظهر كيف يمكن للإنسان أن يجد الأمل في أشد الظروف قسوةً. ومن الواضح تأثر الكاتبة بالمكان الذي نشأت فيه وبتاريخه أيضًا، الأمر الذي سيتجلى أيضًا، وبوضوح، في أعمالها التالية.







