بما أن المنطقة قد "تسقط عن كف العفريت"، سأفتح باب خزانتي المليئة بالملابس والأحذية، وكأنه باب بين الماضي والمستقبل لأرى ذاتي القديمة في قميص "كارو" أزرق، فالحاضر قلق ومسجون في قطعة إلكترونية "الموبايل"، ومشاعي في الوقت نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي.
يقول جان بول سارتر إن الأشياء مرآة لذواتنا، وإثر كل خسارة مادية في الحرب، إن كانت سيارة أو عملة نقدية فقدت قيمتها في التضخم، أو هاتف فيه الجزء الأهم من حياتنا، يهتز إحساسنا بالوجود، فنحن نملك كي نشعر أننا نوجد من خلال الأشياء ونتلاشى بفقدانها.
نحن نمنح الأشياء معناها؛ وهي تخوننا عندما تفقد قيمتها وتخرج من دائرة الاستهلاك، فنحن لا نحزن على المال كقيمة مجردة، بل نحزن على المستقبل المخزّن في تلك الأوراق؛ نحن نحزن على الأحلام التي ارتبطت بقطعة ورقية، هكذا تضعنا الحرب أمام وجودنا العاري؛ ما قيمة الهاتف من دون كهرباء وإنترنت في دمشق على سبيل المثال، وما قيمة سيارة لا يدور محركها بسبب نقص الوقود المحاصر في مضيق هرمز؟
هكذا يتحكم الاقتصاد بالجسد، ففي أسواق دمشق ارتفع سعر حبة البطاطا، بسبب إغلاق هرمز وخلت مطابخ الفقراء من حبات البندورة، وأصبحت الأشياء شحيحة، وعند ما تشح الأشياء تقرر السياسة من يملك ومن يعمل ومن سيأكل، وبالتالي من سيعيش ومن سيُنسى على قارعة الجوع.
نحن لا نملك الأشياء في زمن الاستهلاك، بل هي التي تملكنا وتمنحنا تعريفنا في العالم، فعندما اهتز كف العفريت لم تسقط السياسة وحدها، بل سقطت معها ماهية الفرد وقيمته المخزنة في مدخراته وأشيائه الصغيرة.
نقف اليوم أمام غثيان سارتر الذي تحدث عنه في روايته "الغثيان"، والتي تقع أحداثها في مدينة بوفيل الخيالية، حيث يعيش أنطوان روكينتان، وهو مؤرخ يواظب على دراسة حياة شخصية تاريخية تُدعى ماركيز دي رولبون. وخلال إقامته، يبدأ في اختبار شعور داخلي غريب يُسميه "الغثيان"، نتيجة إدراكه المفاجئ لانعدام المعنى في الأشياء من حوله، ما يدفعه إلى إعادة النظر في مفهوم الوجود ذاته.
تحولت بوفيل اليوم إلى مدينة عالمية، نعيش فيها حياة التكرار والوجوه الزائفة المفلترة، وهروبنا الجماعي من الحقيقة. في بوفيل الرمز وبوفيل الواقع يسير "النخبة" والناس العاديون في الشوارع ويحيون بعضهم كأنهم روبوتات، ويتمسكون بألقابهم (المدير، الموظف، الأب، الزوج). وفي مدننا المخربة تضخمت هذه الظاهرة لنتحول فيها إلى أشياء و مفردات من التوصيفات الوظيفية والهويات الرقمية. بوفيل هي المدينة التي يعرّف فيها الإنسان نفسه بـ"ماذا يملك" أو "ماذا يعمل"، وليس بـ"من هو". هذا التزييف الجماعي للهوية، حيث تصبح المدينة مسرحًا كبيرًا يؤدي فيه الجميع أدوارًا ليهربوا من الحرية التي تنبأ سارتر بأننا "محكومون بها".
تجسد بوفيل مدننا المعاصرة حيث تحاصرنا أشياؤنا (هواتف، سيارات، أجهزة، مبانٍ)، وتفرض وجودها علينا. في بوفيل، شعر روكينتان أن الأشياء "تغزوه"، وكذلك نحن اليوم؛ تبتلعنا مادية المدن حتى نفقد صلتنا بذواتنا ونصبح أشياء زائدة عن الحاجة. ورغم انتقاد بطل الغثيان لمحاولة تخليد أهالي المدينة لأنفسهم من خلال التماثيل، إلا أنه بشكل أو بآخر كان فنًا. أما اليوم، فنحاول تخليد أنفسنا في متاحف السيلفي المفتوحة، لإثبات أن وجودنا العابر كان له وزن وقيمة! بوفيل تعكس رغبة سكان المدن في تحويل "الصدفة الوجودية" إلى "ضرورة تاريخية"، وهو الوهم الذي تحاول مؤسسات المدينة المعاصرة تكريسه.
ورغم أن بوفيل مدينة مأهولة، إلا أن روكينتان بطل الغثيان يعيش فيها عزلة مطلقة. هذا هو حال القاطن في المدن الكبرى اليوم؛ اتصال تقني هائل وانفصال وجودي تام. المدينة توفر لك "الجوار"، لكنها تحرمك من "الحضور". بوفيل هي غرفتك التي قد تسقط فيها ميتًا من دون أن يلاحظ أحد غيابك، إلا من خلال "الرائحة"، شعرت أنني بطل "غثياني" الخاص عندما واجهت سؤالًا مباشرًا؛ ماذا ستفعل إذا سقطت في غرفتك بإسطنبول وحيدًا؟ من سينقذك ومن سيعتني بك؟ لا جواب لدي، لكن أليس الحب مساحتنا الأخيرة للحرية؟
على غرار بطل الغثيان نحاول تعريف وجودنا حين نكتشف أن السيارة الفارهة أو الهاتف الأحدث ليس سوى "حطام مؤجل" في الصراع، لقد تحولت أشياؤنا من أدوات للرفاهية إلى شواهد قبر على استقرار زائف، "لذلك حملت قميصي معي".
إن سقوطنا عن "كف العفريت" ليس النهاية، بل هو الاختبار الوجودي الأكبر. فعندما تنقطع الخيوط الرفيعة التي كانت تشدنا منها السلطة عبر "الاستهلاك"، نصبح – لأول مرة – أحرارُا بشكل مرعب. الحرية هنا ليست مكافأة، بل هي عبء. أن تكون "بلا أشياء" يعني أنك أصبحت "أنت" في مواجهة العالم، بلا دروع بلاستيكية أو أجهزة إلكترونية تحميك من الحقيقة. ربما يكون الحطام هو المرآة الأكثر صدقًا التي واجهناها يومًا؛ ففي شظايا الأشياء المنكسرة، نلمح لأول مرة ملامح وجوهنا الحقيقية، تلك التي لم نكن نجرؤ على رؤيتها خلف بريق المقتنيات.
في خضم هذا الانهيار، وبينما تتهاوى الرموز الكبرى من سيارات وعقارات، يبرز "قيمص الكارو" كأنه الناجي الوحيد من التسليع. هذا القميص الذي حملته معي من دمشق، ليس مجرد نسيج من قطن، بل هو "مساحة سيادية" أخيرة لم تستطع قوى السوق أو تحولات السياسة مصادرتها.
في السارترية، القميص هو مرآة لذاتي القديمة؛ هو الشاهد الصامت على كأس متة أو فنجان قهوة شربته على عجل في الشعلان، أو نزهة في الربوة، أو قلق ليلة دمشقية طويلة.
حين تفقد الأشياء الاستهلاكية قيمتها، يكتسب القميص "قيمة وجودية" لا تخضع للتضخم. فهو يحمل رائحة وذاكرة، ويمنح الجسد شعورًا بالحياة. ففي زمن "الغثيان"، يصبح التمسك بقميص قديم هو فعل مقاومة وجودي؛ إصرار على أن هناك جزءًا من كينونتنا لا يمكن "تصفيره" أو بيعه في أسواق المستعمل.
إن البدء من الصفر الذي تحدثنا عنه، لا يعني بالضرورة التخلي عن كل شيء، بل يعني إعادة تعريف ما هو ثمين، في فلسفة الحطام، نكتشف أن أثمن ما نملك هو ما لا قيمة له في "بورصة" الحروب.
حين تقف اليوم، مرتديًا القميص نفسه الذي شهد فرارك الأول ونجاتك الأولى، تدرك أن هوية الإنسان لا تتحدد بما يملك في حسابه البنكي، بل بما يرتديه من ذكريات تحميه من برد الاغتراب. لقد سقطت الأشياء الفارهة عن كف العفريت، وبقي القميص ملتصقًا بالروح، ليذكرنا أن الهوية ليست جدرانًا من أسمنت، بل تنبت هذه التفاصيل البسيطة التي ننجو بها، وتنجو بنا.
عندما تتحول المدن إلى مسارح للغياب، لا يبحث الإنسان عن الرفاهية بل عن المعنى. لنكتشف أننا استثمرنا أعمارنا في "أشياء" كانت في الحقيقة "أفخاخًا". تلك الأشياء التي ظننا أننا نمتلكها، كانت هي التي تمتلكنا، تحدد مواعيد استيقاظنا، وقلقنا، ومكانتنا في أعين الآخرين. وعندما اهتز "كف العفريت"، سقطت تلك الأقنعة، ولم يبقَ لنا إلا ما هو "حميمي" لدرجة الالتصاق بالجسد.
لا خيوط تحركني بها السلطة، جسدي حر من المعدن والبلاستيك، فكل شيء تحول إلى حطام في تروس الحرب والمعارك التي سلبتني الأحلام. لا شيء يشدني فأنا أعطي الأشياء قيمتها. وهنا تبدأ سيادتي على اللاشيء على "الفراغ". إن الفرد الذي يقف في دمشق أو في أي بقعة منهارة، مرتديًا قميصه القديم، هو إنسان استعاد ملكية نفسه بعد فقدان ممتلكاته. لقد تلاشت "الذات الزائفة" التي بنيناها عبر سنوات من الاستهلاك، وبرزت "الذات العارية" التي لا تملك سوى ذاكرتها وكرامتها الشخصية. هذا القميص سيصبح هو "الوطن الصغير"؛ المساحة التي لا يمكن مصادرتها، والمكان الذي تعجز الجيوش والحدود عن منعه من العبور.
أتساءل ماذا سأحمل معي عند عودتي إلى سوريا؟ لا أملك غير خزانة ثيابي الباقية؛ هي تكثيف للزمن، تكثيف لـ14عامًا من الحب والخوف والحزن والقلق والغثيان! هي الشاهد عليّ وهي بصمة المكان وهي تميمتي التي ستحميني من التلاشي.
يعلمني انهيار الأشياء أن الهوية المبنية على المقتنيات هي هوية هشة، تسقط مع أول هزة سياسية أو اقتصادية. أما الهوية المبنية على "المعنى" و"الذاكرة" فهي التي تصمد.
سوف نبدأ من الصفر في بلادنا، ربما كانت "ميزة المتأخر" ستنقذ وجودنا، والبدء من الصفر يعني على الأقل أن نتوقف عن تعريف أنفسنا بماركة الهاتف أو بعدد أحصنة محرك السيارة أو "بالمنصب"، ونبدأ بتعريف أنفسنا من خلال قدرتنا على الحفاظ على "إنسانيتنا" وسط الركام. القميص القديم هو المعلم الأول في هذه المدرسة؛ إنه يخبرنا أن "القليل" قد يكون "كثيرًا" إذا كان حقيقيًا.
في النهاية، نحن لا نسقط عن "كف العفريت" لأننا فقدنا ممتلكاتنا، بل نسقط حين نفقد قدرتنا على خلق معنى لهذه الخسارة، بعدما كنا على وشك خسارة بلد! غثيان سارتر يدعونا للتصالح مع "العراء"، فبعد أن صمتت الهواتف، وتعطلت المحركات، وفرغت الخزائن، لم يبقَ لنا إلا هذا الجسد، وهذا القميص، وهذه الحكايات التي نرويها لبعضنا البعض.
ربما كان الانهيار ضروريًا لنكتشف أننا كنا "مسجونين" في أشياء لا تشبهنا. والآن، ونحن نمشي في شوارع مدننا المتعبة، أو في منافينا البعيدة، بقمصاننا التي تحمل ذكرياتنا، ندرك أننا أحرار للمرة الأولى. الحرية ليست في امتلاك العالم، بل في ألا يمتلكنا العالم. تحول قميصي إلى "شاهد" على موت النسخة الزائفة، وولادة إنسان جديد يعرف تمامًا أن أغلى ما يملكه هو ما لا يمكن للحرب والتقنية أن تقتله: روحه المختبئة بين طيات قميص قديم "مسروق".