في الأزمنة القديمة، كان الناس يحملون القضايا كما يحملون جرحًا: بصمتٍ ثقيل، وبمعرفةٍ مُرّة أن من يقترب من المأساة حقًا لا يخرج منها كما دخل. اليوم، صار في مقدور الإنسان أن يعلّق المأساة على صدره كشارة، وأن يضعها في نبذة حسابه الشخصي، وأن يمر بها مرور من يضع وردة على قبر ثم يلتفت سريعًا إلى مائدة العشاء.
هكذا، في زمن السرعة والفيض البصري، تدخل قضايانا ومآسينا إلى الوجدان رمزًا جاهزًا للتداول (دبوس بطيخة، كوفية، إيموجي باكٍ أو قلبٌ منفطر، ألوان أعلامٍ لم نعد ندري إن كانت تقصد السودان أم اليمن أم لبنان)، وليس في الرمز ذاته ما يُدين؛ فالرموز هي اللغة السرية للشعوب حين تُمنع من الكلام، وهي الأثر الذي يتركه التاريخ حين يُصادر العدو حتى الألوان.
الإدانة تبدأ حين يتحول الرمز من جسرٍ إلى القضية، إلى بديلٍ عنها؛ حين يصبح علامةً على راحة الضمير أكثر مما هو علامة على يقظة الضمير، عندما يصبح القصد منه "كيف أُظهر أنني مع فلسطين؟"، وهو سؤال يبدو بريئًا، لكنه يفتح بابًا واسعًا لسوء فهم خطير، لأن الفرق هائل بين أن تحمل قضية، وأن ترتديها.
في هذه المسافة الضيقة بين الحمل والارتداء، تنشأ أشكال جديدة من التضامن، خفيفةٌ على صاحبها، أنيقةٌ في عرضها، وقليلة الكلفة إلى حد يبعث على الريبة. يضغط المرء زرًا، يضيف إيموجيًا، يشارك صورة، يكتب عبارة مشبعة بالحزن، ثم يشعر، ولو دون وعي أو قصد، أنه أدّى قسطه من الواجب، وأنه اشترى لنفسه حق العودة إلى حياته اليومية من دون تأنيب كبير.
وهذا ليس لأننا ننافق بالضرورة، بل لكوننا نعيش داخل عالم صُمّم أصلًا ليجعل التعبير السريع يبدو فعلًا، وليجعل الظهور في هيئة المتضامن يُنافِس، بل يُزاحِم، التضامن نفسه. وهنا تكمن العقدة التي نحاول الاقتراب منها: كيف يمكن لنية طيبة أن تُنتج أثرًا مخففًا أو مضادًا؟ كيف يتحول التعاطف، من دون أن ينتبه صاحبه، إلى صورة عن الذات أكثر منه علاقة بالقضية؟
كانت البطيخة في سياق معيّن في زمنٍ ما استخدامًا جيدًا وذكيًا، لكن ما صحّ في القرن الماضي لم يعد كذلك اليوم، فكما أشار رولان بارت في أطروحته عن "الأسطورة السياسية"، فإن الرمزية قد تسرق المعنى الأول وتحمّله أيديولوجيا جديدة، لكنها تُخفي عملية السرقة هذه، وظيفة الأسطورة الأساسية هي تحويل التاريخ إلى طبيعة.
من هذا المنظور، لم تعد البطيخة مجرد التفاف ذكي على منع العلم، ولا مجرد حيلة شعبية تحفظ اللون من رقابة المحتل، ولا حتى الخوارزميات التي تتعلم كل شيء يوميًا، أصبحت علامة مكتملة على الطمأنينة الأخلاقية، إذ يكفي أن ترفعها لتقول للعالم، ولنفسك قبله، إنك في الجهة الصحيحة من التاريخ. وهنا بالضبط يبدأ ما سماه بارت "الأسطورة"، حين يُسرق المعنى من تاريخه ويُعاد تقديمه وكأنه شيء طبيعي، بديهي، بلا صراع، بلا كلفة، بلا دم، حين ينتزع من تربته، من حكايته الأولى، ثم يُعاد إلى الناس بعد أن يُغسل ويُمنح معنى آخر أخف وطأة.
في مثال فلسطين والبطيخة، تتحول القضية، التي في أصلها قصة اقتلاع وحصار واستعمار وموت يومي، لتصبح إحساسًا بالانحياز للإنسانية بإشارة بصرية أنيقة، كموجز أخلاقي سريع التداول، نافذة على المأساة من خلال ستارة حريرية تُخفف قسوة المشهد وتسمح للناظر أن يلمح النار دون أن تحرقه. ما يعني أن الخطر يكمن في الراحة التي يبعثها استخدام الرمزية للضمير والأنا.
إذا كان رولان بارت قد شرح كيف تُصنع الأسطورة، فإن غي دوبور يشرح كيف تتحول إلى نمط حياة كامل. ففي "مجتمع الاستعراض" لا تعود القضية هي المركز، بل صورتها وظهورها وقابلية عرضها، حين لا يُسأل الإنسان عما فعل، بل عما أظهر للناس، والفرق بين الأمرين هو الفرق بين من يدخل معركة ومن يلتقط صورة جوية لها.
وحين تعلن غضبك في الصيغة المناسبة للمنصة، قد لا تكون كاذبًا، لكنك تدخل، شاء ضميرك أم أبى، في مسرح واسع يجعل الظهور بديلًا عن الفعل. هناك، على تلك الخشبة الباردة يصبح الموت صورةً قابلة للتمرير، رقمًا، حدثًا يزاحمه بعد دقائق مقطع طبخ أو فضيحة جديدة، وهذا هو صلب النظام الذي نعيش فيه ولا يسمح لشيء أن يبقى طويلًا إلا إذا ظل صالحًا للإعلانات وتجارة البيانات.
إن نقل التضامن إلى السوشال ميديا على شكل رمزي، يعني تسليمًا بأننا نحارب ضمن حدود هذا العالم، وفي هذا العالم لا ينتصر أكثر الناس التزامًا، أو أكثر القضايا عدالة، بل الأكثر قدرة على تجميل التزامه وإظهاره وتكييفه مع إيقاع المنصة. وعندها لا تعود قضيتك امتحانًا لما أنت مستعد أن تخسره، بل لما أنت مستعد أن تنشره.
كان المفكر يفغيني موروزوف من أوائل من نظروا إلى هذه الخديعة، وكيف لها أن تكون أداة سلطوية قمعية أشد من السلطة نفسها، في أن هذا الشكل من التضامن قد يصبح نفسه بديلًا عن كل ما عداه من فعل حقيقي، كخاتمة مريحة يشعر من خلالها الإنسان أنه عبر الطقس المطلوب، سدّد رسم الدخول إلى جماعة الأخيار، وأن شيئًا ما قد أُنجز. لكن ما الذي أُنجز فعلًا؟
القسوة الحقيقية في تشخيص موروزوف لتضامننا، أن الفعل الرقمي منخفض الكلفة لا يظل دائمًا عديم الجدوى فحسب، بل قد يغدو ستارًا يحجب الحاجة إلى ما هو أعلى كلفة وأكثر وجعًا. فالإنسان، حين يدفع ثمنًا رمزيًا صغيرًا، قد يشعر بإعفاءٍ ضمني من الثمن الحقيقي. وحين تمتلئ المنصات بمظاهر الوعي والغضب، تستطيع الحكومات، لا سيما في الغرب، أن تتنفس براحة أكبر: ها هو الرأي العام يتكلم، ها هو الفضاء مفتوح، ها هي الحساسية الأخلاقية تعمل، فلماذا العجلة؟ ما دام الغضب يجد منفذًا تعبيريًا، يمكن للسياسة أن تواصل مماطلتها بأقل قدر من الضغط.
المسألة لا تتوقف عند السياسة الخارجية ولا عند وهم الإنجاز. فأستاذة الدراسات الاجتماعية شيري تركل، التي راقبت تحولات الذات تحت وهج الشاشة لعقود، تكشف طبقة أعمق من المأزق تكمن في أننا لا ننشر فقط ما نشعر به، بل نبني عبر النشر عنه نسخةً شبكية مصقولة من أنفسنا، ذاتًا شبكية، نشعر من خلالها بالتحرر من العبء بأقل جهد وتكلفة، وحين تدخل فلسطين في هذا البناء، تصبح القضية جزءًا من هندسة الهوية، مادةً نعرّف بها أنفسنا أمام الآخرين، وهنا ينشأ انزياحٌ دقيق للمعنى من التضامن بوصفه علاقةً مع شعبٍ يُباد، إلى التضامن بوصفه عنصرًا في صورة الذات.
يمكن، خلال مراقبة سيل المنشورات وهي تلمع ثم تنطفئ، أن نسأل أنفسنا "ماذا نفعل حقًا على أرض الواقع؟"، فليس كل نشاط إنساني يستحق أن يُسمّى فعلًا. هناك ما نكرره فقط كي تستمر الحياة، وهناك ما نصنعه ثم نغادره، وهناك، نادرًا، ما نفعله بمعناه السياسي الخالص، أن نحضر في الفضاء العام حضورًا يعرّضنا للخطر، ويكشف من نكون، ويبدأ شيئًا لا نملك السيطرة الكاملة على نتائجه.
بهذا المعنى، فإن كثيرًا مما نسميه اليوم تضامنًا لا يبلغ رتبة الفعل أصلًا، إنه أقرب إلى حركة داخل دورة الاستهلاك الرقمي، منشور يُنتج، يُستهلك، يختفي ثم يُستبدل بغيره، ما يحدث ليس دخولًا إلى السياسة بقدر ما هو تجنب منظم لها؛ لأن السياسة، في معناها العميق، لا تبدأ حين نعبّر، بل حين نغامر بالفعل، بما قد يكلّف صاحبه شيئًا من أمنه، أو راحته، أو علاقاته، أو امتيازاته.
هذا ليس بأي شكل اتهام أو إدانة لأي متضامن بأي شكل تضامن اختاره، ولا تشكيك بمصداقية أنه يؤمن فعلًا، يتأثر فعلًا، وربما يغضب فعلًا، إنها مساحة للاشتباك الإيجابي لعدم تحول القضية، أي قضية إنسانية، إلى مرآة يرى فيها نفسه نبيلًا أكثر مما يجعلها مسؤولية تُلزمه بما لا يعرف حدوده بعد، أن لا تغدو فكرة تضامنه قيمةً مغلقة تضيف لصاحبها تماسكًا شعوريًا، وتريحه من فوضى السؤال الحقيقي: ماذا يفرض عليّ هذا الإيمان خارج لغتي وصورتي ومشهدية انحيازي؟
نحن، في معظم تفاعلاتنا، خصوصًا الرقمية، لا نقدم أنفسنا الحقيقية بقدر ما نقدم نسخًا مدارة منها، صالحةً للسياق، مضبوطةً على توقعات الجمهور، بمعنى أدق، ومن منظور إرفنغ غوفمان، السوشال ميديا دفعت هذه اللعبة إلى أقصاها؛ ضيّقت الكواليس إلى حد الاختناق، وجعلت الإنسان مقيمًا على الخشبة أكثر مما هو عائد إلى ذاته. وحين يضع أحدهم البطيخة أو الكوفية أو العبارة الجاهزة، فهو لا يعلن موقفًا وحسب، بل يؤدي دور "المتضامن" أمام جمهور، قد يكون في بعض الأحيان، للأسف، متخيّل أصلًا.
ليس هذا شرًا بالضرورة، كما لم يقل غوفمان إن الأداء شر، لكنه يصبح خطرًا حين تتحول الهوية المقدّمة إلى غاية، وحين يصبح الضمير نفسه جزءًا من إدارة الانطباع، إلى التساؤل إذا ما كان انحيازي لهذه القضية ظهر كما ينبغي؟ وهل التقط الناس موقفي في اللحظة المناسبة؟ وهكذا، بين آرندت وغوفمان، تتضح صورة قاسية، لكن لا مفرّ من نقاشها: قد يتحول التضامن، من فعل يخرج بك من نفسك، إلى مشهد يعيدك إليها أكثر لمعانًا واطمئنانًا.
قبل أن تصبح الشاشات امتدادًا لتكوين أيدينا وإصبعًا سادسًا، كانت رؤية الألم ليست نفسها الوقوف إلى جانب المتألم. ثمة فرق هائل بين أن تشهد المأساة وأن تستهلك صورتها، بين أن تهتز لأن إنسانًا يُسحق أمامك، وبين أن يمرّ سحقه عبر جهازك بوصفه جزءًا من السيل العام نفسه الذي يحمل لك وصفة طبخ، ومشهد كوميدي، وإعلانًا لحذاء، وصورة لجاكوزي.
تصبح الصورة، في كثير من الأحيان، وسيطًا يخفف ويعيد ترتيب موضوع التضامن داخل إيقاع يومي لا يسمح لشيء، مهما كان مروعًا، أن يخرج من الحقيبة المغلقة ليتحول إلى فعل؛ فيبقى يراوح مكانه أو يتبدل بحسب المكان الذي يُرى فيه، والسرعة التي يُستهلك بها، وما يسبقها وما يليها.
لهذا قد يصبح الخطر أقل في نقص المعلومات وأكثر في فيضانها. فالمتلقي المعاصر لا يعاني دائمًا من الجهل بالمجزرة، بل من فرط التعرض لها حتى يكاد يختلط عليه معنى أن يعرف ومعنى أن يفعل. الصور المتكررة للدمار، للأشلاء، للأمهات اللواتي يحفرن بأيديهن، لا تنتج بالضرورة يقظة أخلاقية تراكمية، وقد تفعل العكس تمامًا، أن تُشبع الحس حتى يتبلد، وتمنح المشاهد شعورًا زائفًا بأنه "رأى كل شيء"، ومن ثم "فهم كل شيء"، فيما الحقيقة أن الرؤية السريعة المتكررة قد تُغلق باب الفهم بدل أن تفتحه. فالفهم يحتاج إلى بطء، إلى سياق، إلى تمييز، إلى قدرة على إبقاء الألم خارج الاستهلاك.
المنصات تبني علاقتها بك على العكس تمامًا "خذ، شاهد، تأثر، مرّر، ثم خذ غيره" وما دام كل شيء يطلب الانتباه بالطريقة نفسها، فإن المعاناة وموضوع التضامن لا تعيشان في الجهاز باعتبارها نداءً أخلاقيًا متفردًا، بل بوصفها عنصرًا ضمن منافسة مستمرة على عينك وأعصابك ووقت بقائك أمام الشاشة. ومن هنا تغدو الإيموجي، أو العبارة المقتضبة التي تأتي بعد مشهد مروّع، أكثر من مجرد تعبير عابر؛ إنها أحيانًا إعلان غير مقصود عن اكتمال المرور "رأيتُ، تأثرتُ، أشرتُ، وانتهيت".
هكذا يصبح الرمز إيصال استلام عاطفي، لقد وصلني الألم، وها أنا أثبت ذلك، فدعوني الآن أتابع يومي. وهذه ليست قسوة فردية بالضرورة، بل أثر بنيوي لطريقة تنظيم المشاهدة نفسها. فالصور تمنحنا مسافةً آمنة، حتى حين تكون صادمة؛ نحن ننظر من وراء زجاج، نشهد من غير أن نتورط بالكامل، نرتجف من غير أن نُنتزع من مكاننا. ولهذا يمكن لمشاهدة الألم أن تُشبع فينا حاجة أخلاقية معينة من دون أن تُلزمنا بما يتجاوزها.
لذلك، لو حاولنا تفسير لماذا تبدأ نهارنا بأخبار مجزرة في غزة أو جنوب لبنان، ثم تجد أنفسنا بعد دقائق أمام مقطع عن وصفة معكرونة أو خلاف بين مؤثّرين، فلا يجب المسارعة إلى اتهام أنفسنا بالخفة أو الخيانة، إذ ثمة ما هو أعمق من ضعف الإرادة الفردية، وما هو أشد تنظيمًا من مجرد تشتت عابر.
هنا نستحضر رأي المفكّر تيم وو إلى المشهد كمؤرخ لواحدة من أكثر الصناعات افتراسًا في العصر الحديث، صناعة الانتباه. فالعالم الرقمي في جوهره لا يمنحك محتوى لأنه يحترم وعيك أو لأنه يريد تثقيفك أو تعبئتك سياسيًا؛ إنه يمنحك ما يضمن بقاءك أطول وقت ممكن داخل الحلبة، لأن انتباهك نفسه هو السلعة، فأنت لا تدفع ثمن المنصة بالمال بل بالزمن، بالتركيز، بالقدرة على البقاء مع فكرة واحدة حتى نهايتها. كل ما يبدو فيها مجانيًا ليس مجانيًا إلا لأنك أنت المادة الخام.
ومن هذه الزاوية، لن تكون قضيتك استثناءً من السوق، بل مادة فيه؛ تدخل إليه بما تملكه من فداحة وغضب وصدمة، وهذه كلها عناصر ممتازة لاصطياد العين. لكن السوق، بحكم منطقه، لا يحب الثبات ولا الوفاء. إنه يحتاج دائمًا إلى صدمة جديدة، إلى غضب جديد، إلى مأساة أكثر قابلية للالتقاط. وما إن تستنفد القضية طاقتها التجارية، حتى تُزاح جانبًا لأن الخوارزمية شبعت منها.
يلتقي في هذا التشريح تيم وو بجيمس ويليامز في نقطة أشد خطورة، هي أن المسألة لا تتعلق فقط بما نراه، بل بما نصبح عليه ونحن نراه. فويليامز ينبّه إلى أن أكبر تهديد في عصرنا هو الاستنزاف المنهجي للقدرة على توجيه النفس نحو ما نعرف في أعماقنا أنه يستحق. هناك ما نريده في اللحظة، وما نريد إنجازه في اليوم، وما نريد أن يكون عليه وجودنا كله. والمنصات تضرب هذه المستويات الثلاثة من الداخل، بضربتين ناعمتين: الإغراء الدائم، والتقطيع المستمر.
ومن هنا تصبح المعضلة السياسية أعمق من مجرد نقد "تريند أو إيموجي"، لأن شعبًا منهك الإرادة، مجزأ الانتباه، مسحوبًا على مدار اليوم من صدمة إلى أخرى، يفقد تدريجيًا القدرة على بناء أولويات أخلاقية مستقرة. والتضامن، في النهاية، ليس موجة شعور، بل ترتيبٌ للانتباه أيضًا.
حين تصير كل القضايا مواد متساوية داخل السوق نفسها، فإن المأساة تُهزم إلى جانب القوة العسكرية والدبلوماسية، بطريقة عرضها أيضًا، عندما تصبح قابلة للتبديل وللنسيان ولأن ينافسها "محتوى أكثر جذبًا وفيه هوك"، وهكذا لا يكون الانتقال من فيديو قصف إلى فيديو طبخ سقوطًا أخلاقيًا فرديًا، إنه في الحقيقية المؤسفة انتصار كامل لبنية صُممت لكي تمنع أي ألم من أن يستقر فيك طويلًا.
حين نفهم ذلك، نكف عن طرح السؤال عن عدم استمرار الناس بالتضامن والاهتمام كما كانوا، ونبدأ بالسؤال الأصعب عن كيف يمكن لقضية عادلة أن تنجو أخلاقيًا وسياسيًا داخل آلة لا تعيش إلا على التبديل المستمر واستهلاك كل شيء، حتى الدم، بوصفه محتوى؟
نعم، ليس كافيًا أن نكره الظلم من الخارج، علينا مواجهة نصيبنا من الاشتباك معه والتورط فيه باعتبارنا داخل عالم تُنتج مؤسساته وأسواقه وخطاباته ومصالحه هذا الظلم وتحميه وتطبع معه. التضامن الحقيقي يبدأ حين نطرح سؤالًا أشد إزعاجًا من نشر الرموز، عن أين يمرّ الخيط الذي يصلنا بهذه البنية الظالمة، وماذا نحن مستعدون أن نقطع منه؟
التضامن الحقيقي يجرح الصورة المريحة التي كوّنتها عن نفسك، ويدفعك إلى مواجهة ما كنت تفضّل تأجيله. وبالمعنى نفسه، فإن التضامن الذي لا يخلخل جدولك، ولا يعيد ترتيب أولوياتك، ولا يحمّلك كلفةً في وقتك، أو مالك، أو استهلاكك، أو علاقاتك، أو كلامك في الأماكن التي يكون الكلام فيها مُحرجًا ومكلفًا، يبقى تضامنًا ناقصًا، مهما كان صادق النبرة.
ليست القضية، إذن، أن نتخلى عن الرمز كليًا، ولا أن نتعامل باحتقار مع كل تعبير وجداني، فالبشر يحتاجون إلى اللغة والإشارة والطقس لكي يتعرفوا إلى بعضهم ويعلنوا انحيازهم. لكن الرمز يجب أن يعود إلى حجمه الصحيح كبداية، لا نهاية؛ كباب، لا بيت؛ كعلامة على التزام، لا بديلًا عنه.
لعل الرؤية الوحيدة المعقولة للخروج من هذا الفخ ليست في محاكمة الناس على ما ينشرون، إنها تكمن في نقل مركز الثقل من التعبير إلى الأثر. أن نسأل، بعد كل إيموجي وكل منشور وكل موجة غضب: ما الخطوة التالية؟ ما الترجمة المادية لهذا الانحياز؟ ما الذي سيتغير في عاداتي الاستهلاكية، في دعمي الإعلامي، في تبرعاتي، في ضغوطي السياسية الممكنة، في حديثي مع دائرتي، في إصراري على إبقاء القضية حية بعد انطفاء التريند؟
هذه الأسئلة لا تعد بحل سحري، لكنها تعيد التضامن إلى أرضه الصلبة من صورة الذات إلى عبء المسؤولية، من لحظة الانفعال إلى بنية الالتزام، من البطيخة بوصفها زينةً أخلاقية إلى فلسطين بوصفها قضيةً تدخل البيت وتعيد ترتيب أثاثه. وعندها فقط يمكن أن يصبح الرمز أمينًا لما يشير إليه: لا ستارًا يخفف عنا ثقل المأساة، بل خيطًا يقودنا إليها، ويمنعنا من النجاة منها سالمين كما كنا.