لا يُعتبر الكاريكاتير مجرّد رسوم ساخرة، وإنّما وسيلةً لتحفيز النقاش العام وتعزيز وعي الشعوب بواقعها وقضاياها.
ومنذ ظهوره، خلال القرن السابع عشر، ساهم في كسر حاجز الخوف وطرح تساؤلات شجاعة حول السلطة والمجتمع والدين والهوية، كما لعب دورًا مهمًا في التوثيق الشعبي، فحمل ذاكرة المجتمعات في لحظات الانكسار والنهضة على حدٍّ سواءٍ، كأكثر الفنون التصاقًا بواقعها.
بالإضافة إلى ذلك، يعد الكاريكاتير مرآة عاكسة لأوضاع المجتمعات، فكان سلاحًا للمقاومة أحيانًا، وأحيانًا أخرى وسيلة للسخرية، مما جعل فنّانيه يدفعون الثمن، إما باغتيالهم، كما حدث مع ناجي العلي مثلًا، وإما بسجنهم كما حدث مع كثيرين، خاصّة في الدول التي تشهد تراجعًا في الحريات.
وفي ظلّ التحوّلات الرقمية، وجد الكاريكاتير متنفسًا جديدًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما منح للفنانين فرصة لتجاوز الرقابة التقليدية، والوصول مباشرة إلى الجمهور. إلا أن هذه الحرّية النسبية رافقها عدد من الظواهر السلبية.
جذور الكاريكاتير
يُعرّف رسام الكاريكاتير السعودي طلال فهد الشعشاع الكاريكاتير بأنه "ذلك التعبير الفنّي عن طريق الرسم، الذي يتناول قضية معينة بأسلوبٍ ساخرٍ، ويكسر رتابة الواقعية ويتمرد عليها"، وذلك بهدف الإضحاك أو إثارة السخرية.
ويتميز الكاريكاتير بقدرته العالية على التأثير في المتلقّي، متفوقًا في كثير من الأحيان على أشكال العمل الإعلامي الأخرى، وهو ما بوأه مكانةً هامة ضمن المواد الإعلامية في المجلّات والصحف الورقية والإلكترونية.
ويُرجع عدد من الباحثين ظهوره كنوعٍ فني جديد إلى منتصف القرن السابع عشر، حيث اعتمد على تحريف الملامح التي ألفها الإنسان.
من جهتها، تقول الباحثة الجزائرية أحلام بولكعيبات إنه، "صارع الكنيسة في أوّل ظهوره في الغرب الأوروبي." مشيرة إلى أنه كان وسيلةً استعملها أتباع مارتن لوثر خلال حروب الإصلاح الديني، إذ كانت الرسومات الكاريكاتورية تستعمل للسخرية من الكنيسة الكاثوليكية.
وتؤكد بولكعيبات في مقالها الذي تناولت فيه "الكاريكاتير كخطاب إعلامي يشوّه الواقع" أن هذا الفن لم يقتصر حينذاك على السخرية من الشخصيات الدينية فحسب، وإنما امتدّ للسخرية من الساسة، مُرجعة انتشاره السريع إلى اقترابه من عموم الناس، حيث كان "أكثر التصاقًا من الفنون الأخرى بالقضايا المباشرة للمجتمعات".
ويعتبر القرن التاسع عشر حسب نفس الباحثة "قرن الكاريكاتير بامتياز"، حيث أخذ على عاتقه دور نشر الأفكار ونقد السياسة والمجتمع وتشخيص الواقع بشكلٍ ساخرٍ إلى درجة الاستفزاز.
ويؤكّد الباحث المغربي إبراهيم أيت المكي، في دراسته للأدوار الاجتماعية السياسية للكاريكاتير في الثقافة الغربية، أن ما يُفسر وصف أواخر هذا القرن بـ "العصر الذهبي للصحافة الساخرة"، حيث ظهرت عشرات الصحف الساخرة في برلين وباريس، هو أنها فترةٌ "تميزت بكثرة الحروب، والتي يعتبر الرسم الساخر أحد أسلحتها،" وذلك لقدرته الكبيرة على التأثير في الناس.
ويضيف أن رسامي الكاريكاتير، وبالإضافة إلى فتحهم لجبهاتٍ للسخرية من رجال السلطة في الداخل، فإنهم شاركوا أيضًا في حروب الخارج".
وهو نفس ما ذهب إليه الكاتب اللبناني عبد الحليم حمود في كتابه "الكاريكاتور العربي والعالمي" بقوله: "إن الحروب التي كانت قائمة بين باريس وبرلين أجّجت الحرب الكاريكاتورية أيضا حيث لجأت الصحف إلى اعتماد رسامي الكاريكاتور ليكونوا رأس الحربة في هذه المعركة"، ومع أن الصحف حينذاك كانت غالية الثمن "إلا أن الناس كانوا يتلقفون كل عدد جديد يصدر، حيث كمية السخرية كانت الدافع الأول لشراء هذه الصحف".
أداة فعالة في تعزيز الوعي
يعد الفنان المغربي الشعوبي العوني أحد أشهر رسامي الكاريكاتير بالمغرب، فقد كان دائمًا صوت المغاربة ومرآة عاكسة لما بداخلهم، مُعرّيًا واقعهم بأسلوب ساخر، ومعبرًا بريشته عن همومهم وقضاياهم.
وفي تصريحه لـ "ميغازين"، يُعتبر الشعوبي أن الكاريكاتير أداةً فعّالة في زيادة الوعي السياسي والاجتماعي للشعوب. وذلك "لما يتميّز به من قدرة على تبسيط القضايا المعقدة وتقديمها بأسلوب ساخر وسهل الفهم".
ولا يكتفي هذا الفنّ بالإضحاك، بل إنه -حسب الفنان المغربي- "يحمل في طيّاته رسائل نقدية تعكس الواقع السياسي والاجتماعي، وتسلط الضوء على الظواهر السلبية مثل الفساد والظلم والفقر."
الشعوبي العوني الذي يحرص على إضفاء لمسته الفنية على كل حدث يعيشه المغاربة، سواء كان سياسيا أو اجتماعيا أو رياضيا، أضاف أنه "ومن خلال رسم صورة معبّرة قد لا تتجاوز بضع ثوانٍ من التأمل، يستطيع الكاريكاتير أن يثير نقاشًا عامًا ويحفّز الأفراد على التفكير في قضاياهم اليومية. كما يسهم في تشكيل وعي جماعي عبر فضح المسكوت عنه، ونقل نبض الشارع، مما يجعله وسيلة مؤثرة في توجيه الرأي العام وتحفيز الناس على التغيير والمشاركة الفعّالة في قضاياهم."
المقاومة بالسخرية
يملك الكاريكاتير قدرة هائلة على تحويل المأساة إلى صورة ساخرة تثير تساؤلاتٍ تتجاوز سطح الأحداث إلى عمقِها.
وفي السياق العربي، تجاوز هذا الفن دوره الترفيهي وتحوّل إلى فعل مقاومةٍ في وجه الاستبداد والفساد، وفضاءً حرًّا يفضح الخيبات الجماعية، ويؤرّخ للاحتجاج الشعبي، مما جعل منه هدفًا دائمًا للأنظمة التي لم تتحمل خطورته الرمزية وتأثيره، فطاردت فنانيه وضيقت عليهم، بل واغتالتهم أحيانًا.
ولا يمكن تناول فن الكاريكاتير دون التوقف عند أبرز ضحاياه عربيا: ناجي العلي.
لقد ارتبط اسم الفنان الفلسطيني ناجي العلي بشخصية "حنظلة"، التي نشأت من علاقة وثيقة بين ناجي ومخيم عين الحلوة جنوبي لبنان، هو الذي أبدع رسوماته على جدران هذا المخيم ثم على جدران السجون الإسرائيلية، فعلى المجلاّت والجرائد حين انتبه الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني إلى موهبته.
استطاع العلي بريشته أن يُربك الأنظمة السياسية، ويشعل النقاش الشعبي عبر تحويل شخصية حنظلة إلى رمز عالمي للاعتراض وللكرامة المهدورة، حيث لم يتورّع عن انتقاد القيادات الفلسطينية والعربية.
حنظلة، الطفل ذو العشر سنوات، الذي ظهر لأول مرّة عام 1969 بجريدة "السياسة الكويتية"، ظل يدير ظهره للعالم رافضا التصالح مع الاحتلال أو مع الأنظمة التي خذلت القضية الفلسطينية، هو الذي ولد في العاشرة في عمره -مثلما قال عنه العلي- "وسيظلّ دائمًا في العاشرة،" مضيفًا: "في تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بَعدُ في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء."
وكان ناجي العلي قد تنبّأ بمصيره مبكرًا، حيث قال "اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرّف حاله: ميت." وهو ما حدث بالفعل، حيث تلقّى عدة رصاصات وهو في طريقه إلى مكتب جريدة "القبس" الكويتية يوم 22 يوليو/تموز من عام 1987، ليدخل في غيبوبة استمرت نحو 27 يومًا، إلى أن أعلنت وفاته يوم 28 أغسطس/آب.
وعلى الرغم من غيابه، لم تتوقّف ريشته عن المقاومة، إذ أصبحت أعماله مرجعًا لفناني الكاريكاتير العرب، ودليلاً على أن السخرية أحيانًا أقوى من الرصاص.
ريشة مكبّلة
بالإضافة إلى ناجي العلي الذي دفع حياته ثمنا لرسوماته، سجل التاريخ العربي والمغاربي عددا من حالات الاعتقال والتضييق، فذاق فنانون كثر مرارة السجن بسبب جرأة مواقفهم ورسوماتهم، وهو ما يجعل الكاريكاتير مقياسا للحرية في الدول التي تعرف تراجعا فيها.
فلطبيعته المشاكسة للأنظمة، لا يكاد يخلو أي بلد عربي من حالات اعتقال فناني الكاريكاتير، وهو ما يدعو للتساؤل عن الأسباب التي تجعل هذا الفن مصدر إزعاج للأنظمة الحاكمة، ويدفعها للتخلص من بعض رموزه أحيانا، وقمعهم واعتقالهم أحيانا أخرى.
وفي هذا السياق، يحاول الفنان الأردني عماد حجاج، الذي عُرف منذ أواخر التسعينيات برسوماته التي تعبّر عن حال المواطن العربي، تشخيص علاقة المجتمعات والأنظمة السياسية بفن الكاريكاتير، هو الذي دفع ثمن جرأته واعتقل سابقا بتهمة "تعكير صفو العلاقات مع دولة شقيقة"، على إثر نشره لرسومات ساخرة.
وقال حجاج المعروف بشخصية "أبو محجوب" في تصريحه لـ"ميغازين"، إن "فن الكاريكاتير بطبيعته فن مشاكس يعبّر عن سخرية رجل الشارع".
ورغم أن هذا الفن ظهر متأخرًا في الساحة العربية مقارنة بباقي الفنون البصرية الأخرى إلا أنه "كان الأكثر تأثيرًا في الشارع العربي، والأكثر تفاعلًا وانتشارًا، بعد ظهوره في الصحافة".
ومن الأسباب التي يرى حجاج أنها وراء هذا التأثير العميق في الشارع العربي:
أولا: بساطته. فـ"فن الكاريكاتير بالنسبة للفنان الأردني سهل ممتنع، إذ يقدّم الرسام لوحة تختصر الواقع المعاش؛ ينتقده ويعيد تقديمه بشكل ساخر، وذلك بخطوط بسيطة ومركّزة ومختزِلة، وهو ما يدفع المتلقي للتفاعل معها وإعادة تقييم واقعه بناء عليها". وذلك دون حاجته لا إلى وعي سياسي ولا حتى إلى قدرة على القراءة، إذ تتفاعل معه كل طبقات المجتمع.
ثانيا: أنه ناطق بأحوال الشعوب، إذ يرى عماد "أن معظم نجوم هذا الفن في الوطن العربي ملتزمون وصادقون، ويعكسون نبض الشارع العربي، وينطقون بلسانه."
أما السبب الثالث فهو كون الكاريكاتير "فنًّا تواقا إلى الحرية" على حد وصفه، ولا يتوانى عن انتقاد أعلى القامات في المجتمع. "فجُرأة هذا الفن في انتقاد الزعماء ورسمِ وجوههم بطريقة ساخرة، يُغضب الأنظمة الدكتاتورية لأنها تُفقد هؤلاء الزعماء تلك الهيبة التي جاهدوا في سبيل رسمها في أذهان شعوبهم، وتهدم الصورة التي تحمل في طياتها الكمال والقدرة الخارقة".
هذا ما يفسر ازدهار هذا الفن في البلدان التي ينخفض فيها سقف حرية التعبير حسب ذات المتحدث، إذ يشبه "النكتة السياسية المهرّبة التي يتعاطاها الناس في أجواء القمع والدولة البوليسية."
الكاريكاتير في عصر التحولات الرقمية
وجد فنانوا الكاريكاتير متنفسا جديدا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال تجاوز الرقابة التقليدية على الصحف والمجلّات، والوصول مباشرة إلى الجمهور. فمن يطالع وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الموازي الجديد سيجد أن للكاريكاتير مساحة كبيرة، وذلك في صورةٍ يقول الفنان الأردني عماد حجاج أنها "تختلف كثيرًا عن صورته التقليدية، لكنها بذات الروح وذات الحس."
غير أن عماد يشير إلى سلبيات تحيط بهذا الحضور، أبرزها السطو على الأفكار "إذ لا توجد حماية فكرية لما ينتجه الفنانون، مما يشجّع رسامين على اقتناص أفكار غيرهم، وتقديمها لمتابعيهم دون الإشارة إلى أصحابها".
يضاف إلى ذلك ظاهرة تزوير لوحات الرسامين المعروفين، حيث يروج البعض بذلك لأفكار لم يقولوها أصلًا.
ومما انبثق عن وسائل التواصل الاجتماعي نجد فن "الميمز"، وهو نوع من الفنون البصرية يعتمد على صورةٍ مع نص ساخر لنقل فكرة أو تعليق اجتماعي أو سياسي بطريقة فكاهية وسهلة الانتشار.
وقد نشأ "الميمز" من ثقافة الإنترنت وأصبح جزءًا لا يتجزأ من التواصل اليومي بين الناس، خاصّة على وسائل التواصل الاجتماعي. حيث يتميز بقدرته على التفاعل السريع مع الأحداث. ويؤدي هذا الفن الجديد -حسب أبو محجوب- "نفس وظيفة الكاريكاتير. فالناس يتفاعلون معه كما يتفاعلون مع الكاريكاتير، إذ يقدّم سخرية هادفة وإن كان بدون رسّام."
هكذا فإن فن الكاريكاتير ليس مجرد "نكتة مرسومة"، بل يعد أداة تواصلٍ سياسي وشكلًا من أشكال التوثيق الشعبي ووسيلة للمقاومة وسلاحًا للحرب. ويمكن اعتباره سجلًا بصريًا لحالة المجتمع، إذ يظهر المزاج العام للشعوب ويُعبر عن أحوالها، ويُوقظ أسئلتها الصعبة.











