في كانون الثاني/يناير من العام الحالي، عرضت شبكة "آبل تي في بلس" (Apple TV+) الحلقة الأولى من الجزء الثالث من مسلسل "طهران" (Tehran)، وهو مسلسل جاسوسية إسرائيلي من كتابة موشيه زوندار وعوميري شينهار، بدأ عرضه للمرة الأولى عام 2020 على القناة الحادية عشر الإسرائيلية (Kan 11)، وفي العام نفسه قررت "Apple TV" أن تشتري حقوق المسلسل وتقوم بتوزيعه عالميًا. حصد المسلسل بعد عرض الجزء الأول إعجاب المشاهدين سواء في إسرائيل أو عالميًا، وقد تم ترشيح المسلسل لجوائز إيمي 49 (49th International Emmy Awards) لعام 2021، وحصد حينها المسلسل جائزة أفضل مسلسل درامي، وهي سابقة تحدث لأول مرة في تاريخ الإنتاج الدرامي الإسرائيلي.
يتتبع المُسلسل قصة العميلة تمار رابنيان (نيف سلطان)، وهي عميلة للموساد الإسرائيلي، وُلدت في إيران لعائلة يهودية، ثم استطاعت مع جزء من أهلها الهرب إلى إسرائيل، بعد سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي عام 1979، وإيذائهم من قبل الحرس الثوري الإيراني، لكنها تعود مُتخفية إلى طهران في الحلقة الأولى، وتستطيع التسلل إلى الداخل الإيراني على هيئة مُضيفة طيران.
نكتشف تدريجيًا المهمة الأساسية للعميلة تمار، فبينما يستعد سلاح الجو الإسرائيلي لقصف أحد أكبر المفاعلات النووية في إيران، كانت هناك حاجة لتعطيل منصات الدفاع الصاروخي في العاصمة، وهنا تأتي مُهمة تمار، فهي تتخفى على هيئة موظفة في شركة كهرباء طهران، ويقع على عاتقها تعطيل الشبكة تمامًا قبل وصول الطائرات الإسرائيلية إلى هدفها وقصفها المفاعل النووي.
لكن مهمة تمار تبوء بالفشل، وتقوم قوات الجيش الإيراني بإطلاق الصواريخ تجاه الطائرات الإسرائيلية المعادية، ما يُسفر عن سقوط طائرة واسر قائدها، وفشل قصف المفاعل الإيراني. تتعثر خطوات تمار في محاولتها للهروب من طهران بعد فشل العملية، ويتتبعها فراز كمالي (شاون توب)، وهو ضابط كبير في المخابرات الإيرانية. وفي الجزء الثاني، تحاول تمار تحرير الطيار الإسرائيلي، وتغتال قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم محمدي، المسؤول الأول عن فشل عمليتها.
يدور الجزء الأخير الذي عرض خلال العام الجاري، حول تخريب الموساد للمشروع النووي ومنع إيران من امتلاك قنبلة نووية. وهنا يظهر دور العالم إيرك بيترسون (هيو لوري)، الذي يصل إلى إيران بوصفه مُفتشًا من وكالة الطاقة الذرية، ثم نكتشف تدريجيًا أنه يعمل لصالح الحرس الثوري، ويساعده على تركيب النظام البرمجي لتجربة الرأس النووية.
يمتلك المسلسل قصة جاسوسية تقليدية على السطح الخارجي، لكنه في العُمق منه يخبرنا بالفلسفة التي يعمل بها مكتب الموساد الإسرائيلي في إيران، ويخبرنا عن رؤيته للكيفية التي يمُكن بها إسقاط النظام، وعليها تشكلت الاستراتيجية الإسرائيلية–الأميركية للحرب الإيرانية الحالية. ما هي هذه الرؤية؟ ومن صاحبها؟ وهل هي خاطئة رغم نجاحات الموساد الهائلة في الداخل الإيراني؟
محررين لا غُزاة
يختلف مسلسل "طهران" عن دراما الجاسوسية التقليدية، فالعميلة تمار ليست النسخة النسائية من جيمس بوند أو جيسون بورون، أي إنها لا تمتلك أي قدراتٍ قتالية خارقة، أو خبراتٍ كبيرة في الموقع، وإنما عكس ذلك تمامًا. فبطلة العمل هنا، هي متخصصة في الاختراق الإلكتروني ولديها بعض المهارات القتالية البدائية، لكن ما نبدأ في ملاحظته هو أنها تمتلك موقفًا متقلبًا من الموساد، وفي أحيانٍ كثيرة متمردة على أوامرهم، لصالح من تتعاطف معهم من الإيرانيين ولا تتقبل اعتبارهم مجرد خسائر جانبية.
يُحاول المسلسل أن يقدم صورة إنسانية لطرفي الصراع، فبينما تمتلك تمار مواقف مُتقلبة ومتعاطفة مع الإيرانيين، يمتلك خصومها مواقفًا إنسانية أيضًا. هم ليسوا مجرد وحوش تقتل بدم بارد، كما اعتادت إسرائيل أن تتحدث عن الجيش والحرس الثوري الإيراني. على سبيل المثال، نقابل العلاقة القوية بين الضابط الإيراني فراز كمالي وزوجته، التي دائمًا ما يطلب ضباط الموساد من تمار أن تستغلها ضد كمالي، لكنها لا تفعل مرة بعد مرة، بل تحاول في مواقف كثيرة أن تحميها عند تعرضها للخطر من عملاء الموساد الآخرين، وحتى تساعدها على الهروب من إيران تمامًا.
تُقابل تمار خلال مهمتها في طهران عددًا كبيرًا من المنشقين والثائرين على النظام الإيراني، وهم في الغالب ينقسمون إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى هم من يُريدون الانتقام من النظام بأي طريقة ممكنة حتى لو عن طريق العمل مع الموساد، وهؤلاء العملاء هم الأدوات الرئيسية لاختراق إيران، يقول أحد المنشقين لتمار: "أنا لا أعمل معكم لأني أحبكم، ولا لأني في حاجة لأموالكم، أنا أفعل هذا كي يسقط هذا النظام ولو على أيديكم". يعتمد الموساد بشكل أساسي على تجنيد المنشقين ممن لهم ضغائن ضد النظام الإيراني، وخلال المسلسل تظهر العديد من الشخصيات المحركة للأحداث، ودافعهم الأول هو الانتقام لأقرباء أعدمهم الحرس الثوري الإيراني لسببٍ أو لآخر.
المجموعة الثانية: الشباب الجامعي المتمرد، وهم المحرك الأساسي للتظاهرات والحركات الاحتجاجية، الذين قدموا لها الحماية خلال محاولة تنفيذ مهمتها في طهران في الجزء الأول؛ حتى أنها تبني علاقة عاطفية مع أحد الشباب، ما يجعلهم هدفًا مباشرًا للحرس الثوري فيما بعد، فتُنصب لهم المشانق.
المجموعة الثالثة: النساء في طهران، وهم الفئة الأكثر اضطهادًا وقهرًا، سواء كنّ زوجات سابقات أو فتيات هربن من أهاليهن. وفي الجزء الثالث، تنتهي محاولات هروب تمار إلى ملجأ للنساء اللاتي ظلمنهن النظام والمجتمع، وحتى تضحي تمار بنفسها وتتعرض للخطر في محاولة منها للحصول على دواء لأحد المريضات.
يقبع تحت سطح قصة الجاسوسية لمسلسل "طهران"، صورة إسرائيلية خالصة عن المجتمع الإيراني، بوصفه المجتمع الذي يحتاج لمن يُحرره، فعلى امتداد حلقات وأجزاء المُسلسل تُقابل تمار أغلبية من المتعاطفين معها والمعارضين للنظام الإيراني، في مقابل إجرام وفساد الحرس الثوري الإيراني وشخصيات النظام التي تكتنز الثروات، وتتمتع بالسلطة والثروة وحدها، لذلك تظهر العميلة تمار بمظهر "العدو الأخلاقي" الذي يتعاطف مع الشعب الإيراني من منطلق تحريره لا غزوه.
وهذا ما يؤكده داني سيترينوفيتش، كبير الباحثين في معهد "آبا إيبان" للدبلوماسية الدولية في إسرائيل، فيعتبر داني أن القدرات العملياتية والتكتيكية الاستثنائية للإسرائيليين والأميركيين ضد إيران، دائمًا ما تفشل على المستوى الاستراتيجي، وذلك لأن الصورة التي تتحكم في العقل الإسرائيلي تنم عن فِهم سطحي للمجتمعات والأنظمة السياسية، فالجمهورية الإسلامية ليست مجرد نظام مفروض على شعب غير راغب ومنفصل عن الواقع، لكنها دولة مُتجذّرة في هوية وطنية عريقة، صمدت أمام التحديات والثورات والغزوات وأعادت تشكيل نفسها مرة بعد مرة.
لذلك فجميع المحاولات لاستغلال الانقسامات العرقية، أو تحقيق اختراقات استخباراتية، وتأجيج التظاهرات والاضطرابات الاجتماعية، لن تؤدي كلها لتفتيت الدولة الإيرانية، وعلى الأغلب ستُقابل برفض من الأقليات، وتضامن فئات واسعة من الشعب الإيراني من مؤيدين ومعارضين، لأن الحفاظ على الدولة أهم من الحفاظ على أي زعيم.
ويعتبر داني سيترينوفيتش أن "الفشل لم يكن مجرد جمع معلومات استخباراتية أو تخطيط عسكري، بل كان فشلًا أعمق في المفاهيم، فالفشل الاستراتيجي نادرًا ما يبدأ في ساحة المعركة، بل غالبًا ما يبدأ بافتراضات خاطئة حول طبيعة الخصم نفسه". لكن من كان صاحب هذا التصوّر السطحي عن إيران والذي روج له مسلسل "طهران"؟
افتحوا الأبواب للإيرانيين.. يسقط النظام
تولى ديفيد برنياع رئاسة الموساد الإسرائيلي في منتصف العام 2021، ليقوم مباشرة بإعادة هيكلة عدد كبير من الأقسام والتخصصات، ويُركز بالأساس على تكنولوجيا الذكاء الصناعي لتُصبح العنصر الثوري والأهم في جميع عمليات الجهاز المهمة. كان لدى برنياع تصوّر يعتمد على عاملين أساسيين، التكنولوجيا المتطورة والتفوق العملياتي داخل إيران، وعن طريق هذين العاملين فقط، يمكنه أن يُقود الصراع الإسرائيلي–الإيراني إلى مسارات جديدة لم يكن يُفكر بها من سبقوه.
بدأ الموساد خلال السنوات الأولى من إدارة برنياع، بتجنيد وتدريب المئات من العملاء وإرسالهم إلى الداخل الإيراني، ثم التنسيق بينهم لتنفيذ العشرات من العمليات بشكلٍ متزامن ومُتكامل، فالمهمات يمكنها أن تجمع بين عملاء ذوي خبرات عسكرية سابقة أو خبرات سيبرانية فقط، كما في حالة العميلة تمار في مسلسل "طهران"، أو عملاء متخصصين في تصنيع الأسلحة وغيره.
كما توسّع في تجنيد المنشقين في الداخل الإيراني، سواء عن طريق تحليل دوافعهم الخاصة أو شراء ولائهم بالمال، والحصول عن طريقهم على معلومات خاصة سواء بالمواقع العسكرية، أو نقاط القيادة والسيطرة داخل الحرس الثوري الإيراني، وأحيانًا طالب المنشقين بإرسال هذه المعلومات عن طريق رسائل منصة "إكس" (تويتر سابقًا).
أما تقنيات المراقبة وجمع المعلومات، فقد وصلت لمراحل متقدمة جدًا مع برنياع، فخلال الثلاث سنوات الأولى من وجوده على رأس الموساد، استطاع الجهاز أن يجمع كميات مهولة من البيانات، سواء للشخصيات القيادية في النظام أو للمواقع العسكرية، والتنسيق بين تكنولوجيا الاختراق والعملاء على الأرض للحصول على مراقبة نشطة للأهداف، بطريقة لم يقم بها الجهاز من قبل، ومُعالجة كل هذه البيانات بأدوات الذكاء الصناعي الأكثر تقدمًا.
بدأت الجولة الأولى من الحرب في حزيران/يونيو 2025، عندما استهدف عملاء الموساد مجموعة من الرادارات وصواريخ الدفاع الجوي، كما حاولت تمار في الجزء الأول من المسلسل، ثم استطاع سلاح الجو الإسرائيلي أن يقوم بضربته الافتتاحية دون أي تهديد يُذكر، ووصلت فعالية الموساد إلى حد شل قُدرات النظام الإيراني التحذيرية وتأخره في رد الضربة إلى اليوم التالي من حرب الـ12 يومًا.
توقّع برنياع الرأي المُضلل ذاته، أن النظام الإيراني مرفوض من الجميع، ويمكن إسقاطه وتحقيق الأهداف الإسرائيلية إذا تم تحريك المنشقين واستهداف القيادات، وهو ما تم إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب به، في كانون الثاني/يناير من العام الجاري، عندما زار برنياع وبنيامين نتنياهو واشنطن، وعرضا خطة الحرب وإسقاط النظام، وهي الخطة التي لم يقتنع بها فريق ترامب واعتبروا أنها مبالغ بها جدًا وغير واقعية، قبل أن يُقرر ترامب أنه سيمضي في تنفيذها على أي حال.
يتطابق مسلسل "طهران" مع رؤية برنياع السطحية نفسها، وتتشابه أحداث المسلسل مع واقع الصراع الإسرائيلي–الإيراني خلال الأعوام السابقة إلى حد بعيد، وصل إلى اعتبار دانا إيدن، المنتجة المشاركة في إنتاج المسلسل، أنه "خلال العامين الماضيين، كنا نعيش تداخلًا بين الواقع والمسلسل، وظللنا نسأل أنفسنا هل تستبق الأحداث المسلسل؟ أم يسبق المسلسل؟".