عاشت مرجان ساترابي (1969–2026) حياتها وهي تودع أجزاء من ذاتها؛ ودّعت طهران الطفولة، وودعت الاستقرار في فيينا، وودعت أحلام العودة إلى الوطن. كتبت يومًا في كتابها "برسيبوليس": "لا شيء أسوأ من الوداع. إنه يشبه الموت قليلًا". لم تكن تلك الكلمات مجرد تأمل عابر في وداع الأصدقاء أو مغادرة الوطن، بل بدت أشبه بنبوءة لمصيرها القادم. لكن "الوداع الأخير" لحب حياتها ماتياس ريبا كان الوداع الذي لم يكن بمقدورها احتماله؛ وكأن كل الحروب التي خاضتها على الورق وفي السينما لم تكن سوى تدريب قاس للحظة التي سيتوقف فيها قلبها هي الأخرى، حزنًا على غياب رفيق روحها.
النشأة في زمن التحولات
ولدت مرجان ساترابي في الثاني والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 1969 في مدينة رشت، شمالي إيران. نشأت في طهران في عائلة منفتحة ومثقفة. كان والداها يساريَي الميول، شاركا في المظاهرات ضد الشاه، وآمنا بأن الثورة ستجلب حرية لم تعرفها إيران من قبل. حين انتصرت الثورة عام 1979، اكتشفت الطفلة ذات العشر سنوات أنه في يوم واحد تبدلت الحياة تمامًا، ولكن للأسوأ.
ما شهدته في السنوات التالية كان أثقل من أن ينسى؛ عمّها أنوش، الذي أحبته كثيرًا، أعدم بسبب مواقفه السياسية. في عام 1983، أرسلها والداها إلى النمسا وهي في الرابعة عشرة، وهناك بدأت تجربتها الأولى مع المنفى. مراهقة في فيينا، لا تتقن الألمانية، تحمل معها ثقل ما تركته وراءها. عادت بعد سنوات، وتخرّجت من مدرسة الفنون في طهران. لكن إيران لم تعد تتسع لها، فاستقرت في باريس نهائيًا عام 1994.
بالنسبة لساترابي، لم تكن باريس محطة أخيرة بقدر ما كانت قرار. غادرت ساترابي إيران مرتين، مرة إلى فيينا وهي مراهقة، ومرة إلى باريس وهي في العشرينيات. لكن المغادرة الثانية كانت مختلفة. لم تكن هربًا بل اختيارًا؛ أن تعيش في مكان يتسّع لها كما هي دون قيود. في باريس رسمت ونشرت وأخرجت وتكلمت بصوت عالٍ. لكنها لم تتخلَ عن إيران يومًا، لا في أعمالها ولا في مواقفها. ظلّت تحمل البلدين معًا.
"برسيبوليس": طفولة بالأبيض والأسود
صدر "برسيبوليس")2000–2003) في عدة مجلدات باللغة الفرنسية، قبل أن يترجم لاحقًا إلى لغات عديدة ويجلب لها الشهرة. كان رهانًا غير مضمون النتائج؛ رواية مصوّرة بالأبيض والأسود تحكي قصة طفلة إيرانية لجمهور غربي لا يعرف شيئًا عن طهران. نجح الرهان بما لم تتوقعه ساترابي نفسها.
الكتاب يبدأ من عام 1979، حين كانت ساترابي في العاشرة من عمرها. تروي كيف انتظرت عائلتها الثورة على أمل التخلص من الديكتاتورية، ثم رأتها تتحول إلى شيء آخر. التشدد الديني، اختفاء الأصدقاء في السجون، والتضييق على الحريات. كل ذلك نراه من خلال عيني طفلة تفهم أكثر مما يظن الكبار. تحكي عن عمها الذي أُعدم وعن جدتها التي علّمتها أن لا تغير قناعاتها مهما حدث. كذلك يصور الكتاب الحياة في ظل الحرب مع العراق، والقصف، والموت الذي صار جزءًا من اليوم العادي.
ثم يتتبع الكتاب مرجان في فيينا وحيدة، مراهقة تعيش الاغتراب في أقسى صوره. لا تنتمي إلى أي مكان؛ لا إلى إيران التي تركتها، ولا إلى أوروبا التي لا تفهمها. تجرّب، تسقط، تعود إلى طهران. ثم تغادر مرة أخيرة، هذه المرة نهائيًا. تروي ساترابي هذا التغيير الجذري بتخلٍّ صريح عن الألوان، مكتفية بالأبيض والأسود.
التطريزات: ما تقوله النساء حين يغلقن الباب
بعد "برسيبوليس"، صدر لساترابي كتاب "تطريزات" (2003). كتاب أصغر حجمًا وأكثر جرأة بأسلوب مختلف. المشهد كله في غرفة واحدة؛ طهران، بعد الظهر، طقس الشاي، وجمع من النساء: الجدة، الأم، العمة، الجارات والصديقات. وبشكل أساسي ما تسميه ساترابي في الكتاب متنفسًا للروح؛ النميمة.
يتحدثن عن الرجال والجسد والزواج والطلاق والعذرية والجراحة التجميلية والخيانة. كل واحدة منهن تحمل قصة مختلفة؛ امرأة تزوجت رجلًا لم تره قبل ليلة الزفاف، وأخرى احتالت على الأعراف الاجتماعية بذكاء، وثالثة تروي ما فعلته حين اكتشفت خيانة زوجها. الحكايات متشابكة ومتقاطعة، والأسلوب المشوق لا يخفي الألم، بل يجعله أكثر صدقًا وواقعية.
ساترابي لا تشرح ولا تدين، بل تكتفي بأن تروي الحكايات كما هي: مضحكة وحقيقية وحزينة ومتمردة في آنٍ واحد. الكتاب أقل شهرة من "برسيبوليس"، لكنه ربما الأصدق في كشف ما كانت تهتم به ساترابي؛ النساء في اللحظات التي لا يراهن أحد، والفجوة بين ما يقال في العلن وما يعاش في السر.
أفلام تسأل عن المعنى
يُعد فيلم "برسيبوليس" (2007) بداية مسيرة ساترابي السينمائية. يتناول الفيلم رحلة البحث عن الهوية وسط تلاطم الأمواج السياسية والتاريخية، متجاوزًا كونه سيرة ذاتية إلى تأمل في معنى أن تكون "غريبًا" في وطنك، و"غريبًا" في بلاد المهجر. يتميز الفيلم بتوظيفه الذكي للتباين بين الأبيض والأسود ليحكي قصة النضوج الفردي الذي يتقاطع مع المصير الجماعي لشعب كامل.
أما في " دجاج بالبرقوق" (2011)، الذي أخرجته بالمشاركة مع الفرنسي فنسان بارونو، فتبتعد ساترابي عن توثيق الواقع لتدخل في عوالم خيالية ساحرة. الفيلم هو احتفاء بالشغف وقدرة الفن على جعل الحياة محتملة. تدور القصة حول عازف كمان شهير يجد نفسه في مفترق طرق وجودي، فيقرر الانزواء في عزلة موحشة، متمنيًا أن يأتيه الموت قريبًا. ليقضي أيامه الأخيرة في استعادة مراحل حياته من الطفولة إلى المراهقة، وعلاقته بأمه والموسيقى، واكتشافه للحب، وزواجه. هنا تروي ساترابي قصة عن الحب، الندم، والأشياء التي نشعر بها في أعماقنا ولا نجد كلمات لوصفها.
أما فيلمها الثالث " الأصوات" (2014) فيمثل تحولًا في تجربة ساترابي، حيث تخرج من عباءة القصص الإيرانية لتغوص في أعماق النفس البشرية من منظور الكوميديا السوداء. تدور الحكاية حول شاب يحاول التكيف مع واقعه، ويتحدث مع حيواناته.
وفي "مشعّة" (2020)، تناولت السيرة الذاتية لعالمة الفيزياء ماري كوري، المرأة التي تحدّت الأحكام المسبقة المتحيزة جنسيًا في الأوساط العلمية. ركزت فيها ساترابي على لحظات مختلفة من حياتها، وهي تشق طريقها الخاص في زمنٍ كان فيه العلم حكرًا على الرجال؛ يتعمّق الفيلم في حياتها الشخصية المأساوية، والعقبات التي واجهتها، والاستخدام المدمر لاكتشافاتها. أما فيلمها الأخير "باراديس باريس" (2024)، فهو عبارة عن كوميديا سوداء، تتناول الموت، والبحث عن معنى الحياة.
السياسة كممارسة يومية
لم تكن السياسة عند ساترابي حقلًا منفصلًا عن الفن؛ منذ "برسيبوليس"، كان واضحًا أن فنها إعلان صريح عن معتقداتها. الكتاب نفسه كان فعلًا سياسيًا في زمن كان فيه الحديث عن إيران حكرًا على المحللين والصحفيين، لا على امرأة ترسم طفولتها بخطوط بيضاء وسوداء. حين اندلعت احتجاجات عام 2009 بعد الانتخابات الإيرانية، لم تكتفِ بالتصريح. وقفت أمام البرلمان الأوروبي في بروكسل وقدّمت وثيقة تؤكد تزوير النتائج.
وفي كانون الثاني/يناير 2025، جاء الموقف الأوضح. رفضت وسام جوقة الشرف الفرنسي، أرفع تكريم تمنحه الدولة الفرنسية، احتجاجًا على ما أسمته الموقف الفرنسي المنافق من إيران. وكتبت على منصة "إنستغرام": "لا أستطيع أن أرى أثرياء النظام الإيراني يقضون عطلهم في فرنسا بينما يعاني الشباب المعارض للحصول على تأشيرة سياحية".
المرأة.. الحياة.. الحرية
في الثالث عشر من أيلول/سبتمبر 2022، اعتُقلت الشابة الإيرانية مهسا أميني، بعد أن أوقفتها "شرطة الأخلاق" في العاصمة طهران بحجة عدم التزامها بقواعد ارتداء الحجاب؛ تعرّضت للضرب وتوفيت بعد أيام، لتعمّ الاحتجاجات البلاد بأكملها تحت شعار "المرأة.. الحياة.. الحرية".
أصدرت ساترابي عام 2023 كتابًا يحمل الاسم نفسه، ساهم فيه مجموعة من الأكاديميين والناشطين والفنانين والصحفيين، توثّق الثورة الإيرانية الراهنة عبر الرواية المصوّرة القادرة على نقل ما يمنع تصويره بالكاميرا أو الفيديو داخل إيران. ترى ساترابي أن حركة "المرأة.. الحياة.. الحرية" تُعد امتدادًا ضروريًا وشجاعًا لنضال بدأ مطلع القرن العشرين، حين بدأت النساء يتصدّرن تدريجيًا مواجهة بنية تمييزية راسخة ضدهن.
كما أن الهدف الأوسع للكتاب هو فك تعقيدات ما يحدث في إيران لجمهور عالمي، مع إدراكها أن لا عمل واحد يمكن أن يحيط بالقصة كاملة. أرادت أيضًا أن تكون هذه القصص تذكيرًا للإيرانيين أنفسهم بأنهم ليسوا وحدهم في معاناتهم.
رغم الإحساس العميق باليأس الذي يحمله الكتاب من صفحة لأخرى، فإنه ترك مساحة للأمل أيضًا، مستندًا إلى فكرة أن أفعالًا صغيرة تبدو بسيطة مثل خلع الحجاب في الشارع، أو مجرد الإصرار على الظهور علنًا تتراكم لتصنع تغييرًا أكبر مع الوقت. كررت ساترابي في أكثر من مناسبة أن هدفها عبر أعمالها كان دائمًا تقديم الإيرانيين بكل تجلياتهم الإنسانية، لا كأرقام أوضحايا أو عناوين أخبار عابرة.
فالنساء كنّ وحدهن من خرجن في أول احتجاجات ضد الحجاب الإلزامي عام 1979، فور وصول قادة الثورة إلى السلطة، قبل أن يتحول الحجاب لاحقًا إلى قانون لا رجعة عنه يفرض على كل امرأة في البلاد. الاحتجاجات الأولى تلك بقيت بلا تأثير حقيقي، لكنها كانت البداية لخط طويل من المقاومة النسائية الإيرانية، تواصل دون أن يلحظه العالم كثيرًا.
يوثّق الكتاب ما تعتبره ساترابي أول ثورة نسوية حقيقية في التاريخ بوصفها استمرارًا لصراع بدأ منذ اللحظة الأولى لفرض الحجاب، واستغرق أكثر من أربعة عقود ليصل إلى هذه اللحظة من المواجهة المفتوحة في الشارع.
صدر الكتاب بأكثر من عشر لغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية، كما أن النسخة الفارسية من الكتاب متاحة مجانًا على الإنترنت لتصل إلى القراء داخل إيران، بينما خُصصت عائدات النسخ الأخرى لدعم حركات الاحتجاج ونضالات النساء، بالإضافة إلى تمويل مشاريع وحملات تدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية في إيران.
الرجل الذي أحبّته
في باريس، في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، التقت مرجان ساترابي بماتياس ريبا، الكاتب والمنتج السويدي الذي يشاركها الانشغالات ذاتها، السينما والسرد والمدينة التي تتسّع للغرباء. جمعتهما قصة حب امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا. لم يكن زواجًا بالمعنى التقليدي، بل شراكة بالمعنى الكامل. كان حاضرًا في خلفية حياتها المهنية كما كان حاضرًا في حياتها الشخصية؛ شخص يعرفها قبل الجوائز وبعدها.
في الثامن من نيسان/أبريل 2025، فارق ريبا الحياة عن ثلاثة وخمسين عامًا. في الأسابيع التالية، تحوّل حسابها على "إنستغرام" إلى حداد علني غير معتاد؛ منشورات متتالية، كل منشور كلمة واحدة، حتى اكتملت الجملة: "لقد فقدتُ حبّ حياتي". الحزن كان جليًا كما كان فنها دائمًا.
أسّست بعدها مؤسسة سينمائية تحمل اسميهما لدعم طلاب السينما الأجانب في باريس، المدينة التي اختاراها معًا وصنعا فيها حياتهما. كان الفعل يشبهها؛ الحزن يتحول إلى مشروع فني. لكن من عرفوها قالوا إنها لم تتعافَ هذه المرة. توفيت في الرابع من حزيران/يونيو 2026، بعد رحيل رفيق روحها بنحو أربعة عشر شهرًا.