انطلاقًا من فكرة العدو الآمن، أو ذلك التهديد الذي لا نتوقّع منه أن يؤذينا، ستنسُجُ الكاتبة الأميركية نانسي برايس رواية "النوم مع العدو" 1978، وتتحوّل لاحقًا إلى فيلم سينمائي (1991) للمخرج جوزيف روبن، بطولة النجمة جوليا روبرتس، وباتريك بيرجين، وكيفن أندرسون، حيث تقودنا فصول الرواية إلى أنّ هذه العدو سيكون مصدر الشر والأذية والقهر وتدمير الشخصية.
ببساطة، تحذّر الرواية من العدو غير المتوقّع والمؤذي، وفي الوقت نفسه، تطرح كيفية التسلّح بآليات المُقاومة كي يتمكّن الإنسانُ من الدفاع عن نفسه في اللحظة المناسبة. إذ أنّ فكرة الرواية استُلهمت في كثيرٍ من الأعمال الدرامية والسينمائية وكذلك الروائيّة، وهو ما كان بمثابة جرس إنذار لأخذ الاحتياطات والتدابير اللازمة من العدو غير المتوقع، أو العدو الآمن.
النوم مع العدو
من زاوية أخرى يُمكن القول إن الروايةَ بشكلٍ غير مباشر أسهمتْ في تسليطِ الضوءِ على قضايا مهمة، ولفتتْ الانتباه إلى رقش المسكوت عنه في العلاقات الاجتماعية والأسرية، وضرورة التنبيه على أخذ الحذر من العلاقات التوكسيك، ومشاكل تربية الأطفال، وعلاقاتهم مع الآخرين، لأنّ مصدر هذه العلاقة ونوعها هو ما يُحدّد نوع العلاقة هل هي سوية أو غير سوية؟ ومع تطور التكنولوجيا في الفترة الأخيرة أصيبت العلاقة بين أفراد الأسرة بشرخٍ كبيرٍ، وأقلّ وصف لها، أنها متأزمة، فثمة بديل آخر يُمارس دور الأسرة في النصح والإرشاد والتقويم، وكذلك ثمة ألعاب خطرةٌ لا يعرف الكبار مدى تأثيرها على الأطفال بسبب انشغالهم بتوفير متطلّبات واحتياجات الأسرة المادية. غياب العائلة صحبه دخول بدائل تتقرب وتتودّد إلى الأطفال وهو ما نتج عنه نتائج خطيرة، سواء بالتحرش أو الإدمان وغيرها.
صارت المنطقة الآمنة في العلاقات الاجتماعيّة، هي التي تهدّد السلام النفسي، وربما تتحوّل إلى منطقة أكثر خطرًا وتهديدًا للشخصية بما تسببّه من اضطراب وفقدان للثقة وانسحاقٍ كلّي للمعتدي، خاصّة في ظلّ تطبيقات البوح والفضفضة، التي صارت مساحات آمنة (كما يتوهّم البعض) للحديث دون التعرّف على هويّة المفضفض، وظهرت على السطح نتائج العلاقات الخطرة التي سببت أزمات نفسية كبيرة، انتهت في بعض حالاتها إلى الانتحار.
مناسبة الكلام السابق هو بدءُ عرض حلقات مسلسل "لام شمسيّة" في النصف الثاني من شهر رمضان، المسلسل من كتابة "ورشة سرد" بإشراف الكاتبة مريم نعوم، التي كتبت مسلسلات حملت قضايا مهمة كمسلسل "تحت السيطرة" الذي عالج مشاكل الإدمان، و"سجن النساء"، و"ذات" عن رواية الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم، ومسلسل "ليه لأ" (ثلاثة مواسم) الذي تعرض لمشاكل النساء كاستقلال المرأة عن عائلتها، وتبني الأطفال، ثم الطلاق وإمكانية الزواج من جديد.
أمّا الإخراج فهو للمخرج كريم الشناوي صاحب مسلسلات الهرشة السابعة وخلي بالك من زيزي، وغيرها من أعمال سلطت الضوء على أزمات حقيقية في العلاقات الاجتماعية كفرط الحركة، ومشاكل الزواج في السنة السابعة.
المسلسل الجديد من بطولة أحمد السعدني (في دور طارق)، ومحمد شاهين (في دور وسام الأستاذ الجامعي)، وأمينة خليل (في دور نيللي الزوجة الثانية)، ويسرا اللوزي (في دور رباب زوجة الدكتور وسام، وهي أكثر الشخصيات التي ينطبق عليها أنها تنام مع العدو)، والطفل علي البيلي (في دور يوسف الضحية) الذي جذب الجمهور بتقمّصه للدور، وانفعالاته المختلفة التي كشفت عن صعوبة الدور الذي يقوم به، ومخاطره النفسية التي يمكن أن يتعرض لها في محيطه فيما بعد بسبب هذا الدور، وهو ما تطلب من المخرج إحضار معالج نفسي أثناء التصوير.
بهذه الفكرة يطرقُ المسلسل موضوعًا مسكوتًا عنه في الثقافة المصرية، يتوارى خلف نسق العادات والتقاليد والخوف من مواجهة المجتمع، وإذا تردّد فإنه يتردد في الغرف المغلقة، على الرغم من أنه يسبب هاجسًا كبيرًا للكثير من الأسر المصرية، بسبب التأثيرات المرعبة التي يحدثها على الأطفال، وما ينتج عنه من خللٍ في التكوين النفسي واضطراب في الشخصية.
المسلسل على خلاف مسلسلات رمضان التي تنسج من قماشة واحدة، وتعيد إنتاجها بأشكال مختلفة وبممثلين مختلفين، ويسود عليها العنف والبلطجة، غردّ لوحده كعصفور "طل من الشباك" كما جاء في الأغنية التي ردّدتها البطلة مع الطفل يوسف للمطربة داليدا، ناقش قضية مهمّة من القضايا الجوهرية التي صارت تطفو على السطح وإن كان على استحياء، ومع الأسف يتمّ التعامل معها بحذرٍ شديدٍ، نظرًا لحساسيتها.
قصّة المسلسل تتطرّق لموضوع التحرّش الجنسي بالأطفال من الدائرة الضيّقة للأسرة؛ دائرة الأقارب والأصدقاء، وهي القضية الشائكة التي هي أشبه باللام الشمسيّة التي عنونه بها صُناع المسلسل، فهي موجودة لكنه يتم التعتيم عليها، مثل الذنب والسرّ على نحو ما ذكر في النشيد الذي ردّده الطفل يوسف في المسلسل، فيقتحم بإثارتها بكل جرأة المسكوت عنه في قضيّة التحرش الجنسي للأطفال، وهي القضية التي شغلت الرأي العام المصري في الفترة الأخيرة، خاصّة بعد البلاغات التي بدأت تتوجه إلى المركز القومي للطفولة والأمومة، وهو ما أخذته الدولة على محمل الجد، بتغليظ العقوبة على الجناة.
بداية، يُعرّف الاعتداء الجنسي على الأطفال "البيدوفيليا" الذي هو "اتصال قسري أو حيلي"، وفقًا للتعريفات العلمية، بأنّه أحد "أشكال سُوء المعاملة الممارَسة ضدهم، وهو استخدام لإشباع الرغبات الجنسيّة لبالغ أو لمراهق، وذلك بتعريض الطفل لنشاط جنسي، بحيث يتضمن غالبًا التحرش الجنسي بالطفل من قبيل ملامسته، أو حمله على ملامسة المتحرش جنسيًّا"، الغرض الأساسي من الفعل هو تحقيق اللذة لدى المتحرش جنسيًّا على حساب آخر. علماء النفس صنّفوا هذا النوع من الاعتداء بأنه أحد أصناف الاضطرابات النفسيّة الجنسيّة التي يشار إليها بلفظ آخر هو (البرافيليا - Paraphilie)، هذه الاضطرابات متمثلّة في تخيلات أو انجذاب أو أي تصرُّف جنسي مخالف للطبيعة مثل الانجذاب الجنسي نحو الحيوانات والجمادات والأطفال".
أما البيدوفيل أو الشخص المعتدي جنسيًّا فيعرف بأنه "انجذاب جنسي من طرف راشد نحو طفل (الأطفال) دون سن الرشد"، الشخص البيدوفيلي على الرغم من أنه شاذ جنسيًّا وفقًا لتعريفات الأطباء النفسيين، إلا أن شكلهُ يبدو طبيعيًّا، ولا يظهر على شكله أي من الصفات التي تجنب الآخرين البعد عنه، بل على العكس تمامًا فيتمتع بالكثير من الصفات الإيجابية مثل إظهار الاهتمام، والإقناع، والقدرة على التأثير، والتعاطف مع الآخرين، والتواصل، وهي صفات تجعل الطرف الثاني فريسة سهلة خاصة الأطفال المفتقدين للاحتواء، وعدم الشعور بالأمان بسبب التفكك الأسري، ومن هذه الزاوية يكون الشخص المعتدي جنسيًّا يتصل بالمعتدي عليه بطريقة مباشرة، ونادرًا ما يكون الشخص غريبًا عنه.
مظاهر هذا السلوك متعدّدة، قد تتمثّل في الاكتفاء بالنظر بشهوة، أو ملامسة، أو التعرية، أو أشكال أخرى من الاتصال الجنسي بالضحية"، ونتيجة لهذه السلوكيات الشاذة والغريبة صنفت البيدوفيليا على أنها اضطراب عقلي وذلك في التصنيف الدولي للأمراض CİM.
الغريب في الأمر كما يقرّر الأطباء أنه لا توجد آثار فيزيولوجية على المعتدى عليه، إلا إذا تمّ عرض المعتدي عليه جنسيًّا على طبيب، لكن يُصاحب هذا الفعل تغيرات سيكولوجية على شخصية المعتدى عليه، منها الميل إلى العنف، والانزواء، والرغبة في الانعزال والعيش وحيدًا بعيدًا عن الأسرة والأصدقاء، الضرر الحقيقي الذي يتعرض له المعتدى عليه، أنه يتحول فيما بعد إلى المثلية الجنسية ويتحرش بالآخرين كنوع من الانتقام.
ظاهرة حاتم رشيد
ظاهرة التحرش بالأطفال سبق وأن تمّ تناولها في أعمال سينمائية ودرامية من قبل، ففي فيلم "عمارة يعقوبيان" من إنتاج عام 2006، وهو في أصله مقتبس من رواية بذات الاسم لعلاء الأسواني، صدرت عام 2002، وأحدثت دويًّا وشهرة لمؤلفها بسبب جرأة القضايا الاجتماعية والسياسية التي عالجتها الرواية، وكتب السيناريو والحوار السيناريست الراحل وحيد حامد، وأخرجه مروان حامد، وقام ببطولته عادل إمام ونور الشريف وسمية الخشاب وخالد الصاوي، والأخير جسّد شخصية "حاتم رشيد" المثلي جنسيًّا، ولكن الفيلم سلط الضوء على أسباب هذا الشذوذ، بسبب ما تعرض له الطفل من تحرّشٍ جنسيٍّ واغتصاب من قبل الخادم في منزل أسرته العريق، وكأن الفيلم أشار بطريق غير مباشر إلى أسباب هذا السلوك حيث تطرق للتفكّك الأسري كسبب انجذاب الأطفال لأطراف غير ذويهم، عالج الفيلم من زاويته القضية من جهتين الأولى انصراف الآباء عن أبنائهم، وثانيًا، أشار العدو الكامن في البيت، الذي يترك له الآباء الأبناء، وهو ما يعرضهم لانتهاكات جنسيّة.
وبصورةٍ موجزة تردّدت أصداء الموضوع في الحلقات الدرامية التي عُرضت مؤخرًا في التليفزيون المصري بعنوان "في ساعته وتاريخه" وهو المسلسل الذي ناقش قصصًا حقيقيةً مأخوذة من ملفات المحاكم المصرية، تعرّض المسلسل في إحدى حلقاته لقضية التحرش بالأطفال، وجاءت الحلقة بعنوان "ملناش دعوة بحد"، وبينت الحلقة الردود السلبية من المواطنين إزاءَ هذه القضية الحساسة، خاصّةً أن المتّهم هو أحد الجيران المشهود لهم بالأخلاق الحسنة، الحلقة على الرغم من أنها تعرّضت للحدث من بعيد إلا أنها دقّت ناقوس الخطر ووجهت رسالة إلى أفراد المجتمع بعدم السكوت عند رؤية الخطأ، عبر رسالة الأم لابنتها "أوعي تشوفي حاجة غلط وتسكتي".
بكل تأكيد بدأ الاهتمام بهذه الظاهرة الخطيرة البعيدة عن قيم إسلامنا ومجتمعنا، يأخذ اهتمامًا أكبر مع اهتمامَ الدولة الرسمي وإصدار التشريعات القانونية التي تعاقب الجاني، فصدر القانون رقم 185 لسنة 2023، الذي نصّ على تعديل بعض أحكام قانون العقوبات وتشديد العقوبة على بعض الصور المستحدثة من الجرائم التي ظهرت في الآونة الأخيرة، مثل جرائم التنمّر، والتحرش الجنسي، وابتزاز الآخرين، وغيرها، ومن ثم جاء مسلسل "لام شمسية" ليجعل الظاهرة في بؤرة الاهتمام من جديد وبمعالجة درامية حرفيّة، وبيّن عبر تشابكات العلاقة بين شخصيات العمل الدرامي، أسباب هذه الظاهرة، وهو ما حمل رسالة مبطنة لأولياء الأمور للانتباه، والتركيز مع أبنائهم، دون تركهم مع الأقرباء والغرباء ووسائل التكنولوجيا، فالعدو ينفذ من مساحة الأمان هذه.
لام شمسية
مسلسل "لام شمسية" وهو يعرض ظاهرة التحرش الجنسي بالأطفال ومخاطره، يرسم بفنيةٍ رائعةٍ خطوط شخصية البيدوفيلي، وتكوينه الداخلي، وملامحه الخارجيّة حيث يظهر قربًا وودًا مبالغين فيه للضحية التي سيعتدي عليها، وهي البوابة التي ينجح من خلالها في استغلال ضحاياه من الأطفال، ليتمكن مِن ممارسة مختلفِ أشكال الاعتداء الجنسي عليهم أو إشباع اضطراباته الجنسيّة وميوله للأطفال، مستغلًا حالة الفراغ العاطفي ومساحة الأمان في علاقتهم بعائلتهم.
وفي المقابل سنلاحظ حالة من الانجذاب والتعاطف مع الجلاد من طرف شخصية المعتدى عليه، وقد تصل إلى الغيرة عليه في حالة انجذابه لشخصية جديدة، والغضب منه عند الابتعاد عنه، وحالة الحنين له، والحقيقة السيناريو مكتوب بمهارة شديدة، وتقنيات عالية سواءً في بوسترات المسلسل التي عكس كل بوستر طبيعة الدور الذي تلعبه الشخصيات، كالمفاتيح (صفاء الطوخي) والقفل والقفص (أمينة خليل) وأجزاء الجسم، وجناحين كبيرين (على البيلي)، والورود (يسرا اللوزي) المرايا (فاتن سعيد) والأقنعة (محمد شاهين) والكوتشينة (أحمد السعدني)، والهيدفون (شيماء العبد) أو عبر علاقة الطفل يوسف بأستاذه وسام، صديق العائلة، والذي يقوم بالتدريس له، ولكن يستغل العلاقة المتوتّرة بين أبيه طارق وزوجة أبيه نيللي، لينفذ ويكون مقربًا من العائلة ومن ثم درجة الأمان والثقة كبيرة.
المسلسل بحرفية شديدة من صُنّاعه، إخراجًا (عبر الكاميرا، وما تلتقطه من تعبيرات الوجه)، وسيناريو (بمساحات الصمت والسكوت) يفرش سردية لتنامي علاقة يوسف بصديق الأسرة، ببيان الأسباب التي أدت إلى هذه العلاقة غير السّوية، فالأب منفصل عن الأم، والأم متزوجة من آخر ومنصرفة إلى حياتها الجديدة، ولا تسأل عن ابنها، والأب متعدد العلاقات، وغير مبالٍ ببيته ولا ابنه، فلديه اهتمامات أخرى خارج نطاق بيته. وأبرز مشهد يبرز عدم اهتمام الأب بابنه، عندما يتم الإفراج عنه قسم الشرطة، يذهب إلى البيت، ولا يفكّر في أن يسأل عن ابنه، ما يشغله هو عشيقته.
أما زوجة الأب نيللي، التي بدأت تتكشف شخصيتها بالكوابيس التي تطاردها عند منامها، على الرغم من حبّها لابن زوجها، واهتمامها به، وعدم تفرقته عن ابنها من زوجها، لكن علاقتها بزوجها متوترة وفيها جفاء وصدود؛ فالزوج منصرف عنها، وغير مبالٍ بما تفعله لتجذبه ناحيتها، وأثناء العلاقة تشعر بألم جسدي كما كشفت لطبيبتها، وهو ما يشي بأن أزمة مشابهة لما تعرض له ابن زوجها، وهو ما ظهر في حالة الفزع التي بدت عليها عندما لاحظت العلاقة غير السوية بين يوسف وصديقهم وسام.
كل هذا مما تعانيه من حالة توتر تكشف عن سرّ مخبوء، وصراع نفسي تقاومه لكنه يتجسد في الكوابيس التي تطاردها، تحلم بيوسف في مأزق وهي تصارع من أجله، وهو الأمر الذي واجهته به طبيبتها النفسية، وسألتها عن ماضيها، وهل فيه ما أرقها، فأنكرت، الإنكار في حد ذاته بمثابة تصريح بالمكبوت.
جميع الشخصيات في المسلسل مأزومة، وسبب أزمتها في ماضيها، وهو ما يظهر عبر كوابيس وأحلام، ومشاهد فلاش باك، تكشف عن أزمات عانت منها الشخصية، وهو ما أثر في سلوكياتها وعلاقاتها بالآخرين. تصالحي مع جسدك فقدان الأم، وغياب الأخوة البنات وغياب من تتحدث معهن
اللعب مع الشيطان
فكرة النوم مع العدو في المسلسل متحققّة عبر شخصيتي الزوجين طارق ووسام، فكلاهما يتعامل مع زوجته بطريقة العدو الذي يجب الحذر منه، ومقاومته؛ وسام البيدوفيلي استطاع أن يخفي جرائمه والتي يبدو من ملامح قلق وتوتر زوجته رباب أنها على علم بها، وهو ما ظهر في ردة فعلها عند اتهام زوجة طارق له باعتدائه على يوسف، اكتفت بالصمت، والنظرات المريبة له، بل سعت إلى الهروب منه بالسفر خارج البلاد، في وقت أزمة مرضه بعد الاعتداء عليه من قبل طارق، ولكن وسام قابل معرفتها بما يفعله، بترويضها، واستطاع تقويض رغباتها في البوح، ومنعها من الانفلات عن دائرته بإخفاء جوازات السفر، وتدجينها بالصمت، فسلب شخصيتها وإرادتها، بالدواء الذي يعطيه لها، فصارت أشبه بلعبة في يده، يساومها على الصمت عن أشياء رأتها ويخشى أن تفصح عنها
ومن ثمّ سعى إلى وسيلتيْن الأولى بالدواء، والثانية بتشويه صورتها عند ابنتها وإيهامها بأنّ أمها مريضة نفسية، ويجب التعامل مع تصرفاتها على هذا الأساس، النعومة التي يتعامل بها الزوج مع الزوجة، وإن كان يمرّر السّم لها في العسل، جعلها عاجزة عن مقاومته، لذا انتهزت فرصة مرضه وكادت أن تهرب لولا رفض ابنتها، عجزها عن الدفاع عن نفسها لم يمنعها من دفاعها عن ابنتها، فوضعت كاميرا مراقبة في غرفتها، لا لمراقبة ابنتها، وإنما لمراقبة العدو الذي يمكن في البيت.
يُمارس البيدوفيلي إكراهات على كل مَن يتصل به، ويلعب معهم جميعًا لعبة الشيطان، فيبتز الجميع بلا استثناء، زوجته بتأثير العلاج الذي أوصلها إلى حالة الاستسلام، وابنته بتشويه صورة أمّها، واللعب في أذنها بمرض الأم وحاجتها إلى معاملة خاصة، كل هذا لمنعها من فضحه، ويصرّ على حضور جلسات العلاج النفسي، وعندما يرفُض الطبيب وجوده، تستحث الزوجة الطبيب بإدخاله حتى لا يعاقبها عندما يعودا إلى البيت، كما يبتزّ الطفل يوسف، بمعاملته معاملةً أخرى، ليُشعره بالغيرةِ، فيُقرّب أحد الطلاب إليه، ويمنحه النجمة التي كان يمنحها ليوسف عند تفوّقه، ويسند إليه دور الملك في المسرحية.
كل هذه التصرّفات تُضايق يوسف، وتُحرّك مشاعر الغضب والعنف عنده تجاه الآخرين، فيعتدي على صديقه، ويمزّق ملابس المسرحية. دائرة الابتزاز تتعدى هؤلاء إلى طارق والد يوسف وزوج نيللي التي كشفته، فيكشفه أمام زوجته بخيانته لها، ثم يمارس ضغوطه على طارق حتى يتخلّص من نيللي تمامًا، وكأن "الشيطان" يُريد أن يتخلص من كل من رأى جريمته، ليخلو له المسرح.
التحول المهمّ في المسلسل هو طريقة العلاج التي يطرحها بدءًا بهتك غشاء الصمت، ثم محاولة إقناع الطفل يوسف خاصّة بعد محاولته للتحرّش مع أخيه ياسين، للعلاج النفسي، ومقدرة الطبيب في استدراجه للبوح، بعد حالة الصمت التي كان عليها، وكأن صناع المسلسل يريدون أن يوجهوا أولياء الأمور إلى طرق باب العلاج مبكرًا.












