ultracheck

قنوات الأطفال العربية: العمق المفقود في زمن الحداثة البصرية

26 يناير 2026
قنوات الأطفال
من التسعينيات حين كان الطفل يجرّب التشويق في انتظار برنامجه المفضّل، وصولًا إلى عالمنا المعاصر حيث يمكنه أن ينطلق إلى الشاشة ليختار ما يريده، يناقش المقال محتوى الرسوم المتحركة الذي تقدّمه قنوات الأطفال العربية

كنتُ أقلّبُ في التلفاز دون وجهة واضحة، غارقةً في اللاشيء كعادة الناس حين لا يشغلهم شيء محدّد، وبعينين ترمشان لا إراديًا، بالطبع، حتى لفتت انتباهي عبارة تمّ تثبيتها قبل عرض أحد أفلام الكرتون على إحدى قنوات الأطفال العربية اسمها "فايف كيدز". عبارة تقول ما يلي: "هذا المحتوى مناسب للأطفال دون الحاجة لرقابة الأهل"، لم تثر تلك الكلمات استغرابي، بل استحساني! فأنا أعرفُ أن هناك محتوى غير مناسب أحيانًا يقدّم في برامج معدّة للأطفال. هربتُ خلال التقليب من قنواتٍ خاصّة بأغاني الأطفال وتحديدًا "وناسة"، التي هي نسخة رقمية من قنوات "طيور الجنّة" و"كراميش"، يقدّم في مجملها كلمات سخيفة عبر أصوات غير حقيقية – معدّلة إلكترونيًا – ومن خلال شخصيات كرتونية جذّابة!

تساءلتُ عن قيمة ما يقدّم للأطفال العرب في قنوات العروض غير المنتهية هذه؟ وعمَّا يحتويه العالم الحديث المفتوح أمامهم عبر قنوات عربية مثل قنوات "ماجد" و"سبيستون" و"MBC3"، أو معرّبة مثل "نيكلوديون" و"كرتون نتوورك"، المتاحة على مدار الساعة.

بالانتقال من قناةٍ إلى أخرى، تستطيع أن تستكشف وتكون تصوّرًا واضحًا، استمرّت هذه العملية عدّة أسابيع حيث أقضي بعض الوقت في استطلاع قنوات الأطفال، وقد وجدت أنني أمام عدّة كوارث، يمكن تصنيفها بأنها ذوقية وجمالية وفكرية وربما نفسيّة، هذا ما استطعتُ الوصول إليه عبر التلفاز فقط، ولستُ أغفلُ توجهات كثير من العائلات إلى ترك أطفالها رفقة الأجهزة الذكية وقنوات "يوتيوب"، فتلك منطقة أذى أخرى لا تقلّ خطورة!

حين نعقد مقارنة بين ما كان يعرض في التسعينيات خلال ساعة عرضٍ محدّدة، وبين ما ظهر بعد منتصف الألفية الثانية من قنوات متخصّصة تقدّم بثًّا على مدار الساعة. حيث إن التلفاز كان يغلقُ ليلًا بالخطوط الملونة والصافرة الشهيرة.

في التسعينيات كان الطفل يجرّب التشويق في انتظار برنامجه المفضّل، والآن يمكنه أن ينطلق إلى الشاشة ليختار ما يريده، وبتحكّم كامل في وقت وعملية المشاهدة. وأحسب أن ذلك يفقد الأجيال اللاحقة سلوك الانتظار وقيمة الصبر.

بعض القنوات العربية والمعرّبة على السّواء، تقوم بعرض مسلسلات كرتون حديثة تكون فيها الشخصيات ذات تكوينات أجسام وملامح عجائبية، ويمكننا الإشارة إلى أنّها مؤذية ذوقيًا، أما الموضوعات ففي معظمها نجد شخصيات مسطّحة داخل قصص تفتقد العمق، أغلبها تعتمد على الإبهار الحركي والمؤثرات الصوتية لتبدو كأنّها لعبة فيديو مزوّدة بحوارات مبنية على جملٍ غير مترابطة، ستدرك ببعض التأمّل أنّها حوارات مولّدة عن طريق الذكاء الاصطناعي، أو ربما مترجمة عن طريق الحاسوب دون تدقيق، مثل مسلسلات "عائلة إكس" و"أوتوميكرون" و"صعود سلاحف النينجا المتحوّلة" و"زم الفضائي"، وجميعها تعرض على قناة "MBC3" التي أطلقت في عام 2004، وتستهدف الأطفال من سن أربعة إلى أربعة عشر عامًا!

باستغراقك في مشاهدة خمس دقائق من أيّ هذه المسلسلات ستكون النتيجة: تشويش عقلي ناتج عن حركة سريعة أو مبهرة مصحوبة بجمل فصيحة لا تكاد تفهم منها شيئًا ولو حرصت! وبالبحث حول هذه العناوين وغيرها ستجد أنها لم تحقق النجاح في البلد المنتج أميركا، فلماذا يتم استيرادها والتكلّف بدبلجتها مع كونها لم تحقّق استحسانًا هناك؟ بل لقد وصل الأمر درجة إلغاء عرضها مثل "زم الفضائي".

وإذا تساءلنا، هل هو عبث مقصود؟ أم هي عملية استسهال وصناعة سخّفت وسرّعت تحت مسميات الحداثة، ليسري عليها ما يسري على كل مظاهر الحياة الأخرى التي تتعرّض للتسليع. في حال افترضنا حسن النوايا، فما الفائدة منها؟ وهل تساءل أحد عن الضرر من هذا النوع من العروض التي تبهر الحواس بالحركة والصوت مقابل تمرير عبارات غير مفهومة أو مركّبة بشكل لا يمكنه أن يوصل الطفل إلى أيّ تغذية فكرية أوّ شعورية عميقة؟

الأسوأ أنّك ستلاحظ حدوث نوع من استلاب الحواس الذي يعكسُ ما يشبه التخدير العقلي، لتكون النتيجة الظاهرية: حواس متحفّزة، وأفواه مفتوحة من فرط التركيز، وأما الباطنية، فخواء!

بالعودة إلى تاريخ صناعة وإنتاج أفلام الكرتون، نجد أن أوّل رسوم متحركة بالمعنى الذي نعرفه، كانت عبارة عن طواحين هواء في حالة دوران عام 1736. بعد قرن تقريبًا، في عام 1843 أصبحت "كرتون" كلمة تشير إلى الرسوم الفكاهية والساخرة في المجلات، خاصةً مجلة "بانش" البريطانية، أما أقدم فيلم رسوم متحرّكة فيعود إلى عام 1900، وقد استخدمت فيه بعض التدخلات الخارجية، حيث اعتمد البريطاني جي بلاكتون على رسمه بسرعة لوجه رجل. تمت العملية حينها عن طريق التصوير مع بداية الرسم والإيقاف، ومن ثمّ إعادة التصوير للرسوم المنجزة. أما أثناء العرض فيُخلق وهم التغيير الحركي، بينما تتغيّر فوق لوحة العرض ملامح الرسمة، أطلق على ذلك العرض اسم "الرسم المسحور".

بعد ست سنوات عاد بلاكتون لإنتاج فيلم آخر أسماه "المراحل الفكاهية للوجوه المضحكة"، ويعتمد أيضًا على خدعة التوقف بالكاميرا للإيهام بحركة الرسوم.أما أول فيلم رسوم متحرّكة، فأنتجه الفرنسي إيميل كول في عام 1908، وقد عرض أول مرة في باريس على مسرح "الجمنازيوم"، وكان يحمل عنوان "الأوهام"، مدّته ثلاث دقائق، ما ميّز فيلم كول هو كونه الأول من نوعه الذي يظهر بخلفية سوداء، نتيجة الرسم على إطار شريط النيجاتيف السينمائي.

كانت المحاولات حتى ذلك الوقت تقدّم نتائج حركية فقط من دون أن يتزامن معها أصوات، وظلّت مقاطع الرسوم المتحركة تُعامل على أنها فواصل تشاهد قبل وبعد عروض الأفلام في السينما حتى بدأ العصر الذهبي لهذه الصناعة بابتكار الأميركي والت ديزني في عام 1928، بعد عدة محاولات، لأول فيلم متحرّك يدمج بين الحركة والصوت، وكانت شخصية الفأر "ميكي ماوس" هي نجم تلك الحقبة، وبداية تواجد أفلام الكرتون في السينما كعروض أساسية. حقّقت أفلام ديزني نجاحًا أدّى إلى زيادة الاهتمام بها، قلّدتْ وتسارع تطوّرها بعد تأسيس "ديزني" و"وورنر بروس" كأوّل شركتين متخصصتين في هذا المجال، وصولًا إلى إنتاج فيلم "بياض الثلج والأقزام السبعة" في 1937 ليكون أول فيلم طويل من هذا النوع.

ومن الجدير ذكره أن والت ديزني كان يقدّم شخصية ميكي بحرصٍ شديد، ليكون مستقيمًا ومهذّباً كنموذج يحقّق قدوة للأطفال، وحين انتهت المواقف الطيّبة التي يمكن أن يقدمها ميكي وأرادوا استحداث بعض الشغب في الأفكار، استعانوا بشخصيات أخرى مثل البطّة "دونالد دك" و"الكلب بلوتو"، ولاحقًا "العم دهب"، وكان ميكي دائمًا من يصلح المشكلات التي يحدثونها.

كيف أصبحت صناعة الكرتون ضيفًا في كلّ بيت؟

لا يمكن تخيّل ذلك لولا اختراع التلفزيون، الذي لا يوجد له مخترعٌ بعينه، بل لقد نتج عن مراكمة عدّة خبرات، حيث بدأ بقرص دوار لنقل الصور باستخدام الضوء عام 1884، وطوّر بأوّل نظام تلفزيوني فعّال عن طريق جون لوجي بيرد عام 1926، وبعده بعام اخترع فيلو فارنسورث أول تلفزيون إلكتروني بالكامل؛ أما مصطلح تلفزيون فقد أطلق عام 1900. بدأ البث الملوّن في الخمسينيات، وبعد هذا التطوّر، انزاح الاهتمام بشكل جماعي من السينما إلى التلفزيون مع حدوث ثورة في تصنيع الأجهزة الملوّنة ووصول أسعارها إلى مستويات معقولة، بالتزامن مع هذا التطوّر، أصبح إنتاج المسلسلات الكرتونية أقل تكلفة، فظهرت برامج مثل "توم وجيري" وذا فلينستنز". أما النقلة النوعية في صناعة الرسوم المتحركة فقد حدثت في اليابان، التي كانت متطورة على مستوى الأسلوب ونوعية القصص المختارة، والجمهور المستهدف. وعليه فقد شهدت صناعة الأنمي الياباني تحوّلات جذرية خلال العقود الثلاثة الماضية، لم تقتصر على التطور التقني فحسب، بل شملت الرؤية الفنية، طبيعة القصص، وبنية الإنتاج نفسها. ويُعدّ أنمي التسعينيات مرحلة مفصلية في تاريخ هذا الفن، حيث ارتبط في الذاكرة الجماعية بالأصالة والعمق، بينما يُنظر إلى الأنمي الحديث بوصفه نتاجًا لعصر السرعة والعولمة الرقمية.

  • أنمي التسعينيات والعصر الحديث

تميّز أنمي التسعينات بسرد بطيء نسبيًا، يعتمد على التراكم الدرامي وبناء العالم خطوة بخطوة. لم تكن القصة تُقدَّم بوصفها تسلية مباشرة، بل تجربة فكرية أو نفسية، وغالبًا ما تركت نهايات مفتوحة تثير التساؤل بدل أن تقدّم إجابات جاهزة، وعلى النقيض، يميل الأنمي الحديث إلى الإيقاع السريع والشرح المباشر، مع اعتماد واضح على أنماط قصصية متكررة.

في أنمي التسعينيات، كانت الشخصيات غالبًا هشّة، متردّدة، ومليئة بالتناقضات الداخلية. البطل ليس مثالًا للكمال، والشرير ليس شريرًا خالصًا. هذا التعقيد النفسي منح الأعمال عمقًا إنسانيًا جعلها قابلة للتأويل وإعادة المشاهدة، أما في الأنمي الحديث، فغالبًا ما تُصمَّم الشخصيات لتكون جذابة بصريًا وسهلة الفهم، مع تطور نفسي سريع أو محدود. يظهر البطل في كثير من الأعمال المعاصرة قويًا منذ البداية، وهو ما يقلل من مساحة الصراع الداخلي.

اعتمد أنمي التسعينات على الرسم اليدوي، ما أضفى دفئًا بصريًا وملمسًا إنسانيًا، ويضيف له روحًا خاصة. الخلفيات، الظلال، وحركة الكاميرا؛ كانت أدوات تعبير فني لا مجرد عناصر تقنية. في المقابل، يتميز الأنمي الحديث بنظافة رقمية عالية، ألوان قوية، واستخدام متزايد للصور المولّدة بالحاسوب، ربما رفع هذا مستوى الجودة التقنية، إلا أنه أحيانًا أفقد بعض الأعمال تفرّدها البصري، وجعلها متشابهة، ولأن الإيقاع أصبح أسرع، الموضوعات صارت أكثر تكرارًا، والشخصيات غالبًا مصممة لتكون جذابة وقابلة للتسويق. لا يعني ذلك غياب الجودة، لكن الأولوية انتقلت من التجريب الفني إلى ضمان الانتشار والنجاح التجاري.

لا يمكن فهم الأنمي دون التوقف عند قصص المانغا اليابانية، التي تُعد المصدر الأساسي لمعظم الأعمال. في التسعينيات، كانت المانغا مساحة حرة للتجريب، ينشرها مؤلفون يمتلكون رؤية شخصية واضحة، وغالبًا ما تُقتبس أعمالهم للأنمي بعد نجاحها الفني. أما اليوم، فقد تحولت المانغا إلى صناعة ضخمة مرتبطة مباشرة بسوق الأنمي. وتجد أن الكثير من الأعمال تُصمم منذ البداية لتكون صالحة للتحويل إلى مسلسل أو فيلم، ما يؤثر أحيانًا على عمق السرد وطبيعته!

وفي النهاية، لا يمكن اختزال المقارنة بين أنمي التسعينيات والأنمي الحديث في ثنائية "أفضل" و"أسوأ" فقط. فأنمي التسعينيات يمثّل مرحلة كان فيها الأنمي أقرب إلى الفن التأملي، بينما يعكس الأنمي الحديث واقع صناعة عالمية تحكمها السرعة والمنصات الرقمية. كان الأنمي نتاج رؤية فنية أكثر منه منتجًا استهلاكيًا. أعمال تلك المرحلة لم تكن تخشى البطء أو الغموض، بل كانت تراهن على ذكاء المشاهد وصبره. القصص غالبًا ما تناولت موضوعات مثل الهوية، العزلة، الحرب، والعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وربما لم تسعَ لإرضاء الجميع، بقدر ما سعت لأن تقول شيئًا ما!

التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في العودة إلى الماضي كما يحدث في إعادة إنتاج قصص قديمة في أفلام ديزني، ولا باستحداث أجزاء جديدة من النسخ المعاصرة الناجحة فقط، الأهم هو إيجاد توازن بين العمق الفني ومتطلبات السوق، وهو ما تنجح فيه النسبة الأقل من الشركات المنتجة.

يبقى أنمي التسعينات شاهدًا على قدرة الرسوم المتحركة على طرح أسئلة وجودية وثقافية عميقة، بينما يظل الأنمي الحديث مرآة لعصره، بما يحمله من مزايا وعيوب. وبين الماضي والحاضر، تتشكل هوية الأنمي كفن حيّ يتغيّر بتغيُّر الإنسان وزمانه. ويعكس شخصيته وانعكاس الحداثة عليه، وأختم بسؤال، لماذا لم تتطوّر صناعة الكرتون العربية لتحمل طابع المجتمع وأفكاره بدل الحاجة المستمرّة إلى مقص الرقيب؟ لماذا لا يتم تصنيع ما يشبهنا بدل شراء الجيد والسيء قبل حتى التأكّد من كونه صالحاً للتلقّي الآمن وخالي من الانحرافات التي تفرضها أحيانًا بعض أجندات الممولين في الشركات المساهمة داخل استراتيجيات الشركات المنتجة مثل ديزني وبيكسار وغيرها؟

ما الذي يمنع تطوّر مثل هذه الصناعة في ظلّ سهولة وتوفّر الأدوات في العصر الحديث، لا ينقص عالمنا العربي، الفنانين ولا كتّاب السيناريو ولا الفنيين عدا عن وجود الكثير من الروايات العربية الجيّدة سواء الخيالية أو الواقعية وكذلك قصص اليافعين؟

هناك طاقات هائلة وأموال عربية تحتاج فقط إلى الانتباه لهذا السّوق، وللإيمان بضرورة وجدوى العمل الإبداعي من هذا النوع، لتحقيق الربح من جهة، كإنتاج ثقافي أيضًا أو على الأقل، لتحقيق التوازن، أم أنّه سيظلّ يسري على هذه الصناعة ما يسري على كلّ ما هو تكنولوجيا نستهلكها فقط؟ هذا التساؤل لا ينفي وجود بعض المحاولات لكنها تبقى خجولة وغير مؤثرة في المستوى العام.

وكي لا تبدو الصورة قاتمة تمامًا، هناك قنوات عربية تقدّم محتوى جيّد مثل قناة "سبيستون"، التي احتفلت بمرور 25 عامًا على إطلاقها في مطلع هذا العام، وتعدّ من القنوات الآمنة التي تقدّم مستوى جيّد من البرامج. كما تعيد عرض مسلسلات قديمة من أنمي التسعينات مثل "كابتن ماجد" و"سالي" و"صاحب الظل الطويل" و"ريمي" وغيره. كما أن هناك محاولات صناعة محلية لبعض البرامج والمسلسلات باللهجة المحكية للإمارات، في قناة "ماجد" التي أُطلقت في عام 2015 وهي تابعة لشركة أبو ظبي للإعلام. ويشار إلى قنوات أخرى كانت متاحة بشكل مجاني، مثل قناتي "براعم" التي أطلقت في عام 2009 والموجهة لسنّ ما قبل المدرسة، وكذلك قناة "جيم" الموجّهة لسن ما بعد المدرسة، من السادسة إلى السادسة عشرة والتي أطلقت في عام 2005، وهما تابعتان لمؤسسة قطر للتربية والعلوم، وقد كانت هذه القنوات مجانية قبل أن تصبح ضمن باقة "بي إن" مسبقة الدفع منذ عام 2017.

وبالرجوع إلى الصورة العامة، تصطدم الشاشات الآن بخليط عجيب يتنازعك بين النوستالجيا الناتجة عن الشعور الدافئ وأنت تتذكر اجتماع العائلة حول حلقات منتظرة من عروض لا تفوّت لأنّها لا تستعاد، مقابل الصخب والسرعة والفوز المؤكّد لأبطال المسلسلات الحديثة ذات النتائج المحسومة في صراع الخير والشرّ الذي يقدّم عبر أبطال خارقين لا يهزمون وشرّ مطلق لا يتغيّر!

وأخيرًا، هل تستحقّ أفلام الكرتون وصناعتها كلّ هذا الاهتمام والتدقيق والإضاءة في ظلّ الحداثة التي ألغت حتى شاشة التلفاز من بعض المنازل؟ أعتقد أنه مهما تغيّرت الأولويات والأدوات البشرية سيبقى عالم الطفولة الهشّ بحاجة إلى الرعاية والحماية ومثله الروابط العائلية، وأؤمن أن جلوس عائلة أو مجموعة أطفال أو حتى طفل وحيد، أمام برنامج أطفال مصنوع بإبداع ومسؤولية قادر على ترك أثر مهم وملهم. لذا، من المهم التدقيق في كل اتجاه، وهي ليست مهمة سهلة، ولا شكّ في ظلّ الكثرة التي تغلب الجودة، لكنه تدقيق ضروري فيما يتلقّاه الأطفال بالدرجة الأولى. وبالتالي، ما سيتسرب منهم في البيوت ثمّ إلى الشوارع لاحقًا وبعدها البلاد، لأنه وحسب القصّة الأسطورية الألمانية الشهيرة من القرون الوسطى، حين عزف الراعي بمزماره السحري لينتقم من أهل القرية بعد حنثهم للوعد تبعه الأطفال إلى مصير مجهول. فلنحسن العزف واختيار العازفين حتى نفتح بوابات التفكير والأحلام، بعيدًا عن الاستهلاك المسطّح للبرامج المسطّحة، وكل ما ينهمر من الشاشات ليفسد الوعي ويسلب الحواس.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

موسيقاتنا وموسيقات إيران: أي تاريخ ومصير مشترك؟ (ميغازين).

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

فادي العبد الله

الحرب العالمية الثالثة وأسئلة العدالة في السينما (ميغازين).
الحرب العالمية الثالثة وأسئلة العدالة في السينما (ميغازين).

فيلم "الحرب العالمية الثالثة".. الواقعية بوصفها خيانة

لا يكتفي الفيلم الإيراني "الحرب العالمية الثالثة" بإدانة السلطة، بل يضع السينما ذاتها في قفص الاتهام عبر سؤال: من يستفيد من تحويل المأساة إلى صورة؟

محمد العربي

المسلسل المصري "ظلم المصطبة" (ميغازين)

المرأة تحت حكم "ظلم المصطبة".. هل تملك النساء حرية الاختيار؟

من قاسم أمين إلى درية شفيق، ومن هدى شعراوي إلى دراما ظلم المصطبة، تستمر معركة المرأة العربية من أجل أبسط حقوقها: الاختيار

ممدوح النابي

لام شمسية

لام شمسية.. البيدوفيليا التي نراها ولا ننطقها

يطرقُ المسلسل موضوعًا مسكوتًا عنه في الثقافة المصرية، يتوارى خلف نسق العادات والتقاليد والخوف من مواجهة المجتمع

ممدوح النابي

تشارلي

شارلي تشابلن وباستر كيتون.. أساتذة الصمت

كان شارلي تشابلن وباستر كيتون عبقريين في تحويل الصمت إلى أداة تعبيرية قويّة، وبينما جعلنا تشابلين نضحك ونبكي بفضل شخصياته العاطفية أبهرنا كيتون بحركاته الجسدية المدهشة

غطفان غنوم

المزيد من الكاتب

هند جودة

شاعرة فلسطينية

الشوكولا.. الوجه الحلو للعبودية الحديثة

الشوكولا ليس فقط كحلوى نحبها، بل كمنتج مليء بالتناقضات. فهي رمز للترف والسعادة في أماكن، لكنها في الحقيقة مبنية على تعب ومعاناة في أماكن أخرى

اختبار فرشاة الأسنان: ما تكشفه غزة عن هشاشة الحضارة

تاريخ فرشاة الأسنان منذ مراحلها البدائية الأولى، التي تُستعاد اليوم لغياب العدالة

التهجير في غزة.. حيوات تباع وتُشترى

ما يجري في غزّة ليس مجرد مأساة إنسانية وحسب، بل هو استمرار لمشروع استعماري يسعى إلى تفريغ الأرض من أهلها وتجريف شروط بقائهم

حيّ الرمال.. كانت هنا مدينة

حي الرمال كان واجهة غزة الحديثة ورمزها السيادي، لكن كل هذه العلامات مُحيت بفعل الحرب، فيتحول الحي من رمز الدولة الفلسطينية إلى شاهد على محوها

من قماش إلى قضية.. الكوفية على كتف العالم

كيف عبرت الكوفية من كتف الفلاح الفلسطيني إلى أعناق المتظاهرين في برلين ومدريد وجامعات أميركا؟ وكيف انتقلت من لباسٍ فلكلوري إلى أيقونة عالمية للمقاومة؟

الحضارة ليست سوى سهرة.. تأملات في خيانة النوم

غيّرت الحضارة الحديثة علاقتنا بالليل، فحوّلت السهر من لحظة تأمل وإبداع إلى عادة قسرية تغذّيها الشاشات والضوء الصناعي