يبدأ فيلم "Blue Moon" بلقطة لشبح رجل قصير، يسير مترنحًا محاولًا الحفاظ على توازنه في الشارع الممطر الخالي من الناس؛ لحظات قصيرة ويسقط الرجل على وجهه في وحل الطريق وتظلم الشاشة.
افتتاحية مختصرة لما نحن على وشك أن نشهده عن حياة الرجل نفسه. يعود بنا زمن الفيلم إلى الوراء، فنرى ما نتخيل أنه هو ذاته. يدخل إلى مطعم "سارديز" الشهير في برودواي، الخالي من الناس إلا من الساقي وضيف مجهول يجلس على طاولة قريبة.
لا يترك لنا الحوار فرصة لتدارك المشهد، فلا أحداث حقًا هنا، بل مجرد حوار طويل أشبه بالمونولوج المسرحي يدور بين الرجل وساقيه. يمتنع الساقي في البداية عن تقديم الشراب، مذكرًا الرجل بتحذيره هو نفسه للساقي من أن يمنحه الخمر ولو طلبه وترجّاه.
نعرف من الحديث أن الرجل هو لورينز هارت، كاتب الشعر والأغاني والعروض الغنائية الأشهر في زمانه. يجلس هارت حاكيًا عن ماضيه وتاريخه بنبرة فيها من الفخر بزمن ولّى، كما فيها من الحسرة وقليل من الحسد المختفي خلف سخرية شديدة. يجلس الرجل مستعرضًا ماضيه ومشاعره في نفس الليلة – 31 آذار/مارس 1943 – التي تعرض فيها مسرحية "أوكلاهوما" الغنائية، المسرحية التي لحنها رفيق دربه وشريكه الأساسي لما يزيد عن عشرين عامًا مضت، الشريك الذي يأس من تدهور صحة لورينز واكتئابه وإدمانه على الخمر، فاتخذ شريكًا جديدًا في عرض كتبت له الشهرة وذيوع الصيت في ليلته الأولى بين الجمهور والنقّاد.
يشعر لورينز بأن العرض الجديد قد تفوّق عليه وعلى عمره وتاريخه كلّه، فيكتم رأيه الواضح فيه، ويخفي سخريته لكيلا يبدو حسودًا، أو مثيرًا للشفقة. هكذا كلّما حاول لورينز ألا يبدو مثيرًا للحزن والشفقة، لا يزيده هذا إلا ذلّة وتهاونًا.
الحوار بطل السيناريو
منذ اللحظة الأولى لا يبدو أن الفيلم يسير في الطريق المعتاد للأفلام – أو للسينما – التي عرفت دائمًا بأنها فن الصور المتحرّكة. فأنت أمام كادر طويل لا يكاد يتغيّر إلا بحركات متوترّة من لورينز تنبئ عن شغفه أو قلقه أو انزعاجه. محاولات لتحدّي الزمن الذي تجاوزه لكنه ما يزال يتشبث به. يتخذ الفيلم من قصته التي تدور حول المسرح والعروض الغنائية، اقتباسًا من كادرات المسرح ومشاهده، فلا تكاد المناظر تتغيّر إلا بالقدر الذي يسمح به المسرح ذاته. ولورينز، هو البطل الذي يتحرك بينها فيثير الأحداث وتتحرّك القصة. كذا يدور الحوار كلّه في شكل مونولوجات طويلة، بين لورينز وساقيه، وشريكه وأخيرًا الفتاة التي يحبّها. مونولوجات طويلة تتعدى أحيانًا عشرين دقيقة، لا يقطعها إلا جمهور خلفي، يحضر لقطع الحديث أو لإلقاء السلام أو لسؤال أو لصنع ضوضاء في الخلفية، مجددّا كما في المشاهد المسرحية.
الإضاءة وحركة الأبطال.. خشبة مسرحية متخيّلة
يتحرك الأبطال أمام الضوء وخلفه، فيسلّط الضوء على بطل المشهد كما تقتضي الحالة. يتحركون كقطع الشطرنج، يطارد البطل المسكين نجم الحفلة، الفتى الذي اكتشفه بنفسه وصنع شهرته تقريبًا. ثم يعود البطل لمطاردة الفتاة الشابة التي يحبّ، والتي يأمل أن تبادله المشاعر، رغم علمه بافتتانها بشخص آخر، فهو يجلس معها يسمع تفاصيل علاقتها بحبيبها الهارب، يبدو متعاطفًا، مستمعًّا، داعمًا ثم نجده ما يزال متمسكًا بفرصة معها ويسألها إن كانت تبادله أيًّا من مشاعره. يعرف لورينز الحقيقة دائمًا ولكنه ينكرها، يسخر من الحقيقة فيحيلها أوهامًا ويتمسك بالأمل.
كذا ساهمت الإضاءة وموقف الأبطال من بعضهم وزوايا التصوير في إظهار قلّة شأن لورينز، فيبدو إيثان هوك، الذي لعب دور لورينز نسخة متطابقة من الشخصية الحقيقية، رجل أصلع قصير عجوز. لا تكاد تتبيّن فيه النجم الوسيم صاحب الثلاثية الرومانسية الشهيرة. استخدم المخرج بعض زوايا التصوير والإضاءة وحذاء بكعب مسطّح للبطل لورينز، وأحذية بكعوب عالية لبقية الممثلين، ليبدو هوك بينهم قصير الهيئة وقليل الشأن. فيبدو روجرز مهيمنًا على الرجل القصير العبقري، بطوله وشهرته ونجوميته اللحظية، وتبدو الفتاة مهيمنة بشبابها ورشاقتها وطولها أيضًا.
ترشيحات وجوائز وأداء مؤثر
قدّم الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ75 في شباط/فبراير 2025، وفاز بطله أندرو سكوت بجائزة الدبّ الفضّي لأحسن ممثل مساعد، جائزة تجعلك معرفتك المسبقة بها تتساءل عن أسباب منحها، خاصة مع اختفاء سكوت عن الفيلم في النصف الساعة الأولى تقريبًا، وظهوره على الشاشة بعدها لمشاهد محدودة. في الواقع لمثل هذا تمنح الجوائز، لظهور قصير على الشاشة، لكنه مؤثر. يتلوّن سكوت في أدائه لشخصية الموسيقي ريتشارد روجرز، الشريك النجم. فتجده في بداية ظهوره مطابقًا لمواصفات النجم، المشغول كثير الحركة، الذي يتهادى بتواضع مزيّف بين الحضور، فخورًا بعمله الأعظم. ثم لا يلبث أن يتفوّق في مونولجه الطويل مع لورينز، فينهره بخفّة على تقاعسه عن العمل، وإدمانه الشراب، ويحمّله مسؤولية أفول نجمه، ثم في اللحظة التالية نفسها تقريبًا تجده متواضعًا رقيق النبرة، يعترف للرجل الذي اكتشفه وقاسمه نجاحه بفضله، ثم تتغيّر ملامحه وتتّخذ صفة ربّ العمل الذي يعرض على العجوز أن يشاركه وشريكه الجديد مشروعًا مستقبليًا، فلا تكاد تدرك في نبرته الخيط الفاصل بين اعترافه بعبقرية الرجل ومنحه الفرصة بدافع الشفقة. حتى عندما يسترسل روجرز للحظات في مدح شريكه السابق وأستاذه، يبدو مديحه ونبراته للأخير، على حدّ قوله، كخطبة قد يلقيها عفوًا وابتذالًا واستعراضًا في حفل تأبينه. مجددًا يرى لورينز الحقيقة، فيتجاهلها حينًا ويصدم الآخرين بها حينًا رافضًا الشفقة، متمسكّا بنجوميته وعبقريته وإن رآها الآخرين عهد بائد.
المعضلة الأخلاقية.. الضحيّة والجلّاد
تبدو الحكاية في الفيلم مثيرة للتأمل والفلسفة، في حكيها عن الرجل الموهوب، الذي تسطع موهبته واضحة للجميع، حتى في ارتجالاته وبدون ترتيب ومناسبة، فنجد لورينز مثلًا قد جلس يتبادل الحديث مع واحد من زوار البار، فارضًا على الزائر سماع حكاياته، فالرجل حكّاء بارع، لديه رصيد كبير من الكلام والحكايات، يحكي عن موهبته وعن حبّه متلمسًا الدعم من الآخرين، ملتمسًا موافقة منهم على نظرياته ربما يجعله هذا يصدّق ما يأمله، ربما يساعده في نكران الحقيقة.
يتبادل لورينز الحديث مع زائر البار، ويكتشف أنه كاتب لقصص الأطفال، كاتب يبحث عن فكرة جديدة لكتاب أطفال، فيرتجل لورينز العبقري ويحدّثه عن فأر شقي اصطاده في منزله، ويقسم على أن للفأر عقل مدبّر مفكّر شقي. تلمع الفكرة في عقل الكاتب فيسأله إن كان للفأر اسم من باب السخرية، فيجيبه لورينز: "ستيورات"، فنرى الكاتب بعدها في لقطة سريعة يدوّن شيئًا في مفكرته. بقليل من بحث وربط للخيوط تكتشف أن الزائر الكاتب لم يكن سوى "إي. بي. وايت" كاتب السلسلة الأشهر "ستيورات ليتل".
هكذا هو لورينز ثرثار كريم، يمنح أفكاره للجميع ولا يبخل. المعضلة التي تستدعي إلى الأذهان فلسفة الضحية والجلاد، فهل الرجل ضحية حقًا والباقي جلّادون؟ أم هل يجعله مرضه وإدمانه وتقاعسه عن العمل شخصًا غير مسؤول فيحيله جلّادًا، مريضًا يتحاشاه الناس خشية أن يشدّهم فيسقطهم معه في دوامته.
ينتهي الفيلم بشارة على الشاشة تنبئ عن مصير لورينز الذي ساهم بالفعل في المشروع الذي عرضه عليه شريكه القديم، غير أن إسهاماته انتهت بعد شهور قليلة من تلك الليلة بالتحديد بعد أن وجد لورينز راقدًا في الوحل ذات ليلة، مصابًا بالشلل ثم يموت بعد أيام. اقتبس الفيلم اسمه من أغنية كتبها لورينز نفسه، تحكي عن رجل وحيد في ظل القمر الأزرق، رجل ليس لديه أحلام، رجل بلا حب يؤنس أيامه.
في نهاية المطاف، لا يبدو "قمر أزرق" فيلمًا يسعى لإعادة كتابة سيرة لورينز هارت بقدر ما يبدو كأنما صفحة من مذكراته، صفحة تعلو بصوت مكتوم، ذاك الصوت الذي ظلّ لعقود محصورًا بين سطور الأغاني والمسرحيات الموسيقية التي كتبها ولم تتح له الحياة أن يعترف بجراحه بصوتٍ مسموع. فالفيلم، بمنهجه الحواري المكثف، ومساحته الزمنية المحدودة، وأجوائه المسرحية التي تكاد تخلو من الحركة لصالح الكلمة والنبرة والإيقاع النفسي، يضعنا أمام تجربة تأملية نادرة؛ تجربة تتجاوز الحدث الخارجي لتغوص في منطقة أكثر هشاشة وعُمقًا: منطقة الذات حين تنظر إلى نفسها في مرآة التاريخ، فلا ترى إلا ما ضاع، وما لم يتحقق، وما كان يمكن أن يكون. وهذا تحديدًا ما يجعل العمل أكثر من مجرد سيرة فنية؛ إنه قراءة وجودية لفنان وقف عند مفترق طرق قاسٍ في لحظة تاريخية صاخبة، بينما كانت موسيقى المسرح الأمريكي تتغير، وتتطور، وتتحرر من قيود الأمس.
اختار ريتشارد لينكلايتر وإيثان هوك أن يقاربا الأسطورة لا من خلال تمجيدها، بل من خلال نزع الغبار عن أجزائها الأكثر إنسانية: الحيرة، الوحدة، الانكسار، والحنين إلى شراكة فنية لم يعد بالإمكان إنقاذها. لا بطولات كبرى هنا، ولا لحظة خلاص درامي أو نهاية سعيدة كالتي تفضّلها السينما الهولودية في أفلامها الخفيفة لتبرر مأساة الفنان؛ بل نرى بوضوح خيطًا شفيفًا من الصدق يتسلل بين جُمل هارت الساخرة، دفاعاته الهشة، توقه إلى اعتراف لم يأتِ، ومحاولته المستميتة لأن يُثبت لنفسه أنّه ما زال قادرًا على الإمساك بالخيط الأخير من مجده. وهنا تتجلى قوة الفيلم: فهو لا يقدّم شخصية مثالية، ولا يغري المتفرج بالتعاطف السهل، بل يدعوه للوقوف على عتبة الألم دون أحكام مسبقة، ولتأمل ثمن العبقرية حين تُحاصرها حساسية مفرطة وزمن لا يُسامح المترددين أو الغارقين في بؤسهم.