يعتبر مسلسل "Black Mirror" واحدًا من أهم الأعمال الدرامية من إنتاج نتفليكس، التي لاقت رواجًا في العالم، وحصدت عديد الجوائز من بينها Peabody award وPrimetime Emmy award، وحصلت إلى حد الآن على تقييم بـ 8.7 على موقع IMDb و83% على "Rotten Tomatoes" للتقييم.
يتكون المسلسل من حلقات بين ثلاثين دقيقة إلى ساعة ونصف، منفصلة عن بعضها من حيث الحبكة والمواضيع، وتتمثل ثيمتها العامة المشتركة في طرح خيال العلمي يتضمّن رؤى كابوسية لمستقبل تخرج فيه الآلة عن سيطرة البشر، وفقدان المجتمع لبوصلته الأخلاقية.
نتحدث في هذه القراءة عن إحدى حلقات الموسم الرابع المعنونة
بـ"رجال في مواجهة النار" (Men Against Fire) التي عرضت سنة 2016 وحصلت على تقييم 7.5 على IMDb، حيث يمكن اعتبارها بمثابة نبوءة فريدة في دقتها، لما شاهده العالم طوال سنتين في قطاع غزة، وتمثل إعادة مشاهدتها والتعريف بها ضرورة من أجل محاولة جماعية لفهم ما يدور داخل العقل الاستعماري، والإلمام بطرق حكوماته في غسل أدمغة جيوشها وشعوبها، والتي ما نفكّت تتكرر عبر التاريخ مع اختلاف التسميات وتطوّر التقنيات.
تصفية الضمير
الأعضاء المصطنعة التي يتم إدخالها على الجسد البشري، والأجساد الهجينة تعتبر هاجسًا للمخرج يعقوب فربروغن (Jacob Verbruggen) طوال المواسم الست للمسلسل، حيث تنطلق مغامرة الشخصيات المحوريّة بعد قرارهم خوض تجربة إدخال شريحة في الدماغ لتحسين آدائهم مثلًا، أو يتمّ إخضاعهم لمثل هذه العمليات بواسطة قوة قاهرة كالدولة أو الشركات.
في "رجال في مواجهة النار"، نبدأ رحلتنا بتتبع فرقة من القوات المسلحة وهي تُغير على موقع تتحصّن فيه مجموعة من الكائنات التي تشبه البشر، لكنها مشوّهة الوجه وتصدر صوتا أقرب إلى الوحوش، مقزّزة وغادرة، على عكس الصورة التي نعرف بها كائنات الزومبي، التي تزحف في جماعات كبيرة، لكنها تفعل ذلك ببطء، يعطي مجالًا للشخصيات الرئيسية لاستنباط طرق للهرب والمرواغة. أمّا "الصراصير" فحركتها خاطفة وحاسمة، لذلك فتدخّل الجيش لإبادتها يستلزم قدرًا أكبر من السرعة والدقة والثقة.
بعد واحدة من هذه الغارات، يتعرّض سترايب، المجنّد الجديد، لهجوم من أحد الصراصير بواسطة أداة صغيرة مضيئة، يبدأ بعدها بالاحساس بنوع من الاضطراب في الإدراك وآلام في الرأس، تكون مرفوقة برؤية الأهداف التي يقوم بتصفيتها كبشر عاديين لا يختلفون في شيء عنه، لا كمسوخ يقشعر لهم جسده لا يقوى على مقاومة تصويب السلاح نحوهم. هذا الطارئ على سير العمليّات يمثل قادحًا رئيسيًا بالنسبة للبطل كما للمشاهدين.
بعد معاناة سترايب من صدمة وجودية وتمزّق أخلاقي، وهو يرى رفاقه يبيدون ما يرونه مسوخًا وما يراه هو بشرًا عاديين، يعمد سترايب إلى مساعدة وحادة من هذه المخلوقات وابنتها على الهرب من زملائه الذين يطاردونهما من أجل تحييدهما، لينتهي به الأمر مقبوضًا عليه وملقى في سجن انفرادي.
لا يتأخر المخرج في الكشف عن لغز هذا الاختلال بين التجلّي الذي عاشه سترايب وبقية المجنّدين، إذ يزور المسؤول عن التجنيد سترايب في زنزانته ويتحدّث معه دون أقنعة: الشريحة المثبتة داخل أدمغتكم تمكننا من التحكم في احساس المجنّد بالشفقة أو التعاطف، كما تعطّل حاسة الشم حتى لا يشمئز من رائحة الدماء عند القتل، كما تجعل وجوه الحشرات مشوّهة ومتشابهة.
يقر إذن أن الذين يستهدفهم الجيش من بني البشر، لكن ذلك لا يجعلهم كاملي الانسانية، بسبب فيروس أو مرض يسري في دمائهم، ويتكاثر بتكاثرهم. حتّى أن المحاصيل أو الأغذية التي يغيرون على بعضها بدافع الجوع، يتمّ التخلّص مما بقي منها خشية انتقال عدواهم للبشر الأسوياء: "مع كل واحد منهم تتردد في قتله، يعلم الله كم من البشر حكمت عليهم بالعناء والبؤس في المستقبل".
الصراصير.. البرابرة.. البستنة
ليس اعتماد كلمة الصراصير اعتباطيًا في المسلسل، فهو يحيل على الأرجح إلى سياق الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا في التسعينيات من القرن الماضي، أين كان متطرفو جماعة الهوتو يستخدمونه لوصف التوتسي، وقد لاقى المصطلح رواجًا ساهم فيه السياسيون ووسائل الإعلام، مثل إذاعة RTLM، من أجل نزع انسانية الطرف الآخر تمهيدًا لإبادته، كما يذكّرنا المصطلح بتصريح مقدم أمريكي في حرب الخليج: "كان الأمر أشبه بفتح مصابيح المطبخ في ساعة متأخرة من الليل. فتبدأ الصراصير بالهروب في كل اتجاه. أخرجناهم من أماكنهم أخيرا إلى أماكن نستطيع فيها أن نقتلهم".
كما يستلهم مخرج بلاك ميرور من الابادة في راوندا، فبالمثل هو يتنبأ بما سيحصل في غزة، ابتداء من 2023، حيث رأينا كيف أن عقودًا من سياسات الفصل العنصري والتهميش الاقتصادي وتصوير الآخر ككائن دوني في الإعلام والجامعات والمناهج التعليمية، قد أنتج قدرة رهيبة على القتل بدم بارد في صفوف الجيش، وحاضنة شعبية واسعة، تتعثر لكن دون أن تتأثر، في علاقة بإبادة هذا الآخر ودحره.
في مقاله "صورة الفلسطينيين في الكتب المدرسية الاسرائيلية"، يضرب نوريت بيليد إلهانان أمثلة كثيرة من المناهج الدراسية الاسرائيلية التي تصوّر الفلسطينيين ككائنات دونية ترفض الانضواء تحت القانون، مثيرة للمتاعب وتقع في درجة أقل من العرق اليهودي.
كما تصوّر المناهج نفسها حاملي الجنسية الاسرائيلية من "الأقليات الأخرى" كاليمنيين والدروز والأثيوبيين، حيث يقدمون في كتب الأطفال بين 10 و13 سنة بألوان مغايرة، وداخل أشكال هندسية منفصلة، تنبّه الطفل إلى ضرورة التمييز الواضح بين العرق اليهودي النقي وبين هؤلاء الذي تسعى الدولة إلى إدماجهم.
يخلص إلهانان إلى كون السياسات التعليمية الاسرائيلية "تنتهج سياسة تحويل الآخر الفلسطيني إلى مشكلات مجرّدة يقع تمثّلها ذهنيًا من خلال صورة نمطية عنصرية، وسيبرر فيها حبسهم ضمن نطاق ضيق أو القضاء عليهم تحت ذريعة الحاجة الماسة إلى تنمية مجتمع نقي أو يتكون على الأقل من الأغلبية اليهودية". وهنا يستعير مفهوم البستنة الذي صاغه عالم الاجتماع زيغموند باومان حيث يكتب: "تحدد كل رؤية تؤمن بالمجتمع البستاني أجزاء معينة من البيئة الطبيعية المحيطة بالأمة على أنها أعشاب بشرية ضارّة، وككل الأعشاب الضارة يتعيّن إبعادها جانبًا، ومنعها من الانتشار والتحرك والاحتفاظ بها خارج حدود المجتمع، وإذا لم تنجح كل هذه الطرق في إزاحتها فينبغي قتلها".
من تقنيات تصفية الآخر أيضًا تكييف المجال والجغرافيا لخدمة الأيديولوجيا السائدة، فالخرائط المدرسية الإسرائيلية تشير دائمًا إلى "الساكنة العربية لإسرائيل" دون ذكر أسماء أي من المدن العربية مثل عكا والناصرة، كإحالة ضمنية للأطفال الذين يقرئون المنهج أن هؤلاء العرب يعيشون هناك على الرغم منا ويمثلون ثقلًا علينا، وتقدّم الضفة الغربية في نفس الخرائط المدرسية بوصفها فضاء أبيض تحته نص توضيحي يصفها بـ"منطقة لا وجود لأي بيانات حولها".
هذه السياسيات وصفها المفكر الكاميروني اشيل مبيمبي، في كتابه "Necropolitics"، بـ"الربط الحميم للهويّة بالطوبوغرافيا"، بينما توسّع في توثيقها وتحليلها الكتاب الشهير "أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي" لإيال وايزمان، حيث يلاحظ بشكل ثاقب أنّ "السرديات الكولونيالية تنحو إلى التركيز على الكيفية التي تترجم بها أنظمة الحكم والسيطرة على أرض الواقع في تنظيم المكان الجغرافي طبقًا للمبادئ الأولية للإدارة الحاكمة، والمتعلقة بالتنظيم العقلاني، التبويب، النهج، والقواعد. ولا يمكن فهم تنظيم الحيّز الجغرافي في المناطق الفلسطينية المحتلّة، وفقًا لما يعرضه التصوّر المذكور آنفًا، على أنه حكر على السلطة التنفيذية الاسرائيلية وحدها، إنما موزّع بالأحرى بين جملة فاعلين مستقلّين لا صلة لهم بالدولة غالبا".
عسكرة الحميمية والإنجاب
لعل أكثر الكليشيهات والأفكار الجاهزة الشائعة في المجتمعات الغربية، حول المسلمين والعرب هي فكرة الحور العين، أو تفجير حزام ناسف للضفر بـ72 عذراء. لكن الواقع يقول إن فكرة المكافأة الجنسية أو العاطفية كانت دائمًا حاضرة في تاريخ الإنسان، بوصفها أحد أهم الدّوافع التي تحفّز المحارب أو المغامر أو الجندي، للمضي قدمًا في التضحية بالنفس من أجل قضيّة اتفقت الجماعة التي ينتمي إليها المضحّي بنفسه أنها سامية، إذ إن الأفكار المجرّدة عن الوطن وحقوق الشعوب، لا تكفي وحدها وتحتاج إلى محفّز بشري ملموس، حتّى وإن كان مؤجلًا، وهو ما برع في تصويره مسلسل "بلاك ميرور".
في المسلسل، بمجرّد دخول سترايب بوحدة التدريب حتى يبدأ في رؤية أحلام تظهر فيها حبيبته وهي تدعوه إلى داخل البيت فيتبعها. مع تقدّم الأيام، وإصابته لأهداف أكثر خلال التدريب، يتقدّم الحلم كل ليلة ليصبح أكثر واقعية، ويقترب سترايب من المرأة في الحلم، فيقبّلها ويرافقها إلى السرير، ويتبادل مع زملائه في اليوم الموالي النكت حول ما عاشوه في المنام، لينشأ فيما بينهم جوّ من التحدّي والتوق للخروج في أول مهمّة رسمية، وقتل أكثر عدد من "الصراصير" والظفر بالتجربة الجنسية المثالية لاحقًا.
تتطور أحلام سترايب تدريجيًا كلّما شارك أكثر في مهمّات إبادة الصراصير، فيبدأ بلمس حبيبته وممارسة الجنس معها بطريقة أكثر وضوحًا ومتعة من الجنس في الواقع، غير أن العطب الذي أصاب البرنامج المزروع في دماغه ضلّ يتدخل في كلّ مرة للتشويش على أحلامه في ذروتها.
تحيلنا هذه الثيمة في المسلسل على ما يحصل اليوم في سياق الحرب على غزة، حيث باتت إدارة الجانب الحميمي للجنود الاسرائيليين عنصرًا هامًّا في فهم العسكرة الشاملة التي يقوم عليها المجتمع، إذ يتزايد الطلب اليوم على الحيوانات المنوية للجنود القتلى في غزة، بعد الاستثمار الكبير في تكنولوجيا الإنجاب بعد الوفاة، التي دشنتها إسرائيل سنة 2002 بالإعلان عن الحاجة إلى متطوّعات لحمل جنين الجندي كيفان كوهن الذي قُتل في غزة، ليصل عدد المتطوّعات في ضرف ساعة واحدة إلى أكثر من 200 متطوّعة.
يفسر عز الدين أعرج، الباحث في الإنثروبولوجيا، هذه المسألة بأن "تفضيل النساء الإسرائيليات وبعض الأزواج للحيوانات المنوية من رجال عسكريين ليس مفاجئًا في مجتمع تتم فيه عسكرة كل شيء، بما في ذلك الإنجاب والرجولة والأمومة. مع ذلك، فإن ما هو صادم أن هذه التفضيلات تظهر في أكثر صورها وضوحًا في لحظات العنف المتطرف ضد الفلسطينيين.
وكمثال على ذلك يضرب في مقاله بعنوان الجندي المنوي: كيف يحكي الإنجاب القصة الكاملة لعسكرة المجتمع الإسرائيلي؟ المثال من خلال الحرب الإسرائيلية على غزة سنة 2014 التي أدت إلى مقتل أكثر من ألفي فلسطيني، الغالبية العظمى منهم من المدنيين، حيث "شهدت بنوك الحيوانات المنوية في إسرائيل ارتفاعًا في الطلب على نطف من متبرعين لهم خلفية عسكرية أو يعملون في وحدات مقاتلة. ومنذ ذلك الحين، بدأت بنوك الحيوانات المنوية في "إسرائيل" تضع الخلفية العسكرية للمتبرعين في ملفاتهم، بل قام بعضها برفض المتبرعين الذين ليس لديهم صلة بالجيش أو لم يخدموا فيه". هكذا فإن الحرب على غزة غيّرت بحسب الباحث معنى أن تكون رجلا في المجتمع الإسرائيلي.
توصّل أعرج، المشتغل على السياسات الديمغرافية الاسرائيلية، إلى أن اسرائيل هي الدولة الأكثر استخدامًا وترويجًا لعمليات الانجاب بالمساعدة "Assisted reproduction"، حيث يُسمح لكل امرأة بإجراء هذه العمليات المكلفة (بين 5000 و1000 دولار) إلى غاية ثلاثة أطفال على نفقة الدولة.
هذه السياسات نابعة من الهوس المزمن للمشروع الصهيوني منذ ظهوره بإدارة السكّان، بحيث يستطيع المشروع التوسع ومن ثم استيعاب أراضي جديدة بمن عليها من سكّان من أثنيات مختلفة، لكن مع المحافظة على ديمومة الأغلبية اليهودية للسّكان.
من هذا المنطلق، يمثّل الانجاب مسألة جوهرية في سياسات الدولة، نتجت عنه مستويات عنف وضغط كبيرين على المرأة غير المنجبة في المجتمع الإسرائيلي، هي من بين الأعلى في العالم، وهو ما تندد به النسوية الإسرائيلية كون "العقد الاجتماعي بين المرأة والدولة لم يعد المواطنة، وإنما كونها أمًّا أو أمًّا محتملة".
في المقابل فإن مساعي كبح النمو السكاني للسكان العرب لم تتوقف في أي فترة منذ تأسيس الدولة، من خلال سياسات التنظيم العائلي وإتاحة وسائل منع الحمل والتضييق الاقتصادي على عرب الداخل، ومن خلال التصفية العشوائية لأكبر عدد من الناس مع كل جولة عنف تُشن ضد الفلسطينيين في غزة أو الضفة الغربية، وهو ما يعبّر عنه تصريح الجنرال السابق عميرام ليفين أمام إحدى الكاميرات مخاطبًا جنوده: "إن الكمّ أهم من الكيف.. توقّفوا عن البحث عمّن يستحق الموت ومن لا يستحق. كل هؤلاء ولدوا كي يختفوا على أيّ حال".
تعيدنا هذه التصريحات الكابوسية، التي يجد المرء صعوبة في التفريق إن كانت قيلت في سياق مسلسل خيالي أم من صلب الحقيقة، إلى أجواء الكتاب شديد اللهجة لمنير العكش "أمريكا والابادات الجنسية"، حيث قام بتتبّع أسبقية الولايات المتّحدة على النازيين في تطوير برامج لتعقيم وقطع دابر ملايين البشر من الفقراء والمحرومين، خلال العقد الأول من القرن العشرين، من أجل "تخليص الإنسانية من عبئهم"، قبل أن تتوارى هذه المساعي عن الأنظار بفضل الصحافة والمجتمع المدني، وصعود هتلر في ألمانيا.
لكنها لم تتأخر في العودة خلال الحرب الباردة مع سعي أكبر لتصديرها خارج البلاد، عبر مشاريع تتكفل بها مؤسسات ذات نفوذ، أهمها وكالة التنمية الدولية USAID، وتنصّ حسب وثيقة أعدّها هنري كيسنجر في العام 1974، بتوجيه من الرئيس جيرالد فورد، على خطة لتعقيم وقطع نسل ملايين النساء من 13 دولة، من بينها مصر، خلال مهلة لا تزيد عن 25 سنة.
يسلط العكش في كتابه الضوء على ممارسات التضليل وتحريف التاريخ وتوضيف العلم لخدمة أجندات الرقي العرقي ودعاة الداروينية الاجتماعية، الذي مارسته أمريكا وقامت بتوريثه لدولة إسرائيل، إذ يضرب مثالًا عن قبيلة "بن إسماعيل" في ولاية إنديانا الأمريكية، التي اهتمّ بها مستشرقون أمريكيون وصوّروها كمثال للانحطاط والبربرية وعدم القابلية للتطوّر، ثم تهافت عليها المصلحون والمبشّرون وعلماء الأحياء والاجتماع، وتم رسم صورة نمطية لهم برّرت مزيدًا من الإقصاء تجاههم، من خلال الإصرار على قرابة قبيلة بني اسماعيل من العرب والمسلمين (يجادل العكش أن Ben هي اختصار لبنجامين وليست "بني") مع الإصرار على توضيف أسطورة هاجر الجارية (أم إسماعيل) وأولادها المنذورين للعبودية، حيث يورد ثولة الحاخام شوفييتز حاييم: "تخبرنا التوراة المقدسة أن إسماعيل كان وحشًا بشريًا. وحين تنص التوراة على ذلك فإن إسماعيل سيبقى وحشًا بشريًا إلى الأبد".
تمتلك كل حركات الاستعمار الاستيطاني تقنياتها الخاصة لصنع أسطورة الآخر البربري الذي يجب إبادته كمًّا وكيفًا، من دون أي وخز جماعي أو فردي للضمير، وحتى المراجعات الفردية التي تنطوي على شجاعة كبيرة، تدفع السلطة الاستعمارية والمجتمع كي تكون ضعيفة وخالية من أي تأثير أو قدرة على التغيير، ولا تتعدّى في كثير من الأحيان مجال المزايدة السياسية الداخلية، من ذلك تصريحات السياسيين الذين صاروا على هامش التأثير الحقيقي، مثل تصريحات رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت المنددة بمساعي تهجير الفلسطينيين، أو اعترافات عميرام ليفين صاحب تصريح "كل هؤلاء ولدوا لكي يختفوا"، بأن ما يجري منذ 2023 هو إبادة جماعية مكتملة الأركان.
وبالعودة إلى بلاك ميرور، فإن المجنّد سترايب بعد أن صار يعرف بالتفصيل ما يفعله هو ورفاقه من قتل ممنهج لا يختلف عن إبادة بشر مثله، يترك له الخيار بين أن يحافظ على شريحته معطبة، ليتعذب في سجنه وجهًا لوجه مع ضميره، أو أن يتمّ إصلاح العطب، ليعود إلى مهامه، ناسيًا كل ما قد رآه وسمعه.
وهنا لا يعرض لنا المخرج لحظة تصريح ستراب بقراره، وإنما ينقلنا مباشرة إلى اللقطة الختامية حيث يظهر فيها بزيه العسكري في مواجهة البيت الذي تنتظره فيه حبيبته، بوجه راض ملؤه الحماس للعودة إلى حضنها، ما يخبرنا ضمنيًّا أن تقنيات شرعنة قتل الآخر التي تطبقها السلطة أقوى بكثير من نشاز الضمير الفردي.











