في الفيلم التركي "Cici" (إنتاج نتفليكس 2022)، لا تنبع المأساة من حدثٍ صادم فحسب، بل من كيفية الصمت عنه، وتراكم نتائجه في ذاكرة من عاشوه دون أن يفهموه بالشكل اللازم.
ترحل عائلة عن قريتها في سبعينيات القرن الماضي بعد وفاة الأب المستبد، تاركة خلفها بيتًا مليئًا بالعنف والقهر والحرمان. وبعد ثلاثين عامًا من الصمت والترحال، تعود هذه العائلة إلى بيتها الأول لتكتشف أن ما فُقد لم يُدفن، بل ظلّ حيًا، يتكاثر في التفاصيل اليومية.
المخرج بيركون أويّا لا يقدّم حكاية واضحة عن الفقد، بل ينسج تراجيديا عائلية مشوّشة، يختلط فيها الذنب بالحنين إلى الماضي، وتتقاطع فيها مشاعر الحب مع لحظات الوعي المؤلمة.
ظلّ الأب الذي مات حاضرًا كسلطة معطوبة في ذاكرة الجميع. في حين أن الأم التي صمتت طويلًا كانت تخفي سرًا سيقلب نظرتنا إلى الماضي رأسًا على عقب. أما الأبناء فكلٌّ منهم يحمل جرحًا قديمًا. يتعثّرون بالحب، ويتعلّمون متأخرين أن السكوت لا يمحو الجريمة، بل يعيد تمثيلها بصيغ جديدة.
الكاميرا شريك في الجريمة
اختار بيركون أويّا أن يُروى فيلمه بفجوات لا بسرد متّصل. معيدًا تمثيل الذاكرة نفسها، إذ تُستعاد منقوصة ومترددة في العادة.
ما من بداية حقيقية تفتتح الفيلم، وما من نهاية تُغلقه. كل ما هنالك دوّامات من اللحظات المتكرّرة التي تلاحق المعنى دون أن تمسك به. ولعل هذا الاختيار الجمالي هو ما يمنح الفيلم طابعًا تأمليًا، لكنه أيضًا يجعل من تجربته مشاهدةً صعبة وعسيرة، تُشبه إلى حد بعيد محاولاتنا في تذكّر حلمٍ تبخّر مع الصحو.
الكاميرا، في هذه البنية البطيئة، تُصوِّر وتُحاكم في آنٍ واحد. وذلك من خلال الابن الأوسط، قادر، الذي يحاول أن يصنع فيلمًا عن ماضي العائلة ليُحرِّر نفسه من صمته، لكنه سرعان ما يكتشف أن ما صوّره لا يحمل الحقيقة التي يظنها. فالحقيقة تكمن في الهامش، في ما صوّرته الحفيدة ناز صدفةً من وراء الكواليس. فالكاميرا الثانية، الصغيرة والعفوية، تلتقط الاعتراف الذي يُفجّر كل شيء، وتحوّل المُخرج إلى مُدان.
تنقلب المعادلة ولا تعود الكاميرا شاهدًا، بل شريكًا في الجريمة، لكونها تقوم بفتح الملفات القديمة بدلًا من أن تُغلقها. وما اعتقده قادر فعل خلاّص فنيًا يتحوّل إلى محكمة بصرية تحاسبه هو نفسه. في لحظة واحدة، يُدرك أن الفيلم الذي كان يريد إخراجه عن ماضيه هو في الحقيقة الفيلم الذي يصنعه ماضيه عنه. إنه الشخص المنفعل لا الفاعل.
يتجاوز أويّا البُعد الجمالي إلى بعدٍ أخلاقي. الحقيقة لا تأتي من اللقطة التي خطّط لها المُخرج، بل من الصورة التي لم يكن ينوي التقاطها أحد. ومن هنا يمكن فهم بطء الفيلم وتكراره لا كضعفٍ دراميٍّ فحسب، بل كجزءٍ من فلسفةٍ بصريةٍ تُصرّ على أن الذاكرة لا تتقدّم، بل تدور حول نفسها، في دائرة مستمرة من اللوم والتواطؤ.
جناية الأم
في معظم سرديات العائلية، غالبًا ما يكون الأب هو مركز العنف، وهو ما يُبرمج وعي الأبناء وتمردهم. لكن "Cici" يخلخل هذا المنحى الثابت. من ارتكب الجريمة المركزية هو الأم. والمفاجئ أن هافا (فوندا إريجيت ونور سورير)، تلك المرأة الصامتة والحنونة والمنكسرة، لم تكن ضحية كما نتصور. إنها قاتلة، وإنْ بصمت. لم تطعن زوجها، لم تطلق عليه النار، بل دسّت له الدواء، وأطفأت المدفأة، وفتحت النافذة، وتركته يموت بردًا. فعل هشّ، أقرب إلى اللاعنف منه إلى الجريمة.
نفهم من القصة أن الأب بكر يُفترَض أن يكون قاسيًا، جبارًا، جلادًا رمزيًا. لكن ما نراه على الشاشة يختلف تمامًا عن هذه الصورة المكتوبة. هنا، تظهر مفارقة عميقة بين النص والصورة، بين ما يُراد قوله وما يُرى فعليًا، ولعل ذلك يعود إلى أداء يلماز أردوغان، الشاعري والحنون في نبرته، حيث يربك موقع الشخصية كرمز للعنف الأبوي.
كما أن هافا، الأم القاتلة، لا تُقدَّم باعتبارها شريرة، بل كجسد محطم، مثقل بأحلام بحلم قديم هو أن تكون ممرضة، أن تحيا حياة غير مفروضة. لا يُدينها الفيلم، بل يتواطأ معها عبر اللغة البصرية المتقشفة، الهادئة، التي تجعل الجريمة تبدو وكأنها قدرٌ لا بد منه.
حيوات ستظل ناقصة
وسط عالم مملوء بالشعور بالذنب والصمت، يلمع خيط عاطفي هشّ هو لحظة حب، ربما لم تكتمل لكنها لم تمت. إنها قصة صالحة، الابنة الكبرى، التي تقف كعمود يحمل العاطفة منذ البداية. أحبت الفتاة أباها رغم قسوته، وأحبت جميل، الصبي الريفي الحالم، ورأت في القرية حياةً لا يمكن استبدالها بالمدينة، مهما كانت "أفضل". رفضها للرحيل لم يكن جهلاً، بل كان وعيًا عاطفيًا فطريًا؛ هنا الحب، هنا الجذور، هنا ما تبقّى من حياة لم يفسدها الغياب.
أما جميل فيُجسّد القرية بشخصيته الهامشية التي تتكرر كأنها نغمة. حين يغني أغنية إبراهيم تاتليس ثلاث مرات، لا يكرّر الأغنية بل يُعيد تأويلها. ففي الطفولة كانت صوت الأب، وفي الشباب صدى الحب، وفي الشيخوخة نداء لا يسمعه أحد وكأنه صرخة يأس.
ثم تأتي ناز، ابنة صالحة، ككائن عاطفي نقيّ، لم تُلوَّث بعد بمستنقع العائلة. تنفعل دون خوف من التعبير عن مكنوناتها. تُعبّر كأنها تحتجّ على أجيال من الكتمان. كأنها تقول: لن أصمت بعد الآن، فأنا لست أمي، ولا جدتي. أنا من تعرف الحقيقة، وتريد أن تعيش رغمها.
صالحة وجميل وناز هم خريطة الفيلم العاطفية. صحيح أنهم لا ينقذون شيئًا لكنهم يجعلوننا ندرك أن هناك ما يستحق الحياة.
تفكيك الذكورة
يُقارب الفيلم الذكورة كقوة تتفتّت من الداخل. الأب بكر رجل مأزوم وليس وحشًا. لم تكن زوجته تلبي رغباته فكان يغلق الباب عليها. لم يعرف كيف يحب أطفاله فكان يؤدّبهم بالماء البارد. أما سقوطه فلم يحدث بموته، بل بانعكاسه داخل أبنائه. فقادر يحاول أن يروي القصة عبر فيلم عن الطفولة، عن الصدمة، عن البيت. يظن أنه المخرج، أنه المتحكم بالسرد، لكنه ينهار أمام اعتراف الأم، الذي صوّرته حفيدتها ناز بالصدفة. حين يرى تلك اللقطة، لا يفقد الثقة والسيطرة، بل يفقد الرؤية ويجلس باكيًا عاجزًا، كأنّ الكاميرا كانت مرآة كشفته هو أكثر من كشفها لماضيه.
أما يوسف، الأخ الأصغر، فهو متوتر ومغرور وعصبي، ومكسور من الداخل. يحمل عنف والده دون صدى له، ويكرّر توتر الأم من دون أن يعي ذلك. لا يُجيد الحب ولا يحتمل العاطفة. يصرخ أكثر مما يتكلّم، ويقفز أكثر مما يفكر. ذكورته قناع زائف يسقط كلما حاول أن يثبت نفسه.
لا يُدين الفيلم هذه الشخصيات، بل ينظر إليها بتعاطف نقدي. هكذا تُصنع الذكورة في بيئة لا تسمح للرجال أن يشعروا، ولا للنساء أن يخترن، ولا للأطفال أن يسألوا.
عائلة بكر ليسوا ضحايا أمهم فقط، بل هم ضحايا النظام الأبوي برمّته، حيث تتحوّل السلطة إلى وراثة غير مرئية للعجز والعنف والإنكار. وكما قال بيير بورديو بأن الرجولة تُنتج بالتكرار لا بالقرار، فإن الفيلم يُري كيف تُبنى الذكورة بوصفها قيدًا ثقافيًا لا كخيار فردي، وكيف يُعيد كل جيل إنتاج الصمت الذي كبته الجيل السابق.
لغة إخراجية متقشفة
في "Cici"، لا يبحث بيركون أويّا عن الإبهار البصري، بل عن بلاغة الصمت والتأمل. لا تحتشد المشاهد الكبيرة، لا تتراكم الانفجارات السردية، بل هناك كاميرا تلتقط ما يحدث بعد أن حدوثه، وإضاءة طبيعية تُشبه ضوء الغرف التي نكبر فيها دون أن ننتبه.
تقول لنا الصور إن كل شخص في هذا الفيلم مُحاصر بحيّز لا يعرف كيف يغادره. الكوادر واسعة، الحركة نادرة، حتى الزمن يبدو مجروحًا وبطيئًا. هذه ليست صدفة، بل جزء من تصميم إخراجي يُحاكي الذكرى والندم.
اختيارات أويّا تُحيلنا إلى تقاليد سينمائية معروفة في تركيا، نوري بيلج جيلان نموذجًا، لكنها هنا أقل طموحًا شكليًا، وأكثر التحامًا بالعاطفة اليومية. لا يريد بيركون أويّا أن يُقنعنا بجمال اللقطة بمقدار ما يريد لنا أن نكون غير مرتاحين داخل كل مشهد، لندرك سرّه.
الصمت في الفيلم هو المعنى. لأنه يريد أن يحاكي اللغة الداخلية الصامتة للمشاعر، تلك التي تتكوّن حين يشتدّ الإحساس وتخوننا الكلمات. إنه صمتٌ يشتعل من الداخل، لا حين تقع المآسي فحسب، بل حين تتشابك الأسباب والمقدمات، ويبدأ الوعي المتأخر بتفكيك ما جرى. وكما قال الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين: "ما لا يمكن الحديث عنه، يجب أن نصمت عنه"، صمت الصورة هنا هو الشكل الأسمى للكلام لأنه اعترافٌ مؤجل يجعل من كل مشهد محاولةً لفهم ما لم يُقَل من قبل، ولهذا ظل غامضًا.
الحقيقة المستحيلة
"Cici" ليس مجرد فيلم عن عائلة، بل عن ذلك الترسّب العميق للسكوت في قلب الحياة الاجتماعية. إنه ليس عن جريمة حدثت، بل عن كتمانٍ السر لثلاثين عامًا، واكتمال لخرابٍ تراكم خلف الكلمات، في الجُمل المقطوعة، في الأغاني التي لا تُغنّى حتى نهايتها.
كل شيء في الفيلم يدور حول سؤال أخلاقي واحد: ماذا يحدث حين نقرّر أن نعيش من دون الحقيقة؟ وماذا سيحدث حين نُعيد ترتيب ذكرياتنا بما يخدم نجاتنا اللحظية، وليس فهمنا العميق لأنفسنا؟
إن جريمة "Cici" ليست فقط قتل الزوجة للزوج، بل خيانة الكلمة، خيانة الحُلم الفردي حين يُستبدل بقناع العائلة المتماسكة.
لا تظهر السياسة في الخطاب، بل في البنية، حين ترينا كيف تُدار العائلة كمنظومة قمعية، وكيف يُفهم الحُب كوظيفة، كيف يُهمّش الحلم باسم الواجب، وكيف يُصنع الصمت كأداة للنجاة.
بهذا المعنى، نحن أمام فيلم سياسي بامتياز، لأنه يُفكّك أكبر مؤسسة سياسية عرفها البشر: العائلة.
أما الأخلاق فليست في سؤال "هل كانت الأم مخطئة؟"، بل في سؤال أكثر تعقيدًا: هل كان ممكنًا لامرأة مثلها أن تحلم دون أن تُدمَّر؟ هل كانت هناك طريقة أخرى للنجاة؟ وهل نطلب من الضحايا أن يكونوا أنقياء حين يقرّرون الدفاع عن أنفسهم؟
في النهاية، لا يقدّم "Cici"خلاصًا، ولا عدالة. بل يقدّم شيئًا أثمن هو رؤية ما تبقّى من الحقيقة بعد أن فقدناها، ويمنحنا مرآة نضطر للوقوف أمامها، حتى لو لم نكن قادرين على أن نحب ما نراه. وهذه من أقسى مهام الفن، أن يذكرنا بأن ما حاولنا نسيانه لم يمت.