"لطالما كانت طنجة أرضًا للاجئين، بموقعها في الشمال على بُعد أميال قليلة من إسبانيا، وضعها كمدينة دولية ثم محمية إسبانية، ما جعلها بوتقة لانصهار اللغات والثقافات. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، أثناء حكم فرانكو، هرب كثير من الإسبان واستقروا في تلك المدينة؛ غادر بعضهم، فيما ظلّ الآخرون متشبثين بأرض يشعرون بالانتماء إليها".
هكذا اختارت المخرجة المغربية مريم التوزاني أن تبدأ أحدث أفلامها "شارع مالقا" (Calle Málaga) 2025، الحائز على جائزة الجمهور في الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا السينمائي بإيطاليا، عبر مقدمة تحمل قدرًا لا بأس به من الثوابت التاريخية، والتي قد يراها البعض مُقحمة أو بعيدة عن المضمون العام ونسيج الحكاية، لكن الحقيقة أن تلك الكلمات تبدو كمدخل أو تمهيد لا بدّ من العبور عليه قبل الولوج إلى عالم الفيلم.
فأحداث الفيلم تدور حول السيدة الإسبانية الأصل ماريا إنغليس (الممثلة الإسبانية المخضرمة كارمن ماورا)، التي تقطن في إحدى الوحدات السكنية القديمة في شارع مالقا بطنجة. تعود ابنتها من العاصمة الإسبانية مدريد، لا لزيارتها بعد سنوات من الغياب، بل لبحث أمر بيع هذا المسكن، نظرًا لحاجتها المُلحّة إلى النقود، على إثر ضائقة مالية تمرّ بها.
ومن ثم، بالنظر إلى السردية القائمة عليها بنية النسيج الدرامي، يمكن حينها بمنتهى السهولة واليسر إدراك مغزى تلك المقدمة السابق ذكرها. صحيح أننا أمام حكاية معتادة عن جحود الأبناء، لكن ثمة رؤية أخرى مطمورة خلف الأسوار، ويُجرى غزل خيوطها بدأب وعلى مهل؛ إذ تعمل الماكينة السردية على طرح فكرة الصراع حول الأصول والجذور، وما يحمله هذا النزاع من تأويلات أخرى حول الحق في الوجود، كما يبدو الفيلم مهمومًا بالتعامل الحساس مع معضلة الزمن ودورانه، وما تحمله السنوات من مفاجآت، مثلما تضمن التقدم المؤكد في العمر.
ولا شك أن تلك التوليفة المُبتكرة من الأفكار تستدعي تناولًا رائقًا لا يخلو من الحساسية، فلكل لوحة سردية رتوشها المُميّزة، المُغايرة لمثيلاتها الأخرى.
تلويحة سينمائية
ثلاثة أفلام روائية طويلة، وفيلمان روائيان قصيران، تمثّل حصيلة المُنتَج الإبداعي للمخرجة مريم التوزاني، والتي بدأتها بفيلم "آدم" (2019)، ثم أعقبته بعد ثلاث سنوات، في عام 2022، بفيلم "القفطان الأزرق"، ومؤخرًا، بعد ثلاث سنوات أخرى، بهذا الفيلم، الذي تستكمل فيه التعبير الحميمي الذكي عن عوالم المرأة المغربية والعربية. لكن المُميّز في فيلمنا هذا ليس الاستواء والنضج الإبداعي اللذين وصلت إليهما فحسب، بل تلك التحية الشخصية الواجبة التي تلوّح بها مخرجتنا نحو جدتها؛ فأحداث الفيلم مستوحاة من الجدة الإسبانية التي عاشت في طنجة. وهنا يمكن القول إن التعبير الشخصي يندمج تلقائيًا مع الرؤية العامة في إناء واحد، مُشكّلين سويًا هذا المزيج الجذاب.
في أحد الحوارات الصحفية، تُفصح المخرجة أن مراحل إعداد الفيلم قد بدأت عقب رحيل والدتها، في إعادة بحث عن العلاقة المتداخلة بين الذاكرة والبيت والعائلة، هذا غير رغبتها الذاتية في معاودة طرق شوارع طنجة، حيث وُلدت وعاشت قطاعًا كبيرًا من حياتها. وبذلك يصبح الفيلم تعبيرًا عن همٍ ما يؤرق صاحبته، التي اشتركت مع زوجها المخرج نبيل عيوش في كتابة سيناريو الفيلم، وهو ما فتح الباب بدوره لمساهمتها في كتابة فيلميه السابقين "علي صوتك" (2021) و"الكل يحب تودا" (2024)، في تعاون فني نادر يكشف عن عمق أواصر علاقتهما الخاصة.
فقد نسج السرد أحداثه استنادًا إلى المبدأ التقليدي المتعارف عليه، أي الاعتماد على الفصول الدرامية الثلاثة، مع الالتزام قدر الإمكان بوحدة المكان؛ فالأحداث لا تكاد تعبر خارج حدود طنجة، أو شارع مالقا، إلا فيما ندر. وعليه يبدأ الفيلم انطلاقته الأولى عبر شريط الصوت، حيث تُسمع أصوات جلبة الباعة الجائلين في الحارات، ثم تنفتح الشاشة تدريجيًا على مشهد تُطالعنا فيه السيدة ماريا، بينما تبتاع مستلزمات المطبخ وإعداد الطعام. وهكذا تتوالى بضعة لقطات متسارعة الإيقاع، تكشف عن متانة العلاقة بين البطلة والمكان وساكنيه.
وبعد أن تقتني ما رغبت، تعود إلى منزلها وتبدأ في إعداد الطعام بحب وباستمتاع واضح، على نغمات الموسيقى الإسبانية الشهيرة ماريا دولوريس براديرا، مع تركيز جلي من الكاميرا بزوايا مقربة على كيفية تنفيذ أطباق الطعام، بما يكشف ضمنيًا عن مدى ما تكنّه هذه المرأة من تشبث بأهداب الحياة. وبهذا الأسلوب الشاعري يواصل المشهد تدفّقه العذب، حتى تصل ابنتها كارلا (الممثلة الإسبانية مارتا إيتورا) من المطار، قادمة من مدريد. وعندها ستتبدل ركائز هذا العالم الهادئ إلى أخر ينخر السوس أركانه.
عالمان متضادان
بعد أن قدّم السيناريو تلك الدقائق التمهيدية السابق ذكرها، يُدخلنا مباشرة في صُلب موضوعه، حيث تُفصح الابنة العائدة بعد غياب عن السبب الحقيقي لعودتها؛ فالحالة المادية بلغت الحد الأقصى من الجدب، وعليه بدأت بالفعل في الإجراءات المُيسّرة لبيع الوحدة السكنية التي تعيش فيها أمها. ومنذ تلك الأثناء، سيأخذ المسار السردي اتجاهًا مُغايرًا عمّا بدر منه سابقًا. ومن ثم يحتدم الصراع بين الأم من ناحية وابنتها من الناحية الأخرى، وهنا يطفو تلقائيًا سؤال خبيث: تُرى من فيهما المُدثّر بالأنانية؟
ومن أجل الوصول إلى إجابة راسخة اليقين عن هذا التساؤل، لا بد من النظر بموضوعية وحياد تام نحو الهيكل العام للفيلم، حيث يبدو أنه ينقسم إلى شقّين، أو بالأحرى عالمين متضادين، يقف كل منهما في مقابل نقيضه، ولكل منهما مفرداته المختلفة عن الآخر. فالكيان الأول يمكن حصره بين جدران عالم الأم، بكل ما يحتويه ويتضمنه من فائض وفير من المشاعر والأحاسيس؛ عالم ثري إنسانيًا، غني بتفاصيله المشبعة بحب الحياة. بينما العالم الآخر، والمتعلق بالابنة، يفتقد إلى تلك الروحانية التي تُظلّل سياق عالم الأم، إذ يهيمن الجفاف على أركانه.
لكل من الأم والابنة أهدافهما المشروعة؛ فالأم ترغب في قضاء ما تبقّى من حياتها في ظلال وارفـة من الهدوء، حيث ألفت تلك الحياة ولا تدرك سواها. في حين أن الابنة تلجأ إلى خيار البيع والتخلّي عن التاريخ والذكريات في مقابل صعود قوة المادة، فالاحتياج سيد الموقف. وبالتالي أصبح كل منهما في جبهة منفصلة ومغايرة عن الآخر، فلا أحد يرغب في تقديم قربان تضحية قد يؤدي لاحقًا إلى هلاكه، أو على أقل تقدير إلى قلقلة أوضاعه. فالجميع سواسية في هذا الوضع الحرج، وحينها يصبح إصدار الأحكام على أحدهما رفاهية غير متاحة.
قط وفأر
تحت ضغط الابنة المتكرّر، توافق الأم على بيع المنزل مقابل السماح ببقائها في طنجة داخل أحد دور كبار السن المخصّصة للإسبان. تبدأ السيدة في بيع أثاث منزلها الأنيق، المُعبّأ باللوحات والأنيكات (القطع الفنية القيّمة)، وقبل أن تعود الابنة إلى مدريد، تودّع أمها في تلك الدار المخصّصة لمن هم مثلها. وهنا تُصاب ماريا ببوادر الاكتئاب؛ فالحياة تحت طائلة المراقبة الدائمة من الممرضات وغيرهن من العاملات أقرب إلى السجن والحصار. وعندها تتبدّل الإضاءة إلى اللون الأبيض الزاهي الباعث على التوتر، بخلاف إضاءة منزلها الصفراء الدافئة، في تعبير وإشارة لافتة عن التباين الواضح والصريح بين الحياة الجديدة ونقيضها السابق.
إلا أنه بعد قضاء عدة أيام في هذا السجن، تلجأ السيدة إلى الحيلة وتعود إلى منزلها مرة أخرى، وتبدأ شيئًا فشيئًا في إعادة شراء مقتنيات المنزل من تاجر الأثاث الذي سبق أن اشترى تلك الحاجيات، وكل هذا يدور دون أن تُدرك الابنة شيئًا، وكأن الأم لا تزال قيد الإقامة الجبرية في تلك الدار المخصّصة لكبار السن. فالحرب خديعة، وهذا ما تفعله الأم بحرص وتكتّم شديدين، وهكذا ستصبح حياتها الجديدة ظاهرها الاعتيادية وباطنها الاحتيال.
قد يُرى في فعل المرأة نزقٌ طفولي أو محاولة عبثية للبقاء حيثما ترغب، لكن الحقيقة أن ما يحكم تلك السلسلة الممتدة من التصرفات ليس سوى فعل مقاومة وتمرد ضد سلطات الابنة، وتشبّث حقيقي وأصيل بالحياة؛ لتبدو أشبه بالسمك، إذا نُزع خارج الماء يفقد حياته على الفور. ومن ثم يُدخلنا السرد في مغامرة تلك المرأة، ومحاولات عودتها مجددًا من الموات إلى الحياة.
وعندها يمكن الوصول إلى مفتاح فهم الفيلم، والذي يمكن القول إنه يكمن بين طيّات التمسك بالأصول والجذور. ومن ثم فإن الصراع الدرامي هنا لا يقوم على فكرة النزاع بين الأم والابنة على شيء قد يبدو ذا قيمة بالنسبة لكليهما، بل إنه في حقيقة الأمر يحتوي على ما هو أعمق من ذلك بكثير؛ فالصراع هنا يدور حول الحق في الوجود. إذ إن كلًا من الأم وابنتها تسعى إلى الاستحواذ على هذه الأحقية؛ إحداهما في حاجة ماسّة وعاجلة إلى المال، في حين أن الأخرى في حاجة إلى استكمال مسار حياتها الذي لا تعرف غيره.
جدران الذكريات
تُخبرنا المصادر التاريخية أن الجنود المرتزقة السويسريين، خلال القرن السابع عشر، أُصيبت أجسادهم ببعض الاضطرابات أثناء خدمتهم لدى الجيوش الفرنسية والإيطالية. لكن الملمح الأغرب في تلك المعضلة الطبية أن هذه الأعراض لم تطفُ على السطح سوى عند تذكّر هؤلاء المرضى لمحة عابرة من حيواتهم السابقة، وعندها التقى الاستدلال العلمي مع الحدس النفسي، وأدرك الطبيب المرافق أن هذا المرض ما هو إلا نوستالجيا، أو حنينًا إلى زمن ولّى وعبر.
وبالعودة إلى حكاية فيلمنا، فإن تشبّث السيدة ماريا بالمنزل ليس بوصفه مكانًا ملائمًا للإقامة فحسب، بل لأنه يحمل في داخله تأويلات وتفسيرات أكثر اتساعًا؛ إذ يبدو التمسك بالحدود المتعارف عليها للمكان تعبيرًا عن التعلّق بما تبقّى من ماضٍ وذكرى، كما يحمل دلالات رمزية عن الارتباط بالجذور والأصول، التي بالمصادفة لا تُدرك ولا تعرف سواها. في حين تُبدي الابنة رغبة مضادّة في التخلّي عن تلك الذكريات، وعندئذ يعقد السرد خيط مقارنة رفيعة ومحسوسة بين زمنين متضادّي المفاهيم والمرادفات؛ أحدهما يعني بالقيمة، في حين يهتم الآخر بما هو أبخس وأقل شأنًا.
ولأن الحياة تُكافئ الصابرين بما يستحقّون، فإن بطلتنا العجوز تقع في حب تاجر الأنتيك السيد عبد السلام (الممثل المغربي أحمد بولان)، وهكذا يخلق البناء الدرامي من تلك العلاقة العاطفية عنصر توكيد إضافي على اختلاف وتباين زمنها وعالمها عمّا يحيط بها، بالإضافة إلى ما تُضفيه مشاهدهما من رقّة وعذوبة مضاعفة على القماشة السردية للفيلم.
تُرى هل يؤطّر الفيلم مضمونه للحديث عن أزمة سيدة عجوز تُعاني من عقوق ابنتها؟ أم أن ما بين سطوره يُومئ بشيء آخر؟
الحقيقة أن الفيلم يقدّم، في جانبٍ منه، تلك السردية عن الأم وابنتها، وهذا صحيح بدرجة أو بأخرى، لكن ثَمّة قول آخر مطمور بين جدران الحكاية؛ فالذكريات ليست رمادًا يمكن إشعال النيران في شذراتها أو إلقائها في أقرب بحيرة وإهالة الأمواج عليها، بل هي كائن حيّ، ترتوي بالاستعادة والتذكّر، وتذبل بالإهمال والنسيان؛ وكم من ذكرياتٍ تلاشت أرواحها وغادرتنا؟











