يعتمد فيلم "ريش" (2021) للمخرج المصري عمر الزهيري على مبدأ اللوحة – السرد، إذ يكتفي، في الأغلب، بسرد مشاهد بصرية متعددة الدلالات، طارحًا عبر أسلوب فانتازي مبتكر صيغةً تُوائم ما بين حكاية بسيطة المحتوى في الظاهر ومعالجة فنية ثرية، الأولوية فيها للكشف الحسي المباشر الذي يعتمد على قوة الحدس وسخاء المخيلة.
يتقاطع هذا اللون من التأليف السينمائي مع فن الأيقونة بما هي حكاية تتوالى عبر الصور. هنا لا حاجة لمزيد من الشرح والتفسير ولا لكثير من الكلمات والحوارات الطويلة. كل صورة جزء من الكل، غير أن كل لوحة هي في الوقت نفسه جزءٌ مستقل ومتكامل، يمكن تناوله وفهم إشاراته وتعابيره الفنية على نحو منفصل.
يعد فيلم "ريش"، الحاصل على جائزة النقاد في مهرجان كان السينمائي (2021)، علامة فارقة في مسار السينما المصرية المعاصرة من حيث الشكل والمضمون. فقد استطاع الفيلم أن يفتح أفقًا جديدًا للتجريب الفني عبر الاستعانة بالفانتازيا الرمزية كأداة سردية لرصد التحولات الاجتماعية والوجودية داخل بنية أسرة فقيرة في بيئة مصرية مهمشة ومعزولة. وبينما اعتمدت السينما المصرية تاريخيًا على الواقعية الاجتماعية المباشرة في تصوير الفقر والعلاقات الأسرية، إلا في أفلام الراحل رأفت الميهي مثلًا، وفيلم "عرق البلح" لرضوان الكاشف، جاء فيلم "ريش" ليقلب هذه المعادلة من خلال استحضار عناصر العبث والتحول العجائبي، ليصوغ بذلك سردًا فنيًا مغايرًا يزاوج بين الواقعية البصرية المتقشفة والفانتازية الرمزية المحلقة في تجربة نادرة للسينما العربية.
الإطار العام
يصنف فيلم "ريش" ضمن نوعية الدراما الاجتماعية ذات الطابع الفانتازي والرمزي. وقد كتب السيناريو عمر الزهيري مع مشاركة من الكاتب أحمد عامر. يبدأ الفيلم في فضاء مغلق معتم داخل حي صناعي فقير، حيث تعيش أسرة بسيطة تتكون من أب متسلط تقليدي الشخصية، وأم مطيعة صامتة غالبًا، وثلاثة أطفال أحدهم ما زال رضيعًا. نرى مشاهد مألوفة للأم وهي تنظف البيت أو تعد الطعام في المطبخ، باقية على صمتها ونظراتها العميقة الغائرة. ومثل هكذا مشاهد قصيرة كافية، من دون كلمات، كي تبيّن لنا الحال الذي تعيشه الأم تحت وطئها وعبئها كل يوم.
في أحد الأيام يقرر الأب إقامة حفلة عيد ميلاد لابنه الأكبر، ومن أجل إسعاده ومفاجأته يستعين بساحر شعبي لإحياء الحفل داخل المنزل. في إحدى فقرات العرض التي يقدمها الساحر، يستدعي الأب ويدخله في صندوق سحري فيتحول فجأة إلى دجاجة بيضاء! لكن الساحر لا يستطيع في الفقرة التالية إعادة الأب إلى حالته البشرية الطبيعية. من هذه اللحظة العبثية العجيبة، وهي لحظة أساسية ومفصلية في مسار الفيلم كله، ينقلب النظام الأسري والدلالي للأسرة رأسًا على عقب، لتبدأ رحلة الأم الوحيدة في محاولة البقاء والحفاظ على الأسرة بمواجهة الواقع الجديد الناشيء.
من مجادلتها المقتضبة مع سائق تاكسي يعمل كذلك في التهريب، ومحاولاتها الحصول على معاش الزوج الغائب، وبحثها عن عمل تعيل به أطفالها، تدخل الأم دميانة نصار إلى عالم خارجي أقسى وطأة بكثير من عالمها الداخلي المنزلي حيث عاشت سنوات رتيبة من دون أي تغيير أو تحول. لم تكن الأم أساسًا لتبحث عن تغيير نمط حياة اعتادت عليه، لكن التحول الغرائبي للأب – الزوج قذفها مجبرة إلى خارج عالم الأسرة الضيق.
مبدأ اللوحة
في التحليل السينمائي يشير مبدأ اللوحة إلى الطريقة التي تُعامل بها اللقطة أو المشهد كلوحة تشكيلية من حيث التكوين البصري، توزيع الألوان والإضاءة، توظيف الفراغ والكتلة داخل الكادر، وأخيرًا استخدام السكون كأداة درامية أساسية. ففي فيلم "ريش" يتعامل المخرج عمر الزهيري مع الكادر السينمائي كما لو كان لوحة فنية ساكنة أكثر من كونه مشهدًا متحركًا طيلة الوقت. تأتي حيوية الفيلم من الداخل لا الخارج، من التوقف وتثبيت التأمل على ملامح الوجوه والثياب والديكور. كل لقطة مصنوعة بعناية شديدة في توزيع الشخصيات المحاطة بإضاءة رمادية، واضحة هادئة، رغم بيئة السكن الصناعية القاتمة والملوثة التي تعيش فيها أسرة فقيرة.
ويلاحظ على مدار الفيلم أن الكاميرا ثابتة في أغلب الأحيان، ما يخلق إحساسًا قويًا بالتجمد والشلل، وهو ما يعكس في حالة من حالاته واقع المرأة. الزوجة بطلة الفيلم التي تجد نفسها عالقة في واقع عبثي! وإذا ما تتبعنا الفوضى اليومية للشخصيات في الفيلم نجد أنها تُقدم ضمن إيقاع بصري منضبط، فتبدو كل لقطة وكأنها لوحة واقعية تصور البؤس المعاش بلغة رمزية خصبة.
طريقة السرد
لا يتقيد فيلم "ريش" بالقواعد المتعارفة عليها والتقليدية للحكي السينمائي، فالسرد في الفيلم بطيء متدرج، سحري – واقعي معًا! وقد اختار المخرج عمر الزهيري اعتماد السرد البصري المشهدي أكثر من السرد الحواري الكلامي، فالكلمة النقلية والخبرية شبه غائبة والأولوية هي للغة – الصورة والصورة – اللوحة. ومن الملاحظ أن سيناريو وقصة الفيلم يعتمدان على تكرار اليوميات، إذ لا أحداث كبرى تخترق عالم الأسرة الرتيب، إلا حادثة واحدة تغير مسار القصة على نحو جذري، وهو ما يمكن تسميته بـ"التحول الخارق للواقع" في عيد ميلاد الابن حيث يتحول الأب إلى دجاجة. على أن هذا التحول السحري والعجائبي لا يقدم كحدث خيالي، إنما كأمر عادي ومألوف داخل عالم الفيلم، وهو ما يجعل العبث جزءًا من الواقع – الحقيقة لا عنصرًا دخيلًا. والعنصر الأخير أو الميزة الأخيرة لسرد الفيلم أن الزمن يبدو فيه معلقًا، مكررًا، ما يعمق الشعور بالاغتراب والانتظار اللامجدي. بذلك نخلص إلى القول إن الفيلم يقوم على تتابع لوحات صامتة تشكل مجتمعة صورة عن القهر الاجتماعي والفقر والعبث البشري أكثر مما يقدم حكاية تقليدية وفق خطة سردية معدة مسبقًا.
تعتمد البنية السردية للفيلم على التصاعد التدريجي للأحداث دون ذروة درامية تقليدية. فالسرد يسير بوتيرة بطيئة أقرب إلى الإيقاع التأملي الذي يعكس سكون الحياة داخل طبقات مهمشة. الأم التي كانت في البداية خاضعة وصامتة تجد نفسها مجبرة على تحمل أعباء الحياة اليومية والعمل لإعالة الأسرة في غياب الأب المتحول. ورغم أن الحدث المركزي للفيلم – تحول الأب إلى دجاجة – يبدو خياليًا وغير واقعي، إلا أنه يشكل نقطة الانطلاق لفهم التحول الداخلي للشخصيات وبناء رمزية الفيلم حول مفاهيم السلطة والعبث والهوية.
الأداء التمثيلي وبنية الشخصيات
من أبرز سمات الفيلم اعتماده على ممثلين غير محترفين، وهو خيار جمالي واع يهدف إلى تحقيق صدق بصري ونفسي يتماهى مع البيئة الاجتماعية المحيطة بالعمل. قدمت الممثلة دميانة نصار أداءً مميزًا ونادرًا نجحت فيه من تقديم صورة تعبيرية تعكس شخصيتها الحقيقية في دور الأم الكتومة. وكان أداؤها لافتًا في عمقه وبساطته، إذ تكفي إشارات من عينيها أو حركة يديها لنقل انفعالات ومشاعر مضطربة مضمرة. بوجه يكاد يخلو من انفعالات حادة أو مباشرة، وصمت يوازي اللغة في قوتها الدلالية. هذا الصمت أسلوب وليس عجزًا، بل شكل نفسي من أشكال الرفض والمجابهة في عالم متسلط لا يمنحها صوتًا. تتحول شخصية دميانة من كائن هامشي هامد يعتمد على الرجل إلى امرأة تكتشف ذاتها من خلال الفقد والخوف، ومن خلال الحيرة والحاجة.
أما الأب/ الرجل فيجسد نمط السلطة الذكورية والسلوك السلبي الجامد، وعند تحوله المفاجئ إلى دجاجة، تصبح هذه السلطة الهشة مادة للسخرية والهزء، حيث يتحول من النموذج المتحكّم إلى كائن ضعيف ومريض، ومن المعيل ورب الأسرة إلى من يحتاج الرعاية والعطف. هكذا عبر انقلاب دراماتيكي حاسم يعاد ترتيب منظومة القوى داخل الأسرة، مما يفتح المجال أمام تحول رمزي في الوعي الاجتماعي للمرأة داخل السياق الفقير والمهمش.
اللغة البصرية والأسلوب الإخراجي
أول ما يلاحظ على اللغة البصرية في "ريش" تقشفها التعبيري وصرامتها الشكلية. لا ألوان استعراضية ولا بهرجة ولا تزيين، لا مزيد من الحركة غير المبررة فنيًا. هكذا نرى الكاميرا ثابتة في معظم اللقطات، تتحرك ببطء وهدوء. قد يكون مردّ هذا إلى الطابع الحلمي للفيلم، الحلم بما هو أساسًا تفكير بصري، تأمل مكثف، قوة حدسية، قصة أساسها تضافر اللون والشكل في وحدة تعبيرية غزيرة.
في المقابل، تميل الألوان إلى الدرجات الرمادية الباهتة، المطفأة، والإضاءة خفيفة عمومًا، ما يخلق إحساسًا بالقرب الحميمي، باللحظات المنقسمة بين النور والظلام، بالبداية والتردد والنهاية. لكن الألوان تبدو كما لو أنها جلد الشخصيات، كما لو أنها تنبع منها ولا تغطيها، والثياب والأجساد شيء واحد، تظهر وتعبر من دون عائق. ثمة ما يخلق إحساسًا بالقرب الخانق بالهمس الصعب، ما يعكس عزلة الشخصيات وعدم رغبتها بذكر المزيد عن أحوالها طالما أن كل ما بها وحولها كافٍ للتعبير عنها.
تغيب الموسيقى التصويرية المرافقة تقريبًا، فلا يسمع المنصت سوى ضجيج المصانع وصرير الأبواب وصوت الرياح، وهي أصوات خام شديدة الواقعية تكرس الطابع القاتم وتمنح المشهد بعدًا توثيقيًا متقصدًا. إن استخدام الزهيري للتكوينات البصرية الحادة وزوايا التصوير البعيدة يذكر بأساليب الإيطاليين أنطونيوني وفيلليني، لكنه يدمج هذه التكوينات مع عناصر محلية وواقعية وسحرية، حيث يخترق الحدث العادي بواقعة خيالية، لكنه يقدم من دون خداع بطريقة واعية، بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها.
الإيقاع السينمائي والزمن الداخلي
يُلاحظ أن الإيقاع البطيء للفيلم ليس ضعفًا سرديًا، بل اختيارًا دلاليًا. فالزمن في "ريش" هو زمن التكرار والجمود، ما يعكس حالة الفقر والعزلة الاجتماعية التي لا تعرف التغيير. اللقطات الطويلة والمشاهد الصامتة تعيد للمشاهد وعيه بالزمن الواقعي، وتجعله يشارك الشخصيات معاناتها اليومية. بهذا المعنى، يصبح الزمن في الفيلم أداة للتأمل والتفكير، لا مجرد وسيلة لتمرير الحدث. الزمن والتفكير بالزمن هما الصورة ذاتها، لا بديل عنها. كما يعتمد الزهيري على الفراغ المكاني لإبراز عزلة الشخصيات؛ فالبيوت الخالية والمصانع الصامتة تمثل فضاءات خانقة تلتهم الإنسان وتحوّله إلى كائن بلا هوية، حيث الخواء يمتص الهواء من المشهد. إن العلاقة بين الفضاء والزمن في الفيلم تؤسس لنمط من الواقعية التأملية التي تُستخدم فيها الكاميرا كعين شاهدة لا كأداة حكم أو تقييم.
حظي فيلم "ريش" باهتمام نقدي واسع وجدل كبير داخل مصر وخارجها. فعلى الصعيد الدولي نال الفيلم الجائزة الكبرى لأسبوع النقاد في مهرجان كان السينمائي 2021، وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد "FIPRESCI"، ليصبح أول فيلم مصري يحصد هذا التقدير العالمي. أما في الداخل المصري، فقد انقسمت الآراء بين من اعتبره عملًا فنيًا متفردًا يطرح رؤية جديدة، ومن رأى فيه إساءة لصورة البلاد بسبب تصويره للفقر المدقع. هذا الجدل يعكس صراعًا بين مفهومين للفن السينمائي: الأول يرى أن السينما يجب أن تعكس الواقع الإيجابي وتعزز صورة الدولة، والثاني يؤمن بأن دور السينما هو طرح الأسئلة وكشف المسكوت عنه. ويبدو أن الزهيري اختار بوضوح الموقف الثاني، متبنيًا رؤية جمالية تقوم على الصدق الفني لا التجميل الدعائي. ومن هنا يمكن اعتبار "ريش" لحظة مفصلية في تاريخ السينما المصرية، إذ أعاد طرح سؤال العلاقة بين الفن والواقع، بين الحرية الإبداعية والرقابة الاجتماعية.











